المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نحو وعى سياسى أعمق .. مقالات فهمى هويدى



الصفحات : 1 2 3 4 [5] 6 7

mohamed5175
14-03-2012, 01:35 PM
العرب مشغولون بالوضع المتدهور فى سوريا، ولا أحد يتحدث عن الوضع المتدهور فى غزة. غاضبون ومستاءون من القمع الوحشى الذى تمارسه قوات النظام السورى، وساكتون على الغارات التى تشنها إسرائيل على غزة وعلى الكارثة الإنسانية التى تهدد القطاع. حماسهم شديد للوقف الفورى والعاجل للحرب التى يشنها النظام السورى ضد شعبه بلا هوادة (العبارة وردت على لسان وزير الخارجية السعودى الأمير سعود الفيصل يوم 11/3)، لكننا لم نسمع صوتا لأى مسئول عربى (استثنى بيان الجامعة و لجنة الشئون العربية بمجلس الشعب) يطالب إسرائيل بالوقف الفورى والعاجل للحرب التى تشنها ضد الفلسطينيين فى غزة. وغاية ما بلغنا أن مصر ــ كما نشرت الصحف ــ تبذل جهدا لالتزام الطرفين بالتهدئة: القاتل والقتيل! وليت الأمر وقف عند ذلك الحد، لأن ثمة حماسا عربيا متزايدا ــ مؤيدا بحماس غربى مماثل ــ لتخصيص جلسة مجلس الأمن للمسألة السورية، وهناك دعوة عربية لإرسال قوات عربية ودولية لحماية الشعب السورى من انقضاض النظام عليه. ثم إن المرء لا يستطيع أن يخفى شعوره بالحيرة إزاء المطالبات التى صارت تتحدث عن تسليح المعارضة والجيش الحر فى سوريا، فى حين لا يجرؤ أحد على الحديث عن تسليح المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلى. وكأن النضال ضد استبداد النظام السورى هدف نبيل يتعين السعى لتحقيقه. أما النضال ضد الاحتلال الإسرائيلى بكل بشاعاته، حرام ومنكر يتعين الحذر من الوقوع فيه.

قبل أن أسترسل ألفت الانتباه إلى أمرين، الأول إن العرب الذى أعنيهم هم قادة الانظمة العربية الذين أصبح الملف السورى يستأثر بقدر كبير من اهتمامهم وتحركاتهم طوال الأشهر الأخيرة. الثانى إننى لست ضد التضامن مع الشعب السورى والجهود التى تبذل لتحريره من قبضة النظام القمعى الذى يتحكم فى مقدراته منذ أكثر من أربعين عاما، ولعلى عبرت عن ذلك التضامن فى كتابات سابقة. بالتالى فليس لدىّ أى تحفظ على مبدأ مساندة الشعب السورى وتأييد مطالبه فى الحرية والكرامة. ولكن التحفظ والاستياء من جانبى ينصب على تجاهل الوضع فى غزة والتسامح ولو بالصمت مع العدوان الوحشى الذى تمارسه إسرائيل على أهل القطاع، وهو الأكثر شراسة ووحشية مما يفعله النظام السورى مع مواطنيه. لذلك فالسؤال عندى ليس: لماذا التضامن مع الشعب السورى، وإنما هو على وجه الدقة لماذا فى نفس الوقت يتم تجاهل محنة الشعب الفلسطينى؟.. وتبرز أهمية السؤال إذا أدركنا أن الملف السورى شديد التعقيد، لأن النظام القائم هناك نجح فى إقامة شبكة علاقات استثمر فيها الأوراق الجيوسياسية والعرقية والطائفية، وأعطى انطباعا بأن سقوطه من شأنه أن يعيد تشكيل المنطقة ويقلب موازينها وخرائطها، فى مقابل ذلك فالموضوع الفلسطينى أكثر وضوحا لأننا بصدد احتلال للأرض وليس مطلوبا فى الوقت الراهن سوى إزالة ذلك الاحتلال وتحرير الشعب الفلسطينى من قبضته. ثم إنه إذا جاز لنا أن نقول إن إسقاط النظام السورى سيقلب خرائط المنطقة، فإن إنهاء الاحتلال من شأنه أن يحقق نتيجة عكسية تماما. ذلك أنه سيفتح الأبواب لاستقرار المنطقة وإعادة الهدوء إليها.

إذا حاولنا الإجابة عن السؤال: لماذا التضامن مع طرف وتجاهل الطرف الآخر، فربما عنَّ لنا أن نقول إن القضية الفلسطينية تراجعت أهميتها فى الأولويات العربية لأسباب سبق أن تحدثت عنها. وقد يقول قائل إن الوجع الفلسطينى لم يعد فيه جديد أو مثير، حيث اعتاد الناس عليه. وكما لم يعد الناس يفزعون لمسلسل القتل فى العراق أو أفغانستان الذى صارت وقائعه أحداثا يومية ألفوها حتى لم تعد تحرك شيئا من مشاعرهم، فأولى بذلك الاعتياد أن يحدث مع القضية الفلسطينية. ذلك أن عمر القتل فى العراق وأفغانستان فى حدود عشر سنوات، فى حين أن محنة الشعب الفلسطينى تجاوز عمرها ستين عاما على الأقل. إلا أن هذه الحجة لا تبدو مقنعة، لأننا لا نتحدث عن أحداث تاريخية تآكلت فى الذاكرة، ولكننا فى فلسطين بصدد كارثة مستمرة بصفة يومية وقتل يتجدد يوما بعد يوم. الأمر الذى يعد السكوت فيه مسكونا يشبهه التستر والتواطؤ. واستحى أن أقول إن مصر ــ الشقيقة الكبرى ــ لها من ذلك الاتهام نصيب. وهو ليس مقصورا على مرحلة الرئيس السابق فقط، ولكن تلك الشبهة لاتزال قائمة بعد ثورة 25 يناير التى أسقطت نظام مبارك. والموقف السلبى للسلطات المصرية إزاء تزويد قطاع غزة بالتيار الكهربائى شاهد على ذلك.ثمة إجابة أخرى على السؤال تبدو أكثر قوة وإقناعا وهى أن الحماس للتضامن مع الشعب السورى وفتور ذلك الحماس أو انعدامه إزاء الحاصل فى غزة محكوم بحدود وضغوط السياسة الأمريكية المؤثرة فى القرار العربى. وموقف الإدارة الأمريكية إزاء سوريا معروف وحماسها لإسقاط النظام هناك لا شبهة فيه. أما موقفها المعادى للشعب الفلسطينى فقد تباهى به الرئيس أوباما فى أحدث خطبة له أمام مؤتمر منظمة «إيباك» فى واشنطن.

لقد تمنيت ألا تكون تلك إجابة على السؤال، لأننى أتمنى من كل قلبى أن تكون مجرد سؤال يستدعيه التفكير فى السؤال.

جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 21 ربيع اخر 1433
14 مارس 2012

mohamed5175
15-03-2012, 12:54 PM
لا أجد غرابة فى أن يتزاحم المرشحون لمنصب رئيس الجمهورية فى مصر أمام مقر سحب أوراق الترشيح. ولا أجد غضاضة فى أن يصل عدد أولئك المرشحين المحتملين إلى مائتين أو أكثر. بالتالى فلا أجد مبررا لتحويل هذه التظاهرة إلى مادة للتندر أو السخرية. وأزعم أن العكس هو الصحيح، إذ هى أولى بأن تؤخذ على محمل الجد، وأن تصنف باعتبارها ظاهرة صحية ضمن إيجابيات ثورة 25 يناير. ذلك أنها تعد إعلانا قويا عن أن مصر دخلت عهدا جديدا مختلفا تماما عن سابقه، فلم يعد الرئيس واحدا فقط مقررا على الشعب إلى أجل لا يعلمه إلا الله، وإنما أصبح بمقدور أى واحد من الشعب أن يخوض الغمار ليصبح رئيسا، وبذلك فإننا تجاوزنا العهد الذى نسينا فيه أن الشعب هو الذى يختار الرئيس وكدنا نظن أن الرئيس هو الذى يختار الشعب وانتقلنا إلى طور جديد أصبح الشعب يفاضل فيه بين طابور من الرؤساء المرشحين، ويقلِّب فى كل واحد لكى يتميز الأصلح والأفضل. وبعدما كان الرئيس هو الشخص الأكيد والزعيم الأوحد، بينما أفراد الشعب جميعا يعدون مواطنين محتملين، انقلبت الآية وصار المرشحون هم الرؤساء المحتملون، وصار المصرى البسيط والعادى مواطنا أكيدا. بل سقطت تلقائيا عبارة السيد الرئيس ملأ الأفق حضور الشعب السيد.

لم تعد رئاسة مصر قدر أشخاص بذواتهم، لا يملك الناس له نقضا ولا ردا. وإنما صارت اختيارا يقرره الناس.. وما كان لذلك أن يحدث لولا أننا تجاوزنا طور الرئيس الإله ــ الصنم ان شئت الدقة ــ ودخلنا فى عصر الرئيس المواطن.

حين يذهب شخص معاق لكى يرشح نفسه رئيسا للجمهورية، أو يفعلها شاب طموح، أو فلاح يرى فى نفسه ممثلا لأغلبية الشعب المصرى، فإن ذلك يستحق الاحترام والاكبار، سواء للبيئة التى شجعت أمثال هؤلاء على الإقدام على تلك الخطوة، أو للأشخاص الذين واتتهم الجرأة لكى يتقدموا الصفوف ملتمسين ثقة الشعب وتأييده، ومدركين أن الذين حكموا البلاد أناس وهم بدورهم أناس ليسوا أقل منهم.

أدرى أن حكم بلد بحجم وعمق مصر ليس أمرا هينا. وان إدارة البلد وسط الأنواء والتحديات التى تحيط بها تتطلب رجالا من أولى العزم. لهم حكمة النبى سليمان وقوة موسى وصبر أيوب. لكن ذلك خطاب النخب ومدار حواراتهم، إلا أن ما يهمنا فى المشهد الراهن هو الروح الجديدة التى سرت فى المجتمع المصرى بعد الثورة، والتى افرزت إنسانا جديدا مملوءا بالحيوية والأمل، تماما كطائر الفينيق الاسطورى الذى ينتفض حيا من وسط الرماد.

صحيح أن الصورة ليست وردية تماما. فثمة أخطاء جسيمة وقعت بل وفضائح حصلت خلال العام الأول للثورة لكن ذلك لا ينفى أن ما قلته بدوره صحيح. إذ من الانصاف أن ترى الصورة بوجهيها الإيجابى والسلبى واعترف بأن الذى تغير فى أعماق الناس شجاعة وجرأة وإقداما أكثر وأفضل مما تغير فى واقعهم. بمعنى أن التغير فى الإنسان أفضل مما تغير فى المجتمع. فى هذا الصدد أدهشنى ما قرأته هذا الأسبوع فى إحدى الصحف العربية اللندنية من أن الثورة لم تحدث فى مصر، ولم أجد تفسيرا حسن النية لهذا الاجحاف سوى أن ذلك حكم من لم ير أو لا يريد أن يرى المتغيرات التى حدثت فى مواقف وسلوك الإنسان المصرى، ومنها ذلك التحول الكبير من مخاصمة السياسة والعزوف عنها إلى الانخراط فيها والاستغراق فى تفاصيلها. تشهد بذلك الحشود التى شاركت فى الانتخابات والطوابير الطويلة التى وقفت أمام مقر توزيع استمارات الترشح للرئاسة، وسيل التعليقات على كل ما يجرى فى البلد المنهمرة على موقع تويتر وفيس بوك وشبكة التواصل الاجتماعى. وهى قرائن تدل على أن ثمة حرصا جماهيريا قويا على اشباع الحس السياسى يعوض المجاعة السياسية التى عانى منها الشعب فى الماضى.

لقد سبق أن ذكرت أنه فى أعقاب الحرب العالمية الثانية التى دمرت فيها اليابان جراء القاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما ونجازاكى، تشكل هناك 400 حزب سياسى، وكان ذلك تعبيرا عن اندفاع الناس نحو المشاركة فى إعادة بناء الدولة (فى اليابان الآن 12 حزبا على رأسها حزبان كبيران). وحين تسابق الناشطون فى مصر بعد الثورة على تشكيل الأحزاب والائتلافات، ثم حدث ذلك الإقبال على الترشح لرئاسة الجمهورية، فإن ذلك كان سعيا تلقائيا صامتا ــ أو صاخبا ــ لإثبات الحضور بعد طول حجب وتغييب. ولست أشك فى أن المشهد سيكون أكثر نضوجا ورشدا مع استمرار التجربة، خصوصا إذا اتسع نطاق المشاركة الشعبية بإجراء انتخابات البلديات والنقابات العمالية والمهنية، الأمر الذى يتيح الفرصة لبروز الشخصيات العامة التى تشغل المناصب القيادية.

أفهم أن يقال إن الثورة لم تكتمل أو أن روحها أتت بمن لا يشتهى البعض أو يحبون، ولكن حين يقال ان الثورة لم تحدث أصلا فى مصر، فذلك لا يختلف كثيرا عن انكار وجود الشمس أو القمر، الأمر الذى لا يرد عليه بالحجة والبرهان، وإنما بإحالة القائل إلى طبيب مختص لعلاجه بما يستحق ــ طوبى لبلد يقتنع فيه كل مواطن بأنه يمكن أن يصبح رئيسا للجمهورية


جريدة الشروق المصرية
الخميس 22 ربيع اخر 1433
15 مارس 2012

mohamed5175
17-03-2012, 03:16 PM
أغلب الظن أن كثيرين لا يعرفون راندا سامى. وأستحى أن أقول إننى واحد من هؤلاء. ولولا فقرة وقعت عليها مصادفة على موقع «فيس بوك» لما توصلت إلى الاسم، ولما عرفت شيئا عن قصتها الباهرة وبطولتها النادرة ومأساتها العظيمة. لا أعرف من الذى لَّخص قصتها فى الأسطر العشرة التى ظهرت على الإنترنت، لكننى أزعم أنه لولاها لظلت قصة راندا سامى طى الكتمان. ولبقيت صفحة مجهولة فى سجل نضال المصريين تفخر بها نساء مصر خاصة وتتناقلها حكايات الأجيال بفخر واعتزاز. لذلك فإن راوى القصة يستحق منا شكرا، بقدر ما أن بطلة القصة تستحق منا اعتذارا مقترنا بإجلال وتقدير أرجو أن يوفيها بعض حقها.



ليست لدينا معلومات كثيرة عن الشخصية. وإنما غاية ما نعرفه أن راندا سامى تعمل ممرضة، وأنها انضمت إلى ثوار 25 يناير. فى الميدان كانت تتنقل طول الوقت بينهم. تضمد جراح مصاب وتخيط جروحا لآخرين وتقيس الضغط لمن هو بحاجة إليه. وحين تفرغ من كل ذلك كانت تسهم فى توزيع الطعام على المتظاهرين والمعتصمين، حتى وصفها البعض بأنها «دينامو» الميدان، لأنها ظلت طول الوقت تتحرك دون توقف أو ملل.



ما جرى يوم 2 فبراير الذى حدثت فيه موقعة الجمل كان بداية التحول فى حياتها. كانت تقوم بعملها المعتاد، إذ انحنت فوق رأس أحد المصابين تحاول أن تخيط له جرحا فى رأسه. وبينما هى كذلك فوجئت بأحد رجال الأمن وقد انقض عليها محاولا جذب الجريح وإلقاء القبض عليه. إلا أنها منعته واشتبكت معه. وحين عجزت عن مقاومته ارتمت بجسدها فوق الشاب الجريح فى محاولة منها لحمايته وإنقاذه من أيدى رجل الأمن. فاستشاط غضبا وظل يضربها على ظهرها بعصاه الغليظة، إلى أن تدخل آخرون فأبعدوا الجندى وخلّصوا راندا والشاب الجريح من ضرباته.



احتملت الضرب بالعصا الغليظة على ظهرها، وقاومت ما شعرت به من وجع واستمرت فى تحركها بالميدان، حيث ظلت تتنقل من مصاب إلى آخر ومن تجمع إلى آخر، إلا أن الوجع بدأ يؤلمها ويغالب طاقتها على الاحتمال لكنها لم تكترث به، وواصلت عملها حتى يوم التنحى، أى أنها ظلت تعمل وتقاوم الألم لمدة عشرة أيام متواصلة، وحينما فاق الألم قدرتها على الاحتمال لجأت إلى أحد الأطباء لفحصها.



بعد الفحص تبين أنها تعانى من تجمع دموى على الحبل الشوكى، وقيل لها إنها بحاجة إلى عملية جراحية، لكن نتيجة العملية كانت صدمة لها. إذ أصيبت بشلل أعجزها عن الحركة، وتم تحويلها إلى المركز التأهيلى للقوات المسلحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى منها.





لقد قامت الفتاة بعملية بطولية واستشهادية، حقيقية وليست مجازية. إذ ألقت بنفسها فوق الجريح الذى لا تعرفه وتلقت الضربات بالعصا الغليظة على ظهرها. ثم ظلت تواصل عملها النبيل بمداواة الجرحى وتوزيع الطعام على المرابطين فى الميدان، وانتهت جثة فاقدة القدرة على الحركة. وملتمسة العلاج فى مركز التأهيل المهنى.



فى حدود علمى فإن 12 شخصا أصيبوا بالشلل جراء أحداث الثورة. ولا أعرف كيف نعبر عن تقديرنا لهؤلاء الأبطال ولا كيف نرد الجميل لهم فيما تبقى لهم من عمر وهم على تلك الشاكلة، خصوصا أن الذى قدموه فوق أى تقدير، وما فقدوه لا يمكن أن يعوّض ــ لكننى أستهول ولا أريد أن أصدق أنهم يعانون من الإهمال وسوء المعاملة فى مركز التأهيل. وينتابنى شعور شديد بالمرارة والخزى حين أقرر أننى سمعت هذه الشكوى من آخرين، الأمر الذى يجعلنى مستعدا لتصديقها متمنيا أن يسارع أى طرف إلى تكذيبها أو على الأقل إلى تدارك الوضع بحيث توجه الرعاية الواجبة لأمثال أولئك الأبطال، الذين كانت كل جريمتهم أنهم كانوا بين الأعمدة التى حملت الثورة وأسقطت فرعون من على عرشه.



لقد تصورت أن يكون السؤال الذى يتعين طرحه هو كيف تقدم إلى راندا وأمثالها أفضل رعاية استثنائية، ولم يخطر على بالى أن يكون المطلب الملح الآن هو أن تقدم إليهم الرعاية الإنسانية الواجبة التى ينبغى أن يلقاها أى مريض عادى.



لا تقف المفارقات عند ذلك الحد، لأن شعور المرء بالدهشة والحزن لا يكاد يوصف حين يقارن بين حظوظ الأبطال الذين ضحوا بحياتهم لأجل الثورة، وحظوظ غيرهم من الذين استثمروا حناجرهم فقط فى الهتاف للثورة. وكيف دفن الأولون فى التراب أو فى الظلام فى حين استأثر الآخرون بالأضواء والوجاهات وأصبحوا يقدمون فى مختلف المحافل بأنهم «مفجرو الثورة» وصناع الربيع العربى.



إن مصير راندا وأمثالها فى أعناقنا جميعا. ومن حقهم علينا ألا نقتلهم مرتين: مرة بالإصابة الجسيمة التى حلّت بهم، ومرة بالإهمال الجسيم الذى يعانون منه.



جريدة الشروق المصرية

السبت 24 ربيع اخر 1433

17 مارس 2012

mohamed5175
18-03-2012, 11:56 AM
هذا فصل جديد فى كتاب «العبث»، أكثر الإصدارات رواجا بعد ثورة 25 يناير. إذ انضافت مشكلة الناديين الأهلى والمصرى إلى قائمة هموم المرحلة. حتى أصبحنا نطالع كل يوم تطورات «القضية» على الصفحات الأولى من الصحف. كأنما أريد لمصر أن تخرج من مرحلة التطرف الدينى لتدخل الآن معركة التطرف الكروى. إذ لا فرق بين «ألتراس» المتعصبين لهذا النادى أو ذاك، وبين «ألتراس» الذين جندتهم المنظمات والجماعات الدينية فمن تعلق بناديه وحوّل الولاء له إلى هدف وليس وسيلة لا يختلف كثيرا عمن تعصب لجماعته واعتبرها «الفرقةالناجية» ــ ومن أقسم يمين الولاء والتحيز لناديه ليس بعيدا كثيرا عمن أقسم عين الولاء والطاعة لجماعته. كلاهما ألقى عقله وإرادته وسلمهما إلى «الأمير» فى النادى أو الجماعة، واستبدلهما بلغة الجسد أو السلاح.

(فى صحف أمس السبت 17/3) أن جماهير بورسعيد هاجت وخرجت إلى الشوارع غاضبة بعد صلاة الجمعة لأن النائب العام أصدر أمرا بإحالة 73 من المتهمين فى المقتلة التى أعقبت مباراة ناديى الأهلى والمصرى. وأن بعض المتظاهرين طالبوا باستقلال بورسعيد عن مصر، كما أن بعض المتطرفين رفعوا علم إسرائيل فى تحدٍ أهوج للدولة المصرية «الشقيقة» (وهو ما أدانه واستنكره الداعية السلفى الشيخ محمد حسان فى خطبة الجمعة). بل وذهب بعض المتظاهرين إلى مقر مبنى قناة السويس محاولين اقتحامه واشتبكوا بالقوات المسلحة المكلفة بتأمين المبنى. وفى الوقت الذى نددوا فيه بتحقيقات النيابة العامة واتهموها بالانحياز لصالح النادى الأهلى، ندد نادى ضباط الشرطة بالمدينة بحبس 8 من زملائهم وإحالة 3 للمحاكمة. كما أصدر النادى بيانا أعلن فيه أن مجلس إدارته سيظل فى حالة انعقاد دائم لحين وصول وزير الداخلية للاستماع إلى وجهة نظر الضباط. وفى الوقت ذاته ذهبت مجموعة من ألتراس النادى المصرى إلى مقر محكمة بورسعيد لمنع ترحيل زملائهم المقبوض عليهم من المحافظة، لعدم اطمئنانهم على «سلامتهم» إذا تم نقلهم إلى مكان آخر خارج المدينة. فى المقابل أصدرت رابطة ألتراس النادى الأهلى بيانا رحبت فيه بقرار إحالة المتهمين إلى محكمة الجنايات، واعتبرته خطوة جيدة على طريق استرداد حقوق الشهداء، إلا أنها أضافت أن الألتراس سيواصل «ثورته» حتى آخر نقطة دم لديهم (!) وأنهم على استعداد «للتصعيد» إذا ما لاحظوا أن ثمة تخاذلا أو تقصيرا من جانب الجهات المعنية فى القضية.

هذه ملامح الصورة التى رسمتها الصحف المصرية أمس، والتى أزعم أن أغلبها يدخل فى دائرة اللا معقول، حيث يتعذر على العقل أن يستوعبها فى أى ظروف عادية. وهو ما يستدعى عدة ملاحظات هى:

● أن بعض التفاصيل التى ذكرت تدخل ضمن الانفعالات التى اعترت بعض الأشخاص، ويتعذر أن تحمل على محمل الجد أو تنسب إلى المجموع. لذلك يمكن أن تعامل بحجمها الطبيعى وألا يهول فيها أو تبرر. أعنى تحديدا ما قيل عن استقلال بورسعيد وعن رفع العلم الإسرائيلى على أرض «المدينة الباسلة». وهو العنوان الذى أبرزته صحيفة «الوفد» على صفحتها الأولى، ومددته على ثمانية أعمدة.

● إننى استغربت إيفاد الشيخ محمد حسان لكى يخطب الجمعة فى بورسعيد وأقول «إيفاد» لأن الرجل ما كان له أن يتوجه إلى المدينة المتوترة ويخطب تحت حراسة مشددة فى مسجد بجوار مقر النادى المصرى إلا إذا كان الأمر مرتبا من قبل الشرطة أو المجلس العسكرى. سابقة استعانة بالشيخ حسان فى حالة أخرى بدت فيها نذر الفتنة. وليس لدىَّ تحفظ على الاستعانة بالرجل. بل قد يُشكر على ما يقوم به من جهد فى مثل هذه الملمات، ولكننى أتساءل أين اختفى دور القوى السياسية الأخرى ولماذا لا نرى أثرا لمنظمات المجتمع المدنى. وما تفسير غياب كل تلك الهياكل والإطارات فى أزمة المدينة؟ وهل يمكن القول بأن تلك الأحزاب والمنظمات أصبحت مستغرقة ومشغولة بحساباتها وطموحاتها الخاصة، بأكثر من اهتمامها بما يحدث فى الشارع المصرى؟

● ما أستغربه أيضا أن المشهد غابت عنه فكرة الدولة واحترام القانون، حتى ظن الغاضبون أن بوسعهم أن يقرروا مجرى التحقيق ومصير القضية ومكان المحاكمة. وحتى وجدنا أن رابطة ألتراس الأهلى «هددت» بالتصعيد (!) إذا سارت القضية باتجاه لا يعجبهم فاعتبروه تقصيرا أو تلاعبا. كما أننى لم أفهم سلوك ضباط الشرطة الذين نددوا بحبس بعض زملائهم الذين شملتهم قائمة الاتهام، ذلك أنهم أولى الناس باحترام قرار النيابة واحترام الإجراءات التى يفرضها القانون، وأخشى أن يكون الدافع إلى ذلك اقتناع بعضهم بأنهم فوق الحساب وفوق القانون، علما بأن قرار الاتهام لا يعنى الإدانة بالضرورة، لأن احتمال البراءة يظل واردا، وهو ما يقرره قرار المحكمة.

لقد خرَّبت كرة القدم علاقات مصر والجزائر فى السابق، وها هى تخرب العلاقة بين الناديين المصرى والأهلى، وأخشى أن تخرب العلاقة بين شعب بورسعيد والقاهريين، الأمر الذى يستدعى إعادة النظر ليس فقط فى دورى كرة القدم، ولكن أيضا إعادة النظر فى دور الرياضة والرياضيين، وعلاقة الاثنين بالأخلاق وأخشى إذا استمر ذلك التدهور أن نضغط يوما ما لأن نطالب بإلغاء كرة القدم كليا اتقاء لشرورها ودرءا لمفاسدها.


جريدة الشروق المصرية
الاحد 25 ربيع اخر 1433
18 مارس 2012

mohamed5175
19-03-2012, 11:49 AM
حاول واحد ممن أصيبوا بالشلل فى أثناء ثورة 25 يناير أن ينتحر فى الأسبوع الماضى، ولكنه أُنقذ قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. يئس الشاب من توفير نفقات العلاج ومن الحياة البائسة التى أصبح يعيشها، وأدرك أنه أصبح عبئا على أسرته وأنه بات بغير مستقبل بعدما تبخرت كل أحلامه وأسودت الدنيا فى عينيه. وهو ما أقنعه بأنه إذا ما انتحر فأنه سيضع حدا لعذاباته وعذابات المحيطين به.

لم يكن وحده الذى ألحت عليه فكرة الانتحار، لأن الفكرة تراود أغلب الذين أصيبوا بالشلل وتحولوا إلى جثث هامدة وهم فى عز شبابهم. إلا أن صاحبنا ذاك كان أكثر جرأة من نظرائه. هم يحسدون الذين ماتوا لأنهم نجوا من العذاب والمهانة، بل يحسدون أيضا غيرهم من ضحايا الثورة الذين أصيبوا بعاهات مستديمة باستثناء الذين فقدوا أبصارهم. حيث لايزال بمقدورهم أن يتحركوا دون أن يحملهم أحد ودون أن يتوسلوا إلى غيرهم لكى يقوم بذلك. الشلل جعلهم فى منزلة بين المنزلتين، فلا هم ماتوا ولا صاروا يعدون بين الأحياء.

يوم السبت 17/3 كتبت عن واحدة منهم، راندا سامى الممرضة التى حمت بجسدها جريحا كانت تداويه، وتلقت بدلا منه ضربات الجندى غليظ القلب الذى انهال على ظهرها بهراوته حتى كسر عمودها الفقرى. ومنذ ذلك الحين انتقلت من عالم الأحياء إلى عالم نصف الأموات، وأودعت مركزا للتأهيل أضاف إلى بؤسها بؤسا جديدا. وتركت فى بيتها طفلين فى رعاية الله.

حين نشرت قصة هذه السيدة العظيمة، تلقيت اتصالات عدة من رجال ونساء يريدون أن يقدموا لها يد العون، وخطر لى أن أدعو إلى إنشاء صندوق لرعاية أصحاب الحالات المماثلة، من الرجال والنساء الذين أصيبوا بالشلل الرباعى، لأن وضعهم أسوأ بكثير من أوضاع غيرهم من المصابين. وقيل لى إن حالاتهم أكبر من أن يعالجها صندوق. لأن تكلفة علاجهم وتأهيلهم عالية، وأغلبهم يتطلب سفرا إلى الخارج، حيث إمكانيات التأهيل أفضل بكثير منها فى مصر. ثم إن العلاج يتطلب انتظاما فيه لفترة قد تصل إلى عدة أشهر، الأمر الذى يضاعف من الأعباء المالية عن الجهة الممولة أو الراعية.

أتوقف هنا لكى أسجل ملاحظتين. الأولى أننى إذا كنت قد نشرت قصة راندا سامى. وقبلها قصة عبدالهادى فرج، فإن غيرى قام بأفضل مما فعلت فى صمت النساك وزهد المتصوفة وتفانى الشهداء. أعنى بذلك أولئك النفر من النساء والرجال النبلاء الذين وقفوا إلى جانب المصابين بكل ما يملكون من جهد ومال، منذ سقطت أول نقطة دم فى الشارع المصرى. هؤلاء كانوا ولايزالون ثوارا منذ اليوم الأول. لكنهم اختاروا أن يظلوا جنودا مجهولين طول الوقت. وكانت الثورة بالنسبة إليهم عطاء مستمرا ولذلك تنزهوا عن أن يفعلوا ما فعله غيرهم، ممن أعطوا لبعض الوقت، ثم تفرغوا للأخذ والكسب بقية الوقت.

الملاحظة الثانية أننى لا أخفى شعورا بالخجل لأننى ما تعرفت على مثل تلك الحالات إلا بعد نحو عام من قيام الثورة. لكنى لا أعفى وسائل الإعلام عندنا لأن أغلبها شغل بالإثارة وبملاحقة المهرجين الذين حولوا الثورة إلى دكاكين للبيع والشراء، ومسرح لممارسة النجومية.

اتصلت هاتفيا بالدكتور حسنى صابر رئيس المجلس القومى لرعاية الشهداء والمصابين فقال لى إن المصابين بالشلل الرباعى أثناء أحداث الثورة عددهم الآن 24 شخصا، مصححا ما ذكرته ذات مرة بأنهم 12 شخصا وفهمت أنه لا توجد مزانية خاصة لعلاجهم، وان ثمة حسابا مفتوحا (500500) لأى اسهام فى علاج مصابى الثورة، أضاف أنه تم هذا الأسبوع الانتهاء من صرف تعويضات أغلب أسر الشهداء. (نحو 5000 أسرة) وسيبدأون فى صرف معاشات مصابى الشلل الرباعى بواقع 1720 جنيها شهريا لكل منهم، وسيتخصص لكل واحد منهم سكن بالطابق الأرضى كما ستوزع عليهم كراسى متحركة فى إطار الرعاية المفترضة.

حين نقلت هذه المعلومات إلى أحد ذوى الصلة بالموضوع فكان رده أن تلك وعود تتعلق بالمستقبل تطلق بعد عام من الأحداث. وأضاف أنه تلقى شكاوى من بعض المصابين ذكرت أنهم وعدوا حقا بتسلم الشقق بشرط أن يدفع الواحد منهم سبعة آلاف جنيه مقدما، وهو ما يعجز عنه أغلبهم إن لم يكن كلهم. وحين رجعت فى ذلك إلى الدكتور حسنى صابر كان رده أن مصابى الشلل الرباعى ستوزع عليهم المساكن بلا مقابل إذا كان عجزهم كليا.

لاتزال تلح علىَّ فكرة إقامة صندوق خاص لمصابى الشلل الرباعى، وأتمنى أن ينال الموضوع حقه من الدراسة قبل أى خطوة. وليته يلقى اهتماما من جانب إحدى لجان مجلس الشعب، الذى لم نلمس له جهدا فى هذا المضمار. وحبذا لو زارتهم لجنة المجلس فى مراكز التأهيل التى يعالجون فيها لإنقاذهم من المعاملة المزرية التى يلقونها فيها.

جريدة الشروق المصرية
الاثنين 26 ربيع اخر 1433
19 مارس 2012

mohamed5175
20-03-2012, 12:55 PM
غبت عن السعودية نحو عشر سنوات، وعندما عدت إليها فى الأسبوع الماضى لاحقتنى المفاجآت حينما ذهبت، وأدركت أننا نرى السطح فيها ولا نعرف شيئا عما يجرى تحته.



(1)



أولى المفاجآت كانت على الطائرة، حيث أتيح لى أن أطالع الصحف السعودية الصادرة صبيحة يوم 12/3. ان اكتشفت أنها جميعا تتحدث عن أمور لم نسمع بها جرت فى جامعة الملك خالد بمنطقة عسير جنوبى المملكة إذا نقلت وقائع لقاء استمر ثلاث ساعات لأمير منطقة عسير مع 500 طالب وطالبه لمناقشة المشكلات التى يعانون منها فى الجامعة. وفى اللقاء لخص الطلاب مطالبهم فى 23 بندا أولها المطالبة بإقالة إدارة الجامعة فى مدينة أبها. وتحدث أمير المنطقة الأمير فيصل بن خالد، قائلا إن «ما تطالبون به حق مشروع لكم. فأنتم لم تطلبوا سوى تحسين وتطوير المستوى التعليمى الجامعى» ومما أسفر عنه الاجتماع أن الأمير رحب بتشكيل لجنة تمثل الطلاب لمتابعة حل المشكلات التى يعانون منها، ولجنة أخرى أكاديمية لإعادة النظر فى المناهج. على أن تعقد اللجنتان اجتماعات شهرية لإنجاز مهامها.



لم تكن تلك هى المفاجأة الوحيدة، لأننى علمت مما قرأت، ومما سمعت لاحقا، أن طالبات كلية الآداب كن من بدأ الاحتجاج والتمرد، وأن الموضوع الأساسى الذى أثار غضبهن كان تدنى مستوى الخدمة والعوائق الإدارية التى يعانين منها. وقد أسهمت شبكة التواصل الاجتماعى فى تعبئة الطالبات والطلبة، وفى حث الجميع على التعبير عن غضبهم وإيصال صوتهم إلى الجهات المسئولة.



صحيفة «الوطن» علقت على ما جرى فى الجامعة قائلة: إن منذ انطلاق شرارة مطالب طالبات كلية التربية والآداب سعى مسئولو جامعة الملك خالد إلى تحوير ذلك التوجه إلى ما اسموه عبثا وتخريبا وإخلالا بالأمن تقف وراءه أياد خفية، وأنه يتعين على الجميع إيقافه، متجاهلين أن للطلاب والطالبات حقوقا لم يعطوها.



الموضوع المثار واللغة المستخدمة فى عرض الحدث وموقف السلطة إزاءه، ذلك كله كان جديدا بالنسبة لى. إذ كان على أن اقرأ التفاصيل جيدا لكى أستوعب حقيقة أن ثمة غضبا معلنا تحدثت عنه الصحف حيث الأصل أن يتم كل ذلك فى السرِّ. وأن الطالبات صار لهن صوت يرتفع فى بلد يعتبر متشددوه أن جنس النساء عورة يجب سترها، وأن أمير عسير شخصيا التقى 500 طالب وطالبة واستمع إلى ملاحظاتهم على مدى ثلاث ساعات، وأنه تم الاتفاق على انتخاب لجنة تمثل الطلاب وأخرى أكاديمية للتعاون فى حل المشكلات المشكو منها. وكان السؤال الذى خطر لى حينذاك هو: منذ متى يحدث كل ذلك فى المملكة؟



(2)



أحداث طالبات وطلبة جامعة الملك خالد فى «أبها» تحولت إلى مادة للتعليق اليومى فى كل الصحف السعودية. ولاحظت أن مبادرة الطالبات إلى التمرد والاحتجاج احتلت قسطا ملحوظا من التعليقات حيث فتحت تلك المبادرة الباب لمناقشة أوضاع النساء وحقوقهن فى المملكة. فى هذا الصدد كتبت الباحثة مرام مكاوى تقول: النساء شقائق الرجال ونصف المجتمع وشريكات الوطن. ولهن حق مثل الرجال تماما فى جميع مرافق الدولة وثرواتها وخططها المستقبلية وفى عصر الانفتاح والحرية الرقمية وزمن الإصلاح، فهن لن يقبلن إلا بأن ينلن هذه الحقوق كاملة غير منقوصة (الوطن ــ 14/3).



بعد أيام معددة من أحداث أبها، حدث تمرد آخر فى كلية التربية البنات فى محافظة يلقرن.إذ نشرت صحف الخميس 15/3 عن وقوع تذمر من جانب الطالبات «حاولن فيه تقليد طالبات جامعة الملك خالد. فتظاهرن مطالبات بإبعاد العميدة وتحسين الخدمة بالكلية إلى جانب سوء معاملة المشرفات. وحسب جريدة الوطن فإن مدير العلاقات العامة بالكلية ذكر أن الطالبات عبثن بطفايات الحريق بالمبنى وبباب المقصف. ومن الواضح أن صداما حدث داخل الكلية لأن تقرير الجريدة تحدث عن إسعاف 13 حالة فى مقرها ونقل 6 طالبات إلى المستشفى لعلاجهن إضافة إلى إصابة أستاذة جامعية وذكرت تقارير أخرى أن إصابتهن كانت نتيجة للإغماء وتحدثت صحف أخرى عن أن سيارات الشرطة هرعت إلى موقع الكلية لاحتواء الموقف وفرض الوجود الأمنى.



فى هذه الأجواء استوقفنى فى صحف الأربعاء 14/3 ثلاث ملاحظات لها دلالاتها هى:



ــ تصريح لنائب وزير التعليم العالى الدكتور أحمد السيف أعلن فيه إلغاء تفتيش طالبات الكليات بصفة نهائية والسماح باستخدام الهواتف الجوالة داخل الكليات، وتحذيره من «عقوبات رادعة» لمن يسيئ استخدام الجوال/ وذكرت صحيفة الوطن التى وضعت الخبر على صدر صفحتها الأولى أن هذه الخطوة اتخذت «على خلفية أحداث جامعة الملك خالد الأخيرة».



ــ إصدار توصية لوكلاء الجامعات السعودية للشئون الأكاديمية تقضى باشتراك الطلاب فى صناعة القرارات التى تخصهم وتستجيب لتطلعاتهم.



ــ تصريح وزير الدولة ورئيس الحرس الوطنى الأمير متعب بن عبدالله (ابن الملك) بأن معالجة الأخطاء والمطالبة بالحلول لا تكون بالطرق التى تخل بالأمن والاستقرار، وإشارته إلى أن «هناك جهات خارجية تسعى إلى زعزعة الاستقرار فى وطننا». وتحدث الأمير عن «الاضطرابات» التى شهدتها العديد من الدول العربية وأخلت بالاستقرار فيها.



أيضا آثار انتباهى فى صحيفة الشرق (فى 13/3) تعليق أشار فيه الكاتب (عصام الزامل) إلى أن رئيس جامعة «طيبة» فصل طالبا انتقده، فألقى عليه صاحبنا السؤال التالى: ألا تدرى يا دكتور أن هناك «تويتر» ملمحا أن باب النقد بات مفتوحا على مصراعيه لكل أحد على ذلك الموقع. وحينما سألت من لقيتهم من الشباب عن الواقعة فإنهم أكدوها، وأضافوا عن أمثال تلك الحوادث أنها باتت شائعة على شبكة التواصل الاجتماعى، التى تحولت مع موقع تويتر إلى نشرة أخبار لا تدع شاردة ولا واردها إلا وتذكرها. فى هذا الصدد ذكروا أن ما جرى فى جامعة الملك سعود فى الرياض بات معلوما للكافة من خلال موقع تويتر. سألت فقالوا إن طلاب السنة التحضيرية (التى تمتحن خريجى الثانوية العامة وتوزعهم على الكليات المختلفة) اشتبكوا مع العميد منذ شهرين. ورشقه أحدهم بحذائه، الأمر الذى شجع آخرين على التطاول عليه. الأمر الذى انتهى بإعفائه من منصبه وتعيين مدير جديد بدلا منه.



(3)



ذهبت إلى السعودية مدعوا إلى معرض الكتاب الذى يقام فى مدينة الرياض. ولم أكن أعلم أن ثمة مفاجآت أخرى فى المعرض، الذى أريد له أن يكون رمزا للانفتاح وتحريك المياه الراكدة. وهو ما تمثل فى فتح الأبواب لعرض الكتب دون قيد أو رقابة. حتى وجدت فى المعرض كتب ليست متاحة فى المكتبات. الأمر الثانى الجديد فى المملكة أن المعرض ظل مفتوحا طوال الوقت للجميع رجالا ونساء. وكان التقليد المتبع فى السابق أن يخصص يوم لهؤلاء ويوم آخر لهؤلاء. بل وخصصت جلسة لثقافة الحقوق تحدثت فيها ثلاث جامعيات، اثنتان من السعودية والثالثة من المغرب، ذلك إضافة إلى هامش الحرية الواسع الذى أتيح فى أمسيات المعرض.



هذه الأجواء أثارت غضب السلفيين، فقاطع المعرض 40 دار نشر سعودية وثيقة الصلة بهم. وقام خمسة منهم ذات مساء باقتحام قاعة المؤتمرات التى تعقد فيها الأنشطة الثقافية وسعوا إلى إيقاف ندوة جلس فيها الرجال والنساء على طاولة حوار واحدة. إلا أن رجال الأمن والمنظمين تعاملوا معهم بحزم وأخرجوهم من القاعة، وحين حاولوا التجول فى المعرض لفحص الكتب فإنه تم اقتيادهم إلى مركز الشرطة، وطلب منهم أن يسجلوا اعتراضاتهم كتابة ثم ينصرفوا فى هدوء، إلا أن نفرا منهم «نجحوا» فى يوم سابق فى منع النساء من حضور ورشة نشر الكتاب الإلكترونى التى عقدت على هامش المعرض، بحجة منع اختلاطهن بالرجال.



مما أثار الانتباه أيضا أن ثلاثة من المعتقلين السابقين دعوا إلى الحديث فى إحدى الأمسيات، وأن أحدهم (اسمه فؤاد الفرحان) قال صراحة إنه لا يجوز فى بلد مهم وكبير مثل المملكة السعودية ألا يكون لديه مجلس نيابى منتخب. وقيل لى إن واحدا من الحاضرين وجه التحية لأحد الناشطين المعتقلين فى جلسة علنية، إلا أنه لم يظهر بعد ذلك فى القاعة.



الانطباع الذى خرجت به مما سمعت وقرأت أن ثمة تجاذبا تشهده البلاد على مختلف الأصعدة بين المتشددين والمعتدلين، الأمر الذى يعد نقلة إلى الأمام، من حيث أنه يعلن تراجعا نسبيا لهيمنة المتشددين المهيمنين، ويعنى أيضا أن حضور المعتدلين المنحازين إلى الانفتاح والحريات العامة يتزايد حينا بعد حين. ببطء صحيح ولكنه يعكس تقدما فى الاتجاه الصحيح. وهذا التجاذب يلاحظه المرء فى حضور بعض الرموز الثقافية فى المجال العام، مثل الدكتور سلمان العودة والأستاذ محمد سعيد طيب، فى الوقت الذى تدرجهم جهات أخرى ضمن الممنوعين من السفر.



(4)



كانت محاضرتى فى إحدى أمسيات المعرض حول الخطاب العربى الإسلامى فى ظل المتغيرات الدولية. والفكرة التى أثرتها اعتبرت أهم متغير أثر فى العالم العربى هو النقلة الهائلة التى حدثت فى ثورة الاتصال. ذلك أنها نقلت العالم بأسره إلى ما أسميته طور الاختراق العظيم الذى تغلب على كل الحدود والحواجز، وحول القرية العالمية الصغيرة إلى كتاب مفتوح بوسع الجميع أن يطالعوه أو يثبتوا حضورهم فيه. هذا التطور أضعف من قبضة الحكومات على الشعوب، ووفر للشعوب سلاحا قواها فى مواجهة الأنظمة المستبدة. الأمر الذى عالج الخلل فى موازين القوة بين الطرفين. فلا الأنظمة صارت بالقوة التى تدعيها ولا الشعوب أصبحت بالضعف التى تصورته.



أضفت أن أهم مشكلة فى العالم العربى أن الجسم فيه كبر والطموحات زادت، فى حين أن الرأس فيه ظل على حاله. وضربت مثلا بالحاصل فى سوريا حين انتفض الشعب فى عام 2011 ولكن النظام فيها تعامل معه بعقلية الثمانينيات، حين سحق الأسد الأب التمرد فى حماة عام 1881، وقتل أكثر من 15 ألف شخص ودمر المدينة، ثم نسى الجميع ما جرى بعد ذلك.



أما فى الوقت الراهن فإن حملات القمع والسحق تعم على العالم بعد وقوعها بدقائق وربما أثناء وقوعها، وهو ما فضح الجريمة ومكن الثورة من الاستمرار طوال العام المنقضى.



قلت أيضا إن المطلوب فى العالم العربى الآن أن يتصالح الجسم مع الرأس، بحيث يكون تعبيرا طبيعيا عنه، وليس خصما مشتبكا معه. ولا سبيل إلى ذلك إلا بإطلاق الحريات العامة وإشاعة الديمقراطية الأمر الذى يفض اشتباك الجسم مع الرأس أو العكس، وأن يعقد بينهما معاهدة سلام ووئام تقود الشعب إلى بر الأمان والاستقرار والرخاء.



خلال 20 دقيقة قلت ما عندى، لكن الحوار حول العلاقة بين الجسم والرأس استمر فى الفندق إلى ما بعد منتصف الليل، حيث كان على أن أجيب على العديد من الأسئلة البريئة والخبيثة التى بات يطرحها جيل يتحلى بدرجة عالية من الوعى والجرأة. وصار يلح على أن يجسد فى واقعه حيوية وأحلام عالمه الافتراضى.







جريدة الشروق المصرية

الثلاثاء 27 ربيع اخر 1433

20 مارس 2012

mohamed5175
21-03-2012, 12:54 PM
كل الذين عرفوا محجوب عمر أحبوه وبكوه، لكن قليلين هم الذين فهموه. الجميع رأوا فيه إنسانا نبيلا ومناضلا من الطراز الأول، إلا أننى أزعم أنه كان إنسانا نادرا بلا نظير تقريبا. والذين تحدثوا عنه باعتباره ابنا للحركة الشيوعية المصرية، وقفوا عند فترة معينة فى تاريخه، لم ينكرها الرجل لكنه تجاوزها بمراحل إلى الحد الذى دفعه حين التحق بالمقاومة الفلسطينية عام 1969 فى عمان لأن ينضم إلى حركة فتح وأن يرفض الانخراط فى المنظمات اليسارية العاملة هناك (الجبهتان الشعبية والديمقراطية). وقال لى الأستاذ عبدالقادر ياسين اليسارى الفلسطينى الذى رافقه فى سجن الواحات والتقاه فى عمان انه فى تلك المرحلة لم يكتف بالابتعاد عن الجبهتين الشعبية والديمقراطية، وإنما نأى بنفسه أيضا عن يسار فتح وصار أقرب إلى القياديين ياسر عرفات وخليل الوزير (أبوعمار وأبوجهاد)، لذلك أصبح يحسب على التيار الوطنى وليس اليسارى. مما يذكره ياسين أيضا أن محجوب عمر أمضى عشر سنوات فى سجن الواحات (من عام 54 إلى 64) رغم أنه كان محكوما عليه مدة ثمانى سنوات فقط لأنه كان مسئولا عن خلية الحزب الشيوعى فى جامعة إبراهيم باشا (عين شمس حاليا). والسبب فى إطالة المدة أنه طلب منه وقت إطلاق سراحه أن يسجل إدانته لما فعله ويتعهد بوقف نشاطه، لكنه رفض التوقيع على ذلك الإقرار الذى وقع عليه آخرون. وحينذاك أعيد إلى السجن مرة أخرى كمعتقل، حيث أمضى سنتين قبل أن يطلق سراحه بعد ذلك. وبعد خروجه ظل محتفظا باسمه الحركى الذى كان يستخدمه خلال فترة عمله السرى، حتى عرفه الجميع باسم محجوب عمر ونسوا رءوف نظمى، واسمه المدون فى شهادة الميلاد.



الكتابات المحدودة التى تعرضت لسيرته قدمت رحلته وذكرت فضائله، لكنها تضمنت معلومة غير دقيقة، حين ذكرت أن الرجل اشترك فى الثورة الجزائرية، وهو استنتاج انبنى على أنه سافر إلى الجزائر بعد أربع سنوات منذ خروجه من السجن. والحقيقة أن الثورة الجزائرية انطلقت وحققت انتصارها وهو فى سجن الواحات. وكان ذهابه إلى الجزائر فى سنة 1968 (بعد ست سنوات من الاستقلال عام 62) ليعمل طبيبا هناك. ومن الجزائر انتقل إلى فرنسا ثم إلى عمان حيث انضم إلى مقاومة الاحتلال الصهيونى. وهى القضية التى نذر نفسه لها حتى لحظة وفاته هذا الأسبوع.



أما لماذا هو إنسان نادر، فلأنه كان رجلا مفتوح العقل والقلب، وعابرا للأيديولوجيات، بحيث اختار أن يرتفع فوق كل انتماء له. وأن يجعل النضال من أجل القضية الفلسطينية محور حياته وموضوع نضاله. وقد كان صديقنا الراحل عادل حسين ممن لمسوا ندرة معدنه، لذلك أصبح من أقرب المقربين إلى قلبه. وحين كان يرأس تحرير صحيفة «الشعب»، ظل محجوب عمر أحد كتابها الأساسيين حتى توقفت عن الصدور. ورأيته فى جنازة عادل حسين يذرف الدمع الغزير حزنا على فراقه. كما لحظته وقد دخل المسجد على كرسيه المتحرك أثناء الصلاة على جثمانه.



النموذج الذى قدمه محجوب عمر يجسد لنا أهم ما نفتقده هذه الأيام بالذات. إذ إنه بارتفاعه فوق الأيديولوجيا، وتطهره من الرواسب والمرارات واختياره الموقف الصحيح من القضية المركزية وانخراطه، فى إنكار مدهش للذات، مع كل من التقى معه على الهدف، بصرف النظر عن هويته أو مِلَّته أو جنسه. إذ لم يكن يهمه من يكون الشخص، لأنه كان مهجوسا بشىء واحد هو موقفه من قضايا الوطن والمستقبل.



نفتقد محجوب عمر بشدة هذه الأيام، التى نشهد فيها استقطابا وتنازعا على الأنصبة واقتتالا بين ركاب السفينة، ناهيك عن الادعاء والتهريج والإتجار بالثورة والوطنية. نفتقد ذلك الاستعلاء فوق الصغائر وذلك الصفاء فى الرؤية والنظر، وذلك الزهد فى الأضواء والمناصب، وذلك الإدراك العميق لقيمة احتشاد الشرفاء دفاعا عن مصالح الوطن وأحلام البسطاء.



كأن الأقدار اختارت له أن يظل مغمورا ومنكرا لذاته حتى فى لحظة رحيله، التى حجبها تزامن تلك اللحظة مع حدث وفاة البابا شنودة الذى أغرق مصر فى بحر من الحزن. ولأن الأخير أعطى ما يستحقه، فقد وجدت أنه من الإنصاف أن نعطى محجوب عمر أيضا بعض ما يستحقه.



جريدة الشروق المصرية

الاربعاء 28 ربيع اخر 1433

21 مارس 2012

mohamed5175
22-03-2012, 12:48 PM
هل صحيح أن الحكومة المصرية لم تكن جادة فى استرداد الأموال المنهوبة المودعة فى الخارج؟ هذا الأسبوع سمعنا ردا بالإيجاب، اتهم الحكومة بالتقاعس فى هذا الصدد، وشكك فى نواياها ومقاصدها. تصدمنا الإجابة وتفتح الباب واسعا لإساءة الظن. خصوصا حين يطلق الاتهام شخصيات محترمة تصدت لعملية استرداد الأموال المنهوبة منذ بداية الثورة، الأمر يتعذر السكوت عليه أو تجاهله.



أغلب الظن أن طرح فكرة التصالح مع رجال الأعمال المحبوسين هذه الأيام هو الذى استدعى ملف الأموال المودعة فى الخارج، لأننى لاحظت أن تهمة التقاعس أثيرت أثناء مناقشة مسألة التصالح فى برنامجين تليفزيونين جرى بثهما خلال يومى الأحد والاثنين الماضيين (18 و19 مارس) على قناتى «دريم» و«العربية»، وتحدث فيهما كل من الدكتور حسام عيسى أستاذ القانون المعروف والدكتور محمد محسوب عميد كلية الحقوق بالمنوفية، والاثنان من أعضاء المجموعة المصرية لاسترداد ثروة الشعب، التى تأسست أثناء الثورة، وضمت عددا من القانونيين البارزين، الاثنان وجها الاتهام صراحة وذهبا إلى أن الأمر لم يكن إهمالا أو تراخيا ولكنه كان موقفا واضحا، جرت تغطيته بإرسال خطابات شكلية إلى الجهات المعنية لمجرد ذر الرماد فى العيون، رغم تنبيهها إلى أن تلك الخطابات لا تحقق الهدف المطلوب.



ما سمعته كان صادما ومفاجئا. لذلك رجعت إلى الرجلين فأكدا الموقف الذى عبرا عنه. وفى التفاصيل ذكرا ما يلى:



● إن حكومة الدكتور عصام شرف التى عينت بعد الثورة شكلت لجنة قضائية لهذا الغرض، برئاسة المستشار عاصم الجوهرى، وقامت اللجنة بتوجيه 129 خطابا إلى المؤسسات المالية والبنوك الأجنبية طلبت تجميد أموال 19 شخصا من أركان النظام السابق.



● هذه الخطوة اتخذت بعد تشكيل المجموعة القانونية المصرية التى تطوع خبراؤها للنهوض بهذه المهمة. وأسفر ذلك الجهد عن تجميد 45 مليون جنيه استرلينى فى إنجلترا و420 مليون فرنك فى سويسرا. لكن هذه المبالغ ظلت نقطة فى بحر البلايين المودعة فى الخارج.



● حين مر الوقت ولم تحرك بقية الدول الأجنبية ساكنا، تحدث الدكتور حسام عيسى إلى تليفزيون الـ«بى بى سى» وانتقد موقف الحكومة البريطانية. وفى أول مناسبة دعى إلى عشاء فى بيت السفير البريطانى بالقاهرة، كان الضيف فيه هو السيد بيرت اليستر وزير الدولة البريطانى لشئون شمال أفريقيا. وفى اللقاء قال الوزير البريطانى إن حكومة بلاده أبلغت القاهرة بأن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد تتطلب استيفاء إجراءات معينة لتجميد الأموال المشتبه فيها أو تتبعها، وان الخطابات التى أرسلتها الحكومة المصرية لا تلبى الشروط التى وضعتها الاتفاقية. وعرضت الخارجية البريطانية إرسال وفد من جانبها إلى مصر لمعاونتها فى استيفاء الأوراق المطلوبة، لكن السلطات المصرية ظلت تسوف فى استقبال ذلك الوفد، طوال الأشهر التسعة الماضية.



● هذا الكلام الذى قاله الوزير البريطانى أعلن فى بيان رسمى صدر فى لندن يوم الاثنين الماضى (18/3) حمل الحكومة المصرية مسئولية التقصير فى استيفاء متطلبات استرداد الأموال. وهو ما اعترف به المستشار عاصم الجوهرى أمام مجلس الشعب أثناء مناقشة مشروع قانون قدمه النائب عصام سلطان، عضو مجموعة استرداد الأموال المنهوبة، لتشكيل لجنة جديدة مستقلة للنهوض بالمهمة التى تقاعست عنها الحكومة.



فى اتصال هاتفى قال لى عصام سلطان إن هناك تلاعبا فى العملية من البداية، وان مجموعة القانونيين التى تشكلت فى 7 فبراير من العام الماضى كانت قد أعلنت حينذاك عبر قناة الجزيرة عن عناوينها الإلكترونية لكى تتلقى أى معلومات عن الأموال المنهوبة، ولكن قراصنة النظام السابق استولوا عليها خلال نصف ساعة فاختفت من شريط الأخبار. مع ذلك فان النائب العام السويسرى تلقى الرسالة وأخبر مسئولى اللجنة بأن قانونا جديدا صدر فى سويسرا لتسهيل استرداد الأموال الناتجة عن عمليات فساد. وهذه هى الخلفية التى أدت إلى تجميد مبلغ الـ420 مليون فرنك فى البنوك السويسرية. وبسبب الشك فى ذلك التلاعب تم تقديم مشروع قانون تشكيل اللجنة المستقلة التى يرجى أن تتولى العملية بشكل محايد وجاد.



لا أحد يعرف كيف تم التلاعب بمصير الأموال المهربة خلال السنة التى مرت من عمر الثورة. لكن ما ذكر عن تقاعس السلطة فى التعامل مع الملف تحتاج إلى تحقيق، يتحرى الوقائع ويحدد المسئول عنها. لأن الأمر أكبر وأخطر من عملية استرداد تلك الأموال. إذ إنه يمس بصورة مباشرة موقف الثقة فى الإرادة السياسية حتى يكاد يجرحها. خصوصا أن تلك الإرادة تتحكم فى ملفات أخرى تتعلق بمصير الثورة والوطن.





جريدة الشروق المصرية


الخميس 29 ربيع اخر 1433

22 مارس 2012

mohamed5175
24-03-2012, 01:43 PM
مصر الأخرى ــ غير التليفزيونية ــ ليست مشغولة بالضجيج الذى يملأ فضاء القاهرة حول المرشحين للرئاسة وكتابة الدستور وأنف البلكيمى والألتراس وسحب الثقة من الحكومة، وصولا إلى بلطجية ميدان التحرير. ذلك أن ملايين الفلاحين تطحنهم قائمة طويلة من المشكلات التى تهدد مصائرهم واستمرارهم فى الحياة.

حين حاولت أن أتحرى تداعيات انتشار مرض الحمى القلاعية قاتل الماشية والريف المصرى، قيل لى إن الوجع أصبح يفوق طاقة الاحتمال. وإن الكارثة خربت بيوت أعداد هائلة من الفلاحين، المثقلين بالهموم أصلا، حيث لديهم ما يكفيهم منها. طلبت إيضاحا فقيل لى ما يلى:

● إن التعامل مع وباء الحمى القلاعية لم يكن جادا فى أى مرحلة، فقد حدث التراخى فى مواجهته حين ظهرت مقدماته منذ ثلاثة أشهر. وحين انتشر الوباء فإن اللقاح المقاوم له (سات2) اختفى من الأسواق.

● إن المرض مستورد وقد دخل إلى البلاد من خلال المحاجر الطبية التى يمر بها كل حيوان يأتى من الخارج. وحين تمر جرثومته، فذلك يعنى أن ثمة ثغرة خطيرة فى الوقاية والتفتيش. ولم يقف الأمر عند حد الإهمال فى الرقابة، وإنما حدث إهمال آخر فى التوعية والإرشاد. الأمر الذى ترك الفلاح حائرا وعاجزا أمام المرض الذى فتك بماشيته.

● فى التصدى للوباء صدر قرار بإغلاق الأسواق الريفية بدعوى وقف انتشار المرض. ولكن الجهة التى أصدرت القرار انطبق عليها المثل القائل «جاء يكحلها فأعماها». ذلك أن مسئوليها لا يعرفون أن الأسواق تعد أحد شرايين استمرار الحياة فى القرى. فإلى جانب بيع الماشية تباع فيها الطيور والأغنام والبذور وأدوات الزراعة وقطع الغيار ومنتجات الألبان..إلخ. الأمر الذى يعنى أن السوق توفر للفلاح ما يحتاجه، إلى جانب أنها تمنحه فرصة بيع ما يريد بيعه للاستعانة بعائده فى تلبية متطلبات معيشته. وبدلا من منع دخول الماشية (الأبقار والجاموس)، فإن القرار أغلق الأسواق تماما ومن ثم أغلق المنفذ الذى يوفر للفلاح مختلف احتياجاته.

● لكى يخدم الفلاح أرضه بحرثها وريها ورشها لمقاومة الآفات. يتعين عليه أن يستخدم جرارا أو ماكينة أو موتور رش، وكل واحدة من تلك الآلات تدار بالسولار، غير المتوافر فى الأسواق. والحصول عليه يفرض على الفلاح أن يدفع أضعاف الثمن المقرر، ثم عليه بعد ذلك أن يقضى عدة أيام منتظرا دوره فى الطابور.

● لكى يزرع الفلاح لابد له من بذور، وهذه غير مضمونة المصدر والشكوك أصبحت مثارة حول صلاحيتها. ولمحافظة المنوفية تجربة مرة فى هذا الصدد. حيث تفحم محصول الذرة تماما بسبب البذور الفاسدة التى وزعت على الناس، ولم يحاسب أحد على ذلك. وإلى جانب البذور فالسماد مشكلة أخرى، لأن أسعاره فى ازدياد مستمر، كما أن فاعليته فى تراجع مماثل، إضافة إلى أنه يندر وجوده حين يحتاجه الفلاح.

● الرى مشكلة أخرى، ففى زمن سابق كان يمكن التأريخ بموعد نوبة الرى لدقتها. أما الآن فإن المياه أصبحت تأتى «على الكيف» كما يقول الفلاحون، إذ لم يعد بمقدور الفلاح جدولة رى المحصول طبقا لاحتياجاته أو قواعد ريه المتعارف عليها، لأن الأمر بات مرهونا بتساهيل مديرى الرى. فى ذات الوقت ثمة مشكلة أخرى فى المصارف المغطاة، لأن الشبكة أصبحت ضعيفة والصيانة منعدمة ولا إصلاح بها بأى صورة. وهو ما أدى إلى ارتفاع المياه الجوفية وتراجع خصوبة الأرض التى انعكس على ضعف الإنتاج. وترتب عليه ظهور بوادر الملوحة على سطح الأرض.

هذه العوامل كلها تحولت إلى هموم وأعباء إضافية على الفلاح هزمته وأثقلت كاهله. وكانت النتيجة أنه أصبح يبيع محاصيله إما بخسارة أو بأسعار لا تعود عليه بما يستحقه من ربح. وبات معروفا أن محصول الذرة خسارته مؤكدة، حيث يضطر الفلاح إلى زراعته لإطعام الماشية والطيور، رغم أنه يخسر فى الأردب نحو عشرين جنيها. ومعروف أن محصول البطاطس ضرب هذا العام بسبب عدم التصدير، وشمل ذلك الموالح أيضا التى بيعت على أرضها بأبخس الأثمان لذات السبب. وطالت الأزمة القطن الذى كان يسمى بالذهب الأبيض. ولكنه أصبح يتراكم الآن عاما بعد عام، وتحول إلى عبء على المنتجين.

فى هذه الأجواء اختفت فكرة التسويق التعاونى وأصبح الفلاح تحت رحمة الوسيط الذى يقهره ويبتزه، كما لم يعد هناك وجود لدور الإرشاد الزراعى الحكومى. حتى نقل المحاصيل بات مشكلة لأن شبكة الطرق الريفية غير المسفلتة التى تمثل جسور الترع والمدقات لم تعد صالحة للاستعمال، بعدما كاد يلتهمها التمدد العمرانى، إن مصر التليفزيونية تضللنا وتعزلنا عما يجرى فى قاع المجتمع.

جريدة الشروق المصرية
السبت غرة جمادى اول 1433
24 مارس 2012

mohamed5175
25-03-2012, 07:44 PM
شممت رائحة مبارك قوية فى جريدة الأهرام أمس (السبت 24/3). فقد وقعت فيها على ثلاثة أخبار وتقارير وجدتها مباركية بامتياز. الخبر الأول: على الصفحة الأولى وقد بدأ بالعبارة التالية: «أعلنت الجبهة الثورية لترشيح عمر سليمان للرئاسة، أنها نجحت فى انتزاع موافقته على الترشح فى انتخابات رئاسة الجمهورية.». وقال صموئيل العشاى مؤسس الجبهة إن المسألة لم تكن سهلة، وأن النائب السابق لرئيس الجمهورية كان يرفض بشدة الترشح. ولكنه وافق عليه بعد ضغط متواصل، بداية من تدشين توكيلات باسمه (إلى جانب) المناشدات فى وسائل الإعلام.



الخبر الثانى: كان تحت العنوان التالى « المتهمان أمام النيابة: عرضنا 50 مليون جنيه من إيران لتفجير سفينة إسرائيلية بقناة السويس». وتحت العنوان ذكر الخبر أن تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا مع المتهمين فلان وفلان اللذين أجهض قطاع الأمن بالداخلية مخططهما لتفجير المجرى الملاحى لقناة السويس فى أنهما تلقيا تمويلا من إيران والشيعة لتنفيذ المخطط.. وأنهما عرضا على أحد الأشخاص توجيه ضربة لإحدى السفن الإسرائيلية فى القناة مقابل 50 مليون جنيه. وأنهما أبلغاه بأنه بعد التنفيذ سيحصل على المبلغ من الشيعة، لعلاقتهم مع إيران، وكراهية إيران لمصر وإسرائيل.



على الصفحة التاسعة جاء التقرير الثالث تحت العنوان التالى: «أسرار حرب حكومة هنية ضد مصر». وتحته جاء النص التالى: كشفت مصادر مطلعة داخل قطاع غزة النقاب عن قيام عناصر محسوبة على حكومة إسماعيل هنية المهيمنة على القطاع بالإيعاز لأصحاب محطات الوقود بوقف بيع ما لديهم من مخزونات البنزين والسولار وقيام تلك العناصر بشحن الجماهير بغزة للتوجه إلى الحدود مع مصر للتظاهر هناك ضد السلطات المصرية، للضغط عليها من أجل تزويد القطاع بالوقود دون قيد أو شرط... إلخ.



أثار انتباهى فى الخبر الأول أن ثلاثة من المحررين كتبوه، وأن صياغته أشارت إلى أن ترشيح عمر سليمان تم بواسطة كيان باسم «الجبهة الثورية»، بما يعنى أنها جبهة منتمية إلى ثورة 25 يناير ومع ذلك وافق بناء على رغبة الجماهير التى لم نرها وزحفت لكى تحرر توكيلات لصالحه،، وأمام لهفة وإصرار المناشدات الإعلامية التى لم نسمع بها. وهى صياغة تستغفل القارئ وتسوق الرجل الذى كان شريكا لمبارك فى كل خطاياه، ولأنه كان ضامنا له ومطمئنا إلى موقفه فإنه تخيره نائبا له ليصبح واجهة لنظامه الذى أراد له أن يستمر.



الخبر الثانى مضحك ومريب أيضا. فمصدره تحقيقات أمن الدولة المشهورة بالتلفيق والفرقعات المصطنعة. وموضوعه أن اثنين تلقيا تمويلا من إيران بقيمة 50 مليون جنيه. واتفقا مع ثالث (أهبل) لضرب سفينة إسرائيلية، وبعد التنفيذ سيعطونه الخمسين مليون جنيه (لم يعطوه مقدما لفعلته ولو مليونا من الخمسين). لكن الأخير بشهامة وثقة قبـِل أن يفجر السفينة ثم يتقاضى المبلغ بعد ذلك. ثم إن الصيغة لم تكتف باتهام السياسة الإيرانية ولكنها فى تخبط ظاهر اقحمت الشيعة فى المؤامرة، وذكر أن المبلغ دفعه الشيعة (هل المقصود حزب الله؟) لعلاقتهم مع إيران وبسبب كراهية إيران لمصر وإسرائيل.



أما التقرير الثالث فهو ينطلق من أن ثمة حربا تشنها حكومة هنية ضد مصر. لفصل غزة وتنفيذ المخطط الإسرائيلى الجاهز. وقد تذرعت بأزمة الوقود للاستمرار فى تلك الحرب. ويشير إلى أن تلك الحكومة «الشريرة» بخلاف حكومة رام الله «الطيبة» تريد إرهاب الحكومة المصرية ولى ذراعها لتزويد القطاع بالوقود دون قيد أو شرط. وإلى جانب النكتة فى حرب حكومة هنية ضد مصر، فإن التقرير لم يشر إلى دور مصر فى حصار غزة وإصرار سلطات القاهرة على تزويد القطاع بالوقود عبر معبر كرم أبوسالم الإسرائيلى، فى حين يتمسك الغزاويون بألا تدخل إسرائيل بينهم وبين مصر، ويرون أنه من الطبيعى أن يتسلموا الوقود مباشرة من مصر، عبر معبر رفح.



إن الأخبار الثلاثة تقول لنا أولا إن رجل مبارك تنازل أخيرا وبناء على طلب الجماهير المشتاقة إلى حكمه قبل أن يترشح للرئاسة. وهو ما تفضلت به علينا مشكورة «الجبهة الثورية»، تعبيرا عن امتنانها ووفائها للعهدين القديم والجديد. ثم تقول لنا ثانيا إن إيران هى العدو الذى يتآمر علينا ومعها حزب الله الذي يكره الحليفين مصر وإسرائيل. أما التقرير الثالث فهو يحدثنا عن حرب لحكومة حركة حماس ضد مصر.



حين تصفحت العدد قلت إن هذا مبارك يخوض معركته ضد أعدائه التقليديين، إلا أن صفوت الشريف وأنس الفقى كانا أذكى من ذلك بكثير، فكذبهما لم يكن بهذه الفجاجة. حتى أخشى أن يصدر عنهما بيان يعاتب من كتب الكلام ومرره، قائلين لهم: بئس التلاميذ والأولاد، هل هذا ما علمناه لكم؟


جريدة الشروق المصرية

الاحد 2 جمادى اول 1433
25 مارس 2012

mohamed5175
26-03-2012, 11:59 AM
تصدرت أخبار غضب وثورة شعب بورسعيد الصفحات الأولى من الصحف الصادرة أمس (25/3). فقرأنا عنوانا رئيسيا باللون الأحمر حدثنا عن إعلان استقلال المدينة، وحدثتنا صحيفة أخرى عن اشتعال الغضب فى أرجائها، ووصفت صحيفة ثالثة ما جرى هناك بأنه «فتنة». وفى التفاصيل أن الأهالى حاولوا اقتحام مبنى قناة السويس، الأمر الذى أدى إلى سقوط قتيل وإصابة 67 شخصا، إثر صدام استمر ست ساعات بين قوات تأمين المبنى وجموع المتظاهرين. عرفنا أيضا أن نحو خمسة آلاف شخص تجمعوا أمام منطقة الاستثمار عند المنفذ الجنوبى للمدينة، حيث منعوا 35 ألف عامل من الوصول إلى مائة مصنع، طالب أصحابها بسرعة التدخل الأمنى سواء لحماية أرواح العاملين أو للحيلولة دون توقف عجلة الإنتاج بالمنطقة.

هذا قليل من كثير لأن المدينة اجتاحتها حالة من الغضب المنفلت، الذى لم يستبعد احتمال وقف المجرى الملاحى فى قناة السويس وإحراق مخازن السيارات التابعة للهيئة وشل الحركة فى المنطقة الصناعية وإغلاق منافذ المحافظة. كل ذلك لأن الجماهير أرادت أن تعبر عن رفضها واحتجاجها على العقوبات التى قررها اتحاد الكرة، والتى قضت بتجميد فريق المصرى لمدة موسمين، وحظر إقامة مباريات على ملعبه لمدة 3 سنوات، والسبب معروف إذ يتمثل فى الأحداث الدامية التى شهدها استاد بورسعيد فى أول فبراير الماضى، عقب مباراة كرة القدم بين النادى المصرى البورسعيدى وبين فريق النادى الأهلى، مما أدى إلى مقتل 75 شخصا.

المشهد كله يدعو إلى الدهشة ويحتاج إلى جهد لاستيعابه وتقصى خلفياته. ذلك أن مثل هذا الغضب العارم ليس مألوفا فى الطبع المصرى بوجه عام. وفى العالم العربى يقال إن «الدم حار» فى العراق وفى الجزائر، وإن الانفعال والعنف من سمات السلوك الاجتماعى المألوف فى البلدين. وعادة ما يضرب المثل بمصر فى اعتدال المزاج الجماهيرى العام ويشار أيضا إلى تونس والمغرب والسودان، حيث الخصومات فى كل أحوالها لها حدود ولا تنزلق إلى العنف إلا فى لحظات استثنائية ونادرة.

فى هذا الصدد لابد أن تلاحظ أن الشعب المصرى حين أراد أن يعلن عن رفضه لمبارك ونظامه فإنه أسقطهما بأسلوب سلمى للغاية، حتى ثورة 23 يوليو التى اسقطت الملك فاروق فى سنة 1952. لم ترق فيها دماء تذكر. الأمر الذى يضعنا أمام مفارقة تثير الانتباه، فالاحتجاج على مبارك ونظامه تم بطريقة سلمية أما الاحتجاج على قرارات اتحاد الكرة فقد اتسم بدرجة من العنف والخشونة على النحو الذى رأيت.

ليس عندى تفسير مقنع لما جرى فى بورسعيد، علما بأن مقتلة المباراة البائسة التى تمت بين الناديين المصرى والأهلى لايزال يكتنفها بعض الغموض، رغم أن ثمة اتفاقا بين الجميع على أن الحادث كان مدبرا وأن القتل كان مرتبا سلفا، سألت من هم أخبر منى بمجتمع المدينة التى تحتل مكانة رفيعة فى الذاكرة المصرية منذ العدوان الثلاثى فى عام 1956، فحدثونى عن أمرين؛ الأول شعور أهل بورسعيد بأن بلدهم مظلوم ومضطهد منذ عهد الرئيس السابق، الذى تعرض لمحاولة الاغتيال أثناء زيارته لها فى عام 1999. ولأنها لم تكن مشمولة بالرضى السلطانى فإنها أهملت ولم تكترث السلطة بفكرة تحويلها إلى منطقة حرة وإنما تحولت إلى مدينة منبوذة. السبب الثانى الذى حدثنى عنه أن أهل بورسعيد يعتبرون أنهم ظلموا أيضا بعد فجيعة المباراة. من ناحية لأن الإعلام شوه صورة المدينة بأسرها رغم أن الواقعة تخص النادى المصرى وحده. ومن ناحية أخرى فرغم أن الجميع يتفقون على أن الحادث مدبر، وأن لاعبى النادى المصرى لم يكونوا طرفا فى المقتلة، فإن الفاعلين الحقيقيين لم يحاسبوا، فى حين أن العقوبة أنزلت بالنادى وفريقه.

هذا الكلام يستحق التفكير والتحقيق. وإن كنت أزعم أنه لا يبرر ذلك السلوك العنيف من جانب أهالى المدينة، الأمر الذى يعنى أن الأمر لايزال بحاجة إلى دراسة متأنية من جانب أهل الاختصاص. يمكننا من فهم الأسباب الحقيقية لذلك السمت الجامح والغضوب الذى طالعناه أخيرا للمدينة، فى حين أننا رأيناها ناعمة ورائقة المزاج فى فرقة السمسمية، ورأيناها مسكونة بالعزة والكبرياء فى مواجهة العدوان الثلاثى.

المفارقة الأخرى فى المشهد التى أحسبها جديرة بالملاحظة أنه فى حين كانت الجماهير تحتشد لاقتحام مبنى قناة السويس وتحاصر المنطقة الصناعية فى بورسعيد، فإن النخب السياسية جميعها ظلت غائبة عن مسرح الحدث، ومشغولة بتوزيع الحصص والأنصبة فى عضوية لجنة الدستور بالقاهرة. وهى المفارقة التى كشفت عن اتساع الهوة بين اهتمامات الناس وبين النخب فى مصر، وهو مشهد يذكرنا بالعهد السابق حين كانت السلطة فى واد والمجتمع فى واد آخر، مع فرق واحد هو أن النخب آنذاك كانت محجوبة ومضطرة، لكنها فى الوقت الراهن اختارت أن تنشغل بحساباتها عن هواجس المجتمع وهمومه، حتى لا أبالغ إذا قلت إن نسبة عالية من تلك النخب مهتمة بالحضور على شاشات التليفزيون، بأكثر من حضورها بين الناس على الأرض.


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 3 جمادى اول 1433
26 مارس 2012

mohamed5175
27-03-2012, 12:05 PM
إحدى خلاصات تجربة السنة الأولى من عمر الثورة المصرية أن المجتمع كان شديد الحماس للثورة، فى حين أن نخبته ليست جاهزة للديمقراطية.


(1)

من يتابع بث الإعلام المصرى المقروء منه والمرئى يخيل إليه أن ثمة سرادقا كبيرا نصبه البعض للعزاء فى «وفاة» الثورة، فى حين اصطف فى جانب منه نفر من المنشدين يرثون «الفقيد» ويتحسرون على اختطافه وهو فى مهده. وفى جانب آخر وقف آخرون يصرخون ويولولون معبرين عن الحسرة إزاء الحدث الجلل. وتنافس فريق ثالث فى هجاء من كان السبب فيما حدث وفى حث «الثوار» على القصاص للثورة التى اجهضت والحلم الذى ضاع. ووسط أجواء لطم الخدود وشق الجيوب تتردد فى الفضاء صيحات القائلين بأن الثورة سرقت من أصحابها، وأن الشعب المصرى صار ضحية للخديعة والاستغفال، وقائلين بأنه لم تكن هناك ثورة من الأساس، وأن ما رأيناه كان فجرا كاذبا تبين أنه استنساخ للذى فات. لا جديد فيه سوى أن «الحزب الوطنى» غير هيأته فارتدى عمامة وأطلق لحيته وصار يتمتم بالبسملة طوال الوقت.

صحيح أن السرادق ليس جديدا. لكن الحشد فيه تضاعف هذه الأيام والاستنفار والتحريض بلغ الذروة، حتى تعالت بعض الأصوات محذرة من مؤامرة دبرت بليل وكارثة حلت بالبلد وداعية إلى الطعن فى كل ما بنى فيه حتى الآن، والتأهب لاطلاق ثورة جديدة وتشكيل مؤسسات ثورية بديلة.

لدى ملف متخم بالقصاصات والأقاويل يؤيد كل سطر مما ذكرت. وأزعم أن القارئ العادى ليس بحاجة إلى الرجوع إلى أرشيف الصحف وتسجيلات اليوتيوب، وإنما يكفيه فى ذلك أن يطالع صحف الصباح لكى يجد فيها كل مقومات الشحن والتعبئة والتحريض والتبكيت.

اسوأ ما فى هذه الحملة متعددة الأبعاد أربعة أمور هى:

● أنها تحاكم الثورة على أهدافها النهائية التى لم تتحقق بعد، وليس أهدافها المرحلية التى تسعى لإنجازها على الأرض.

● إنها فى أساسها تعبر عن صراعات وحسابات شريحة من المثقفين والسياسيين. الذين يحاولون جاهدين تنزيلها إلى الشارع وإشغال الرأى العام بها، فى حين أن المواطن العادى مهجوس بأمور أخرى ولا علاقة له بتلك المعارك.

● إنها تحدث إرباكا فى أولويات العمل الوطنى، من حيث إنها تصرف الانتباه عن التحديات الكلية. المتعلقة بالنهوض الاقتصادى والعدل الاجتماعى والحريات العامة والاستقلال الوطنى، وتفرض على الناس معارك أخرى هامشية وفرعية.

● إنها تروع المصريين المقيمين فى الخارج وتعطى انطباعا مشوَّها ومغلوطا لغيرهم من المتابعين والمراقبين وهو ما يلمسه كل من يحتك بهذه الدوائر، وما كان لى منه نصيب فى الآونة الأخيرة. إذ وجدت درجة عالية من الإحباط والتشاؤم لدى البعض ومن الشماتة وسوء الظن لدى آخرين.


(2)

خذ مثلا المعركة التى احتدمت فى مصر حول وضع الدستور الجديد، وهى التى اشتدت أوارها بعدما تم الاتفاق فى اجتماع مجلسى الشعب والشورى على انتخاب نصف أعضاء اللجنة التأسيسية من المجلسين والنصف الآخر من خارجهما. ذلك أنك لا تكاد تفتح جريدة أو تتابع حوارا تليفزيونيا إلا وتجد نفسك فى قلب الجدل حول الموضوع. وستلاحظ على الفور أن محور المناقشة هو عدم الثقة فى ممثلى التيار الإسلامى، والخوف من أن يفرضوا على الدستور آراءهم وبصماتهم. إليك نماذج من تلك الآراء، سأحتفظ بأسماء كاتبيها منعا للإحراج.

● يريدون أن يفصلوه على مقاسهم (الدستور)، ويقيموا إمارة دينية تعود بنا إلى العصور التى كنا فيها طوائف متفرقة مسلمين وذميين. ولم نكن مواطنين ولم نكن مصريين. وكنا رقيق أرض نسمع ونطيع. ولم نكن أمة حرة تصدر عنها وحدها كل السلطات... إن إقحام الدين فى الدستور على أى نحو وبأية صيغة إفساد للدستور وتزييف له فاستيقظوا أيها المصريون (الأهرام 24/3/2012).

● انسحبوا من لجنة صياغة دستور لن يمثل فيه كل المصريين بالتساوى، وبقدر وجودهم الحقيقى فى المجتمع. انسحبوا (الكلام موجه إلى الأقلية البرلمانية) قبل أن يشعر المصريون بأن هذا الدستور لا يعبر عنهم جميعا وانكم شاركتم فى خداعهم.. انسحبوا قبل فوات الأوان، وليكن فعلكم إيجابيا بتشكيل هيئة تأسيسية أخرى يمثل فيها كل المصريين، لتكتبوا معا دستور الثورة. (المصرى اليوم 22/3).

● ما يحدث الآن فى لجنة تأسيسية الدستور المصرى فى البرلمان، هو مهزلة بكل المقاييس والسكوت عنه جريمة، والمشاركة فيه عار على الديمقراطية.. (ذلك أن) كل الفقهاء الدستوريين فى مصر يتفقون على أن البرلمان ليس جهة وضع أو صياغة بنود الدستور.. إن الضغوط الهائلة التى قامت بها جماعة الإخوان ممثلة فى حزب الحرية والعدالة داخل البرلمان للوصول إلى صيغة الهيئة التأسيسية هى «اختراع» غير مسبوق. وهى نموذج لسياسة غطرسة القوة التى تمارسها الأغلبية بحق الأقلية (الشرق الأوسط 22/3).


(3)

هذه ليست أكثر من ثلاث قطرات فى بحر الهجاء والتنديد. وإلى جانب التعليقات التى عبرت عن تلك المعانى، فثمة سيل آخر من الأخبار الموازية التى تحدثنا عن مقاطعة بعض أحزاب الأقلية للجنة، وعن التحضير لمسيرات مناهضة لتشكيلها وداعية إلى «إنقاذ مصر» من براثنها، وعن اعتزام القانونيين تقديم طعن يطالب بإبطال قرار تشكيل اللجنة مناصفة بين البرلمان والشخصيات العامة.

المفاجأة فى هذه الحملة أن الفرضيات الأساسية التى اعتمدت عليها غير صحيحة. ذلك ان الادعاء بأن الدول «المحترمة» متفقة على أن البرلمان ليس جهة وضع أو صياغة الدستور كلام غير دقيق. إذ تكذبه الخبرة السياسية والتاريخية. علما بأن البرلمان فى الحالة المصرية لن يضع الدستور ولكنه سينتخب اللجنة المكلفة بذلك من بين أعضائه ومن خارجه. آية ذلك أن جامعة «برينستون» الأمريكية أعدت دراسة شملت 200 دستور ظهر فى العالم خلال ثلاثين سنة (بين سنتى 1975، 2005) بينت أن هناك 9 طرق لكتابة الدساتير. وكانت الوسيلة الأكثر استخداما هى أن تعهد الدول إلى البرلمان المنتخب لكى يقوم بهذه المهمة. وهو ما حدث فى 42٪ من الحالات التى تمت دراستها، فى حين أن نسبة الحالات التى تم فيها وضع الدستور بواسطة لجنة تأسيسية معينة أو منتخبة من البرلمان كانت فى حدود 9٪. أما وضع الدستور من خارج البرلمان فلم يتم إلا فى 17٪ من الحالات.

الخلاصة أنه خلال الثلاثين سنة التى شملتها الدراسة فإنه فى 51٪ من الحالات كان البرلمان إما واضع الدستور أو صاحب القرار فى اللجنة أو الجمعية التى تولت إعداده وصياغته. الأمر الذى ينفى ذلك التعميم والإطلاق الذى ساقه الرافضون لتشكيل اللجنة فى الحالة المصرية، ويبطل حجة الاستناد إلى الخبرة التاريخية فيما دعوا إليه. ناهيك عن أنه ليس من المنطق أن ينتخب الشعب ممثليه فى البرلمان، ثم يتم إقصاء هؤلاء الممثلين عن وضع الدستور بحجة أنهم لا يمثلون الشعب بصورة كافية. علما بأن انتخاب نسبة من خارج البرلمان يمكن أن يسد هذه الثغرة.

إنك إذا دققت النظر فى المشهد، ستلاحظ أن أحزاب الأقلية هى التى ما برحت تثير الضجيج وتؤلب الرأى العام طول الوقت. منذ طرحت التعديلات الدستورية للاستفتاء وحتى اللحظة الراهنة. حيث لم تكن مستعدة للقبول بنتائج الممارسة الديمقراطية فى أى مرحلة.


(4)

ليست المشكلة مقصورة على أحزاب الأقلية، لأن الأغلبية كان لها نصيبها منها، من حيث إنها لم تستوعب جيدا أساليب الممارسة الديمقراطية، على الأقل فيما خص طبيعة علاقتها مع الأقلية. إن شئت فقل إن الجميع دخلوا فى تجربة ديمقراطية لم يألفوها منذ نصف قرن على الأقل. الأمر الذى لم يسمح باستقرار التقاليد الحاكمة لعلاقات القوى السياسية. وإذا أضفت إلى ذلك أن نحو 80٪ من أعضاء البرلمان حديثو عهد بالتجربة، ومنهم من هو حديث العهد بالسياسة برمتها. فلك أن تتصور حالة الارتباك والاضطراب التى تسود العلاقة فى هذه الحالة. وهو ما اعترف به البعض ممن نظمت لهم محاضرات ودروس خصوصية لاستيعاب الموقف الذى وضعوا فيه.

لا أتحدث عن الإخلاص والغيرة وغير ذلك من القيم التى لا أشك فى توافرها لدى الجميع، لكنى أتحدث عن تواضع الخبرة السياسية وارتباك الرؤية الاستراتيجية. وفى مقام آخر حذرت من ثلاث فتن تتعرض لها الأغلبية فى البرلمان، فتنة الأضواء وفتنة الأغلبية وفتنة السلطة. ولا أريد أن أتسرع فى الحكم، لكننى أزعم أن أداء الأغلبية حتى الآن لم يقنعنى بأن رموزها محصنة ضد الافتتان بما ذكرت. إذ فى ممارسات عدة تمنيت على الأغلبية أن يكون انحيازها إلى الجماعة الوطنية أقوى من انحيازها إلى «جماعتها».. بالتالى فإننى لم أفهم ذلك الحرص على إثبات الحضور فى مختلف المواقع. ولا أخفى دهشة ــ مثلا ــ من التلويح المتكرر بسحب الثقة من الحكومة والمطالبة بتشكيل حكومة ائتلافية يقودها الإخوان. الأمر الذى من شأنه أن يُحدث احتقانا فى الأجواء السياسية وتراجعا فى البورصة وإقلاقا للداخل والخارج ــ يضاعف من الدهشة أن تغيب عن الأذهان تلك الأصداء ويشهد الاستعداد لخوض المغامرة فى حين أن الحديث ينصب على حكومة عمرها ثلاثة أشهر فقط، تنتهى بعدها الفترة الانتقالية وينتخب خلالها رئيس جديد فى ظل دستور جديد.

أدرى أن الأغلبية لم ترتكب خطأ قانونيا أو دستوريا، وأنها فى ممارساتها تصرفت فى حدود صلاحياتها. لكننى أتحدث عن الملاءمات السياسية ومناخ التشاور والتوافق الذى نريد له أن يسود. من هذه الزاوية فإننى استغرب ذلك التكالب من جانب الجميع على توزيع الحظوظ والحصص فى لجنة الدستور، حتى قلت إنه كان يكفى الأغلبية أن تتمسك بأمرين فى الدستور، هما هوية البلد الإسلامية وضمانات الحريات العامة، ثم تترك الأمر بعد ذلك للآخرين يجتهدون فيه ما وسعهم الجهد.

إن التحديات التى تواجه مصر أكبر بكثير من تلك المعارك الجانبية التى تثار بين الحين والآخر، فتفرق الصف وتستهلك الجهد. لذلك تمنيت أن ينشغل الجميع برؤية تحقق للوطن الفوز وعبور الفترة الانتقالية بنجاح. وذلك أهم بكثير من فوز هذا الحزب أو ذاك بأى مغنم مهما بلغ شأنه.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 4 جمادى اول 1433
27 مارس 2012

mohamed5175
28-03-2012, 08:04 PM
صدر فى بيروت يوم الخميس الماضى (15/3) إعلان الدفاع عن اللغة العربية، فى ختام مؤتمر اشترك فيه نحو 650 باحثا، ناقشوا أحوال اللغة العربية وأزمتها خلال ثلاثة أيام. وحسبما ذكرت الصحف اللبنانية فإن المؤتمر الذى أصدر «وثيقة بيروت عن اللغة العربية»، دعا إليه المجلس الدولى للغة العربية الذى تأسس حديثا هناك، بالتعاون مع منظمة اليونسكو وتحت مظلة الأمم المتحدة.

لم أسمع من قبل عن المجلس الدولى للغة العربية، لكننى أعرف أن أزمة اللغة بلغت ذروتها خلال السنوات الأخيرة. سواء جراء الإقبال الهائل على التعليم الأجنبى، والانصراف عن التعليم الحكومى الذى يعتمد اللغة العربية فى التدريس. أو نتيجة انتشار شبكات التواصل الاجتماعى واستعمال اللغة الإنجليزية فيها، أو بسبب تنامى النزعات العرقية التى عززت من حضور اللغات المنافسة للعربية (الكردية والأمازيغية مثلا). والأهم من هذا كله وذاك ان اللغات الأجنبية تمددت فى الفراغ الذى أحدثه تراجع الاعتزاز بالهوية العربية. وهذا التراجع لم يستدع اللغات الأجنبية فحسب، ولكنه جعل كفة اللهجات العامية المحلية أرجح وأقوى حضورا من العربية الفصحى. ولم يكن غريبا فى هذه الأجواء السلبية أن يقدم إلى الكنيسيت الإسرائيلى مشروع قانون لإلغاء اللغة العربية كلغة ثانية فى البلاد رغم أنها اللغة الأم لأعداد كبيرة من اليهود الشرقيين (السفارديم) الذين ينحدرون من أصول عربية، من يهود العراق وسوريا واليمن والمغرب. إلى جانب انها اللغة الأم لأكثر من 22٪ من سكان إسرائيل، وهم الفلسطينيون أبناء الوطن الأصليون الذين بقوا على أرض فلسطين بعد نكبة عام 1948.

فى المشرق كما فى المغرب ــ لا تسأل عن دول الخليج ــ ثمة تراجعات شديدة للغة العربية، حتى سوريا التى انحازت إلى العربية فى التدريس بالجامعات، خصوصا فى كليات الطب، شهدت اختراقات لافتة للأنظار لسيادة العربية الفصحى. وقبل الانتفاضة الحاصلة هناك تحدثت التقارير عما سمى «العربيزية» وهى مفردات عربية مطعمة بالإنجليزية تكتب بالأحرف اللاتينية ولكن من اليمين إلى اليسار (!) تحدثت التقارير أيضا عن إصدار قاموس جديد للعامية السورية أعده اثنان من الباحثين هو الفرنسى جيروم لانتان والسورى كلود سلامة. والأول أستاذ للغة العربية العامية فى المعهد الوطنى للغات الشرقية فى باريس، وكان أحد العاملين بالمعهد الفرنسى فى دمشق.

الأزمة بنفس درجة الحدة فى مصر ــ حيث تتراجع اللغة الفصحى بشدة، سواء لحساب اللغات الأجنبية التى أصبحت مدارسها تجذب أبناء كل القادرين فضلا عن الأثرياء بطبيعة الحال أو لحساب اللهجة العامية التى صارت شائعة فى وسائل الإعلام، وأصبحت لغة الإعلانات التجارية، حتى تلك المنسوبة إلى الجهات الحكومية الرسمية. يحدث ذلك رغم أن فى مصر قانونا منذ عام 1958 (أثناء الوحدة مع سوريا) يوجب استعمال اللغة العربية الفصحى فى المكاتبات واللافتات، ويقرر معاقبة المخالف بغرامة لا تقل عن عشرة جنيهات ولا تزيد على مائتى جنيه!

فى منطقة المغرب العربى خصوصا فى المملكة المغربية تواجه اللغة العربية تحديا من ثلاثة مصادر: من العامية الزاحفة، من الثقافة الفرنسية السائدة (فى تونس والجزائر أيضا) ومن جانب اللغة الأمازيغية التى شهدت انتعاشا ملحوظا فى السنوات الأخيرة. وهو ما تجلى فى انطلاق القناة التليفزيونية الأمازيغية فى عام 2010، ثم فى اعتبار الأمازيغية لغة ثانية فى الدستور الجديد بعد تعديله فى العام التالى (2011). جدير بالذكر فى هذا الصدد أن وزير الاتصال فى حكومة حزب العدالة والتنمية مصطفى الخلفى حين تحدث باللغة العربية فى أول مؤتمر صحفى يعقد بالرباط فإن ذلك اعتبر حدثا لفت الأنظار، حتى أن صحيفة الشرق الأوسط اعتبرت ذلك خبرا، وخرجت علينا فى 6/2 بعنوان عريض على إحدى صفحاتها يقول: وزير الاتصال المغربى يطل على المراسلين بالعربية فقط.

حين اتصلت هاتفيا يوم الجمعة الماضى 23/3 مع الدكتور حسن الشافعى الرئيس الجديد لمجمع اللغة العربية فى مصر، لأسأله حول انطباعاته عن مؤتمر بيروت، فوجئت به يخبرنى بأن المجمع المصرى لم توجه إليه الدعوة لحضوره. وهو ما أدهشه وأدهشنى، ولم أجد إجابة بريئة على السؤال: كيف يمكن أن يعقد مؤتمر للدفاع عن اللغة فى العالم العربى ولا تدعى إليه مصر. وألا يلقى ذلك ظلالا من الشك حول جدوى المؤتمر ومقاصده؟

أما السؤال الأهم الذى يتعين إلقاؤه على مسامع كل المهتمين بالأمر فهو: هل يمكن حقا انقاذ اللغة العربية من التراجع والهزيمة، فى حين يخيم الشعور بالانكسار والهزيمة الحضارية على الأمة العربية بأسرها، من محيطها إلى خليجها؟


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 5 جمادى اول 1433
28 مارس 2012

mohamed5175
29-03-2012, 02:41 PM
حين تبنى مجلس الشعب بالإجماع بيان لجنة الشئون العربية الذى صدر فى أعقاب الغارات الإسرائيلية على غزة، ودعا إلى تبنى موقف مصرى حازم إزاء تلك الجريمة، تباينت ردود الأفعال فى داخل مصر. إذ فى حين جاء البيان معبرا عن مشاعر الشارع المصرى فإن بعض شرائح النخب انتقدت البيان بين من اعتبره «جعجعة» تعيدنا إلى خطاب الستينيات، ومن اعتبره إخلالا باستحقاقات معاهدة السلام مع إسرائيل. والأولون لا كلام لنا معهم. لأن أغلبهم من فريق التطبيع الذين تلوثت مداركهم ولم يعد يجدى معهم أى حوار. أما الآخرون فبينهم أناس محترمون لديهم وجهة نظر تستحق المناقشة. من هؤلاء السفير المخضرم إيهاب وهبة، الذى نشرت له جريدة «الشروق» مقالة فى 17 مارس الحالى تحت عنوان «حتى لا يحرفنا الحماس بعيدا عن مبتغانا».

كان بيان لجنة الشئون العربية الذى صدر فى 12/3 قد ركز على عدة نقاط هى:

ــ إن مصر الثورة لن تكون أبدا صديقا أو شريكا أو حليفا للكيان الصهيونى الذى نعتبره العدو الأول لمصر ولأمتنا العربية.

ــ إن الحكومة المصرية مطالبة بمراجعة كل علاقاتها واتفاقياتها مع هذا العدو وما تمثله من مصادر تهديد حقيقية للأمن والمصالح الوطنية المصرية.

ــ المطالبة بطرد السفير الإسرائيلى من مصر، وسحب السفير المصرى من تل أبيب، ووقف تصدير الغاز المصرى لهذا الكيان، وتجميد العمل باتفاقية الكويز وشروطها المجحفة بالسيادة والمصالح الوطنية المصرية.

ــ تبنى خيار المقاومة بكل أنواعها وأشكالها، العودة إلى تفعيل سياسة المقاطعة العربية الشاملة للكيان الصهيونى.

فى تعليقه على البيان لم يخف السفير إيهاب وهبة إدانته «للأعمال الإجرامية» التى تقوم بها إسرائيل، لكنه فرق بين مستويين من الإجراءات فى الرد على العدوان الإسرائيلى:

مستوى يتعلق بحق مصر فى ممارسة سيادتها (مثل سحب السفير أو تجميد اتفاقية الكويز أو وقف تصدير الغاز). أما المستوى الآخر فيتعلق بالتزامات مصر الدولية التى سبق تحصينها آنذاك بموافقة مجلس الشعب وبالاستفتاء العام. والتحفظ الذى أبداه السفير وهبة انصب على ذلك المستوى الثانى، حيث اعتبر أن بعض ما دعا إليه بيان لجنة الشئون العربية يتعارض مع نصوص واستحقاقات معاهدة السلام مع إسرائيل التى وقعت فى عام 1979.

تعليقى على مقالة السفير إيهاب وهبة يتلخص فيما يلى:

ــ إن بيان لجنة الشئون العربية تحدث عن «مصر الثورة» التى يفترض أنها مختلفة عن مصر مبارك. ومن حقها أن تتعامل بطريقة مختلفة مع تعهدات العصر الذى انقلبت عليه، علما بأن البيان لم يتحدث عن خرق أو إلغاء معاهدة السلام، وإنما دعا إلى مراجعة علاقاتها واتفاقياتها التى تمثل تهديدا للأمن القومى المصرى.

ــ إن البيان إذا كان قد اعتبر إسرائيل عدوا، فإنه لم يعبر عن المشاعر الحقيقية للشعب المصرى فحسب ولكنه أيضا بادل الإسرائيليين مشاعرهم، ذلك أن خطابهم الإعلامى كان طيلة السنوات التى مضت يتحدث عن نظام حليف فى مصر وشعب عدو.

ــ إذا فهمنا وقدرنا منطق الدبلوماسى المخضرم فى حديثه عن الاتفاقات الدولية، فأحسب أنه يتعين أيضا فهم وتقدير موقف لجنة تضم نفرا من ممثلى الشعب. وليس مطلوبا من الأخيرين أن يكونوا بدورهم دبلوماسيين.

ــ القول بأن مجلس الشعب يجب أن يسير على خطى الحكومة فى معاهدة السلام أو فى غيرها يطالب النواب المنتمين بأن يتحولوا إلى موظفين فى الخارجية. ثم إنه لا غضاضة فى أن يتبنى المجلس موقفا مختلفا عن حكومته، ويدعو مثلا إلى إعادة النظر فى بعض الاتفاقات الدولية، التى زيَّفت إرادة الشعب وأهانت مصر ودورها التاريخى.

ــ إنه ليست هناك معاهدات أبدية، ومن ثم لا ينبغى أن يغلق باب الاجتهاد أو التفكير فى إعادة النظر فى معاهدة السلام فى الظرف التاريخى المناسب. وفى هذه الحالة لا ينبغى أن تحجم مصر عن الدفاع عن مصالحها العليا وأمنها القومى التى فرط فيها النظام السابق، كما لا ينبغى تخويفها بمذكرة التفاهم التى أشير إليها بين إسرائيل والولايات المتحدة.

لقد سئمنا الاستماع إلى كلام الحكومة وحدها طوال نصف القرن المنقضى، ومن حقنا أن نطالبها بأن تستمع إلى رأى الشعب بعد الثورة، حتى وإن كان من قبيل التنفيس و«فشَّة الخلق» كما يقول اللبنانيون، وإذا كان استحضار هذه المعانى واجبا فى كل وقت، فإنه يعد أوجب اليوم بوجه أخص، فى ذكرى يوم الأرض التى تحل غدا (٣٠ مارس)، وهو اليوم الذى انفجر فيه غضب فلسطينى 48 عام ١٩٧٦، إثر مصادرة 21 ألف دونم من أراضيهم لتخصيصها للمستوطنات، ضمن مخطط تهديد الجليل. وأسفر الانفجار الشعبى عن قتل ستة فلسطينيين واعتقال 300. الأمر الذى أبقى على ذكرى ذلك اليوم محفورة فى الأذهان، ضمن شواهد الجريمة الكبرى التى حاولت الاتفاقات الدولية دفنها وطمس معالمها.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 6 جمادى اول 1433
29 مارس 2012

mohamed5175
31-03-2012, 01:25 PM
الخبر أن حركة النهضة التونسية أعلنت أنها ستبقى فى دستورها الجديد على النص الذى يقرر أن «تونس دولة حرة لغتها العربية، ودينها الإسلام». وقبلت بعدم الإشارة إلى مرجعية الشريعة الإسلامية. وهى النقطة التى أثارت لغطا فى أوساط المثقفين العلمانيين الذين يهيمنون على مقدرات البلد منذ الاستقلال فى ستينيات القرن الماضى. وفى تفسير موقف الحركة قال أحد قيادييها ــ عامر العريض ــ نحن حريصون على وحدة شعبنا، ولا نريد شروخا فى المجتمع. هذا الموقف لم يعجب دوائر المتطرفين والمزايدين الذين اتهموا الحركة بخيانة التونسيين. ونقلت وكالة رويترز على لسان أحدهم قوله: إن كثيرين سيعتبرون أن الحركة تاجرت بالدين للوصول إلى السلطة، واليوم تتاجر بالتخلى عنه والتفريط فيه للبقاء فى السلطة (جريدة الشروق 27/3).

بسبب سفرة قصيرة إلى الخارج لم أتابع الخبر فى حينه، لكنى ما إن وقعت عليه بعد العودة حتى وجدته مدخلا مهما للحديث عن الحالة المصرية الراهنة، وموقف الإخوان المسلمين من لجنة كتابة الدستور، وكيف أنهم مع السلفيين أسهموا فى تعميق الشرخ فى مصر، فى حين كان بوسعهم بقدر من التواضع والحرص على وحدة الجماعة الوطنية أن يجنبوا مصر التوتر الذى شهدته طيلة الأسبوع الماضى، ولو أنهم فعلوا ذلك لكنا قد انتهينا من مسألة تشكيل اللجنة ولكانت عملية كتابة الدستور قد بدأت بالفعل، علما بأن تضييع الوقت فى الجدل حول التشكيل يمكن أن يؤثر حتى على انتخاب رئيس الجمهورية وتسليم السلطة للمدنيين فى 30 يونيو المقبل.

الفرق بين موقف حركة النهضة فى تونس وبين الإخوان فى مصر، أن الأولين اهتموا أكثر بوحدة الشعب فى حين أن الآخرين اهتموا ــ على الأقل فى المشهد الراهن ــ بحضور الجماعة وحظوظها. وهذا خطأ سياسى يجب الاعتراف به، ومن الشجاعة أن يراجع ويصوب، ومن الحكمة أن يتحول إلى درس يستفاد منه فى منهج تعامل الجماعة مع القضايا الأساسية، ومع القوى الوطنية الأخرى.

تحضرنى فى هذا السياق قصة وردت فى القرآن الكريم، تحدثت عن النبى موسى عليه السلام حين غاب عن قومه وتركهم فى عهدة أخيه هارون. وفى غيبته انحرف سلوك القوم حتى عبدوا العجل. وحين عاد النبى موسى وفوجئ بما جرى فإنه نهر أخاه واشتبك معه وذكر النص القرآنى أن هارون قال: « قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِى إِنِّى خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرَائِيلَ» (سورة طه ــ الآية 94) ــ وهى القصة التى أبرزها الدكتور يوسف القرضاوى فى حديثه عما أسماه «فقه الموازنات والأولويات». ذلك أن هارون سكت على إقدام قومه على عبادة الشرك من دون الله، حرصا على وحدتهم، بمظنة أنه إذا ما ضغط عليهم لكى يعودوا إلى عبادة الله فسوف ينفرط عقدهم ويتشتت شملهم. من ثم فإنه وازن بين حالة الشرك العارضة، وبين وحدة القوم التى تعد قيمة استراتيجية بلغة زماننا، فإنه قدم الوحدة باعتبارها مصلحة كبرى. وسكت على الشرك تجنبا للفتنة. وهى الحجة التى قبل بها النبى موسى ولم ينكرها عليه.

فى المشهد الذى نحن بصدده فى مصر، سعى الإخوان ومعهم السلفيون إلى ما اعتبروه حقا لهم باعتبارهم يشكلون الأغلبية فى البرلمان. وتحقق لهم ما أرادوا. ثم ماذا كانت النتيجة؟ حدث ما حذر منه بنو إسرائيل، حيث تفرق القوم على النحو الحاصل، الأمر الذى أدى إلى تعميق الشرخ فى الوطن، بما استصحبه ذلك من إشاعة عدم الثقة بين القوى الوطنية وإلهاء الناس عن همومهم الحياتية. ولا تسأل عن المليارات الأربعة التى خسرتها البورصة.

فى أى موازنة عاقلة، سنجد أن الخسارة التى منى بها الوطن، بل تلك التى منيت بها جماعة الإخوان على الأقل، أضعاف «المكسب» الذى يبدو ضئيلا وبلا قيمة.

عندى بعد ذلك نقطتان. الأولى أنه إذا قال قائل إن الأقلية تثير ضجيجا بمناسبة وبغير مناسبة، وأن منهم من لا يعترضون على حظوظ الإخوان فقط وإنما على وجودهم أصلا، فلن أختلف معه من حيث المبدأ لكنى أضيف أمرين. الأول أن بينهم عناصر وطنية تستحق الاحترام وينبغى ألا يخسرها الإخوان تحت أى ظرف. والثانى أن الأخطاء التى ترتكبها الجماعة هى التى توفر لذوى النوايا السيئة رصيد الضجيج الذى ينشدونه. النقطة الثانية أن المرونة التى أدعو إليها والنظر إلى المصلحة العليا للوطن لن تعجب بعض المتشددين من السلفيين أو غيرهم، وربما ذمَّوا الإخوان بمثل ما قيل بحق حركة النهضة فى تونس، لكن ذلك لا ينبغى أن يكون سببا للتراجع أو التردد لأن مصلحة الوطن ــ فى كل الأحوال ــ ينبغى أن تقدم على ما عداها.


جريدة الشروق المصرية
السبت 8 جمادى اول 1433
31 مارس 2012

mohamed5175
01-04-2012, 01:26 PM
إحدى مشكلات مجلس الشعب الحالى فى مصر أن أعضاءه يمثلون الشارع ولا يمثلون الحكومة أو الحزب الحاكم. وهذا هو السبب فى امتلاء جدول أعماله بمشكلات الناس صغيرها وكبيرها، الأمر الذى يكاد يخل بترتيب الأولويات، حتى وجدنا أن مشكلة توافر السولار أو أنابيب البوتاجاز فرضت نفسها على المناقشة فى المجلس، متقدمة على قضية الانفلات الأمنى أو الأزمة الاقتصادية فإذا كان أعضاء المجلس يتنافسون فى استدعاء ما كان محبوسا من مشاعر أو ما كان مسكوتا عنه من ملفات ومشكلات، فلنا أن نتصور موقف السلفيين الذين عانوا طويلا من التعتيم والحصار وربما الازدراء، ثم وجدوا أنفسهم فجأة تحت قبة البرلمان وفى بؤرة الضوء. الأمر الذى أتاح لهم أن يرفعوا أصواتهم عالية ليقولوا فى العلن وعلى الفضائيات. ما حبسوه طويلا ودرجوا على الهمس به فى بعض الزوايا والسراديب التى كمنوا فيها خشية البطش والملاحقة.



والحق اننى ما أردت أن أعلق على ازدحام جدول أعمال المجلس بمختلف الهموم والشجون، وان كنت أعتبر مسألة ترتيب الأولويات قضية محورية بالنسبة للجميع يتعين الالتفات إليها، ولكنى بالإشارة إلى تلك الخلفية أردت أن انبه إلى الأجواء السائدة داخل البرلمان تمهيدا لوقفة ابتغيتها مع أداء السلفيين تحت القبة. وإذا كنت قد تحدثت قبلا عن صاحبنا الذى رفع أذان الصلاة أثناء انعقاد المجلس، واعتبرت مسلكه من قبيل الطفولة السياسية، فإن دعوة نظير له إلى وقف بث القنوات الإباحية شجعنى على العودة إلى المناقشة من خلال وقفة أخرى. ذلك أن تلك الدعوة تعد مؤشرا يوحى باقتراب السلفيين من ملف الآداب العامة ومظاهر الالتزام الدينى، الذى يعد أحد العناوين الأساسية فى استراتيجية الفكر السلفى.



ولا أجد مفرا فى اللحظة الراهنة من تكرار القول بأن السلفيين ليسوا شيئا واحدا، ولكنهم مذاهب ومدارك شتى. مع ذلك أزعم بأن الاهتمام بالعقائد أولا ثم بالمظاهر والسلوك ثانيا يمثل قاسما مشتركا بين أغلب مدارسهم. بالتالى فقد أعذر من شغل نفسه بالحرب على القنوات الإباحية واتفهم خلفيته الثقافية، إلا أن إثارة الموضوع فى مجلس الشعب تدعو إلى تسجيل الملاحظات التالية:



● إن ما قد يقبل فى مخاطبة الاتباع والمريدين فى صحن المسجد أو الزاوية لا يقبل تحت قبة البرلمان الذى يمثل الأمة بأسرها. على الأقل من حيث إن طموح الأولين يختلف بالكلية عن تطلعات وتوقعات الأخيرين. وبقليل من النظر يدرك الإنسان الفرق بين أولويات هؤلاء وهؤلاء.



● حتى إذا أيدنا النائب المحترم فى مطلبه، واعتبرنا منع القنوات الإباحية مطلبا جماهيريا وواجب الوقت، فإن الإقدام على هذه الخطوة فى زماننا بات مستحيلا من الناحية العملية، لأن الوصول إليها رغم المنع بات فى مقدور كل أحد. وإذا ما حقق النائب مراده وصدر قرار المنع فسوف يجد صاحبنا أن بث تلك القنوات متاحا على هاتفه المحمول. وإذاكان هناك اتفاق على تعريف القنوات الإباحية، فغاية ما يطلب من الدولة ألا تبث تلك المواد أو تمول إنتاجها. وهو الحاصل الآن.



● إننا نتمنى على السلفيين وعلى عموم الإسلاميين الممثلين فى البرلمان أن يظل سعيهم إلى الإضافة والبناء مقدما على حرصهم على الخصم أو الهدم. وليتذكروا جميعا أن النصوص القرآنية قدمت الأمر بالمعروف على النهى عن المنكر.



● إن النبى عليه الصلاة والسلام طوال عشر سنوات تقريبا لم ينشغل بهدم الأصنام فى الكعبة، رغم أنها تعد التحدى الأكبر لرسالة التوحيد. وشغل طوال تلك الفترة بالتبليغ والتبشير بالدعوة، أعنى بتأسيس البديل الأفضل.



● إننى أتمنى على عقلاء السلفيين أن يوجهوا بعضا من اهتمامهم نحو احتياجات الجماهير التى انتخبتهم وأولويات الوطن الذى ينتمون إليه، وان يفصلوا بين ما يخص جماعتهم وبين ما يصبو إليه المجتمع المحيط بهم. وليتهم يلتزمون بأولويات الجماهير والوطن وان يقدموها على مشروع الجماعة وأفكارها.



● عليهم أن يدركوا أيضا أن هناك من يتربص بهم ويتصيد لهم، تشهد بذلك الضجة المبالغ فيها التى أحدثتها الحماقات التى أقدم عليها بعض عناصرهم، بدءا من رفع الأذان أثناء الجلسة ومرورا بفرقعة أنف البلكيمى وانتهاء بفتاوى بعض شيوخهم التى صدمت الرأى العام، وهو ما أضرَّ بهم وخوف الناس منهم وسحب الكثير حتى رصيدهم. ولأن المتصيدين لن يغيروا من موقفهم، فلا أقل من يكف السلفيون عن تزويدهم بما يشجعهم على الاستمرار فى تبنى ذلك الموقف.



بالمناسبة، ما مصير هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر التى أعلنت عن نفسها فجأة وأحدثت فى مصر بلبلة أفزعت كثيرين، ثم اختفت فجأة ولم نعد نسمع لها صوتا أو نقرأ عنها خبرا ــ وهل كان ظهورها مجرد فرقعة أم دسيسة أريد بها ترويع المجتمع؟

جريدة الشروق المصرية

الاحد 9 جمادى اول 1433
1 ابريل 2012

mohamed5175
02-04-2012, 11:57 AM
لم أقتنع بالحجج التى ساقها الإخوان لتبرير دفعهم بمرشح من بينهم لخوض انتخابات رئاسة الجمهورية. وكنت قد تحفظت من قبل على قيامهم بتشكيل الحكومة فيما اعتبرته «مغامرة» محفوفة بالمخاطر. إلا أن ما قيل أمس الأول عن الترشح للرئاسة يرفع من درجة التحفظ حتى يضاعفه. فى هذا الصدد لدى عدة ملاحظات بعضها فى الشكل وبعضها فى الموضوع.

من حيث الشكل قيل إن موضوع ترشح المهندس خيرت الشاطر جرى التصويت عليه فى مجلس شورى الإخوان وأن 54 أيدوه، فى حين كان المعارضون 52. علما بأن الأمر حين عرض فى اجتماع سابق للمجلس عارض مبدأ الترشح 52 شخصا وأيده 13 فقط. ورغم أن التغيير فى المواقف بين الاجتماعيين يلفت النظر، إلا أن نتيجة التصويت الأخير تحتاج إلى وقفة. ذلك أن صوتين هما اللذان رجحا كفة تأييد الترشح. وفى قضية بأهمية الموضوع المطروح، ما كان ينبغى أن يتخذ القرار بناء على تلك الأغلبية البسيطة. ناهيك عن أنه كان على رأس المعارضين قيادات حزب العدالة والتنمية والسيد محمد مهدى عاكف مرشد الإخوان السابق. الأمر الذى يعنى أن المعارضين لهم ثقلهم الخاص فى الكم والنوع ــ وحسبما سمعت من المستشار طارق البشرى نائب رئيس مجلس الدولة الأسبق فإنه حين كان يطرح موضوعا مهما للتصويت على الجمعية العمومية للمجلس، وتتقارب فيه الأصوات عند الفرز، فإن القرار يؤجل لأنه لا يستساغ اتخاذ قرار فى موضوع مهم بأغلبية ضعيفة. وإنما يفضل اتاحة فسحة من الوقت لكى يراجع كل طرف نفسه لاتخاذ القرار الصحيح. فى هذا السياق ينبغى أن تثار عدة علامات استفهام حول علامات التحول فى التصويت بين الأغلبية الكبيرة التى عارضت الترشح فى البداية إلى الأغلبية النسبية التى ايدته.

فى الشكل أيضا يثار السؤال التالى: هل أقدمت قيادة الإخوان على هذه الخطوة دون أى تشاور أو تفاهم مع المجلس العسكرى؟ ــ إذا كان الرد بالإيجاب فمن حقنا أن نعرف مضمون ذلك التفاهم وحدوده. أما إذا كان الرد بالنفى فهل الإخوان جاهزون للصدام مع المجلس وفى تحمل تداعيات وفاتورة ذلك الصدام؟ وما هى المصلحة الوطنية فى ذلك؟

النقطة الثالثة فى نقد الشكل ان الإخوان قرروا فصل الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح ومعاقبة أعضاء الجماعة الذين أيدوه بدعوى أن قرارهم الأصلى كان يقضى بعدم الترشح للرئاسة. لكنهم حين غيروا رأيهم ظل موقفهم من الدكتور أبوالفتوح كما هو، حتى بدا وكأن الموقف لم يكن مبنيا على المبدأ والموقف ولكنه كان منصبا على الشخص.

النقطة الرابعة والأخيرة فى الشكل هى: كيف مر على الإخوان أن الجماعة الوطنية المصرية بل والمجتمع المصرى بأسره يمكن أن يحتملوا فى وقت واحد رئاستهم لمجلسى الشعب والشورى والجمعية التأسيسية للدستور ورئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية أيضا؟ وكيف يقتنع الرأى العام بحديثهم عن المشاركة أو عن زهدهم فى السلطة؟

فيما خص الموضوع يثير المشهد عدة اسئلة منها ما يلى:

●هل الإخوان جاهزون لحمل المسئوليات التى يتقدمون نحوها. وهل يتوقعون أن يشاركهم أحد من القوى الوطنية الأخرى بعدما بالغوا فى قدرتهم على النحو الذى لمسه الجميع؟ وهل يستسيغ فى عقل رصين فكرة تفردهم بحمل تلك الأثقال فى ظروف هى من اسوأ الظروف التى مرت على مصر؟

● ألم يدركوا أن تصويت الجماهير لصالحهم فى الانتخابات البرلمانية يمكن أن تختلف دوافعه تماما عنها فى حالة الانتخابات الرئاسية. إذ هم فى البرلمان أصحاب رأى، أما فى الرئاسة فهم أصحاب قرار. ولأنهم لم ينجزوا شيئا يلمسه الناس على الأرض حتى الآن فما الذى سيقنع الجماهير بجدوى التصويت لصالحهم فى انتخابات الرئاسة.

● هل يتوقع الإخوان أنهم وحدهم يستطيعون مواجهة تحديات الداخل التى على رأسها الانفلات الأمنى وإدارة عجلة الاقتصاد وتحقيق العدل الاجتماعى، وأين هى الكوادر الإخوانية التى يمكن أن تنهض بهذه الأعباء كلها؟ ولماذا لم نرها فى لجان مجلس الشعب مثلا؟

● ألم يخطر ببال الإخوان أن بعض الدول العربية تتوجس منهم، وبعضها مشتبك معهم، والبعض الآخر يساند آخرين لا يمثلونهم؟

● ألم يخطر ببالهم أيضا أن معاهدة السلام مع إسرائيل التى لم يحددوا منها موقفا تشكل أهم تحديات سياستهم الخارجية، وان الموقف الأمريكى فى مصر مرتبط إلى حد كبير بموقف نظامها من العاصمة؟

فى مقام سابق قلت ان الإخوان يتعرضون لثلاثة أنواع من الفتن، فتنة السلطة، وفتنة الأغلبية وفتنة الأضواء. وفى حين حذرت من الاستسلام لأى من تلك الفتن، فإننى فوجئت الآن بأنهم وقعوا فيها جميعا ــ وفى مقام آخر قلت إن الذين يكرهون الإخوان يريدون توريطهم فى استلام السلطة ويتمنون أن يغرقوا فى مستنقع مشكلاتها المستعصية. وحين سئلت أخيرا عن رأيى فيما أعلنوه أمس الأول قلت إنهم وقعوا فى الفخ، وحققوا لخصومهم ما تمنوه لهم، وهو أمر يصعب تصديقه، حتى يكاد يشك المرء فى أن ما حدث من أوله إلى آخره ليس أكثر من كذبة أبريل التى أراد الإخوان أن يداعبونا بها!


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 10 جمادى اول 1433
2 ابريل 2012

mohamed5175
03-04-2012, 12:41 PM
دخلت القمة العربية الأخيرة التاريخ من باب الجغرافيا. إذ لم يكن انعقاد القمة خبر الأسبوع الماضى لأن الخبر الحقيقى والأهم كان فى احتضان بغداد لذلك اللقاء.


(1)

أحد الأسئلة التى ألحت على طوال الرحلة إلى بغداد كان حول تفسير إصرار الحكومة العراقية على عقد القمة على أرضها، بعدما تأجلت شهرا بعد شهر طوال العام الماضى، حتى نفد صبر أهل القرار فى بغداد وأعلنوا عن انعقادها بمن حضر يوم الخميس 29 أبريل، وطاف المبعوثون العراقيون بمختلف عواصم العرب لتوصيل تلك الرسالة.

أول ما خطر لى فى الإجابة على السؤال أن حكومة بغداد تريد أن تصل ما انقطع بينها وبين العالم العربى، منذ تحول العراق إلى دولة منبوذة جراء الاحتلال الأمريكى، الذى استمر ثمانى سنوات (بين عامى 2003 إلى 2011)، وبعد انسحاب القوات الأمريكية فى نهاية العام الماضى، فإن ذلك شجع الحكومة العراقية على أن تعمل على طى تلك الصفحة وتجاوزها، بما يمكنها من تجديد أواصرها مع العالم العربى، وإثبات حضورها على الصعيدين الإقليمى والدولى.

خطر لى أيضا أن يكون رئيس الوزراء الحالى نورى المالكى قد أصر على عقد القمة لتكون ورقة فى يده ونقطة لصالحه لتثبيت قواعد حكمه وتقوية وضعه الداخلى، خصوصا أن ثمة شرخا مشهودا بينه وبين قيادة الإقليم الكردى. كما أن الشرخ الحاصل بين حكومته وبعض القيادات السنية يزداد اتساعا بعد توجيه الاتهام الجنائى إلى نائب الرئيس طارق الهاشمى الذى يعد ممثلا للسنة ولجوئه إلى كردستان. ذلك فضلا عن استمرار الصراعات داخل كل فئة، واستمرار العمليات الإرهابية التى تقوم بها أطراف متعددة المرجعيات والحسابات.

العراقيون الذين تحدثت إليهم، وبعضهم مسئولون فى الدولة، قالوا إن هذه العوامل موجودة فى الخلفية حقا، لكن ثمة عاملا أكثر أهمية يكمن فى المشهد، لكن الجميع لا يعلنون عنه تجنبا للحرج السياسى. وهو يتلخص فى أن العراق منذ رحيل القوات الأمريكية يواجه ضغوطا إقليمية قوية تتجاذبه بشدة. يتحدثون بوجه أخص عن إيران وتركيا، وأن كلا البلدين يحاول أن يتمدد فيه سياسيا واقتصاديا بل وعسكريا. أضافوا أن هناك ضغوطا أمريكية مفروغا منها، ولكن الانسحاب العسكرى أحدث فراغا على الأرض العراقية تحاول كل من طهران وأنقرة أن تملأه. والمسئولون فى هذين البلدين لا يلقون بالا للعمق العربى المتجذر فى العراق. فى هذا الصدد قال لى أحد الوزراء إنه بوسع أى أحد أن ينتقد الحكم القائم فى بغداد، لكن لا أحد يستطيع أن يشكك فى عروبته، ليس فقط لأسباب قومية أو وطنية، وإنما لأسباب وجودية أيضا. ذلك أن المسئولين فى بغداد يدركون جيدا أن هويتهم العربية وحدها التى يمكن أن تعصم بلادهم من الذوبان فى الجيران (للعراق حدود مع إيران بطول 1200 كيلومتر ومع تركيا بطول 400 كيلومتر) وهذا الحرص على تثبيت «النَّسب» العربى يشكل العامل الأول والأهم فى إصرار العراق على عقد القمة العربية على أرضه تحت أى ظرف.

فى هذا السياق همس فى أذنى أحد المسئولين العراقيين قائلا إنه بعد الانسحاب الأمريكى أصبح العراق بلا غطاء جوى، الأمر الذى تنافس عليه بشدة الإيرانيون والأتراك، ولكن حكومة بغداد رفضت العروض المقدمة من البلدين، ولجأت إلى مصر لحل الإشكال، فاستجابت وحققت لها ما أرادته.


(2)

اجتماع القمة عقد فى أحد قصور الرئيس السابق صدام حسين، وبعد الغزو اتخذه بول بريمر أول حاكم أمريكى للعراق مقرا له. وفى الأسبوع الماضى توزعت بعض أجنحته على الرؤساء العرب الذين حضروا. وكان واضحا أن القصر خضع لعملية تجديد وترميم شاملة، خصوصا قاعة الاجتماع الرئيسية التى اتسمت بدرجة ملحوظة من الفخامة. من الملاحظات التى سجلها على الاجتماع بعض الدبلوماسيين الأجانب أن زعيما كرديا (الرئيس جلال طالبانى) رأس اجتماع القادة العرب، وأن عشرة رؤساء وقادة حضروا الاجتماع فى حين أن قمة دمشق اشترك فيها تسعة منهم فقط، من الملاحظات الأخرى أن دولتين خليجيتين (قطر والسعودية) أوفدتا مندوبيها لدى الجامعة العربية لرئاسة وفديهما. وإضعاف مستوى التمثيل فهم منه أن للدولتين تحفظا قيل إن له أسبابا عدة بينها اختلافهما مع بغداد حول الموقف من تسليح المعارضة السورية الذى تمسكت الحكومة العراقية برفضه. لوحظ أيضا أن أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد استقبل بحفاوة خاصة من جانب العراقيين بعد تسوية النزاع حول تعويضات حرب الخليج (500 مليون دولار). وكانت تلك أول زيارة يقوم بها لبغداد منذ احتلال الكويت فى عام 1990. منها كذلك أن الرئيس التونسى المنصف المرزوقى اعتذر للعراقيين فى المطار عن اشتراك عدد من التونسيين فى أنشطة بعض الجماعات الإرهابية ببلدهم. من الملاحظات أيضا أن نائب رئيس الأمين العام للجامعة العربية أحمد بن حلى قال إن بعض الأطراف العراقية لم تكن مرحبة بعقد القمة فى بغداد. وإن الأمين العام الدكتور نبيل العربى قال إن 29 دولة طلبت حضور المؤتمر، كان بينها تركيا وإيران، إلا أن طلباتهم قوبلت بالرفض. ومما كانت له دلالته، أيضا أن رئيس إقليم كردستان مسعود بارزانى قاطع القمة وغادر البلاد فى جولة أوروبية وأمريكية.


(3)

حتى اللحظة الأخيرة لم تفقد الحكومة العراقية الأمل فى أن تبلغ بقدوم المشير محمد حسين طنطاوى رئيس المجلس العسكرى أو رئيس الوزراء الدكتور كمال الجنزورى. وفيما فهمت فإن اتصالا هاتفيا أجرى معهما، إلا أنهما اعتذرا عن عدم الحضور بسبب سخونة التفاعلات السياسية فى مصر، وأزمة الإخوان مع المجلس العسكرى والحكومة. ومثل مصر فى النهاية وزير الخارجية السيد محمد كمال عمرو، الذى حملته طائرة خاصة. وما إن هبط منها فى مطار بغداد حتى ذهب لاجتماع مع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. وفى التعليق على المشهدين قال أحد العراقيين المخضرمين إن كثيرين لا يعرفون أن العراق يدفع الكثير بسبب غياب مصر، وإن حضورها هو الحل. وحسب تعبيره فإن مصر هى البلد العربى الكبير الوحيد الذى ليست له أطماع فى العراق، ولا حساسيات طائفية إزاءه. ولست أبالغ إذا قلت إنه ما من مسئول عراقى التقيته إلا وأبدى قلقه وأسفه إزاء الفراغ الذى أحدثه غياب مصر عن الساحة العربية عموما والعراق بوجه أخص. فى صدد العلاقة بين القاهرة وبغداد حدثنى أكثر من واحد بما يلى:

● إن العراق حرص قبل القمة على إنهاء مشكلة مستحقات العمال المصريين الذين كانوا يعملون بالعراق، والتى جاوزت 400 مليون دولار. وإن البيروقراطية المصرية مسئولة عن تأجيل سداد ذلك المبلغ بسبب تمسكها بدفع 500 مليون أخرى فوائد تأخير. وأخيرا، قبل أيام من عقد القمة، تم الاتفاق على دفع الاستحقاق الأصلى وفتح باب التفاوض حول الفوائد فى وقت لاحق.

● إن العراق مستعد لحل مشكلة السولار التى فجرت أكثر من أزمة فى مصر، ولو أن المشير أو رئيس الوزراء شارك فى القمة لكانت تلك فرصة لحسم الموضوع وإغلاق ملفه خلال 24 ساعة.

● إن العراق الذى دمره الاحتلال، بحاجة ملحة إلى العمالة والخبرة المصرية فى مختلف المجالات، ليس فقط فى مجالات الإعمار (وهى بغير حدود) وإنما أيضا فى المجال الزراعى. وقد حقق بعض رجال الأعمال المصريين فى القطاع الخاص نجاحات مشهودة، ولكن هؤلاء لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. (أحدهم حقق أرباحا بقيمة 5 مليارات دولار خلال 3 سنوات فقط).

● ثمة شكوى من تقاعس وبيروقراطية مؤسسات القطاع العام التى لا تريد أن تتحرك أو تنجز. وللتدليل على ذلك قيل لى إن وفدا يضم أحد وزراء الإقليم الكردى جاء للاجتماع مع رئيس واحد من أكبر تلك المؤسسات لمناقشته فى بعض المشروعات المهمة، ولاحظوا أثناء اجتماع المسئول المصرى معهم أنه كان يتابع إحدى مباريات كرة القدم، ويعبر عن قلقه لأن فريقه لم يحرز أية أهداف!


(4)

كانت تلك أول زيارة لى لبغداد بعد عقدين من الزمان. فى العقد الأول (أيام صدام حسين) كان النظام غاضبا على، وفى العقد الثانى (بعد الاحتلال) كنت من جانبى عاتبا عليه. وهذا الجفاء ظل مصدر حزن لى، لأننى طوال تلك الفترة ظللت محروما من بلد ثرى يشكل جزءا عزيزا من وجدان كل عربى، خصوصا إذا كان مهتما بالثقافة والفنون، التى هى عندى أهم من النفط فى العراق.

لم ألتق بغداد المدينة، لكنى صادفت بغداد المعسكر. إذ لم أر فيها سوى المدرعات والدبابات وناقلات الجنود ونقاط التفتيش التى أقيمت عند كل مائة متر. إضافة إلى مائة ألف جندى مدججين بالسلاح على الأرض. ومائة مروحية ظلت تحلق فى الفضاء طول الوقت. أما الناس فقد اختفوا من الشوارع بعدما عطلت الدوائر الرسمية طيلة خمسة أيام. فمنهم من قعد فى بيته ومنهم غادرها إلى بلدته أو قبيلته. وكانت النتيجة أن الشوارع صارت أقرب إلى السراديب المقفرة، بعدما وضعت ألواح الحوائط الأسمنتية على جانبيها، سواء كان خرابا أو تدبيرا إرهابيا.

لم نلتق لا أنا ولا غيرى أحدا من المواطنين العاديين، ولكن كل الذين لقيناهم كانوا مواطنين موظفين، إما رجال أمن بلا حصر تخفوا فى ثياب مدنية، أو موظفون انتدبوا للمراسم لمرافقة الضيوف وتلبية طلباتهم. وجميعهم ارتدوا ثيابا واحدة تميز بعضهم عن بعض، سواء كانوا رجالا أو نساء. أما المواطنون العاديون الذين التقيناهم فلم يكونوا عراقيين، وإنما كانوا أتراكا. استقدموا خصيصا لخدمة المدعوين. وكما حدث فى قمة «سرت» بليبيا التى عقدت منذ سنتين، فإن شركة تركية هائلة الإمكانيات وعالية الكفاءة تسلمت قبل أسبوعين من عقد المؤتمر 14 فندقا وبيتا للضيافة، وقامت بتوفير كل ما من شأنه خدمة المشاركين، استقبالهم وتسكينهم وخدمة غرفهم وكى ثيابهم وتقديم وجبات الطعام التركى الباذخ لهم. ونجحت فى تقديم كل ما يمكن أن يريحهم، من العصائر والقهوة والحلوى وحتى الزهور، وكلها تركية بطبيعة الحال، وهى المهمة التى قام بها 2500 شخص، ارتدوا ثيابا نظيفة مميزة وضمن ذلك الجيش كتيبة، من الفتيات الجميلات اللاتى يراهن الناس فى المسلسلات التركية ظهرت فى مداخل الفنادق وبيوت الضيافة بابتسامات مرسومة وثياب شرقية جذابة، وقد حفظن عبارات التحية باللغة العربية، من صباخ الخير (بالخاء) وحتى «السلامو» عليكم وكيف حالكم. وإزاء ذلك الحضور التركى القوى سألت أحد المسئولين العراقيين مازحا: هل جاءوا معهم بتوصيات المؤتمر أيضا؟

صحيح أننى لم أتجول ببغداد ولم ألتق أهل العراق، لكننى ملأت صدرى بالهواء الذى لم يقتله صدام حسين ولا استطاع أن يغتصبه المحتلون ولا لوثته مشاحنات العراقيين أو مراراتهم. كان نصير شمة عازف العود الشهير قد عاد فى نفس يوم وصولى بعد غيبة 19 عاما، فانخرط فى البكاء حين وطأت قدماه أرض بلده، لكننى اكتفيت باستنشاق هواء بغداد، وفى لحظة تبخرت عندى رواسب العقدين الماضيين، وحل العناق محل العتاب.

جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 11 جمادى اول 1433
3 ابريل 2012

mohamed5175
04-04-2012, 12:03 PM
لا يستطيع المرء أن يكتم ضحكته حين يطالع صورة وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون وهى واقفة فى الرياض وسط وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجى الستة. لكنه لا يلبث أن يستشعر رغبة فى البكاء حين يقرأ الكلام المنشور تحت الصورة. على الأقل فقد كان ذلك شعورى حين وقعت على الصورة التى نشرتها صحف الأحد الماضى (الأول من أبريل) وأبرزتها مكبرة على صفحاتها الأولى الصحف العربية الصادرة فى لندن.

أما لماذا ضحكت، فلأننى تذكرت الشيخ محمد الغزالى رحمه الله حين وقع ذات صباح على صورة مماثلة لوزير الخارجية الأمريكى مع وزير خارجية إحدى الدول الخليجية نشرت تحت عنوان ذكر أن الوزير الخليجى اجتمع مع «نظيره» الأمريكى وبحثا معا القضايا ذات الاهتمام المشترك. ذلك أن الشيخ ما إن رأى الصورة وقرأ العنوان حتى استغرق فى الضحك، وقال لى ــ وكنا على مائدة الإفطار فى عاصمة الدولة الخليجية ــ يقولون إن الأمريكى نظير له، وإنهما بحثا معا القضايا ذات الاهتمام المشترك، ما الدليل على أن صاحبنا نظير للأمريكى، ومنذ متى كان الأمريكى يتباحث مع أى مسئول خليجى، وكيف يمكن وصف ما جرى بأنه من قبيل الاهتمام المشترك. وتساءل وهو لايزال مستغرقا فى الضحك: هل يمكن أن تطلق هذه الأوصاف على علاقة الفيل بالنملة؟!

استعدت أسئلة الشيخ الغزالى، حين قرأت أن الصورة التقطت لأول اجتماع «للتعاون الاستراتيجى» بين الجانبين، الذى «تطابقت فيه وجهات النظر» حول الموقف من الملفين الإيرانى والسورى. وهو ما دعانى إلى التساؤل عما إذا كان ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين دول الخليج الست هو حقا «تعاون استراتيجى» بين نِدَّين أو طرفين متقاربين فى القوة أو فى المصالح. أم أن المصطلح ليس أكثر من غطاء لقرار وسياسة أمريكيتين تقوم الدول الأخرى بتنفيذه، وإن ما قيل عن اتفاق وجهات النظر بين الطرفين حول القضايا المطروحة هو فى حقيقته إعلان عن إتمام التسليم والتسلم للرسالة الأمريكية. بذات القدر فقد كان مضحكا ومبكيا فى ذات الوقت أن نقرأ فى الكلام المنشور أن دول الخليج شكلت لجنة أمنية خاصة مع واشنطن لدراسة بناء منظومة درع صاروخية لحماية دول المنطقة (لا تنس أن واشنطن أقامت منظومة مماثلة فى تركيا وافقت عليها أنقرة بشروط معينة وأبدت استعدادها لتفكيكها إذا أخلَّت واشنطن بتلك الشروط). ذلك أننى لم أقتنع بأن العسكريين الأمريكيين سيأخذون على محمل الجد مسألة اللجنة الخليجية التى ستتولى دراسة موضوع الدرع الصاروخية معهم. كما أننى لم أتوقع أن تضع الدول الخليجية شروطا لاستخدام تلك الدرع على غرار ما فعلته تركيا التى اشترطت أن يشترك خبراؤها فى إدارة المشروع، وألا تنقل المعلومات التى يتم تحصيلها إلى أى طرف خارج حلف الناتو (إسرائيل هى المقصودة).

لا أريد أن أقلل من شأن أحد، لكننى فقط أردت أن يعطى كل طرف حجمه ودوره الطبيعيين. كما تمنيت ألا تستخدم اللغة فى التمويه علينا وتمرير المسألة باعتبارها تعاونا استراتيجيا حقيقيا بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجى. وأذهب فى هذا الصدد إلى أن واشنطن فى تعاملها مع الدول العربية وليست مجلس التعاون الخليجى وحده، لا تتفاهم ولا تتعاون، ولكنها إن لم تأمر فإنها تقرر وتترك التنفيذ «لأصدقائها». بل إننى أزعم أن مسألة «الصداقة» هذه فيها نظر، حيث من الصعب أن نتوقع أو نستوعب صداقة بين الفيل والنملة، ولا أقول بين الذئب والحمل.

حتى إذا التمسنا عذرا للدول الخليجية فيما أقدمت عليه، يتمثل فى حيرتها إزاء الفراغ المخيِّم الذى حول العالم العربى إلى أمة بلا قيادة وجسم بلا رأس، فإن ذلك لا يسوغ عملية التمويه التى تستهدف التستر على حقيقة العلاقة وطبيعة السيناريوهات التى يرتبها الأمريكيون وتقوم دول المنطقة بتنفيذها. وجميعها لا تصب فى المصلحة العربية العليا.

عندى ملاحظتان على موضوع «التعاون الاستراتيجى» هما:

● إن اجتماع الرياض عقد بعد 48 ساعة من القمة العربية، التى لم تتبن موقفا معاديا لإيران ولم تؤيد تسليح المعارضة السورية، الأمر الذى يعنى أن ما لم تمرره القمة، حدث التفاف عليه لتمريره عبر مجلس التعاون الخليجى، الذى أقر مسألة الدرع الصاروخية الموجهة ضد إيران، ودعا إلى تسليح المعارضة السورية باعتباره «واجب الوقت».

● إن الاجتماع عقد بعد 24ساعة من ذكرى يوم الأرض فى فلسطين (30 أبريل)، ولم يشر المشاركون فيه بكلمة إلى الجريمة الكبرى التى ارتكبت ضد الإنسانية فى فلسطين، ولا خطر لأحد ولا توقع أحد أن يتحدث بأى شكل من الأشكال عن مجرد التعاطف مع المقاومة الفلسطينية، ولو أن أحدا تمنى على المجتمعين أن يطالبوا بتسليحها لاتهم بالخرف وربما لوحق وتعرض للتكفير السياسى باعتباره مؤيدا للإرهاب ومعاديا للسامية.

بقى سؤال أخير هو: هل ما جرى تعاون استراتيجى أم أنه تعاون على الاثم والعدوان؟

جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 12 جمادى اول 1433
4 ابريل 2012

mohamed5175
05-04-2012, 12:48 PM
نأسف لإبلاغكم بتوقف عمليات الشحن والتفريغ بميناء شرق التفريعة ببورسعيد منذ عشرة أيام، مما اضطر معه المصدرون والمصنعون المصريون إلى تحويل الشحن لميناء الإسكندرية حتى أصابه التكدس نتيجة تجاوز طاقته الاستيعابية هو ما أدى إلى توقف عمليات التحويل تماما. ونظرا لتكرار ذلك الحدث دون تدخل حاسم وإجراء رادع من جانب الجهات المصرية المسئولة فقد أوشك المصدرون والمصنعون على فقدان العقود التصديرية المبرمة مع كبرى الشركات العالمية واهتزاز الثقة فيهم. وسينعكس ذلك على الاقتصاد المصرى الهش نتيجة مثل هذه المواقف العبثية غير المسئولة. وقد وردت إلينا معلومات تفيد بأن كبرى شركات الملاحة العالمية التى تعمل فى مصر تفكر جديا فى نقل عملياتها إلى دول أخرى نظرا للخسائر الفادحة التى تكبدتها. وبالفعل فقد قامت شركة «ميرسك لاين إيجيبت» (أكبر شركات الشحن الهولندية) بنقل عملياتها إلى مالطة، مما سيؤدى حتما إلى زيادة تكلفة الشحن والتفريغ وتكدس الموانئ الأخرى. إزاء ذلك لنا أن نتساءل:

● لمصلحة من تدمير الصناعة المصرية ووقوف المسئولين موقف المتفرج على هذه المهزلة المتكررة دون إجراءات رادعة وحاسمة ضد كل من تسول له نفسه إلحاق الضرر بالاقتصاد المصرى؟

● لماذا لم يستمع المسئولون إلى الصرخات والاستغاثات المتكررة للمصنعين المصريين لوضع آليات للتعامل مع مثل هذه الأزمات؟

● هل سننتظر حتى يعلن المصنعون المصريون إفلاسهم وتسريح العمالة لديهم؟

خلال اليومين الماضيين كان نص الرسالة أعلاه موزعا على مكاتب كل الصناعيين المصريين الذين تضامنوا معها، بعدما فاض بهم الكيل. وقال لى أحدهم إنها تعبر عن جانب من مأساة العاملين فى ذلك القطاع، الذين أصبحوا ثلاث فئات. فئة ندمت على دخول مجال الصناعة وثانية قررت أن تعتصم بالصبر لحين استعادة بعض مستحقاتها قبل أن تصفى أعمالها. وفئة ثالثة قرر أصحابها أن يغلقوا مصانعهم ويسرحوا عمالهم، قبل أن يتفرغوا للتقاعد أو يحزموا حقائبهم ويهاجروا إلى بلاد الله الواسعة، وهؤلاء بخلاف الذين لم يحتملوا استمرار نزيف الخسائر فصفوا أعمالهم وأستراحوا.

لا أخفى أن هذه الصورة فاجأتنى، لأن ما تنشره وسائل الإعلام يعطى انطباعا مغايرا تماما ويوهم الجميع بأن الاجتماعات التى تعقد تعمل جاهدة على تذليل الصعاب، والقضاء على العقبات التى تحول دون تحريك المياه فى بحيرة الصناعة الراكدة.

هى عودة إلى شعار «كله تمام»، الذى كان يستخدم للتغطية على الكوارث، والتستر على الجرائم التى ترتكبها البيروقراطية. هكذا قال أكثر من واحد من خبراء القطاع الصناعى الذين رجعت إليهم. واستغربت قولهم إن ما يحدث الآن هو تجريف وتدمير منظم لذلك القطاع، إن لم يكن يتم بسوء نية فإنه يعد فى حده الأدنى إهمالا جسيما يرقى إلى مستوى العمد، كما يقول أهل القانون. طلبت إيضاحا فقالوا لى إن للأزمة أوجها أخرى تتمثل فيما يلى:

● إن الجهاز المصرفى غدا عبئا على الصناعة وليس معينا لها. ذلك أنه أصبح يوجه ما لديه من سيولة لصالح شراء سندات الحكومة وأذون الخزانة. بالتالى فإنه أصبح عاجزا عن تمويل تنمية القطاع الصناعى. ليس ذلك فقط وإنما أصبح يمارس ضغوطا قوية على الشركات الصناعية لتحصيل مستحقاته، دون أى مرونة أو اعتبار للظروف الصعبة التى مر بها القطاع الصناعى خلال العام الذى أعقب قيام الثورة. وترتب على ذلك تراكم الخسائر والفوائد على الشركات الصناعية، مما اضطر بعضها إلى إشهار الإفلاس والتصفية فى نهاية المطاف. وهى صورة تبعث على التشاؤم وتثير سؤالا كبيرا حول دور البنك المركزى الذى يقف متفرجا على التدهور الحاصل دون أى حراك يذكر.

● إن الدور الذى كانت تقوم به الدولة لتشجيع الصادرات تراجع إلى حد كبير ثم توقف تماما. فبعد أن كانت المبالغ المخصصة لهذا الغرض فى حدود 4 مليارات جنيه، فإنه تم تخفيضها إلى مليار و800 ألف فقط، ثم بدا أن العملية ستتوقف تماما بعد ذلك. ومن شأن ذلك التراجع أن يرفع تكلفة الإنتاج، وأن يضاعف من خسائر الشركات التى أعدت ميزانياتها على أساس وجود ذلك الدعم. وحين يتوقف فانها ستضطر إلى تسريح بعض عمالها على الأقل.

● ثمة تقاعس حكومى غير مفهوم وغير مبرر عن رد أموال الربط الضريبى، التى يدفعها المنتج لتوفير بعض احتياجاته فى السوق المحلية. إذ حسب النظام المتبع فإن المصدر يدفع 10٪ ضريبة مبيعات عن الخامات التى يشتريها من الداخل، وفى نهاية العام وبعد أن يثبت أنه قام بالتصدير فعلا، ترد إليه قيمة الضريبة التى دفعها، لكن الحاصل الآن أن الجهات المختصة تمتنع عن الرد وتختلق مختلف الذرائع لذلك. وتكون النتيجة أن كل مصنع كبير أصبح دائنا للحكومة بعدة ملايين من الجنيهات لكنها تتملص فى الدفع. فى حين أن صاحب المصنع لو تأخر 24 ساعة عن سداد التأمينات المطلوبة منه، فإنه يحول إلى النيابة العامة!

● فى الوقت الراهن فإن القطاع الصناعى يبدو مهلهلا وبلا صاحب. فلا توجد جهة مسئولة تحل له مشاكله أو تسمع لشكواه وتتعامل معها بجدية، ولا يوجد مسئول مستعد لاتخاذ قرار فى حل تلك المشكلات، كما ان مجتمع رجال الأعمال يبدو متشرذما تتجاذبه المصالح والحسابات الخاصة وتضغط عليه رواسب المرحلة الماضية. الأمر الذى يسهم فى تعقيد المشكلات وتوسيع نطاق الركود، ويشيع القلق والحيرة بين الصناعيين.

أحد الصناعيين الكبار علق على المشهد قائلا بأن إصلاح التخريب فى القطاع الصناعى ليس أمرا هينا، ولكنه يتطلب أجيالا، وأن ترك الأمر على ما هو عليه، الآن لا يحتاج إلى أى تدبير من جانب الثورة المضادة، لأن ما يحدث على الأرض يحقق لتلك الثورة ما تريد وزيادة.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 13 جمادى اول 1433
5 ابريل 2012

mohamed5175
07-04-2012, 01:44 PM
لو أن أحدا ألقى نظرة على مصر من الجو، أو أنصت جيدا للأصوات العالية فيها، فسوف يكتشف أنه بصدد عالمين مختلفين. عالم النخب فى القاهرة التى تتعارك طوال الوقت. ومعركتها الأخيرة حول التمثيل فى لجنة الدستور، التى استصحبت تهديد البعض بتشكيل لجنة أخرى موازية، وتنافس الصحف ملاحقة أخبار المقاطعة وجهود الوساطة والطعن المقدم إلى المحكمة الإدارية فى شرعية اللجنة. ذلك إلى جانب الأصداء المدوية فى مختلف وسائل الإعلام لترشيح المهندس خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية، وعاصفة النقد التى يتعرض لها الإخوان... إلخ.

العالم الآخر يعيش هموما أخرى لا علاقة بها بالضجيج الذى تثيره نخبة القاهرة. وقد تحدثت عن شواغل ذلك العالم فى مرتين على الأقل. الأولى فى 24 مارس، حين عرضت أبرز المشكلات التى تهدد المزارعين، والثانية يوم الخميس الماضى 5/4 حين نبهت أن التحديات والمصاعب التى تهدد القطاع الصناعى، والتى ألحقت أضرارا جسيمة بمئات المصانع أدت إلى وقف التصدير إلى الخارج.

ربما جاز لنا أن نقول إن الضجيج المثار فى القاهرة صادر عن نخبة المثقفين والسياسيين «المتكلمين»، أما الهموم التى يعانى منها الطرف الآخر فهى تعذب عالم المنتجين. والأولون مشكلاتهم بين بعضهم البعض، أما الآخرون فمشكلاتهم مع جهاز الإدارة والبيروقراطية بالدرجة الأولى. وللأسف فإن ضجيج المتكلمين يملأ الفضاء ويستأثر بالاهتمام، فى حين أن هموم المنتجين تقبع فى الظل، ولا يكاد يشعر بها أحد. رغم أنها الأهم والأخطر. ومستقبل البلد الذى يستنزف اقتصاده كل صباح، مرهون بمدى النجاح أو الفشل فى التعامل مع مشكلات أولئك المنتجين.

إن الريف الذى يروعه انتشار الحمى القلاعية التى تهدد بإبادة الثروة الحيوانية، وتخنقه أزمات الصرف الصحى وتدمره مشكلات اختفاء السولار وصلاحية البذور وأسعار السماد. والصناعيون الذين توشك مصانعهم على الإغلاق ويعجزون عن تصدير منتجاتهم وتعتصرهم ضغوط البنوك وفوائد الديون ــ هؤلاء وهؤلاء لا تعنيهم فى شىء معارك وضجيج النخبة القاهرية التى استولت على الفضاء وهمشت من عداها.

مشكلة نخب القاهرة أنها لا تثق فى بعضها البعض وتعانى من سوء الظن المتبادل، حيث لم تتخلص بعد من حالة الاحتراب التى انخرطت فيها طوال العقود الأخيرة، والذى أدخل مصر فى حالة من الحرب الأهلية الباردة التى اصطفت فيها القوى العلمانية والليبرالية فى جانب والجماعات الإسلامية فى جانب آخر. ولم يكن سرا أن جناحا من القوى الأولى تحالف مع النظام القائم آنذاك ضد الجماعات الإسلامية، التى اعتبرت الاثنين خصوما لا سبيل إلى التفاهم معهما. وحين سقط النظام استشعر الأولون أنهم يواجهون خطرا وجوديا فاستمروا فى حربهم، ولم يغير الآخرون نظرتهم إليهم فاستمروا على خصوصتهم وبادلوهم سوء الظن. ولم يخل الأمر من مفارقة، لأن الفريق الأول مارس معركته فى الفضاء الثقافى والإعلامى، أما الثانى فإنه خاض معركته على الأرض. وحين جاءت نتائج الانتخابات مخيبة لآمال الأولين على النحو الذى يعرفه الجميع، فإنهم ازدادوا شراسة فى حملتهم. شجعهم على ذلك سلسلة الأخطاء التى وقع فيها الأخيرون. وكانت النتيجة أن الطرفين اللذين اعتادا الاحتراب فيما بينهما، ولم يعملا معا يوما ما لم ينجحا فى صياغة علاقة عمل تسمح لهما بإدارة خلافاتهما على نحو إيجابى يرشد الخصومة ويقلل من سوء الظن. وإزاء استغراق الطرفين فى الحرب الباردة الدائرة بينهما، فإنهما استسلما لما بينهما من مرارات وحسابات. وظلت القاهرة مسرحا لذلك العراك البائس، الأمر الذى أدى إلى انفصالهما بصورة تدريجية عما يجرى خارج حدود العاصمة.

مشكلات المزارعين والمنتجين مع الحكومة والبيروقراطية، التى استفادت من انشغال القوى السياسية بصراعاتها، واستئثار مثقفى القاهرة وسياسييها بالأضواء، فتراخت فى أدائها لمهامها ولم تحل شيئا من المشكلات التى يمكن أن تعالج بقرار حازم ومواجهة صريحة ومباشرة. وسواء كان السبب يرجع إلى الإهمال الجسيم أو الهروب من المسئولية فالشاهد أن قطاعى الزراعة والصناعة فى مصر أصبحا الضحية. وحين يكون الأمر كذلك فمن الطبيعى أن يصبح اقتصاد البلد فى خطر، كما أن أمنه القومى يصبح منكشفا ومهددا.

إن السؤال الذى يطرح نفسه فى المشهد الراهن هو: هل ذلك كله مجرد مصادفة أم أنه شىء مخطط ومرتب أو مسكوت عليه عمدا لحاجة فى نفس يعقوب. وأرجو ألا تسألنى عمن يكون «يعقوب»؟

جريدة الشروق المصرية
السبت 15 جمادى اول 1433
7 ابريل 2012

mohamed5175
08-04-2012, 12:56 PM
لا نعرف على وجه الدقة كيف ستنتهى مسألة حصول والدة حازم أبوإسماعيل على الجنسية الأمريكية الأمر الذى قد يخرجه من سباق الانتخابات الرئاسية، لكن الذى أعرفه أن مصر بعد الثورة دخلت عصر الملفات المفتوحة، والحريات التى لا سقف لها. أعنى أنه لم يعد بمقدور أى أحد مهما علا شأنه أو بلغت سطوته أن يتحصن بوظيفته أو قوته ليكون فوق النقد والتحرى والتجريح أحيانا، كما يحدث فى أى مجتمع مصرى يعترف بحق المجتمع فى أن يعرف كل شىء عن الذين يؤدون أدوارا فى المجال العام. وإذا كان فقهاء المسلمين قد ابتكروا «علم الرجال» الذى يقوم على فكرة «الجرح والتعديل» لتحديد وزن كل واحد من رواة الأحاديث النبوية، للاستيثاق من مكانته وأمانته بما يمكنهم من تحديد مدى قوة الحديث المروى أو ضعفه، فإن ممارسات المجتمعات الديمقراطية أخضعت كل المشتغلين بالعمل العام لمعايير الجرح والتعديل أيضا. صحيح أنها اختلفت من مجتمع إلى آخر تبعا لاختلاف القيم السائدة، لكن الفكرة الأساسية ظلت واحدة، وهى أن ملف الشخصية العامة يجب أن يكون مفتوحا أمام الجميع.



ليست بعيدة عن أذهاننا ما نشرته جريدة الدستور فى عام 2007 عن مضمون تقرير طبى تحدث عن الحالة الصحية للرئيس السابق، وهو ما تحول إلى قضية انتهت بالحكم على زميلنا الأستاذ إبراهيم عيسى بالسجن ستة أشهر، خففت بعد الطعن إلى ثلاثة أشهر، وانتهت بـ«العفو» عنه من قبل الرئيس المذكور، وكانت العملية كلها بمثابة تحذير «وشدَّة أذن» أريد بها تنبيه القاصى والدانى بأن «المقامات العَلِيَّة» ليست ككل الناس، وأخبارها لا ينبغى أن تلوكها ألسنة العامة، ولم يكن الأمر مقصورا على الفرعون وأهل بيته فحسب، ولكن الحصانة شملت الكهنة المحيطين به، الأمر الذى أسدل ستارا كثيفا من الصمت حول كل عمليات اغتصاب البلد وتجريفه، وفى ظل تلك الأجواء تمت أكبر صفقات النهب، سواء فى بيع القطاع العام وتوزيع الوكالات التجارية الكبرى على المحاسيب والأقارب أو فى إهدار الثروة العقارية للبلد، كما وقعت الجرائم الكبرى التى جرى التلاعب فيها واحتواؤها، من حوادث احتراق قطار الصعيد وقصر ثقافة بنى سويف إلى كارثة عبارة الموت التى تواطأت أجهزة السلطة فى تهريب صاحبها وتحويل جريمة قتل أكثر من ألف مواطن إلى جنحة، وصولا إلى تورط نفر من أبناء النظام المدللين فى قتل المطربة اللبنانية فى دبى.



اختلف الأمر الآن، واستعاد المجتمع حقه فى أن يطلع على ملفات كل رجال العمل العام. (والنساء بطبيعة الحال). حيث لم يعد الأمر يطلب بذل أى جهد غير عادى، لأن المعلومات باتت فى متناول الجميع. إذ من خلال الإنترنت أو شاشات التليفزيون والصحف السيارة أصبح بمقدور كل ذى عينين أن يمارس حقه فى أن يعرف. من تفصيلات قصة أنف البلكيمى إلى بيانات جواز السفر الأمريكى الخاص بأم المرشح حازم أبوإسماعيل وشائعة تهرب السيد عمرو موسى من التجنيد قبل خمسين عاما (التى كذبت لاحقا) مرورا بقصة التجديد بعد سن الستين لزوجة رئيس أركان القوات المسلحة، وحكاية مليارات الصناديق الخاصة التى لا يعرف أحد أين ولا كيف تنفق، وقصة سيارة رئيس مجلس الشعب الـ(bmw) التى احتج البعض على شرائها له، ثم تبين أنها قديمة وكانت مخصصة لرئيس المجلس السابق.



المناخ الجديد لم يتح معلومات وخلفيات الشخصيات العامة لكل أحد فحسب، ولكنه أيضا أدى إلى تعرية كثيرين ممن ظهروا على المسرح السياسى بعد الثورة، فعرفنا الذين انتفعوا أو انتفخوا، وعرفنا الذين سال لعابهم أمام الغواية فتنافسوا على مصادر التمويل الأجنبى. تماما كما عرفنا الثوار الحقيقيين الذين ظلوا قابضين على الجمر، وحريصين على أن يدفعوا لا أن يقبضوا. وحين فتن واحد من المنتفعين بالنجومية التليفزيونية المفتعلة وألقى كلمة فى احتفال للقوات اللبنانية فى بيروت وصف فيها زعيم تلك الفرقة بأنه رجل ملهم وأنه رمز للثورة والصمود. (رغم أن للرجل سجله الأسود فى الذاكرة الوطنية اللبنانية) ــ هذه السقطة لم تمر. إذ لم تمض دقائق حتى كانت أخبار الفضيحة حاضرة على الإنترنت ومثار استهجان البعض وسخرية وتندر البعض الآخر.



كثيرون لم ينتبهوا إلى ذلك المتغير المهم فى أجواء ما بعد 25 يناير، خصوصا أولئك الذين ما برحوا ينعون إلينا الثورة ويقولون إنها إما خطفت وسرقت أو أنها لم تقع أصلا. وكنت أعتقد أن السيد عمر سليمان نائب الرئيس السابق حين أعلن عن عدم اعتزامه ترشيح نفسه للرئاسة. كان يعى أن مصر تغيرت وانتقلت إلى عصر الملفات المفتوحة، ومن ثم أدرك أنه لو تقدم للترشيح لا نفتح ملفه خلال السنوات العشرين الأخيرة من حكم مبارك، ولما خرج من التجربة سالما. ومن ثم آثر الكمون وفضل أن يظل واقفا على البر، ولكن أما وقد خيَّب الرجل هذا الظن فليسمح لنا بأن نفتح الملف ونستدعى بعض عناوينه، حتى يتذكر من نسى ويفيق من غَفَل أو استعبط.


جريدة الشروق المصرية
الاحد 16 جمادى اول 1433
8 ابريل 2012

mohamed5175
09-04-2012, 12:55 PM
ينبغى أن نتوجه بالشكر إلى نائب الرئيس السابق السيد عمر سليمان لأنه ذكرنا بأن فى مصر ثورة تحتاج إلى إنقاذ من عبث المهرجين ومغامرات المزايدين وحماقات الهواة والمحدثين، لكن ذلك لا يمنعنا من أن نصف اجتراء الرجل على ترشيح نفسه لرئاسة مصر بأنه يمثل تحديا للثورة واحتقارا لها، حتى أكاد أزعم أن هذه الخطوة بمثابة منازلة علنية من جانب أركان النظام السابق وفلوله، جاءت بعد 48 ساعة مع إعلان مرشح آخر من ذات الفريق عن أن حسنى مبارك مثله الأعلى. الأمر الذى يوجه إلينا عدة إشارات لها دلالاتها المهمة، من بينها أو على رأسها أن العسكر يطرقون الأبواب، ولم يدركوا بعد أن زمانهم ولَّى.

ولئن أدهشنا وحيَّرنا دفع الإخوان بمرشح لهم فى سباق الرئاسة، فإن دخول السيد عمر سليمان بعد تردد وإحجام يصدمنا، حتى إذا لم يكن التردد حقيقيا وإنما استخدمه المخرج المجهول لجس النبض والتشويق. ذلك أن أحدا لم يكن يتصور أن الرجل الذى ظل يقف وراء مبارك طوال عشرين عاما، حتى اصطفاه واختاره فى النهاية نائبا له وأمينا على نظامه يمكن أن يعود مرة أخرى ليجلس على مقعد رئيس مصر. وهى التى ثارت على مبارك بعدما فاض بها الكيل وقرر شعبها بعد ثلاثين عاما من حكمه أن ينتفض رافضا استبداده وإذلاله وفساده، هو وحاشيته، ودفع لأجل ذلك ثمنا غاليا من دماء أبنائه.

الآن وقعت الواقعة. إذ فى حين توقعنا أن ينضم الرجل إلى رفاقه نزلاء مزرعة طرة، خصوصا أنه كان أخطر بكثير من بعضهم، فإننا فوجئنا به منضما إلى قائمة المتنافسين على دخول قصر العروبة. إزاء ذلك فمن حقنا أن نتساءل كيف حدث ذلك ولماذا؟

قبل أن أحاول الإجابة ألفت النظر إلى أربعة أمور. الأول أننى لا أتحدث عن الشخص، الذى قد يكون له فضائله، لكننى أتحدث دوره وموضوع ترشحه للرئاسة. إن شئت فقل إنه لا شأن لى بسيرة الرجل. ولكننى معنى بمسيرته. الأمر الثانى أننى لا أستطيع أن أجزم بأن ظهوره جزء من مؤامرة مدبرة، ولا أستبعد أن تكون تداعيات المشهد بعد الثورة هى التى شجعته على الإقدام على الخطوة التى اتخذها. بالتالى فلن أتطرق إلى سيناريو المؤامرة. الذى يعد خوضا فى المجهول. وسوف أتوقف عند التداعيات التى أشرت إليها، باعتبارها من قبيل المعلوم الذى يلمسه الجميع ويعايشونه.

الأمر الثالث أننى أفهم أن الرجل بحكم موقعه رئيسا لجهاز المخابرات العامة لديه أهم الملفات وأخطرها، الأمر الذى مكنه من أن يعرف أكثر مما ينبغى عن مختلف الأطراف المشاركة فى المشهد السياسى الراهن، سواء كانوا من أهل القرار أو كانوا من المرشحين المنافسين وليس لدى علم بمدى إسهام تلك الخلفية سواء فى إبقائه خارج المساءلة عن نظام مبارك الذى كان أحد أعمدته أو تشجيعه على خوض معركة التنافس على الرئاسة.

الأمر الرابع أن الرجل بدا مستغفلا لنا ومستخفا بنا كثيرا حين وعد فى بيان عودته إلى الترشح «بإنجاز التغيير المنشود واستكمال أهداف الثورة». وهو فى ذلك تجاهل أو تناسى أن تغييره شخصيا كان منشودا باعتباره الذراع الرئيسية لمبارك، وأن التخلص من أركان النظام الذين كان واحدا منهم كان من أهداف الثورة. وقد صدق الرجل فى فقرة واحدة حين قال إنه كجندى لم يعص أمرا فى حياته، لكنه صدق منقوص لأنه لم يذكر أنه لم يعص أمرا لمبارك، الأمر الذى أوصلنا إلى ما وصلنا إليه من تدهور ومهانة. وحين نقرأ العبارة بهذا المعنى فإن ما قاله الرجل يصبح عليه وليس له.

إذا دققنا فى التداعيات التى ظهر فى ظلها السيد عمر سليمان فسنجد أنها تتمثل فيما يلى:

استمرار الانفلات الأمنى الذى بلغ إحدى ذُراه فى مذبحة بورسعيد ــ بقاء ميدان التحرير كما هو فى قلب القاهرة، بقبح منظره وهيمنة البلطجية عليه واستفزازه لكل العابرين فضلا عن أصحاب المصالح، ــ استنزاف رصيد الاحتياطى النقدى واستمرار تراجع البورصة ــ الشد والجذب بين الحكومة ومجلس الشعب الذى هددها بسحب الثقة ــ شل حركة القطاع الصناعى وتشديد وطأة الضغط على المزارعين بالمصدرين ــ انكشاف عجز الحكومة فى مسألة تسفير الأمريكيين المتهمين فى قضايا التمويل الأجنبى ــ تخوف المجتمع من نفوذ الإخوان ومناظر السلفيين وتصرفاتهم ــ الصراع بين القوى السياسية حول تأسيسية الدستور ومضمونه ــ اتساع نطاق الانفلات والاحتجاج الذى دفع البعض إلى تعطيل القطارات والبواخر النيلية.

أمثال هذه التداعيات يمكن أن تقرأ بحسبانها من توابع الزلزال الذى حدث فى مصر، ويمكن أن تقرأ بحسبانها من آيات التشرذم والفوضى التى تهدد بانفراط عقد المجتمع وتهديد هوية وكيان الدولة. وأغلب الظن أن نائب الرئيس السابق وجماعته راهنوا على القراءة الثانية. حتى رأينا بعضهم قد كتب إلى جانب صورته التى رفعت فى مظاهرة مؤيديه يوم الجمعة الماضى عبارة تقول: علشان خاطر أنقذ مصر، وهى عبارة مضحكة ومبكية فى الوقت نفسه، لأن الثورة التى قامت لتنقذ مصر من مبارك وأعوانه، تقدم لها فى نهاية المطاف واحد من الأعوان لكى يكون منقذا لها. الأمر الذى يثير السؤال التالى: كيف السبيل إلى إنقاذنا من المنقذ المنتظر؟! ــ لنا فى الموضوع كلام آخر يوم الأربعاء بإذن الله.


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 17 جمادى اول 1433
9 ابريل 2012

mohamed5175
10-04-2012, 01:15 PM
لا نريد أن نقحم الإسلام والشريعة فى سوق المزايدة، حيث ما عاد واردا التساؤل عما إذا كنا معهما أو ضدهما. ذلك أن السؤال الصحيح هو كيف نفهم الاثنين ومن أى باب ندخل إليهما، وما موقعها فى أولويات تحديات اللحظة الراهنة.


(1)

هذا الأسبوع ظهر شاب ملتح على شاشة التليفزيون وقال فى حوار معه إن الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح المرشح الرئاسى «ضد الشريعة». رغم أن الجميع يعلمون أن الرجل كان ناشطا إسلاميا قبل أن يولد الشاب المتحدث. ويوم الجمعة الماضى احتشد نظراء له فى ميدان التحرير للتضامن مع المرشح حازم أبوإسماعيل، وكان من بين هتافاتهم أن «الشعب يريد شرع الله» وفى تونس أنزل واحد منهم علم البلاد واستبدله بعلم آخر أسود اللون، يرى البعض أنه علم الخلافة الإسلامية. وخرجت مظاهرة ضمت عدة آلاف دعت إلى إقامة دولة مدنية، فردت عليها آلاف أخرى بمظاهرة مقابلة دعت إلى إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة. وحذر وزير الداخلية التونسى على العريض، وهو ناشط إسلامى من أركان حزب النهضة قضى 15 عاما فى سجن النظام السابق من تداعيات ذلك التراشق. إذ نشرت له صحيفة «لوموند» الفرنسية (فى 21/3) مقالة أدان فيه سلوك من أنزل العلم، وذكر أن قلة من السلفيين لجأوا إلى العنف فى مسعاهم لإقامة دولة إسلامية فى تونس، فاشتبكوا مع الجيش على مقربة من مدينة صفاقس، وكانوا ثلاثة شبان صغار السن. وقد ألقى القبض عليهم مع عشرات من أتباعهم. وقال إن هؤلاء وأمثالهم يشعرون بأنهم أقوياء إزاء ضعف مؤسسات الدولة بعد قيام الثورة، وقد حصلوا على السلاح من مخازن الجيش أثناء الفوضى التى عمت البلاد أثناءها. وخلص العريض فى مقالته إلى القول بإن دعاة العنف بين السلفيين هم الخطر الأبرز الذى يواجه تونس فى الوقت الراهن، وأن المواجهة معهم قادمة لا ريب.

عنف الحركة السلفية ليس معروفا فى مصر، لكن له تاريخا فى الجزائر وليبيا وتونس. لكن العقلية واحدة إلى حد كبير عندنا وعندهم. وصاحبنا الذى رفع الأذان أثناء جلسة مجلس الشعب فى مصر، ورفاقه الذين رفضوا الوقوف احتراما للسلام الجمهورى والنشيد الوطنى، هؤلاء لم يختلفوا كثيرا عن الشاب الذى أنزل علم بلاده ورفع بدلا منه علما أسود. فظن أنه بذلك أقام دولة الخلافة فى المغرب العربى.

اختزال التدين فى بعض المظاهر والطقوس والتبسيط الشديد فى فهم دور الدين، والغيبوبة شبه التامة عن معطيات الواقع وأولوياته، من السمات الأساسية التى تميز تفكير قطاع عريض من السلفيين، علما بأن هؤلاء أتيح لهم أن ينتشروا فى أجواء الفراغ الكبير الذى عانت منه بلادنا، فى ظل التجريف السياسى الذى استصحب تغييب حركات الرشد الدينى التى تبنت المنهج الوسطى. ساعد على ذلك الانتشار أن مجتمعاتنا العربية متدينة بطبيعها، فضلا على التبسيط الذى اتسمت به الأفكار السلفية بتركيزها على الأشكال والمظاهر. إذ باللحية والجلباب أو النقاب يصبح المرء مؤهلا للانخراط فى الحركة وحائزا على جواز المرور إلى دوائرها. وليس سرا أن هذه المجموعات تتلقى دعما ماليا جيدا من أقرانهم فى دول الخليج، خصوصا التجار منهم الذين ينذرون زكواتهم لصالح تلك الدعوة.


(2)

إذ استثنينا مسألة لجوء بعض السلفيين إلى العنف فى تونس، سنجد أن ثمة تشابها من أكثر من وجه بين الحاصل هناك وما يجرى فى مصر، فالمجتمع متدين ومحافظ فى البلدين. كما أن النظام القمعى ساد كلا منهم، وإقصاء حركات الاعتدال الدينى تم عندهم وعندنا، حتى إغلاق منارة جامع الزيتونة فى تونس قابله تأميم الأزهر فى مصر. ولأن السلفيين كانوا خارج السياسة ولم يكونوا معنيين بها. فإن الأمن غض الطرف عنهم فى البلدين، مما ساعد على انتشارهم فى الأوساط الشعبية. وحين قامت الثورة فى البلدين ظهر المجتمع على حقيقته وبرز السلفيون على الواجهة، وتحولوا إلى قوة شعبية معتبرة، رغم أنهم فى تونس لم يشاركوا فى الانتخابات وبقوا فى الشارع. أما فى مصر فإنهم بمشاركتهم فى الانتخابات من خلال ائتلافهم خطوا خطوة إلى الأمام، ودخلوا إلى حلبة المشهد السياسى.

حين بدأت فى تونس خطوات وضع الدستور، ثار الجدل حول هوية الدولة. فدعا فريق إلى إقامة الدولة المدنية، وارتفعت أصوات السلفيين داعية إلى الدولة الإسلامية وتحكيم شرع الله. وهو ذاته الحاصل فى مصر. ورغم أن الأمر لم يحسم فى مصر فإنه فى تونس حسم على الوجه التالى: فى أكثر من مناسبة أعلن الشيخ راشد الغنوشى رئيس حركة النهضة صاحبة الأغلبية فى البرلمان أو الجمعية التأسيسية أن تونس بلد مسلم قبل الحركات الإسلامية وبعدها ولا يحتاج فى ذلك إلى شهادة من أحد. ورفضت الحركة مزايدة الآخرين على هوية الدولة، واكتفت بالنص الوارد فى الدستور على أن تونس دولة حرة لغتها العربية ودينها الإسلام، دون الإشارة إلى مرجعية الشريعة للقوانين التى تصدر. وأعلن الناطق باسم «النهضة» أنهم ارتضوا ذلك حرصا على تحقيق الوفاق الوطنى وتجنبا لإثارة الشقوق فى صفوف المجتمع.

فى حوار مع الشيخ راشد الغنوشى فى تونس قال لى إن الحركة حين تبنت ذلك الموقف فإنها لم تتزحزح عن التزامها بالهوية الإسلامية للمجتمع. لكنها كانت تصوب النظر نحو الوفاق الوطنى المطلوب للنهوض بذلك المجتمع. كانت أعينها على الأمن الذى ينبغى يستتب وعجلة الاقتصاد التى ينبغى أن تدور، وطوابير العاطلين الذين يتعين توفير فرص العمل لهم، والمؤسسات الديمقراطية التى يجب أن تنهض، ومحيطها المغاربى الذى خسرنا كثيرا بسبب ابتعادنا عنه، ولم يكن ممكنا أن ترحل كل تلك المشكلات لصالح استمرار العراك حول صياغة دور الإسلام فى مجتمع يعد الإسلام أحد ثوابته ومسلماته.


(3)

الصورة فى مصر أكثر تعقيدا، سواء بسبب أزمة النخبة التى رسبت فى مادة الوفاق، أو بسبب وضع البلد السياسى والالتزامات الخارجية التى تقيد حركته حتى تكاد تكبله. ذلك أن تمزق الصف الوطنى يبدو واضحا لكل ذى عينين جراء طموح الأغلبية وسوء تقديرها من ناحية، وتعنت الأقلية ومراراتها من ناحية ثانية. وكان من التداعيات البائسة التى ترتبت على ذلك التمزق والتراشق، أن فلول النظام السابق انتهزت فرصة اشتباك الطرفين وتقدمت إلى صدارة المشهد السياسى لتلعب دور المنقذ الذى يحمى حمى الوطن. وهو ما شهدناه مؤخرا فى قوائم المتقدمين للتنافس على رئاسة الجمهورية.

ومما يؤسف له أن الأغلبية الإسلامية التى تم انتخابها فى مجلس الشعب خوفت المجتمع ولم تطمئنه. فأداء الإخوان لم يكن مقنعا ولم يكن وفاقيا. وبدا من سلوكهم أنهم معنيون بحضور الجماعة ودورها بأكثر من عنايتهم بلم شمل الصف الوطنى وتعزيز تماسكه.

كما أنهم فهموا خطأ حدود مسئولية الأغلبية، حتى تصوروا أنها الممثل الشرعى والوحيد للمجتمع. أما السلفيون فقد بدا أن مسألة تطبيق الشريعة همهم الأول إن لم يكن الأوحد. وتصور بعضهم أنهم بدورهم الممثل الشرعى الوحيد للملة على الأرض. ولأنهم قادمون جدد إلى المسرح السياسى فقد تمترسوا حول شعار تطبيق الشريعة، وبدا أنهم غير مستعدين للحوار حول كيفية تنزيله على أرض الواقع وصيغ ذلك التنزيل، والمقاصد المرجوة منها. آية ذلك أنهم ــ مثلا ــ يدعون إلى تغيير المادة الثانية من الدستور لكى تنص على أن أحكام الشريعة الإسلامية ــ وليس مبادئها ــ هى المصدر الأساسى للتشريع. ورفض بعضهم ما قلته ذات مرة من أنه عند المفاضلة بين الاثنين، فالإشارة إلى مبادئ الشريعة أو مقاصدها أوفى وأصوب من النص على الأحكام. ليس فقط لأن مصطلح المبادئ مستقر فى الدستور ويصلح كأرضية للوفاق والتلاقى مع الآخرين المختلفين، ولكن أيضا لأن إلى جوارنا دولا تطبق الأحكام ولا تلتزم بالمبادئ التى هى الأهم والمنشودة فى النهاية. حتى إن منها ما يطبق الحدود الشرعية ــ أو يدعى ذلك ــ فى حين يهدر المقاصد التى منها العدل والحرية والمساواة. وقد أوقفت الحوار ذات مرة ياسأ من إقناع واحد منهم حين سألته أيهما أهم عندك: الحرية أم الحدود فرد على مستنكرا وقائلا: أتريد أن تفرط فى حدود الله؟!

من أوجه التعقيد الأخرى فى المشهد المصرى التى تفرض تماسك الجماعة الوطنية وتضغط بشدة على أولوياتها ـ ولا نظير لها فى تونس ـ تلك الالتزامات الخارجية التى قلت إنها تكبل البلد، وتتمثل فى عبء علاقات مصر بالولايات المتحدة ومعاهدة السلام مع إسرائيل. وهى الالتزامات التى أزعم أنها تحولت إلى «عاهات» سياسية ينبغى التعامل معها بحكمة تصوبها بما يرفع تعارضها مع المصالح العليا للوطن أو مع الأمن القومى العربى.


(4)

هذه الخلفية التى تضفى خصوصية على المشهد المصرى، تجعلنا نعيد النظر فى أولويات الملفات والعناوين التى يتعارك حولها المثقفون والقوى السياسية فى مصر. لذلك تمنيت أن نكف عن المزايدة على هوية البلد والعبث بها.

فالأولون يفرقون الصف ويفسدون أكثر مما يصلحون، والآخرون يحاربون طواحين الهواء. وجدل الطرفين وعراكهم يشتت الصف الوطنى من ناحية، ويهدر الأولويات التى ينبغى أن يحتشد من أجلها الجميع. لقد قال الدكتور يوسف القرضاوى ذات مرة إن الديمقراطية مقدمة على الشريعة، وهو ما أوافق عليه تماما وإن كنت أضيف أن استقلال الوطن مقدم على الاثنين، ذلك أننى أزعم أن استقلال الإرادة المصرية هو القضية الأولى التى يتعين على الجميع أن يلتفوا حولها، حيث لا معنى لأى جدل حول الهوية أو الشريعة ولا قيمة لأى إنجاز على هذين الصعيدين طالما أن الوطن لا يملك قراره فى قضاياه المصيرية. وكما أن المرء يرفع عنه التكليف إذا فقد عقله. فكذلك الوطن يرفع عنه التكليف إذا سلبت إرادته.

إن معركة استرداد الإرادة الوطنية ومقاومة أمر التبعية والإلحاق بالخارج ينبغى إنجازها قبل الانتقال إلى بند آخر فى جدول أعمال الجماعة الوطنية المصرية. وحين تغيب هذه الحقيقة عن إدراك أو برامج ممثلى القوى السياسية المختلفة فذلك يعنى أحد أمرين، إما أنهم ذاهلون عن تحديات المرحلة وأولوياتها، أو أنهم هازلون وليسوا جادين فيما يقولون ويفعلون، وفى الحالتين فإنهم يصبحون عبئا على العمل الوطنى وليسوا رافعه أو عونا له.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 18 جمادى اول 1433
10 ابريل 2012

mohamed5175
11-04-2012, 12:32 PM
ما يدهشنى فى ترشح السيد عمر سليمان لرئاسة الجمهورية أمران، الأول انه ليس لديه أى شعور بالذنب جراء الدور الذى قام به فى نظام أذل مصر وشعبها طوال ثلاثين عاما. الثانى أنه فى لقاءاته بعد الترشح يتحدث بثقة شديدة مطمئنا إلى فوزه، معتقدا أنه أصبح المخلِّص الذى سيُخرج مصر من أزمتها. وهو فى ذلك لا يستهين بالشعب المصرى وثورته فحسب، ولكنه يفترض فى المصريين البلاهة والغباء، ويراهن على أنهم شعب بلا ذاكرة.

إن الرجل حرص على أن يقدم نفسه باعتباره جنديا خادما للوطن، وأنه لم ولن يجامل على حساب ذلك الوطن. وكان قد ذكر فى بيان اعتزامه الترشح أنه باعتباره جنديا لم يعص أمرا فى حياته. كأنما أراد أن يخلى مسئوليته عن جرائم نظام مبارك، وأن يقنعنا بأن دوره لم يتجاوز حدود تلقى الأوامر وتنفيذها.

إذا صح ذلك. فليس أمامنا فى رد ما يدعيه الرجل سوى أن نستدعى ملفه، وأن ندعو إلى التحقيق فى محتواه، لتحديد حجم مسئوليته فى ظل النظام الذى ثارت الجماهير ضده. أدرى أن ثمة ثغرة فى هذه الدعوة، وهى أن محاسبة أركان النظام السابق لاتزال حتى الآن محصورة فى دائرة الجرائم الاقتصادية والجنائية. أما الجرائم السياسية التى أفضت إلى تدمير سمعة مصر والإضرار بأمنها الوطنى وإلحاقها بمعسكر التبعية، فإنها لاتزال حبيسة صندوق المرحلة المباركية الأسود، الذى لم يُفتح بعد. وأغلب الظن أن إغلاقه حتى الآن هو الذى أغرى عمر سليمان وأمثاله بادعاء البراءة والوطنية والظهور فى الفضاء السياسى والإعلامى، إلى الحد الذى دفعهم إلى احتقار المشاعر الشعبية من خلال الترشح لرئاسة الجمهورية، ومن سخرية الأقدار أن نائب الرئيس السابق الذى يحاول خوض الانتخابات الديمقراطية كان قد صرح للتليفزيون الأمريكى قبل سقوط النظام بأن الشعب المصرى ليس مؤهلا للديمقراطية.

هل كان عمر سليمان بعيدا عن الفساد الذى غرق أعوان مبارك فى مستنقعه طوال العشرين عاما التى قضاها الرجل إلى جواره؟ هذا أحد الأسئلة التى ينبغى أن تُطرح ولا تُستبعد إذا ما فتح الملف، لأن غموض الرجل وحساسية منصبه وبعده عن الأضواء من العوامل التى أسهمت فى التعتيم على ذلك الجانب. مع ذلك فإنه لم يسلم من الشائعات والأقاويل التى تحتاج إلى تحقيق. ومنها ما يتعلق بتضخم ثروته العقارية التى كان يحوزها ثم يتصرف فى بعضها بالبيع، أو بتعاملاته المالية مع بعض الأمراء العرب، أو بمشاركته فى بعض الصفقات الكبرى التى تعلقت بأراضى البحر الأحمر ومنتجعاته. وأكرر أن تلك كلها مجرد شائعات وعلامات استفهام تتطلب جهدا لإثباتها أو نفيها.

ولأن الرجل كان يمسك بأهم إن لم يكن كل ملفات علاقات مصر الخارجية فثمة اسئلة أخرى ينبغى أن تُطرح عليه تتعلق بدوره وموقفه ومسئوليته إزاء عناوين عدة منها ما يلى:

استجلاب عناصر الجماعات الإسلامية الذين يشتبه الأمريكيون فى انشطتهم لتعذيبهم واستنطاقهم فى مصر ــ تنفيذ المخططات الأمريكية فى المنطقة التى أشارت إليها وثائق ويكيليكس ــ دوره فى توقيع اتفاقية الغاز مع إسرائيل ــ العلاقات الخاصة التى ربطته بالقادة الإسرائيليين الذين رحبوا بترشحه (سيلفان شالوم نائب رئيس الوزراء اعتبر ترشحه أمرا ايجابيا وبنيامين اليعازر النائب الحالى والوزير السابق أعلن تفاؤله بترشحه واعتبره أمرا ايجابيا) ــ دوره فى الاجتياح الإسرائيلى لغزة وإحكام الحصار حول القطاع ــ تحيزه لصالح الإسرائيليين فى علاقاتهم مع الفلسطينيين ومسئوليته عن تعطيل المصالحة بين حركتى فتح وحماس ــ مسئوليته عن تنفيذ سياسة عزل مصر عن محيطها العربى وانخراطها تحت المظلة الأمريكية فيما سمى بمحور الاعتدال ــ الفشل الذى منيت به المخابرات المصرية فى انقلاب حماس فى غزة وانفصال جنوب السودان وفساد علاقات مصر مع دول حوض النيل.

إذا قيل إن الرجل فى كل ذلك كان ينفذ سياسة مبارك، فذلك لا يخلى مسئوليته كشريك وأداة للتنفيذ، ثم انه يعنى انه لم يكن خادما لمصر كما ادعى، ولكنه كان خادما لمبارك.

أخيرا أذكر بأننى فى 21 فبراير الماضى حذرت من تحرك حزب جديد يعد لاستلام السلطة فى مصر مراهنا على فشل الآخرين. واضيف اليوم ان ظهور عمر سليمان فى الأفق يؤيد ما قلته، وحملة الدعاية له وجمع 60 ألف توقيع لحسابه التى استمر الاعداد لها بعيدا عن الأضواء طوال الأشهر الماضية، ذلك كله يعنى ان الحزب تشكل وأنه بدأ نشاطه على الأرض ــ وذلك انذار جديد للعلم والنظر.


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 19 جمادى اول 1433
11 ابريل 2012

mohamed5175
12-04-2012, 12:40 PM
قل ما شئت فى مهرجان الترشح لرئاسة مصر، لكنك لا تستطيع أن تنكر أمرين، الأول أن الرئاسة لم تعد قدرا مكتوبا لصالح أحد بذاته أو أسرة بعينها. وإنما صار بوسع أى أحد يتوسم فى نفسه جدارة أو استعدادا لتبؤ المنصب أن يتقدم إلى الحلبة ويجرب حظه. كما أن بوسع أى جماعة من الناس لديها رسالة أو مشروع أيا كان أن تشكل حزبا وتدفع بمرشح لها ليخوض غمار المنافسة. الأمر الثانى أننا لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن لم يعد بمقدرونا أن نعرف من يكون الرئيس القادم، الأمر الذى فتح الأبواب واسعة لمناقشات وتخمينات لا حدود لها حول حظوظ ومناقب وخلفيات كل مرشح. ولأن التجربة جديدة علينا، ومن ثم ليست لدينا معرفة كافية بخرائط التصويت وحظوظ وأوزان التيارات والقوى السياسية المختلفة فى المجتمع المصرى، فإن باب الاجتهاد فى الموضوع يظل مفتوحا على مصراعيه. صحيح أن نتائج الانتخابات التشريعية أعطت بعض المؤشرات الأولية إلا أن وضع الانتخابات الرئاسية مختلف. لأن التصويت سيكون لشخص واحد، الأمر الذى يحتمل اختلاف الموقف إزاءه داخل التيار الواحد. حيث بدا حتى الآن أن هناك تباينا فى الرأى داخل جماعة الإخوان المسلمين ولدى السلفيين والليبراليين: ثم أنه ليس بمقدورنا أن نعرف شيئا عن مواقف الأغلبية الصامتة التى هى خارج تلك التصنيفات.

لا يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن أجواء المهرجان المفتوح سمحت بإثارة لغط ليس مألوفا عندنا بخصوص مواقف بعض الدول الخليجية، التى لم ترحب أغلبها بثورة 25 يناير، وانحياز أولئك البعض لصالح هذا المرشح أو ذاك. الأمر الذى فسر به نفر من أهل النميمة قوة الحملات الدعائية لدى البعض، حتى أن أحدهم تعاقد على حملة تليفزيونية لصالحه بما قيمته عشرة ملايين جنيه، حدث ذلك فى حين اتصل بى مدير حملة مرشح آخر شاكيا من نفاد مواردهم ومستفسرا عما إذا كانت لدى أى مقترحات لتنظيم حملة تبرعات أهلية لصالحه.

من المفارقات أن حركة الإخوان التى ظل يقال طوال السنوات الماضية انها تتلقى دعما خليجيا، أصبحت تحارب فى الانتخابات من جانب بعض دوله، عن طريق دعم المنافسين المناوئين لمرشحيها. حتى أن الجماعة حين أرادت أن تبعث بوفد باسمها لتقديم واجب العزاء فى وفاة واحد من أركان إحدى الأسر الخليجية الحاكمة، فإن الطلب الذى قدمته للحصول على تأشيرة الدخول قوبل بالرفض، حيث أرادت الدولة المعنية أن تبعد عن نفسها «شبهة» مساندة الإخوان أو مجاملتهم حتى فى مناسبة من هذا القبيل.

هذه الأجواء فى مجملها، الإيجابى فيها والسلبى، ما كنا لنشهدها لولا أجواء الحرية ونسمات الديمقراطية التى هبت على مصر بعد الثورة. وقد ظهر عنصر جديد فى المشهد الديمقراطى خلال الأسابيع الأخيرة، حيث وجدنا اللعب فى الساحة السياسية من جانب القوى الداخلية على الأقل يمارس «على المكشوف» كما يقولون إذ لم يتردد أحد المرشحين للرئاسة فى أن يقول أن مبارك مثله الأعلى، وبعد ذلك بأيام قليلة وجدنا نائب مبارك يقفز إلى الواجهة وفوجئنا به يترشح لرئاسة الجمهورية، وبعدما لاحظنا أن الرجل تمنع فى البداية ثم أقدم على الترشح فى النهاية، ووجدنا أن وراءه من جمع لصالحه آلاف التوكيلات ومن رتب له حملة الدعاية وأغرق البلد بالملصقات، أدركنا أن «الفلول» رتبوا صفوفهم وأسقطوا الأقنعة من على وجوههم، ولم يجدوا غضاضة من دخول الحلبة ومقارعة الجميع فى انتخابات رئاسة الجمهورية. الإخوان بدورهم دخلوا الساحة «بالعرض» كما يقولون، ورأينا فى أدائهم وحرصهم على الحضور ما لم نره من قبل، الأمر الذى سلط الأضواء على أولوياتهم ورؤيتهم الاستراتيجية، كذلك فعل السلفيون الذين علا صوتهم فى الساحة ورأينا ملصقات بعضهم تتحدث عن حلم الخلافة الإسلامية، الليبراليون والعلمانيون رأيناهم أيضا وهم يحشدون الصفوف ويصطفون مع الأزهر والكنيسة للتصدى للإخوان والسلفيين، بل إن الفوضويين الذين ارتأوا أنه من الضرورى أن يقلب كل شىء رأسا على عقب، علا صوتهم أيضا ولم يخفوا شيئا فى صدورهم.

فى هذه الأجواء رأينا المجلس العسكرى وقد تراجع إلى الظل بصورة نسبية، وأعطى انطباعا بأنه على مسافة واحدة من الجميع. وان كنت أظن أن الأمر ليس كذلك بالضبط، ولست واثقا من صحة الشائعات التى تتحدث عن تباينات فى مواقف أعضائه، لكن المؤكد أن المجلس مسرور لما يشاهد، على الأقل لأن المتعاركين انصرفوا عنه وحولوا مسار التراشق نحو بعضهم البعض، الأمر الذى سمح له بالتحرك فى هدوء دون أن يلحظه أحد. أن نمارس فنخطئ ونصيب، لكى نتعلم وننضج سياسيا، أفضل ألف مرة من أن نقف متفرجين طول الوقت، ونتحول إلى قطيع فى عالم الأمم وأطفال رضع فى عالم السياسة.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 20 جمادى اول 1433
12 ابريل 2012

طالبة الجنة
12-04-2012, 02:49 PM
هو أحلى حاجه إن طلع فى ناس كثيرة تنفع تيقا رئيس جمهوريه مصر العربيه من سنه ونصف
كانوا بيفهمونا إن مفيش حد ينفع يحكم مصر عشان كدة بيفصلوا الدستور لواحد بعينه

mohamed5175
14-04-2012, 01:16 PM
حسنى مبارك وعمر سليمان ليسا رجلين مختلفين، ولكنهما رجل واحد له نفس العقلية والأفكار، والمصريون محقون إذا ما صدمهم ظهور سليمان فى الصدارة، فالرجل ظل سوط مبارك طول الوقت وقد دافع عن نظامه بالترويع والتعذيب. هذا الكلام ليس لى، ولا علاقة له بترشح صاحبنا لرئاسة الجمهورية. فتلك معلومات تقرير نشره موقع قناة abc الأمريكية فى الأول من شهر فبراير من العام الماضى، فى أعقاب تعيين مبارك لسليمان نائبا لرئيس الجمهورية. وكان عنوان التقرير الموجود بنصه على شبكة التواصل الاجتماعى هو: نائب الرئيس المصرى من فريق مبارك الأمنى وأشرف على التعذيب.

فى التقرير عدة شهادات وكثير من المعلومات المهمة والخطيرة، التى حجبت عن الشعب المصرى، بعدما أسدل عليها ستارالسرية التى هى من طبيعة عمل جهاز المخابرات العامة، إضافة إلى حرص الرجل على أن يحيط نفسه بهالة من الغموض والكتمان. من المعلومات التى تضمنها التقرير ما يلى:

● إن اللواء سليمان قدم خدمات جليلة للمخابرات الأمريكية. وقد اتفق خبراء الاستخبارات على أن إشرافه على تعذيب عناصر القاعدة المشتبهين واستنطاقهم. ساعد الولايات المتحدة على اتخاذ قرارها بغزو العراق، لان عمليات التعذيب انتزعت من أولئك المشتبهين اعترافات (تبين عدم صحتها فيما بعد) عن علاقة صدام حسين بتنظيم القاعدة.

● شهادة أحد كبار محللى المخابرات المركزية السابقين المختصين بالشرق الأوسط، اسمه اميل نخلة، التى قال فيها أن مبارك وسليمان شخص واحد وليسا شخصين، ذلك أن لديهما نفس القناعات وطريقة التفكير والمواقف.

● شهادة رون سوشكيند مؤلف كتاب «مذهب الواحد فى المائة»، وهو أحد الخبراء البارزين فى السى آى إيه، التى قال فيها إن سليمان سوط مبارك، وذكر عنه واقعة خطيرة خلاصتها أنه بعدما شاع أن إحدى الطائرات قتلت أيمن الظواهرى الرجل الثانى فى القاعدة أثناء حياة بن لادن، فإن المخابرات المركزية طلبت من سليمان عينة من دم أحد أقاربه (شقيقه محمد الظواهرى كان فى قبضة المخابرات المصرية)، فماذا كان رده؟ ــ بمنتهى الكرم (هكذا قال سوشكيند) عرض سليمان قطع يد شقيقه بالكامل وإرسالها إلى واشنطن لإجراء التحليل المطلوب، لكن ممثلى المخابرات المركزية هم الذين اعترضوا. قائلين إنهم ليسوا بحاجة إلى كل ذلك، فبقعة دمه أو مسحة من لعابه تؤدى الغرض (وهو ما حدث).

● قال سوشكيند أيضا إن سليمان كان الرجل الذى تعتمد عليه المخابرات المركزية فى كل ما تريده من مصر، حتى إذا ما أردنا أن نعرض أحدا للتعذيب حتى لا تتحمل واشنطن أية مسئولية قانونية فإننا كنا نعهد إليه بالمهمة. وهذه المعلومة أكدها جون سيفتون صاحب التقرير الذى صدر فى عام 2007 عن دور المخابرات المصرية فى تعذيب المعتقلين، وكيف أنها تعاونت فى ذلك مع المخابرات الأمريكية وبعض أجهزة المخابرات العربية، الأمر الذى كان ضحيته عشرات من المواطنين العرب المشتبهين.

● وصفت إحدى وثائق الخارجية الأمريكية فى عام 2009 التى سربها موقع ويكيليكس ان اللواء سليمان عقد أنجح علاقة مع الولايات المتحدة، وانه فى اجتماع له مع العسكريين الأمريكيين قال لهم إن معركته الأكبر فى الإقليم هى ضد التطرف خصوصا فى غزة والسودان وإيران.

● ذكر الصحفى البريطانى ستيفن جراى مؤلف كتاب الطائرة الشبح أن اللواء سليمان عقد فى عام 1995 اتفاقا مع المخابرات المركزية الأمريكية بمقتضاه أصبحت مصر إحدى محطات تعذيب المعتقلين الذين تريد الأجهزة الأمريكية إجبارهم بالقوة على الاعتراف بما تريده، وأضاف ستيفن قائلا إن معظم الاعترافات التى انتزعت بهذه الطريقة تبين عدم صحتها. وهو من نقل على لسانه قوله ان المصريين على حق حين صدمهم قرار مبارك تعيين سليمان نائبا له، لأنهم يعرفون أكثر من غيرهم دوره فى سياسة الترويع والتعذيب التى أنتجها النظام إزاء معارضيه.

لا زلت عند رأيى الذى فيه أن ملف الرجل ينبغى أن يُفتح لكى يتم التحقيق فيما هو منسوب إليه من اتهامات أغلبها تعد جرائم سياسية تشين أى مسئول ويلاحقه عارها إلى يوم الدين ــ غدًا لنا كلام آخر فى الموضوع.

جريدة الشروق المصرية

السبت 22 جمادى اول 1433
14 ابريل 2012

mohamed5175
15-04-2012, 12:46 PM
كم واحد قتلوا فى سجن المخابرات العامة أثناء رئاسة اللواء عمر سليمان لها؟ ــ لا أحد يملك الإجابة على السؤال ــ وبوسع الرجل أن يحلف بالثلاثة على أن أحدا لم يقتل، وربما قال أيضا إنه لا يوجد سجن فى مقر المخابرات العامة. لكن الملف إذا فتح وجرى التحقيق فى الموضوع من خلال لجنة محايدة لتقصى الحقائق، فإن هناك عشرات بل مئات الشهود الذين بوسعهم أن يؤكدوا وجود السجن ويتحدثون عن التعذيب الجهنمى الذى تعرضوا له فى زنازينه المبنية تحت الأرض، ومنهم من يستطيع أن يحدد أسماء بعض إخوانهم الذين قتلوا إما بسبب إطلاق الرصاص عليهم أو بسبب التعذيب، وهؤلاء مستعدون للشهادة ومواجهة الرجل بحقائق تجربتهم فى سجن المخابرات، إذا أعطوا الأمان بطبيعة الحال.



لقد تحدثت إلى بعض من أطلق سراحهم منهم، فقالوا إنهم اقتيدوا من الخارج على طائرات خاصة، بعضها عسكرية أمريكية فى النصف الثانى من التسعينيات. جاءوا من باكستان وأذربيجان ومن كرواتيا والبوسنة ومن بعض دول الخليج. وبعد وصولهم أدخلوا من مطار القاهرة دون أن تختم جوازات سفرهم، وتم إيداعهم بدون أى تسجيل فى سجن المخابرات العامة، الذى لا يعرف مدى قانونية وجوده، وفى داخل السجن تعرضوا لكل ما يخطر على الباب من أدوات التعذيب والترويع والاستنطاق، قبل أن يقرر مصيرهم ويحالون إلى جهات أخرى ــ أمن الدولة فى الأغلب ــ فى ضوء المعلومات التى تم تحصيلها منهم. وهؤلاء غير المصريين الذين أتت بهم المخابرات المركزية الأمريكية، ثم بعد التحقيق حولوا إلى جوانتانامو أو إلى أية سجون أخرى.



تحدثت إلى واحد قضى أربع سنوات من التعذيب فى سجن المخابرات، لم ير خلالها ضوء الشمس ثم أودع فى سجن العقرب الذى قضى فيه عشر سنوات، وبرأته المحكمة العسكرية بعد ذلك!



وسمعت قصة الشاب طلعت فؤاد قاسم الذى تم اختطافه من كرواتيا، حيث كان فى طريقه إلى البوسنة، وبعد وصوله تم قتله فى مقر المخابرات العامة، وليس هناك ما يثبت أنه دخل مصر أصلا.



إن السيد عمر سليمان الذى عرض قطع يد شقيق أيمن الظواهرى وإرسالها إلى واشنطن للتأكد من حمضه النووى، يعتبر التيارات الإسلامية جميعها خصما له. وهى ذات المعركة التى خاضها حسنى مبارك طيلة سنوات حكمه مستخدما فى ذلك «سوطه» الذى أشار إليه التقرير الأمريكى فيما نشرته أمس فى هذا المكان.



انطلاقا من رؤيته تلك فإنه اعتبر المقاومة الإسلامية الفلسطينية عملا إرهابيا، وعناصرها إرهابية ــ قال لى شاهد عيان حضر اجتماعا فى مدينة «سرت» بين العقيد القذافى والرئيس السابق، اقترح فيه الرئيس الليبى على مبارك أن ينفض يده من القضية الفلسطينية لكى يركّز ــ معه ــ فى القضايا الأفريقية. (شتم الفلسطينيين وقال إنهم ألعن من الإسرائيليين) ــ حينذاك رد اللواء سليمان الذى كان حاضرا قائلا إن الشأن الفلسطينى صار جزءا من الأمن القومى المصرى، لأن فى غزة نصف مليون إرهابى يهددونها، قاصدا بذلك حركة حماس التى اعتبر أن إسقاط حكومتها فى غزة هدفا استراتيجيا.



هذه القصة تكشف عن موقف الرجل الحقيقى من المقاومة الفلسطينية، وكيف أنه ظل متبنيا طول الوقت لوجهة النظر الإسرائيلية، التى لم تصف المقاومين إلا بأنهم إرهابيون.



إضافة إلى أنها تلقى ظلالا من الشك حول موقفه من المصالحة الفلسطينية خصوصا بين فتح وحماس، كما تثير شكوكا أخرى حول موقفه من حصار القطاع ودوره أثناء الاجتياح الإسرائيلى لغزة.



إن السيد عمر سليمان يهدد الجميع بما لديه من أسرار، ملوحا بحكاية الصناديق السوداء التى يقول إنه يحوزها بحكم وظيفته. وهو ما نرجوه أن يفعله شريطة أن يبدأ بنفسه وبدوره فى فضائح وكوارث عصر مبارك. ومن الواضح أن بعض رجاله يحاولون الآن إطلاق بالونات الاختبار وسحابات الدخان لصرف الانتباه عن ملفه. وفى الوقت نفسه فإنهم يسعون جاهدين إلى «غسيل» الرجل ليصبح أكثر بياضا تحسبا لاحتمالات المستقبل. وهو ما لاحظناه فى بعض الحوارات الصحفية التى أجريت معه وفى التقارير التليفزيونية التى تحدثت عنه. ولا تنس أن رجال النظام السابق لايزال لهم حضورهم فى الإعلام المصرى.



إن الذين يسوِّقونه ما برحوا يقولون إنه رجل شديد الذكاء وبعيد النظر، لكنى صرت أشك فى صحة ذلك التقييم بعدما تقدم بنفسه للترشيح، لأنه لو كان كما يقولون لآثر أن يبقى فى الظل شاكرا لله ولأهل القرار أنهم لم يضموه إلى جماعته فى مزرعه طرة، وقد فضحته تصريحات أصدقائه الإسرائيليين الذين لم يكتموا شعورهم وأعلنوا عن ابتهاجهم بترشحه. ولِمَ لا والرجل مدرج عندهم ضمن «كنز إسرائيل الاستراتيجى»!


جريدة الشروق المصرية
الاحد 23 جمادى اول 1433
15 ابريل 2012

mohamed5175
16-04-2012, 02:16 PM
تدخل القاهرة لنزع فتيل التوتر واحتمالات المواجهة المسلحة بين الخرطوم وجوبا. لم تتوقف وسائل الإعلام عندنا، المشغولة بالتطورات الساخنة والمتسارعة الحاصلة فى الساحة المصرية. انعكس ذلك على تناول صحف الصباح، أمس، للموضوع الذى اختزل فى خبر على عمود أفاد بأن المشير محمد حسين طنطاوى رئيس المجلس العسكرى اتصل هاتفيا بالرئيس عمر البشير ونظيره الجنوبى سلفاكير لبحث المشكلة بين البلدين الشقيقين، كما أنه قرر إيفاد وزير الخارجية السيد محمد كامل عمرو لزيارة الخرطوم وجوبا وتقريب وجهات النظر بينهما.

ليس جديدا التوتر بين «الأخوة الأعداء» فى الشمال والجنوب، لكن التحرك المصرى هو الجديد نسبيا، لأن مصر طوال سنوات الانكفاء التى عاشتها فى ظل النظام السابق، كانت تقف متفرجة على مثل هذه الأزمات، وأحيانا كانت تنحاز إلى الطرف الغلط، استنادا إلى حسابات صغيرة مرتبطة بالأهواء العارضة وليس المصالح العليا للوطن، إذ ليس سرا أن الرئيس السابق لم يشغل نفسه بالملف الافريقى، وانه كان يعتبر أن عالمه لا يتجاوز حدود أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. حتى ازعم أنه كان «يحج» مرة كل عام إلى واشنطن لكنه كان دائم الحرص على اداء «العمرة» على مدار العام فى عواصم أوروبا، خصوصا باريس وروما وبون. ورغم أن صدره كان يضيق بزيارة الوزراء الافارقة، فإنه كان يتلهف على لقاء المسئولين الأوروبيين. حتى انه طلب ذات مرة أن يزور لندن، وابلغ رسميا بأن جدول أعمال رئيسة الوزراء مارجريت ثاتشر مزدحم وانها لن تستطيع أن تلتقيه فى الموعد الذى اقترحته الرئاسة المصرية، لكنه ألح على الزيارة رغم الاعتذار البريطانى، وحينئذ رد مكتب ثاتشر قائلا إن مشاغلها لاتزال كثيرة للغاية، ولن تستطيع أن تلتقيه فى الموعد الجديد إلا لمدة 15 دقيقة فقط من الحادية عشرة الا ربعا إلى الحادية عشرة، ورغم أن الرد كان محرجا ومهينا إلا أنه قبل على نفسه ذلك، وذهب إلى لندن لتلتقط له الصور مع السيدة ثاتشر خلال دقائق الزيارة. وخرجت مانشيتات الصحف المصرية فى اليوم التالى وهى تبشرنا بنجاح الزيارة التى تناولت تعميق العلاقة بين البلدين. وكتب احد رؤساء تحرير الصحف القومية مشفقا على الرئيس الذى لا يكل ولا يمل من تحرى مصالح مصر فى الداخل والخارج، وعن حفاوة الزعماء الغربيين به وحرصها على الإفادة من بصيرته النافذة وآرائه السديدة!

لقد انفصل جنوب السودان الذى أيده نظام مبارك حينا من الدهر كيدا فى نظام الخرطوم المشتبه فى توجهه الإسلامى. ولست أشك فى انه كان يعرف من السيد عمر سليمان رئيس المخابرات على الاقل، أن انفصال الجنوب جزء من مؤامرة غربية تلعب فيها اسرائيل دورا اساسيا، وأن مصر من ابرز المتضررين جراء ذلك الانفصال، وبعد ذلك الفشل (هل اقول التواطؤ) المخابراتى خسرت مصر علاقتها مع دول حوض النيل، وخسرت أيضا مكانتها فى محيطها الأفريقى.

ثمة قرائن مستجدة دالة على أن مصر افاقت من غيبوبتها بعد الثورة، وخبر التحرك المصرى الذى اشرت اليه احد تلك القرائن، تزامن ذلك مع جهد يتحرك بطيئا لتبادل المصالح بين القاهرة والخرطوم، تمثل فى الاتفاق على استيراد اللحوم والماشية من السودان وترتيبات زراعة مليون فدان هناك وهو الموضوع الذى كان محل بحث اثناء الزيارة الأخيرة التى قام بها وزير الزراعة المصرى للخرطوم واسفرت عن توقيع مذكرة تفاهم بهذا الخصوص.

هذه مبادرات تستحق الحفاوة والتشجيع لا ريب، وفى حدها الادنى فإنها تعبر عن تحرك يظل أفضل كثيرا من الموات والوهن الذى أصاب علاقات البلدين فى عهد مبارك، إلا أننى اتمنى أن يتم ذلك التحرك فى اطار رؤية استراتيجية واضحة تدرك جيدا أهمية احياء فكرة «المثلث الذهبى» المتمثل فى مصر والسودان وليبيا. وهى الفكرة التى لا امل من التذكير بها، باعتبارها مدخلا لنهضة حقيقية تحدث انقلابا اقتصاديا واجتماعيا تنعم به شعوب الدول الثلاث التى تتكامل فيها كثافة مصر السكانية وخبراتها البشرية، مع تربة السودان الغنية ومساحتها والشاسعة، ونفط ليبيا الذى يستطيع أن يمول تلك النهضة ويدفعها إلى الامام، ولست اشك فى أن مناخ الثورتين فى مصر وليبيا اضافة إلى حماس الطبقة السياسية فى السودان سيكون من الحوافز المهمة المساعدة على امكانية تحقيق التكامل المتشدد.

ثمة جهود تبذل الآن لاستثمار الربيع العربى لإحياء الاتحاد المغاربى المجمد. وهو ما يسعى اليه وزيرا خارجية كل من المغرب وتونس، والاثنان على اتصال مع المسئولين الجزائريين فى هذا الصدد. والخطوة التى يراد انجازها الآن تتمثل فى فتح الحدود المغلقة بين المغرب والجزائر (ثمة إعداد الآن لمبادرة شعبية عربية بهذا الخصوص) والتى بسببها يخسر البلدان نحو عشرة مليارات دولار سنويا. لا أريد أن أذهب بعيدا فى الحلم، وأتصور تكاملا بين المثلث الذهبى الذى اشرت اليه وبين الاتحاد المغاربى فى حال إحيائه ومدى تأثير ذلك على استعادة الحلم العربى فى الوحدة. وهو الحلم الذى تآمر كثيرون على إجهاضه لكنهم فشلوا فى قتله.


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 24 جمادى اول 1433
16 ابريل 2012

mohamed5175
17-04-2012, 01:05 PM
لداعى السفر، كنت قد كتبت مقالى الأسبوعى وسلمته بعد ظهر يوم السبت، لكى يتم صفه وتوزيعه خلال اليومين التاليين. ودعوت فيه إلى انسحاب المهندس خيرت الشاطر واللواء عمر سليمان من الترشيح للرئاسة، حيث اعتبرت أن الرجلين كانا بمثابة قنبلتين انفجرتا فى وجوه المصريين وأربكت كل الحسابات. لم أشر إلى المرشح حازم أبوإسماعيل لأننى تصورت أن موضوع جنسية أمه الأمريكية محسوم، وأنه سيخرج من السباق لأسباب قانونية. من ثم وجدت أن خروج الرجلين الآخرين (الشاطر وسليمان) له ضرورته من الناحية السياسية.. وإن كان قرار لجنة الانتخابات باستبعادها المبدئى قد أضاف أسبابا أخرى قانونية.

فاجأنى قرار استبعاد المرشحين الذى صدر، وكنت مخيرا بين وقف ظهور المقال وبين نشره لإيضاح الأسباب السياسية التى تستدعى خروج الرجلين من قوائم المرشحين، خصوصا أن باب الطعن فى قرار اللجنة ظل مفتوحا لمدة 48 ساعة، وليس من اليسير تحديد موقفهما النهائى قبل النشر، إليك نص المقال المكتوب قبل إعلان قرار لجنة الانتخابات.


(1)

حين يصبح الخوف على الثورة فى مصر عنوان المرحلة الراهنة، فإن استنفار الجماعة الوطنية واحتشادها لإبعاد شبحه بأى ثمن يصبح واجب الوقت. أحدث مشاهد الخوف تبدت حين لاح فى الأفق فجأة شبح مبارك مرة أخرى، حين ظهر أمامنا فى شخص نائبه وصفيه اللواء عمر سليمان، الذى قال عنه أحد خبراء المخابرات المركزية الأمريكية أنه هو ومبارك لم يكونا شخصين، ولكنهما كانا شخصا واحدا.

لم يكن انفجار قنبلة ظهور مبارك الآخر فى وجوهنا هو المفاجأة الوحيدة، لأن ملابسات ذلك الدخول حفلت بمفاجأت أخرى. إذ يعد إحجاما وإقداما استغرقا فى العلن نحو ثلاثة أيام فوجئنا بأن 49 ألف توكيل رتبت للرجل فى أقل من 24 ساعة، فيما وصفه اللواء سليمان بأنها «معجزة تمت بتسهيل ربانى». ولأن مبلغ علمنا أن عصر المعجزات انتهى، فإن ظهور تلك المعجزة لصالح ترشح اللواء سليمان لا تستطيع أن نسلم به بسهولة. بكلام آخر فإن جمع ذلك العدد الكبير من التوكيلات، وحديث الرجل عن عشرات الألوف من التوكيلات الأخرى التى لم تصل إلى القاهرة بسبب محدودية الوقت، هذا الكلام لم يهضمه المجتمع بسهولة، فتحدث البعض عن دور لرجال المخابرات العامة فى جمع توكيلات من ألوف المجندين للقوات المسلحة. وتحدث آخرون عن أن الفلول فى أحد النوادى الكبرى أقاموا مركزا لهم وطلبوا من أعضاء النادى أن يسندوا اللواء سليمان، وهذا ما فعله فريق آخر من الفلول الذين يملكون بعض المصانع، وطالبوا عمالهم نفس المطلب.

لكن ذلك فى كفة وموقف المجلس العسكرى من ترشيح اللواء سليمان فى كفة أخرى. ذلك أننى لست واثقا من أن المجلس يقف حقا على مسافة واحدة من كل المرشحين للرئاسة. ولست واثقا مما قاله صاحبنا لزملينا عادل حمودة فى صحيفة «الفجر» من أنه يرفض أن يكون مرشح المجلس العسكرى. كما أننى لا أستطيع أن أقتنع بسهولة بأن عناصر المخابرات العامة التى رأسها طوال عشرين عاما يمكن أن تكون بعيدة عن الموضوع.

ثمة همس يعتمد على قرائن متوفرة تشير إلى أن ثمة أعدادا للتدخل لصالحه فى انتخابات الرئاسة القادمة التى ستجرى فى لجان المصريين بالخارج، وهى التى تنعقد بعيدا عن الأعين فى السفارات، ومعروف أن تلك السفارات تضم فى العادة ضباطا تابعين للمخابرات العامة، وأن قدموا بصفات أخرى. ومعلوماتى أن هذا الموضوع وبعض القوائم التى تسربت محل بحث الآن فى إحدى الجهات المعنية.


(2)

كنت قد تحدثت من قبل عن «غسل» عمر سليمان الذى يقوم به بعض أعوان النظام السابق من إعلاميين وأصحاب مصالح، كما ذكرت أن اللعب صار على المكشوف فى الساحة السياسية، حيث سقطت الأقنعة ــ أغلبها إن شئت الدقة ــ ولم يعد رجال مبارك يستحون من التعلق بشخصه وزمانه، بعدما ظلوا حريصين على إخفاء هذه «العورة» طوال الخمسة عشر شهرا الماضية.

لقد ذهب البعض ــ كما تحدث هو شخصيا ــ إلى أن معارضى ترشيح اللواء سليمان يخشونه. وهذا ليس صحيحا على الإطلاق لأن هؤلاء ينسون أن الرجل رمز لنظام ثار عليه المجتمع، وأن دوره فى خطايا النظام وجرائمه السياسية لا يمكن أن ينسى أو يغتفر. يكفى أنه منذ توليه منصبه وطوال عشرين عاما كان بمثابة مبارك الآخر، كما قيل بحق. وهو ما يعنى أن معارضه ترشيح الرجل لم تنطلق من الخوف منه، ولكنها كانت نفورا مما يمثله وخوفا على البلد.

الذى لا يقل سوءا على ذلك أن ملابسات دخول الرجل إلى الحلبة أثارت شكوكا حول حقيقة الدور الذى يقوم به المجلس العسكرى، ليس فى الوقت الراهن فحسب وإنما فى ترتيب أوراق المستقبل أيضا. بل إن تلك الشكوك دفعت البعض إلى التساؤل عن احتمالات التسامح فى التلاعب فى نتائج الانتخابات الرئاسية.

ما قلته بخصوص ترتيب أوراق المستقبل لا ينصرف إلى مستقبل البلد فحسب، وإنما أيضا إلى مستقبل دور القوات المسلحة وموقعها فى الدستور الجديد. إذ المعلومات المتوفرة أن المجلس العسكرى مصر على النص فى الدستور على خصوصية وضع القوات المسلحة فى الدفاع عن النظام السياسى، وعلى عدم مناقشة تفاصيل موازنته فى مجلس الشعب. وأمام إصرار القوى الوطنية على رفض المطلبين ــ الذين سبق أن استجابت لهما ما سمى بوثيقة الدكتور السلمى والتعامل مع القوات المسلحة كأى مؤسسة أخرى مقدرة فى المجتمع، فإن المجلس العسكرى ربما يكون قد أثر أن يساند رئيسا من «آل البيت» يحقق له ما يريد.


(3)

توقيت ومناخ دخول السيد سليمان إلى حلبة المنافسة لابد أن يثير الانتباه. ذلك أن أحدا لا يشك فى أنه اختار لحظة استشعر فيها الناس الخوف من تزايد نفوذ الإسلاميين بعد انتخابات الجمعية التأسيسية لوضع الدستور. وفى الحديث الذى أجراه الرجل لجريدة الفجر، قال صراحة إنه دخل فى السباق لأسباب عدة على رأسها «إنقاذ» البلاد من هيمنة الإسلاميين، وهذا الخوف له أسبابه المتعددة. فمن ناحية ينبغى الاعتراف بأن ثقافة الخوف من الإسلاميين والعداء لهم مستقرة فى أوساط عدة، وأن عملية التخويف التى سادت فى الدوائر السياسية والإعلامية المصرية لم تتوقف وإنما استمرت بعد سقوط النظام. وإذا كانت عملية التخويف تتم فى الماضى بسبب وبغير سبب، فما بالك إذا أصبح السبب مؤكدا وملموسا. ذلك أننا يجب أن نعترف بأن الإخوان المسلمين أخطأوا فى قراءة الواقع حين ألقوا فى الساحة بقنبلة أخرى تمثلت فى ترشيح المهندس خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية خلافا لما وعدوا به. وأخطأوا حين تراجعوا عن نسبة تمثيل مجلس الشعب والشورى فى اللجنة التأسيسية، فرفعوها إلى 50٪ بدلا من الإعلان المبكر عن 40٪. وأخطأوا فى التطلع إلى تشكيل الحكومة والتسرع فى طلب سحب الثقة من حكومة الدكتور الجنزورى. وحين ترأسوا مجلس الشعب والشورى واللجنة التأسيسية التى يفترض أن تقوم بإعداد الدستور، وضغطوا لأجل تشكيل الحكومة برئاستهم، ثم رشحوا أحد قياديهم لرئاسة الجمهورية. حين فعلوا ذلك فإنهم أزعجوا المجتمع وخوفوا طبقته السياسية ودفعوا الناس إلى تصديق الكثير مما كان ينسب إلى موقفهم من السلطة. لا أتحدث عن الموقف القانونى الذى قد يكون سليما، لكننى أتحدث عن الرؤية الاستراتيجية والملاءمة السياسية حتى أزعم أن الخائفين من الإخوان تأكدت مخاوفهم، والمحبين للإخوان توجسوا منهم. أما المحايدون فقد خسر الإخوان أغلبهم، بسبب التعبئة الإعلامية التى تصيدت أخطاءهم. وكانت النتيجة أننا تابعنا على شاشات التليفزيون استغاثات لبعض الإعلاميين دعت المجلس العسكرى إلى التدخل لوقف زحف الإخوان وإمساكهم بمفاتيح ومفاصل الدولة. وشاهدنا رسوما كاريكاتورية سوغت الاحتماء بالعسكر واعتبرته أمرا مَّرا، وبررت ذلك بأن بديلهم (الإخوان) أكثر مرارة. فى توظيف للمثل الشائع الذى يقول فيه واحد لصاحبه ما الذى دفعك إلى المر، فرد عليه قائلا إنه الأمرّْ منه.

إذا كان الإخوان قد خوفوا المجتمع فإن السلفيين أكملوا المشهد بترويعهم، للناس خصوصا أن الإعلام لم يقصر فى الفضح والاصطياد، حتى صَّور السلفيين وحوشا تتأهب للانقضاض على المجتمع وتقييد الحريات العامة والخاصة. وحينما وزعت عناصر حزب التحرير الإسلامى للافتات التى دعت إلى إقامة الخلافة فإنهم زادوا الطين بلة ودعوا القاصى والدانى إلى المسارعة بالانضمام إلى معسكر المذعورين والخائفين.


(4)

فى النهاية صرنا بين خوفين يعذبان المصريين. خوف مؤكد من مبارك الآخر الذى خبرناه. وخوف مظنون من الإخوان والسلفيين الذين لم يحسنوا قراءة المشهد أو التعاطى معه. وأضيف إليهما خوفا ثالثا على الثورة التى غَّيبت فى خضم التجاذب وصراع القوة والنفوذ ــ لا أعرف إلى أى مدى ارتياح المجلس العسكرى لهذه الحصيلة، التى أوقفت حملة انتقاده فى وسائل الإعلام، وأقنعت البعض بأن نار العسكرى أفضل من جنة مبارك أو جنة الإخوان، كما عبرت عن ذلك بعض الرسوم الكاريكاتورية. وهناك من يتحدث عن أى من شأن ذلك التجاذب ليس فقط أن يطمئن المجلس العسكرى ولكنه ربما أفضى إلى إطالة أمد بقائه فى السلطة، وربما قوى مركزة بحيث حقق ما يريده فى نصوص الدستور.

لابد أن نلاحظ أيضا أن بقية الأحزاب السياسية تعانى من الحيرة، ناهيك عن هشاشة بنيانها وقلة حيلتها. خصوصا فى ظل الشعور بأن الإخوان لم يستجيبوا لرغباتهم، وهو ما اعبتروه إقصاء لهم. بسبب من ذلك فإن بعضهم انحازوا إلى عمر سليمان إما مراهنة عليه أو كيدا فى الإخوان والسلفيين، البعض الآخر ومعهم ائتلافات الثورة رفضوا الاثنين، ولم يستقروا على صيغة للتوافق بعد. وربما تحقق ذلك إذا أعيد تشكيل لجنة وضع الدستور بحيث تصبح أكثر قبولا من الجميع.

ما يهمنى فى كل ما يجرى ــ ويخيفى أيضا ــ هو مستقبل الثورة والآمال الكبار المعلقة عليها. ليس فى مصر وحدها، ولكن فى العالم العربى أيضا. لذلك فإننى أقترح حلا للإشكال يهدئ من روع الجميع ويبدد الخوف الذى ينتابهم. ذلك أن المرشحين جميعا حين تقدموا لخوض غمار المنافسة، قالوا لنا إنهم بذلك يلبون نداء الوطن. وإذا كانت رياح الخوف قد ضربت الوطن وأشاعت البلبلة فى أرجائه بعدما رشح الإخوان المهندس خيرت الشاطر، فإن تلك الرياح اشتدت وتحولت إلى إعصار عقب ظهور اللواء عمر سليمان فى الأفق، ولأن الأمر كذلك فإن اقتراحى المحدد هو أن يتنازل الاثنان عن الترشح لكى يسكن الإعصار وينزع فتيل الأزمة ويعود الهدوء إلى ساحة الوطن، لتواصل الثورة تقدمها، فيوضع الدستور وينتخب الرئيس ويعود العسكر إلى ثكناتهم، ليهدأ بال المصريين وتأوى «بهية» إلى فراشها قريرة العين.

إن انسحاب الرجلين لإنقاذ الثورة والحفاظ على تماسك الجماعة الوطنية بات نداء الوطن وواجب الوقت.




جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 25 جمادى اول 1433
17 ابريل 2012

mohamed5175
18-04-2012, 12:55 PM
كنت قد تحفظت فى مرة سابقة على فكرة تشكيل الإخوان للحكومة فى مصر ودعوت إلى اكتفائهم بالمشاركة فيها والتركيز على مراقبة السلطة التنفيذية من خلال البرلمان. وهذه المرة أجدد التحفظ مضاعفا على فكرة ترشيح ممثل عنهم لرئاسة الجمهورية. إلا أننى أستأذن فى فتح قوس للتنويه إلى مسألة شخصية خلاصتها أننى منذ سجلت تحفظى الأول صرت مطلوبا تليفزيونيا بشكل غير مألوف، ومدعوا للظهور يوميا فى البرامج الحوارية على شاشات التليفزيون طوال الأيام العشرة الماضية، التى كان فيها الناقدون للإخوان ضيوفا طوال الوقت على مقدمى تلك البرامج، وهو ما بدا معبرا عن موقف مبطن بالانحياز بأكثر مما كان مساعدا على إثراء الحوار. ولأننى شممت فى الدعوات رائحة عدم البراءة، ولم أتعود على المشاركة فى مثل هذه المهرجانات، فقد اعتذرت عما دعيت إليه، وضيعت على نفسى فرصة نادرة للنجومية التليفزيونية.

إذا سألتنى عما دعانى إلى التشدد فى التحفظ على الدفع بمرشح للإخوان للمنافسة على انتخابات الرئاسة، فردى أن لدىّ أسبابا عدة أوجزها فيما يلى:

ــ إن المجتمع المصرى ليس مهيأ بعد لتأييد خطوة من ذلك القبيل. وإذا قال قائل إن الإخوان حصلوا على أغلبية معتبرة فى الانتخابات التشريعية، فتعليقى على ذلك أن انتخابات الرئاسة شىء مختلف تماما. إذ ثمة فرقا بين أن يشارك الإخوان أو حتى يرأسوا البرلمان المصرى، وبين أن يتقدموا لشغل منصب الرئاسة فى البلد، أدرى أن البعض ينظرون إلى تركيا، ويقولون إن حزب التنمية والعدالة بجذوره الإسلامية يحكم البلد، ويقود تقدمها منذ نحو تسع سنوات دون عوائق، بل لا يزال محل ترحيب وقبول عامَّين، لكن هؤلاء ينسون عدة أمور، أولها أن الحزب لم يتقدم بهويته الإسلامية وإنما قدم نفسه باعتباره حزبا علمانيا. ثانيها أن كوادر الحزب نجحت فى طمأنة الناس فى وقت مبكر وإقناعهم بأن وجودهم فى السلطة يحقق لهم مصالحهم وتطلعاتهم، وهذه الطمأنة كان مصدرها خطاب الحزب أولا، وأداؤه الوفاقى وثانيا خبرة هذه الكوادر فى المحليات التى حققوا فيها نجاحا مشهودا حين أداروها لعدة سنوات سابقة، ثالثا أن مساهمة التيار الإسلامى هناك فى العمل السياسى والمجال العام له تاريخ يتجاوز ثلاثين عاما، الأمر الذى وفر لعناصره بيئة للتفاعل مع المجتمع وللقبول العام خصوصا فى أوساط الأحزاب السياسية المختلفة معهم.

فى هذا الصدد أرجو أن يكون الإخوان قد استفادوا من تجربة الجمعية التأسيسية للدستور، وأدركوا إلى أى مدى ترفض الطبقة السياسية وقطاعات لا يستهان بها من الرأى العام استئثارهم بالمواقع القيادية، الأمر الذى لا يستثنى رئاسة الدولة التى هى الأهم بطبيعة الحال.

ــ إن الدولة المصرية بثقلها وعمقها التاريخى أكبر بكثير من أن يحكمها فصيل أو فريق يهبط عليها من الفضاء دفعة واحدة، لا علاقة له بالإدارة فضلا على محدودية خبرته بالسياسة، وغاية ما حصله من خبرة أنه أدار بعض النقابات المهنية والمدارس الخاصة. وإزاء انعدم الخبرة فى مجال الإدارة وتواضعها فى حقل السياسة، لا مفر من الاعتراف بأن الإخوان ليست لديهم الكوادر المؤهلة لإدارة البلد، الذى لم يعد يحتمل أحدا يتعلم فيه، بعدما عانى طويلا من «تمارين» الهواة ومن موت السياسة.

ـ إن ذلك إذا كان وضع مصر فى الظروف العادية، فما بالك بها إذا كانت تعانى من أوضاع بالغة الخصوصية، وتواجه مأزقا اقتصاديا شديد الخطورة. أتحدث عن حالة السيولة والتشرذم المخيمة على الوضع الداخلى، وأتحدث أيضا عن التزامات وتشابكات بالغة التعقيد مع السياسة الأمريكية ومعاهدة السلام مع إسرائيل، ذلك فضلا على أن الأربعين سنة الأخيرة على الأقل أهانت مصر وأدَّت إلى تقزيمها وإلحاقها بمعسكر التبعية للولايات المتحدة. وأوضاع سياسة بهذه الجسامة يعجز عن حملها الإخوان وتتطلب توافقا وطنيا قويا ومتماسكا، أما حساسية وخطورة الوضع الاقتصادى فإنها تمثل تحديا كبيرا يتجاوز بكثير قدرات أى فصيل سياسى لوحده.

ــ إن الناس أو أغلبهم إن كانوا قد تعاطفوا مع الإخوان وصوتوا لصالحهم فى الانتخابات البرلمانية، إلا أنهم لم يختبروهم فى الممارسة العملية. ناهيك عن أن أداءهم السياسى بعد الثورة خصوصا فى الآونة الأخيرة لم يكن مشجعا ولا جاذبا. والذى لا شك فيه أنه حين يتعلق الأمر بالسلطة فإن اطمئنان الناس لا يتحقق لا بحسن النية ولا بالكلمات الطيبة. ولكنه لا يتوافر إلا إذا أدرك الناس أن صاحب الأمر مقنع لهم بأدائه الماثل أمامهم وعطائه الذى يلمسونه وليس الذى يوعدون به، وسوف يحتاج الإخوان إلى سنوات من الأداء والعطاء لإقناع الناس بأنهم أفيد لهم من غيرهم.

ــ إن الإخوان إذا كان مطلوبا منهم أن يطمئنوا جموع المصريين أولا، إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل حقيقة أنهم يجب أن يرمموا علاقتهم مع بعض الدول العربية، التى أرجح أنها سوف تلتزم الحذر والتردد إذا ما وجدوا على رأس الدولة فى مصر قياديا إسلاميا. وأظن أن ذلك سيحدث أيضا مع بقية المستثمرين وقطاع السياحة. الأمر الذى قد يحول من وصول الإخوان إلى رأس السلطة من حل مشكلة البلد إلى تعميق وتعقيد لها.

لقد كان الإسلاميون فى تونس أكثر توفيقا حين تفاهموا مع غيرهم على توزيع مواقع السلطة بين الأحزاب الرئيسية الثلاثة، وهى رسالة حرى بنا أن نقرأها جيدا وأن نتعلم منها، حيث لا غضاضة فى أن يتعلم الكبار من أشقائهم الصغار، خصوصا إذا أثبتوا أنهم أكثر نباهة منهم


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 26 جمادى اول 1433
18 ابريل 2012

mohamed5175
19-04-2012, 11:47 AM
ارتبكت الحكومة الإسرائيلية هذا الأسبوع بسبب الإحراج الذى سببته لها حملة «أهلا بكم فى فلسطين». ذلك أن منظمى الحملة وهم قادة 26 منظمة وجمعية فلسطينية قد دعوا إليها بالتعاون مع منظمات التضامن مع الشعب الفلسطينى فى أوروبا لاستقدام ما بين 200 و2500 مواطن غربى (بينهم فلسطينيون يحملون جنسيات أجنبية) فى مناسبة عيد القيامة، لإعلان تضامنهم مع القضية الفلسطينية ضد الاستيطان والتهويد. وتم ترتيب برنامج للمسيحيين منهم لإقامة الصلاة فى كنيسة القيامة فى القدس، والاطلاع على جدار الفصل العنصرى ومشاريع الاستيطان والتهويد فى شتى أنحاء الضفة الغربية.

الحملة أزعجت الحكومة الإسرائيلية التى استخدمت ماكينتها الإعلامية الضخمة وقدراتها الهائلة فى التأثير على الحكومات الغربية وشركات الطيران العالمية لمنع توجه هذه الوفود إلى القدس. حتى إن حكومة إسرائيل تعهدت بدفع نفقات كل غرامة تفرضها المحاكم الغربية لصالح المسافرين الذين تمنعهم الشركات من السفر بعد شراء تذاكرهم. وقد استجابت بعض الشركات الأوروبية لقرار الحكومة الإسرائيلية، حتى إن شركة الطيران الفرنسية ألغت تذاكر سفر 500 ناشط. وحذت حذوها شركات طيران أخرى فى بريطانيا وألمانيا وإيطاليا، بل وفى تركيا أيضا. وفى إسرائيل تم تجنيد نحو 600 جندى من حرس الحدود والشرطة والمخابرات، الذين انتشروا فى صالات مطار تل أبيب لإيقاف المتضامنين ومنعهم من الانضمام إلى الحملة.

المصادر الإسرائيلية قالت إن ثلث المتضامنين فقط تمكنوا من الدخول، فى حين أن الفلسطينيين قالوا إن الحملة نجحت وأن نصفهم عبروا الحواجز. وفى كل الأحوال فإن الرسالة وصلت واستطاعت الحملة أن تسلط الأضواء على جرائم الاحتلال والعنصرية الإسرائيلية، فى الوقت الذى كاد الموضوع برمته ينسى وسط خضم الأحداث الساخنة والمتلاحقة فى العالم العربى.

حملة «أهلا بكم فى فلسطين» ظهرت إلى الواجهة بعد أيام قليلة من الضجة التى حدثت فى أوروبا بسبب قصيدة الكاتب الألمانى الفائز بجائزة نوبل جونتر جراس. التى ذكر فيها أن إسرائيل خطر على السلام العالمى، واعتبر أن السكوت على جرائم إسرائيل وبرنامجها النووى وإمدادها بالغواصات (من جانب الحكومة الألمانية) بمثابة اشتراك فى الجريمة. وأوضح بجلاء أنه كرجل صاحب ضمير لا يستطيع أن يلتزم الصمت إزاء ذلك، بعدما سئم النفاق الغربى إزاء السياسة العدوانية الإسرائيلية. لم تسكت إسرائيل وأبواقها، فمنع الرجل من دخولها وانهالت عليه الاتهامات من كل صوب منددة بما اعتبر من جانبه عداء للسامية ونزعا للشرعية عن سياسة إسرائيل الأمنية.

ما يهمنا فى المشهد أن التذكير بجرائم إسرائيل وسياستها الاستيطانية وبرنامجها النووى جاءنا من العواصم الأوروبية. وشاء ربك أن يحدث العكس فى العالم العربى الذى لم يعد يسمع من المسئولين فيه صوت يتحدث عن خطر إسرائيل أو ينتقد برنامجها النووى. وإنما تتركز أحاديث واجتماعات وزراء الخارجية العرب على خطر النظام السورى. أما وزراء خارجية الدول الخليجية فهم مشغولون بالخطر الإيرانى ومشروعها النووى. وقبل ذلك سمعنا خطابا ألقاه السيد محمود عباس (أبومازن) رئيس السلطة الفلسطينية حث فيه العرب على زيارة القدس، لا لكى يشاهدوا سور الفصل العنصرى أو يقفوا على مشاريع الاستيطان والتهويد، وإنما لكى يؤدوا الصلاة فى المسجد الأقصى (ويمارسون التطبيع ضمنا). ثم نشرت الصحف المصرية أنباء سفر أكثر من 400 شخص من الأقباط المصريين بمناسبة عيد القيامة، لزيارة كنيسة القيامة والأماكن التى ورد ذكرها فى الإنجيل عن معالم رحلة السيد المسيح، وسط لغط مثار حول الاختراق الصهيونى للكنيسة الأرثوذكسية بتشجيع من غلاة أقباط المهجر. ومعروف أن البابا شنودة ــ البطريرك الراحل ــ كان قد منع زيارة القدس منذ اشتباكه مع الرئيس السادات. وإضافة إلى هذا وذاك وجدنا أن أغلب المرشحين لرئاسة الجمهورية يتحدثون فى تصريحاتهم برفق شديد ودون حذر عن موقفهم من معاهدة السلام مع إسرائيل بمظنة أن ذلك يجلب الرضا الأمريكى والتأييد الغربى لهم.

هذه المقابلة بين الموقفين الأوروبى والعربى تستحق الملاحظة، بقدر ما تبعث على الحزن والخجل. وأهم ما يمكن أن تستخلصه منها، أمران، الأول أن ثمة خللا فى أولويات الملفات العربية ينبغى أن يعالج. والثانى أن الربيع العربى لم يصل صداه بعد إلى السياسة الخارجية فى العالم العربى، بما فى ذلك دول «الربيع» الذى تتعلق به آمالنا.

جريدة الشروق المصرية
الخميس 27 جمادى اول 1433
19 ابريل 2012

mohamed5175
21-04-2012, 12:24 PM
المصادفة وحدها قادتنى إلى عالم الأهوال المسكوت عليه فى عصر مبارك. ذلك أننى منذ تساءلت فيما كتبته يوم 15/4 عن أعداد الذين قتلوا فى زنازين المخابرات العامة. لم يتوقف رنين الهاتف فى بيتى من جانب أسر ضحايا تلك المرحلة الكئيبة والمروعة. ولاحظت أن البعض عاتبونى لأننى لم أتحدث عن ضحايا سجون وزارة الداخلية.

ولأن عددا منهم تركوا لى أرقام هواتفهم، فإن ذلك أتاح لى أن أشرح لهم أن سياق الحديث لم يكن ضحايا سنوات الدم فى التسعينيات، ولكنه كان عن محتويات ملف رئيس المخابرات الذى ترشح رئيسا للجمهورية بعد 15 شهرا من الثورة على النظام الذى كان بمثابة الوجه الآخر له.

استوقفنى فى واحد من تلك الاتصالات أن محدثى ذكر أن ثمة جهدا يبذل منذ عدة أشهر لحصر ضحايا تلك المرحلة، سواء الذين مروا منهم بزنازين المخابرات العامة أو بالسجون التابعة لوزارة الداخلية، وفهمت من المتحدث أنه واحد من فريق عمل يجمع المعلومات المتعلقة بالموضوع.

وحين طلبت منه مزيدا من التفاصيل، فإنه دلنى على آخرين ممن تتجمع لديهم تباعا نتائج البحث وتدقيق المعلومات فى المحافظات المختلفة، التى تدخل مرحلتها الأخيرة هذه الأيام.

فهمت أيضا أن الأغلبية الساحقة من هؤلاء (95٪ كما يقولون) من أعضاء الجماعة الإسلامية الذين اقتيدوا إلى السجون تباعا فى الفترة ابتداء من عام 92 وحتى عام 2006، بسبب سلسلة العمليات الإرهابية التى قاموا بها حينذاك. وهى التى يقولون الآن إنهم دفعوا إليها بعدما لجأت أجهزة الأمن إلى تصفية بعض عناصرهم جسديا، فاستنفروا للدفاع عن أنفسهم، ويقرون الآن بأن العنف الذى استخدموه كان خطأ وقعوا فيه، واعترفوا بذلك فى إعلانهم عن مبادرة وقف العنف فى عام 97، ثم فى بحوث «المراجعات» التى صدرت تباعا فى أربعة كتب منشورة. وبعد الثورة حين سقط نظام مبارك، وانفتح أمام الجميع باب الدعوة إلى التغيير بالطرق السلمية والقانونية، فإنهم شكلوا حزب «البناء والتنمية»، الذى يقوده الدكتور صفوت عبدالغنى (وكيل المؤسسين) الذى قضى 20 سنة متقطعة فى السجن وعلمت منه أن للحزب الآن 15 نائبا فى مجلس الشعب ونائبين فى مجلس الشورى.

قبل الدخول فى أى تفاصيل، أسجل أننى لست فى وارد تقييم تجربة التسعينيات، ولا تبرير موقف الأطراف المختلفة خلالها. وأشدد على أننى ضد استخدام العنف أسلوبا فى تغيير النظام السياسى فى ظل الدولة الوطنية، كما أننى مع التعامل الحازم مع كل من يخالف القانون خصوصا إذا تعلق الأمر بالنظام العام للمجتمع وأمنه. لذلك فليس لدى أى تعاطف مع موقف جماعات العنف أيا كانت مسمياتها، لكنى متعاطف مع إنسانية عناصرها. ودعوتى إلى التشدد والحزم فى التعامل معهم لها شرط واحد هو أن يتم ذلك فى حدود القانون.

قال لى الدكتور صفوت عبدالغنى إن الاعتقالات فى صفوف الجماعة بدأت عام 1986 فى عهد اللواء زكى بدر وزير الداخلية، ولكنها كانت لعدة أشهر، إلا أن مدد الاعتقال طالت وارتبطت بالتصفية الجسدية ابتداء من عام 1992 فى عهد اللواء حسن الألفى. إذ فى ذلك العام قتل رجال أمن الدولة عضوا فى الجماعة اسمه عرفة درويش حين كان يخطب على منبر الجمعة فى ديروط، الأمر الذى أثار الأهالى الذين اشتبكوا مع الشرطة آنذاك، وحين جاء اللواء حبيب العادلى فى سنة 95 حدثت الاستباحة الكبرى لعناصر الجماعة.

ذكر الدكتور صفوت أيضا أن عملية التوثيق الراهنة بينت أن الذين تم اعتقالهم من أعضاء الجماعة تراوح بين 22 و23 ألف شخص، من هؤلاء قتل ما يزيد على ثلاثة آلاف، ونفذ حكم الإعدام فى 131 آخرين، والذين تمت تصفيتهم فى السجون كانوا 450 شخصا. وهؤلاء إما أطلق عليهم الرصاص وإما ماتوا من التعذيب أو أصيبوا بأمراض داخل السجن لم يعالجوا منها. وأقلهم ماتوا قدرا. أما الباقون فقد قتل أغلبهم بإطلاق الرصاص عليهم عمدا أثناء الملاحقات أو من باب الترويع والتأديب، ومنهم من قتل أثناء الاشتباكات التى وقعت مع الأجهزة الأمنية. إضافة إلى هؤلاء، تم رصد 50 حالة اختفاء لناشطين فى الحركة. وهى لشباب اختطفوا من الشوارع أو من مقار أعمالهم ولم يظهر لهم أثر منذ أكثر من عشرين عاما.

أغلب الضحايا من الوجه القبلى. وأعلى نسبة من القتلى من أبناء مركز ديروط بمحافظة أسيوط ومركز ملوى بالمنيا. أما أغلب المختطفين فهم من محافظتى قنا وأسوان. وذلك كله تم توثيقه وحصره، بعد مسح الذين وجدوا فى ثمانية سجون كبيرة موزعة على أنحاء مصر، بعضها أنشئ خصيصا لاستيعابهم. وعملية المسح والتوثيق هذه حددت أسماء الضحايا والتهم التى وجهت إليهم. والسجون التى وزعوا عليها. كما تضمنت أسماء ضباط جهاز أمن الدولة الذين أشرفوا على تعذيبهم أثناء التحقيق معهم وضباط السجون الذين واصلوا المهمة بعد ذلك بعد انتقال المحتجزين من سلخانات الداخلية إلى بقية السجون. (يقولون إن 80٪ من أولئك الضباط لا يزالون موجودين ويؤدون عملهم فى الجهاز بعد تغيير اسمه إلى الأمن الوطنى بدلا من أمن الدولة).

فى المسح تفاصيل أخرى مثيرة، تستحق أن نستكملها غدا بإذن الله


جريدة الشروق المصرية
السبت 29 جمادى اول 1433
21 ابريل 2012

mohamed5175
22-04-2012, 12:30 PM
هما جريمتان من العيار الثقيل. أن تستباح آدمية وأعراض وأموال أكثر من 22 ألف مواطن، وتتحول حياتهم وحياة أهليهم إلى جحيم، وأن يسكت الجميع على الجريمة البشعة، خصوصا بعض المنظمات الحقوقية لمجرد أن هؤلاء «إسلاميون» لا كرامة لهم ولا بواكى عليهم.

أمس عرضت للخطوط العريضة التى أسفرت عنها عملية توثيق وتسجيل ما جرى لعناصر الجماعة الإسلامية وأسرهم خلال سنوات الإرهاب والدم خصوصا فى تسعينيات القرن الماضى. ولنا موعد اليوم مع بعض تفاصيل عملية التوثيق. وأحب أن أنوه قبل الدخول فى تلك التفاصيل بأنها لا تمثل التاريخ، لكنها شهادة للتاريخ. بمعنى أنها رؤية الطرف المجنى عليه، التى لا ينبغى أن تعد تاريخا إلا إذا خضعت للفحص والتحقيق والمقارنة مع شهادات الطرف أو الأطراف الأخرى.

وعملية الفحص هذه ميسورة بصورة نسبية، لأن شهود المرحلة لا يزالون أحياء، إن لم يكونوا بأشخاصهم فبأهليهم من زوجات وآباء وأبناء. وأزعم فى هذا الصدد أن عملية الفحص إذا أريد لها أن تجلى الحقيقة، فينبغى أن يقوم بها طرف محايد، وأن يعطى الأمان للشهود. ذلك أن أكثر الذين تحدثت إليهم من أولئك الشهود طلبوا ألا تذكر أسماؤهم حتى لا يتعرضوا لضغوط وإرهاب ضباط «الأمن الوطنى» الضالعين فيما جرى، ولا يزالون يباشرون مهماتهم، كما أنهم حذروا من أن يؤدى فتح الملف وفضح حقائقه إلى ابتزاز وإساءة معاملة 16 من إخوانهم الذين لا يزالون فى السجون، وتحتفظ بهم الأجهزة الأمنية كرهائن لتحذير وتأديب الجميع حتى لا يتحدثوا عما جرى لهم (هناك ناشطون إسلاميون آخرون من خارج الجماعة الإسلامية لم يطلق سراحهم بعد، عددهم 23 شخصا). من المعلومات التى كشفت عنها عملية المسح والتوثيق ما يلى:

ــ إن أكبر عدد من القتلى كان بين أبناء المنيا، الذين قتل منهم أكثر من ألف شخص بينهم 500 من مركز ملوى ومنهم 5 نساء من قرية الروضة التابعة للمركز ــ وثلاث نساء من قرية نواى، ذلك بخلاف 27 شخصا من قرية بنى وركان مركز العدوة.

ــ من محافظة سوهاج قتل 500 شخص. وأحد أعضاء الجماعة فى أسوان (اسمه عيسى طاهر) تم قتله فى عام 1993 عن طريق إلقائه من الطابق السابع لمبنى مديرية الأمن.

ــ فى قرية الراوية بمحافظة بنى سويف قتلت عناصر أمن الدولة 4 أشقاء تتراوح أعمارهم بين 17و21 سنة هم: عادل يحيى وأحمد يحيى وطه يحيى ويحيى يحيى.

ــ أكبر نسبة إعدامات كانت من بين أبناء محافظة قنا التى نفذ الحكم فى 28 من أبنائها.

ــ لأجل الضغط على المتهمين كان ضباط أمن الدولة يحضرون نساءهم ويجبرونهن على طلب الطلاق من أزواجهن. وقد تمت 400 حالة طلاق إجبارى من هذا القبيل فى أنحاء مصر. بينها 50 حالة فى القاهرة والجيزة. والأخيرة وقع فيها 26 طلاقا فى حى العمرانية وحده.

ــ حكم على خمس من السيدات بالسجن لمدة تراوحت بين 5 و15 سنة، وقد حكم على السيدة جيهان إبراهيم من حى إمبابة بالجيزة بمدة الـ15 سنة لأنها استضافت فى بيتها رجلا كان مطلوبا للأمن ومعه زوجته.

التفاصيل المماثلة لا حصر لها. ولابد أنك لاحظت أننى لم أتحدث عن وسائل التعذيب التى استخدمت، ولم تؤدِ فقط إلى قتل البعض وإصابة البعض الآخر بالأمراض والعاهات المستديمة، وإنما أفقدت آخرين عقولهم. ولولا الحرج لأوردت أسماء نفر منهم. وفى شوارع مدينة منفلوط يسير واحد منهم ذاهلا وتائها طول الوقت.

ملف الأهوال أكبر من أن يختزل فى الحدود المتاحة للنشر. ولا أعرف متى يمكن أن تجمع هذه المعلومات فى كتاب أسود يفضح ممارسات تلك المرحلة البائسة. خصوصا أن الناس اعترفوا بخطئهم وصححوا موقفهم وانتقدوا أنفسهم علنا. ومن ثم فلا تثريب عليهم إن هم أطلعونا على ما جرى لهم، علما بأن ذلك ضرورى، ليس فقط تسجيلا للتاريخ، لكن أيضا لمحاسبة الذين ارتكبوا بحقهم تلك الجرائم، التى أفهم أنها لا تسقط بالتقادم، باعتبارها جرائم ضد الإنسانية. إلا إذا ارتأى البعض أن منسوبى الجماعات الإسلامية مستثنون من أحكام القانون الدولى بهذا الصدد، بدعوى أنهم من طينة أخرى أدنى من البشر العاديين.

سألت الدكتور صفوت عبدالغنى، الذى أكمل تعليمه وحصل على الدكتوراه فى القانون وهو فى السجن: لماذا لا تحتكم إلى القضاء فيما جرى لكم لمحاسبة المسئولين وتعويض المضرورين؟، فقال إن الظرف غير مواتٍ الآن، والمجتمع مشغول بالثورة وبشهدائها وضحاياها، وحين يتم تجاوز هذه المرحلة يمكن بعد ذلك اللجوء إلى القضاء. وحزبنا (البناء والتنمية) مشغول فى الوقت الراهن بإنهاء عملية التوثيق والتدقيق فى الوقائع والشهادات، إلى جانب حرصه على المشاركة مع القوى السياسية الأخرى فيما هو مطروح من عناوين المرحلة. وختم كلامه قائلا إن الحزب يحاول أيضا إزالة آثار سنوات الجمر والدم التى خلت، وبعض أعضائه الناشطين فى المجال الاجتماعى يعملون الآن على تجهيز وتزويج 19 واحدة من بنات أعضاء الجماعة الذين قتلوا، ففقدن آباءهن وتيتمن فى سن الصغر.


جريدة الشروق المصرية
الاحد غرة جمادى اخر 1433
22 ابريل 2012

mohamed5175
23-04-2012, 11:43 AM
حين زار مفتى مصر القدس فإنه أهان نفسه كواحد من أهل العلم، وأهان دار الإفتاء التى يرأسها، وأهان المؤسسة الأزهرية التى ينتسب إليها، وأهان البلد الذى ينتمى إليه. وحين عاد من زيارته وحاول أن يبرر فعلته فإنه أهان أيضا عقولنا وافترض فينا البلاهة والغباء. ذلك أننى أستغرب على رجل من أهل العلم أن يدعى أنه بزيارته أوصل رسالة المقدسيين الداعية إلى إغاثة المسجد الأقصى من مخططات التهويد، وكأن التحقق من ذلك «الاكتشاف» الذى انفرد به المفتى كان لابد له من أن يذهب بنفسه إلى المسجد الأقصى لكى يشاهد بعينيه ما يجرى هناك. ولم أفهم أى غيبوبة انتابته بحيث لم يوازن بين ذلك الهدف الذى لا يضيف شيئا إلى معارف العامة (فما بالك بالخاصة) وبين المفاسد والفتنة الكبرى التى يمكن أن تترتب على فعلته. ناهيك عن إنه بذلك فتح الباب لكل شخصية عامة لكى تمارس التطبيع متذرعة بحجة توصيل رسالة المقدسيين وربما أيضا توصيل رسالة الفلسطينيين فى الأرض المحتلة.

من ناحية أخرى، فإن القيام بمثل هذه الزيارة لا يدخل فى عمل المفتى حتى أزعم أنه يعد تجاوزا من جانبه أساء فيه إلى دار الإفتاء، التى لم يقل أحد إن من شأنها أن تمارس الاجتهاد السياسى فى الأمور العادية، فما بالك بقضية معقدة فشل فيها رجال السياسة. وللأسف فإن الزيارة لم تمثل صفحة سوداء فى سجل الرجل فحسب ولكنها باتت أيضا صفحة سوداء فى سجل دار الإفتاء التى يفترض أن تنأى بنفسها عن التورط فى مثل هذه الأفعال.

ويظل مستغربا أن ينسى الرجل أنه منتسب إلى مؤسسة الأزهر التى تعد منارة للعالم الإسلامى ورمزا لحلمه فى وحدة الأمة على الصعيدين الوجدانى والدينى من ناحية والثقافى من ناحية أخرى. وبدلا من أن يتبنى موقفا حازما يليق بمقام الأزهر، من قبيل الدعوة إلى تحرير القدس مثلا، فإننا وجدناه قد دخل فى لعبة صغيرة، ظاهرها حمل رسالة المقدسيين، وباطنها التسليم باحتلال الإسرائيليين. وقد كان بوسعه إذا أراد أن يتواضع أن يطالب الإسرائيليين بالسماح للفلسطينيين بالصلاة فى المسجد الأقصى سواء كانوا تحت سن الأربعين من أبناء فلسطين 48 أو كانوا من أبناء الضفة الغربية، إلا اننا وجدناه يتجاهل هذا الشق ويحبذ السياحة فى القدس فاتحا الباب لغيره من الشخصيات العامة فى العالم العربى والإسلامى لكى يتوافدوا على إسرائيل بحجة الصلاة فى الأقصى.

كما بدا الأزهر صغيرا فى هذه الزيارة حتى تجاهل المفتى رمزيته فإن مصر التى يعد المفتى أحد واجهاتها بدت صغيرة أيضا. حتى رأيت فى زيارته صورة مصر العاجزة فى عصر مبارك، التى دأبت على ممالأة الإسرائيليين وموالاتهم، ولم أر مصر الفتية التى رفعت رأسها واستردت كرامتها بعد الثورة. إن مفتى مصر ليس مفتى أى بلد، ولكنه رمز البلد الكبير الذى إذا كان قد ذل أو انكسر يوما ما، إلا أنه رصيده من المهابة والمكانة لم ينفد بعد. ولك ان تتصور كم مشاعر الإحباط والانكسار التى يمكن أن تشيع فى أوساط العرب والمسلمين حين طالعوا خبر زيارة مفتى مصر بجلالة قدره للقدس وهى تحت الاحتلال.

لقد استغبانا الدكتور على جمعة وافترض فينا البلاهة حين قال بعد عودته إن زيارته كانت شخصية، وإنه لم يكن يمثل دار الإفتاء أو الأزهر. كما انه استغبانا حين قال ان الزيارة كانت مفاجأة، وانها رتبت على عجل، ولذلك لم يتمكن من الاستئذان ولم يخبر أحدا.

وهو كلام غير مقبول. ذلك أن الشخصية العامة طالما هى فى المنصب لا تستطيع أن تنفصل عن المنصب الذى تحتله. إن كل ممارساته محملة على منصبه. والمكان الوحيد الذى يمكن ان توصف فيه ممارساته بأنها شخصية ومعزولة عن منصبه، هو بيته الخاص. أما إذا خطا خطوة واحدة خارج البيت فهو محمل بمنصبه لا يستطع منه فكاكا، شاء أم أبى.

وأغلب الظن أنه كان يضحك علينا ويفترض فينا السذاجة حتى قال انه فى زيارته لم يخالف الشرع أو الدين، وكأن المطلوب أن يكون هناك نص من القرآن والسنة يمنع زيارة القدس المحتلة. ولست أشك فى أن الرجل يعرف جيدا أن الأمر لا يحتاج إلى نص. ولكن الإباحة والحرمة فيه مرهونة بنتائج الترجيح بين المفاسد والمصالح، فإن كانت الأولى فشبهة الحرمة قائمة وإن كانت الثانية اكتسب التصرف حصانة شرعية.

إن اسوأ ما فى الزيارة ليس فقط ان مفتى مصر قام بها، ولكن أيضا انها تعطى انطباعا للجميع بأن إسرائيل حريصة على كفالة حرية الأديان، وانها بذلك مؤتمنة على القدس التى يمكن أن تصبح مفتوحة للجميع فى ظل الاحتلال، الذى أكسبته الزيارة ثقة واحتراما.

الملاحظة الأخيرة على الزيارة ان «المطبعين» وحدهم رحبوا بها واعتبروها عملا شجاعا وخطوة بناءة لتعزيز الثقة بين العرب والإسرائيليين (فى ظل استمرار الاحتلال بطبيعة الحال)، وهذا الاعجاب والتودد للمفتى ليس فى صالحه، ليس فقط لأنه يسىء إلى صورته وسمعته فى الدنيا، ولكن أيضا لأن المرء يحشر يوم القيامة مع من يحب، كما يقول الحديث النبوى. الأمر الذى يعنى أن لعنة الزيارة لن تطارده فى دنياه فقط ولكنها مرشحة لملاحقته فى الآخرة أيضا.


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 2 جمادى اخر 1433
23 ابريل 2012

mohamed5175
24-04-2012, 02:00 PM
نظلم أنفسنا كثيرا إذا ما حملنا الثورات العربية بالمسئولية عن الاضطرابات والأزمات التى تلاحقت على أراضيها، لأنها كانت كاشفة عنها وليست منشئة لها.


(1)

هذه الأيام تعددت الكتابات فى بعض الصحف العربية التى تبارت فى التنديد بالثورات التى توالت فى المنطقة، بحجة أنها أجهضت الحلم ولم تحققه، وأفسدت بأكثر مما أصلحت. ويجد أصحاب تلك الكتابات فيما تشهده ليبيا، وما حدث فى مصر واليمن، وما تعانى منه سوريا ذريعة للإيحاء بأن الثورات كانت شرا أصاب البلاد وروع العباد.

ليس سرا أن بعض تلك الدول لم ترحب بالثورات العربية منذ اللحظات الأولى لانطلاقها، ومنها ما منع نشر أخبارها فى وسائل الإعلام المحلية، ولم يسمح إلا بهجائها والتنديد بالممارسات التى تجرى على أرضها. ولم يقف الأمر عند حدود الحظر الإعلامى، وإنما ذهبت بعض الدول إلى ما هو أبعد، حين مارست نفوذها وطلبت من جيرانها عدم تقديم أى عون للدول التى قامت فيها الثورات، عقابا لأنظمتها المستجدة وللشعوب التى أيدتها. إلى جانب أنها لجأت إلى التضييق على مواطنى تلك الدول وعدم الترحيب بهم على أراضيها.

فللدقة فإن هجاء الثورات والتحامل عليها لا علاقة له بأية أخطاء أو أزمات حدثت، وإنما كان استنكارا لمبدأ قيام الثورات من الأساس. وليس معروفا بالضبط ما إذا كان ذلك لتأمين الذات وقطع الطريق على أى حراك أو اصداء فى الداخل، أو كان سببه علاقات ومصالح خاصة ربطت بين جهات نافذة فى تلك الدول وبين أركان الأنظمة التى سقطت، لكن الثابت أن الأخطاء التى وقعت والأزمات التى تعددت. وفرت للهجائين حجة قوية استندوا إليها فى استمرار النقد والمعايرة، وتوجيه رسالة التحذير والتخويف من أى انتفاضة تقوم بها الشعوب.


(2)

يضربون المثل بليبيا التى أصبح الجميع فيها يحملون السلاح، ويذودون عن قبائلهم وما وضعوا أيديهم عليه من مؤسسات ومكتسبات أثناء الثورة، وكيف أن الاشتباكات تعددت بين الثوار المسلحين. فسقط فيها قتلى وجرحى، واستيقظت حزازات ومرارات قديمة. حتى طرابلس العاصمة صارت موزعة على كتائب الثوار. فأهل زنتان يسيطرون على المطار وأهل مصراتة يتمترسون فى مبنى رئاسة الوزراء. وإلى جانب ذلك فلكل حى مجلس عسكرى. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، وإنما تعرضت البلاد لاحتمال التقسيم إلى ثلاثة أقاليم أو ولايات. وكانت البداية فى بنغازى التى شكلت مجلسا انتقاليا لإدارتها مستقلا عن ذلك الذى قام وتشكل بعد الثورة.

الصورة التى تواترت الإشارة إليها فى كتابات الناقدين والمنددين كانت أقرب إلى الصحة، ولكن الخطأ الذى وقع فيه أصحاب تلك الكتابات أنهم نسبوا كل تلك النوازل إلى الثورة دون أى ذكر لمسئولية النظام السابق. ذلك أنهم ينسون ان ليبيا خضعت طوال 42 عاما لحكم قاسٍ وشرير أعاد البلد إلى عصر ما قبل الدولة. فالقذافى اعتبر نفسه وأسرته هم الدولة. فلا حكومة ولا إدارة أو قضاء أو تعليم أو صحة، ولا حتى جيش، لأن أفراده كانوا موزعين على كتائب باسم أولاده. لم تكن ليبيا وطنا لليبيين ولكنها كانت ضيعة أو عزبة للقذافى. وحين احتكر الرجل وأولاده السلطة والثروة والقرار والتليفزيون، أدرك كثيرون أنهم صاروا غرباء فى بلدهم ولم يعد لهم مكان فى الوطن. وكان طبيعيا فى هذه الحالة أن يحتمى الليبى بقبيلته أو الجهة التى ينتمى إليها، وان يحتمى بسلاحه أيضا. هذا إذا قرر البقاء ولم يهاجر شأنه فى ذلك شأن آخرين بحثوا عن أوطان أخرى يستظلون بها وملاذ آمن يركنون إليه.

إذا أضفت إلى ذلك أجواء القمع التى فرضتها أجهزة القذافى الأمنية، واحتقار الرجل لشعبه وازدراؤه بهم واخضاع حياتهم لتقلب أمزجته، فسوف تجد أن تلك البيئة لا يمكن أن تفرز سلوكا اجتماعيا سويا، وإنما من الطبيعى والضرورى أن تنتج مجتمعا مشوها تستغرق عملية ترميمه سنوات وسنوات. بالتالى فإن التقييم المنصف لما تشهده ليبيا من اضطرابات أو صراعات ينبغى أن يبدأ برصد طبيعة التركة التى خلّفها النظام السابق أو على الأقل الادعاء عليه فى المسئولية عن تلك التداعيات.


(3)

حين أغلق باب الترشح لرئاسة الجمهورية فى مصر، وأعلنت القائمة الرسمية للمرشحين الذين وصل عددهم فى البداية إلى 23، اكتشفت أن ثمة أسماء مجهولة أسمع بها لأول مرة، ووجدت أن بين المرشحين أناسا لا علاقة لهم بالسياسة، وبعضهم مجرد هواة يتعذر أخذهم على محمل الجد، كما ان بينهم امتدادات وأصداء للنظام الذى ثار عليه الشعب. أما المستثنون من تلك التصنيفات فقد كانوا شذوذا لا يقاس عليه. حينذاك قلت ان تلك الواجهة لا تمثل مصر العفية ولا حلم الثورة، ولكنها تعكس مصر العليلة والمشوهة التى تحاول الآن التماسك لكى تقف على قدميها. إن شئت فقل إن القائمة خلت من القامات والرموز التى عركتها الممارسة السياسية وحظيت بالاجماع الوطنى. بكلام آخر فإن قائمة المرشحين تشهد بأننا صرنا نفتقد الزعامات من الطراز الأول أو حتى الثانى، وان الأغلبية لهم احترامهم لا ريب إلا أن منهم من يصعب تصنيفه ضمن الزعامات، ومنهم من هو من قبيل الفرز الثالث أو الرابع أو العاشر إذا استخدمنا لغة السوق. ومنهم أناس ليسوا فوق الشبهة السياسية.

حين يفكر المرء فى الصورة من هذه الزاوية فقد يلتمس العذر للمرشحين. حين ينتبه إلى أن البيئة السياسية التى سادت فى مصر طوال الأربعين سنة الماضية لم تكن تسمح بظهور أية قيادات أو زعامات يمكن المراهنة عليها فى المستقبل فلا أحزاب سياسية ذات قيمة ولا انتخابات حقيقية برلمانية أو حتى نقابية، أعنى أن الحياة السياسية تعرضت لموجات من القمع المتواصل التى أدت إلى تجريف الواقع المصرى وتجفيف منابع الحيوية والعافية فيه. إذ حين يصبح الحزب واحدا والأعوان والكهنة لا يتغيرون والفرعون جاثم على صدر المجتمع حتى آخر نفس (كما قال ذات مرة)، فمن أين إذن يمكن ان تخرج قيادة بديلة؟!

إذا وسعنا زاوية النظر وطالعنا المشهد من بقية زواياه فسوف تستوقفنا عثرات المجلس العسكرى وعراك الأحزاب على الحظوظ والنفوذ إضافة إلى فشلها فى تحقيق التوافق فيما بينها سنلحظ أيضا تجاذب الائتلافات وفوضى المليونيات، وتصعيد الاضرابات والاعتصامات، واحتماء الحكومة بالمجلس العسكرى فى معاندة البرلمان، إلى غير ذلك من مظاهر غياب الثقافة الديمقراطية والتفلت والتمزق السياسى التى يراها البعض وجها قبيحا للثورة، فى حين أنها امن مخلفات العلل والمرارات والمظالم التى أصابت المجتمع فى ظل النظام السابق.


(4)

لا استطيع ان أسقط من الحسبان العامل الخارجى، وحرص جهات ذات مصلحة على تعكير الأجواء وتكثيف العقبات لتنفير الناس من الثورة وإقناعهم بأنها كانت وبالا عليهم، وان الوضع السابق كان أفضل لهم. وهو عنصر لن أتوقف عنده طويلا، ليس فقط لأن هؤلاء يؤدون عملهم ويتحرون مصالحهم، ولكن أيضا لأن قوة الداخل وعافيته هى أكثر ما يهمنا، فضلا عن انها كفيلة بإفساد تلك المخططات. ناهيك عن ان دور العامل الخارجى يظل من قبيل الافتراضات التى لا تتوفر لدينا الآن أدلة إثباتها فى الوقت الراهن على الأقل.

لكى نفهم خلفية وجذور التشوهات التى ظهرت أعراضها على مجتمعاتنا بعد الثورة، أذكِّر بالمقولة الشائعة لدى أهل السياسة التى تنبه إلى ان كل نظام يفرز المعارضة التى يستحقها، فالنظام المتطرف فى قمعه وفساده يرتب سلوكا مجتمعيا له ذات الصفات. والنظام الديمقراطى يشيع ثقافة التسامح والتداول السلمى واحترام الحقوق والواجبات. ومن يرجع إلى كتاب طبائع الاستبداد لمؤلفه عبدالرحمن الكواكبى، (عاش فى أواخر القرن التاسع عشر) يلاحظ أن الرجل تحدث عن تأثير الاستبداد على كل نواحى الحياة فى المجتمع، من الدين والعلم والمال إلى الأخلاق والتربية والمجد والترقى. بما يعنى أنه يحدث انقلابا فى القيم السائدة فى المجتمع، فيسلم الناس إلى الانحطاط ´ويحول ميلها الطبيعى من طلب الترقى إلى طلب التسفل، بحيث لو دفعت إلى الرفعة لأبت وتألمت كما يتألم الأجهر من النور. وإذا كان ذلك دأب الاستبداد وطبعه فلك ان تتصور تأثيره على تشويه المجتمع فى حال استمراره طوال ثلاثين سنة.

فى ذات الوقت تعلمنا خبرات عديدة وتجارب تاريخية لا حصر لها، ان الاستبداد لا يدمر الحاضر فحسب لكنه يدمر المستقبل أيضا. أعنى انه حين يسعى إلى التفرد بالسلطة واسكات صوت المجتمع فإنه يضعف مؤسسات الدولة ويزور الانتخابات ويكبل المجتمع المدنى من أحزاب ونقابات واتحادات، الأمر الذى ينتهى بتجريف المجتمع وإصابته بالإعاقة السياسية. وفى بيئة من ذلك القبيل تستأصل البدائل أولا بأول، ولا يتاح لأى نبتة صحية أن تنمو. وكما يحدث فى أى صحراء فإن تربة بذلك الجفاف لا ينمو فيها سوى الشوك والصبار. بالتالى فحين يسقط النظام فإنه لا يخلف بعده سوى انقاض الكيانات التى عمد إلى تقويضها طوال الوقت، وإلى جانبها حقول الشوك والصبار التى وحدها اتيح لها ان تنمو وتزدهر.

هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إن الصور التى تتتابع أمام أعيننا فى مصر طول العام الذى مر من عمر الثورة هى لمخلفات وافرازات النظام الذى سقط ولم يتح للوضع الديمقراطى الذى ننشده أن يرسى قوائمه، أو أن يعالج بيئة التصحر السياسى المخيمة. إن شئت فقل إننا بإزاء تركة عصر القهر والانكسار التى هى من الثقل بحيث تحتاج إزالة آثارها إلى الكثير من الوقت والجهد.

لقد كان يقال ان بعض سلاطين العثمانيين كانوا يبادرون إلى قتل أى طفل يولد فى أسرهم يظنون أنه سيطرح بديلا لهم فى المستقبل. والمستبدون يفعلون نفس الشىء باتباع سياسة الاستئصال والتجريف التى يظنون انها ستجعل من وجودهم ضرورة ومن استمرارهم خيارا وحيدا، الأمر الذى يترتب عليه إصابة حاضرهم السياسى بالعجز والعقم، الذى يمتد أثره إلى المستقبل أيضا. وأزعم اننا فى مصر نمر بهذه المرحلة. ذلك ان التشوهات التى تتراءى لنا ليست سوى بعض تجليات سياسة الاستئصال والتجريف التى تعرض لها المجتمع على مدى 30 أو أربعين عاما.

ليس لدى أى دفاع عن الحاصل الآن أو تبرير له، لكنى تمنيت أن نقرأ الواقع فى سياقه، كى لا نجلد أنفسنا ونظلم ثورتنا أو نستسلم لليأس الذى يدفعنا إليه البعض خوفا منا وليس خوفا علينا.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 3 جمادى اخر 1433
24 ابريل 2012

mohamed5175
25-04-2012, 02:48 PM
خبر إلغاء اتفاقية الغاز مع إسرائيل مهم لا ريب، لكن الرسالة فيه أهم، إذ رغم التصريحات الرسمية التى صدرت عن الجانبين المصرى والإسرائيلى مشيرة إلى أن الإلغاء له أسبابه الاقتصادية، ولا علاقة له بالشأن السياسى، إلا أن الأمر ليس بذلك التبسيط. ذلك أن السياسة كانت موجودة فى إبرام الاتفاق فى عام 2005 (لمدة عشرين عاما) كما أنها لم تكن غائبة عن إلغائه. وإذا كان توقيعه يمثل صفحة فى سجل العار الذى جلل ممارسات النظام السابق، حين كان رئيسه يصنف بحسبانه كنز إسرائيل الاستراتيجى، فإن إلغاءه بدا إشارة إلى انتهاء تلك الحقبة بعد ثورة 25 يناير، وانتقال مصر إلى طور آخر فى مسيرتها. ولا غرابة والأمر كذلك فى ان يلقى قرار الإلغاء حفاوة بالغة عبرت عنها صحف اليومين الماضيين. ولست أبالغ إذا قلت إن صدوره كان بمثابة نسمة منعشة فى أجواء الاحتقان والتوتر السائدة فى مصر هذه الأيام.

لقد كان مدهشا حقا، ومخزيا أيضا، أن تبيع مصر الغاز لإسرائيل بأبخس الأثمان فى صفقة معيبة ومريبة لم تتكشف ملابساتها بعد. وهو ما استفز الجماعة الوطنية المصرية، سواء من ناحية الفكرة والمبدأ أو من زاوية الإجراءات. حيث لم يكن معقولا أن تزود مصر إسرائيل بالطاقة التى تستثمرها فى تشغيل آلة الحرب المعلنة ضد الفلسطينيين. كما لم يكن معقولا أن يحدث ذلك فى حين تعيش غزة فى الظلام وتعانى من أزمة فى الطاقة. كما أنه كان مريبا للغاية أن تتصرف السلطة بهذه السفاهة فى أحد مكونات ثروة مصر الطبيعة من الغاز، وتحرم بذلك محطات توليد الكهرباء التى ظلت تعتمد على المازوت المستورد بضعف ثمن الغاز. ليس ذلك فحسب وإنما نفذت عملية البيع من خلال شركة تأسست خلال أيام قليلة، وتم تمرير اتفاقية البيع من وراء ظهر مجلس الشعب بالمخالفة للقانون، وهو ما حدث أيضا فى اتفاقية «الكويز»، التى عرضها الإسرائيليون على الكنيست فى حين أخفاها نظام مبارك عن مجلس الشعب المصرى.

هذه الخلفية دعت مجموعة من العناصر الوطنية إلى تشكيل حركة «لا لبيع الغاز لإسرائيل»، التى رفعت فى عام 2006 قضية أمام مجلس الدولة لوقف الصفقة المريبة. وباشر المهمة السفير إبراهيم يسرى ومعه السفير أمين يسرى، اللذان انضم إليهما بعض خبراء البترول الذين أثبتوا التلاعب والفساد فى الاتفاق، ولان الأدلة كانت دامغة والحجج قوية، فقد أصدر قاضى مجلس الدولة آنذاك المستشار محمد عطية (وزير العدل الحالى) حكما بوقف التصدير فى عام 2008. لكن الحكومة ظلت تماطل وتتلاعب فى التنفيذ، ومنعت تسليم المحامين نسخة من الحكم. فعرض الأمر على هيئة مفوضى الدولة، التى أيدت الحكم ورفضت طعن الحكومة عليه. ولم يهدأ لحكومة مبارك بال إلا بعد أن استصدرت فى عام 2010 حكما من المحكمة الإدارية العليا بعدم اختصاصها بنظر طعن الحكومة، بحجة أن تصدير الغاز من أعمال السيادة وثيقة الصلة بالأمن القومى، الأمر الذى يخرجها عن نطاق الرقابة القضائية.

رئيس الورزاء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو حرص على أن يؤكد أن المسألة لا تتجاوز حدود الاختلاف حول المعاملات المالية بين الشركتين المصرية والإسرائيلية، فى ايحاء واضح بمحاولة طمأنة الإسرائيليين بأن اتفاقية السلام بخير، وأن القرار ليست له تداعيات سياسية، وهذا هو الشق المعلن رسميا على الجانبين الإسرائيلى والمصرى. فى هذا السياق أبرزت صحيفة «هاآرتس» على صفحتها الأولى يوم أمس الأول (الاثنين 23/4) قصة الخلاف بين الشركتين، وذكرت أن الشركة المصرية نبهت نظيرتها الإسرائيلية خمس مرات لتسديد مديونيتها (100 مليون دولار)، وأعطتها فى المرة الخامسة مهلة حتى 31 مارس الماضى، وإزاء امتناعها عن سداد المستحقات فإن مصر قررت فسخ العقد، ومارست فى ذلك حقها الذى كفلته لها الاتفاقية.

الصحافة الإسرائيلية قالت ما لم يقاله الرسميون. ففى 23/4 نشرت صحيفة «إسرائيل اليوم» الأوسع انتشارا، مقالا للمستشرق اليعازر بسموت كبير معلقيها قال فيه إن الكلام عن أن وقف تصدير الغاز تم لأسباب اقتصادية من قبيل ذر الرماد فى العيون. «لأن الأمر يتعلق بتداعيات سقوط نظام مبارك الذى فى عهده ما كان لذلك الاعتبار (الاقتصادى) أن يمنع تدفق الغاز لإسرائيل»، وختم مقاله بقوله إن مصر بعد مبارك سوف تصدر لنا اللهب والنار بدلا من الغاز. الأمر الذى يشير إلى أن سيناريو الرعب فى العلاقة مع مصر يتحقق بسرعة كبيرة. وهى ذات الفكرة التى عبرت عنها تصريحات ليبرمان وزير خارجية إسرائيل وأبرزها العقيد متقاعد الدكتور يهودا دحدح هليفى الباحث فى معهد القدس لشئون المجتمع، واستند فى إبرازها إلى بيان لجنة الشئون العربية بمجلس الشعب المصرى الذى أدان غارات إسرائيل الأخيرة على غزة، وأشار إليها بعبارة «الكيان الصهيونى» واصفا أياها بأنها «دولة عدو».

أيا كان العائد الاقتصادى المترتب على وقف تصدير الغاز، فإن المردود السياسى للقرار لا يقل أهمية، إن لم يكن أكبر. حتى أزعم ان القرار يظل وساما على صدر المجلس العسكرى والحكومة. وفى حده الأدنى فإنه يشهد بأن مصر قلبت صفحة كنز إسرائيل الاستراتيجى، وأنها بصدد الانتقال إلى مصاف الدول المحترمة التى تتمسك بالدفاع عن حقوقها وكرامتها. وقد سمعت من المستشار طارق البشرى تعليقا على القرار يرن فى أذنى طوال الوقت، قال فيه إنه ذكرنا بالوطنية المصرية التى شحبت صورتها واهتزت فى عهد مبارك.


جريدة الشروق المصرية

الاربعاء 4 جمادى اخر 1433
25 ابريل 2012

mohamed5175
26-04-2012, 02:39 PM
اعتبرت جريدة الوفد فى عددها الصادر يوم الثلاثاء الماضى (24/4) ان إلغاء عقد تصدير الغاز لإسرائيل بمثابة «فرقعة سياسية»، كما ذكر عنوان الصفحة الأولى الذى أبرز باللون الأحمر. وأوردت الصحيفة ما ذكرته بعض مواقع التواصل الاجتماعى من أن القرار ليس سوى «تمثيلية لرفع شعبية العسكرى». هذه اللغة التى انطلقت من التشكيك فى دوافع اتخاذ القرار ترددت أصداؤها فى بعض الكتابات والتعليقات المصرية. التى لم تفترض البراءة فى مقاصده. بالمقابل فإن الإعلام الإسرائيلى كانت له قراءة أكثر جدية وأشد توجسا، حيث أشارت معظم التعليقات إلى أن الأمر يدل بشكل جاد على ان ثمة تغيرا فى السياسة المصرية بعد الثورة.

حين يدقق المرء فى الصورة ويتتبع تطورات الحدث، يدرك ان خطاب التشكيك والتهوين ظلم القرار كثيرا ولم يعطه حقه، حيث أزعم انه يمثل نقطة مضيئة وصفحة مشرفة فى سجل الثورة المصرية، وسجل المجلس العسكرى والحكومة أيضا. وتلك شهادة ينبغى ألا نضن بها إذا أردنا أن نكون منصفين، وحين تذكرها فإننا لا نطوى صفحات أخرى محسوبة على الاثنين، لأننا لسنا فى وارد المحاكمة وإنما نلتمس الانصاف واحقاق الحق.

إذ ليس سرا ان موضوع تصدير الغاز لإسرائىل ظل يشكل صداعا للمجلس العسكرى من ثلاث زوايا على الأقل. من ناحيته، لأن العقد فاسد من الأساس وسبق ان حكم القضاء الإدارى ببطلانه فى عام 2008، ولكن النظام السابق احتال لاستمراره. من ناحية ثانية فإنه كان مجحفا بحق مصر وظالما لها حيث كان يبيع الغاز لإسرائيل بثمن بخس لا علاقة له بالأسعار العالمية. من ناحية ثالثة فإن عملية تأمين خط الغاز أصبحت تشكل عبئا على السلطات المصرية بعد تعرضه إلى 14 عملية تفجير حتى الآن.

لهذه الأسباب فقد اتجهت النية لإلغائه فى أول فرصة، مع الحرص على ألا يؤدى ذلك إلى تحميل الطرف المصرى بأية تعويضات. ومعلوم أن إسرائيل لجأت إلى التحكيم الدولى مطالبة بتعويضات قدرها 8 مليارات دولار عن فترات انقطاع الغاز المصرى عنها. إلا أنه تبين ان العقد الموقع فى سنة 2005 يتضمن نصا يقضى بأنه إذا لم يسدد الطرف الإسرائيلى التزاماته المالية لمدة خمسة أشهر، فإن ذلك يعطى مصر الحق فى فسخه من جانبها. وهو ما حدث هذه المرة، إذ ظل الطرف الإسرائيلى يسوِّف ويماطل فى الدفع طوال تلك المدة، غير متوقع ان تلجأ السلطات المصرية إلى فسخ العقد. وحين تراكمت الديون على الإسرائيليين ووصلت إلى مائة مليون دولار وبعدما مرت الأشهر الخامسة المحددة فى الاتفاق، اتخذت القاهرة قرارها الذى ترقبته.

وحين قالت السيدة فايزة أبوالنجا وزيرة التعاون الدولى ان مصر على استعداد لبيع الغاز لإسرائيل من خلال توقيع اتفاق جديد، فإن كثيرين لم ينتبهوا إلى دلالة الكلام ومغزاه. ذلك ان الاتفاق الجديد ــ إذا تم ــ فإن بيع الغاز سيكون بالأسعار العالمية، وليس فيه أية تضحية من جانب مصر. الأهم من ذلك ان الاتفاقية فى هذه الحالة ينبغى أن تعرض على البرلمان لإقرارها كما نص الدستور، وهذه هى العقدة التى نستطيع أن نقول من الآن أنه سيصعب تجاوزها، لأن البرلمان بتركيبته الحالية لا يمكن أن تمرر اتفاقا مع إسرائيل من ذلك القبيل. وهذا التحليل يسوغ لنا ان نقول انه بفسخ عقد البيع فإن باب تصدير الغاز لإسرائيل قد أغلق تماما، فى الأجل المتطور على الأقل.

إذا صح هذا الذى ذكرت فهو يضمن أن حسابات إصدار القرار اتسمت بالجدية والرصانة، وان فكرة الفرقعة أو التمثيلية لم تكن واردة فى العملية، وان كنت أسلم بأن صدوره رفع من شعبية المجلس العسكرى، وهو أمر ينبغى ألا نضيق به أو نستهجنه. بل من ناحيتى أضيف انه حتى لو كان الأمر فرقعة أو تمثيلية فإنه يستحق الترحيب أيضا، طالما انه يؤدى إلى تصحيح العلاقة المختلة مع إسرائيل.

ثمة بعد فى المشهد ينبغى الانتباه إليه، وهو أن أصداء التشكيك فى القرار تدل على وجود أزمة ثقة بين بعض عناصر النخبة وبين المجلس العسكرى، فتحت الباب لإساءة الظن فى ملابسات ومقاصد القرار. وتلك أزمة عامة تعانى منها مصر الآن، واستفحل أمرها حتى أصابت علاقات مختلف القوى السياسية ببعضها بعض. وهى مشكلة تحتاج إلى حل، ولا يتسع المجال للتفصيل فيها، ولذلك سأكتفى بتشخيصها هذه المرة، آملا أن تناقش مقترحات علاجها فى وقت لاحق.

جريدة الشروق المصرية
الخميس 5 جمادى اخر 1433
26 ابريل 2012

mohamed5175
28-04-2012, 11:47 AM
لا نريد ابتذال زيارة القدس، والزج بها فى المناورات والألاعيب السياسية، ذلك أن أهمية المدينة المقدسة تكمن فى أمرين، الأول رمزيتها السياسية بالنسبة للقضية الفلسطينية حيث باتت تختزل القضية وتجسد انتصارها أو انكسارها، والثانى رمزيتها الروحية عند المسلمين والمسيحيين. وقد قدمت الرمزية السياسية لأنها تعطى معنى للرمزية الروحية. فتعلى من شأنها أو تحط من قيمتها. إذ القدس المحررة تختلف بالكلية عن القدس الذليلة والمقهورة. حيث لا أستطيع أن أفهم كيف يتقرب المسلم مثلا إلى الله بالصلاة فى المسجد الأقصى. وهو تحت الاحتلال تدنسه أحذية المستوطنين وجرافات المتعلقين بسراب البحث عن هيكل سليمان، كما أننى لا أستطيع أن أتصور عربيا يتجول سائحا فى القدس ومتبضعا فى شوارع المدينة القديمة فى حين يلاحقه غرور جنود الاحتلال المدججين بالسلاح، ويرى بأم عينيه عربدة المستوطنين الذين يقتحمون بيوت العرب ويطردونهم منها. وربما اضطر لأن يشيح بوجه عن تجمعات العرب المطرودين الذين يحتمون بخيام نصبوها فى الشارع، وراحوا يستغيثون بضمائر المارين، عل واحدا منهم يتضامن مع مظلوميتهم ويضم صوته إلى أصواتهم المهزومة والجريحة.

إن مدينة القدس تبتذل حين تفصل رمزيتها السياسية عن رمزيتها الروحية، ويطالب قاصدوها بأن يغضوا البصر عن عرضها المستباح وكرامتها المهدورة، فيلتزمون الصمت إزاء احتلالها ولا تستوقفهم الحملة الشرسة لتهويدها وتفريغها من سكانها العرب.

قبل عدة سنوات كتبت مقالة فى الأهرام حذرت فيها من الاهتمام بالحجر دون البشر فى القدس وانتقدت التركيز على المسجد الأقصى مع إهمال الشعب الفلسطينى الذى تعرض للتشريد والافتراس من جانب الإسرائيليين. وقلت إن المسجد الأقصى له رب يحميه، مرددا فى ذلك عبارة عبدالمطلب جد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين أغار على مكة أبرهة ملك الحبشة، فقال مقولته الشهيرة «للكعبة رب يحميها».

وقتذاك علق المستشار طارق البشرى على ما كتبت، داعيا إلى عدم التهوين من شأن القدس لأنها رمز يختزل القضية الفلسطينية ويجسدها. وهو رأى اقتنعت به، ونشرته فى مكان مقالى يوم الثلاثاء، إلا أننى وجدت أن الأمر اختلف هذه الأيام، فى ظل الجهد الدءوب الذى بذل طول السنوات الخمس الأخيرة لفك ارتباط الرمز بالقضية، الأمر الذى أفقد الرمز وظيفته الأساسية. أصبحت الدعوة منصبَّة على زيارة القدس والسياحة فيها، فى حين سكت الجميع على تحريرها وإطلاق سراحها. وإذ وقع كثيرون فى الفخ وقبلوا بوعى أو بغير وعى بزيارة المدينة والصلاة فى الأقصى رغم ما حل بهما من هوان وما يكبلهما من أغلال. فإن الصدمة كانت أكبر حين تورط فى الزيارة (تحت الحراسة الإسرائيلية) مفتى مصر الدكتور على جمعة، لأن الزائر فى هذه الحالة له رمزية مختلفة عن غيره من الزائرين، فهو على رأس دار الإفتاء، فى أكبر وأهم بلد عربى، حتى إن أحد الكاتبين اعتبرها بمثابة فتوى عملية تحبذ الزيارة وتجعلها مباحة إن لم تكن مستحبة، وفى المقال الذى نشرته الشرق الأوسط فى 24/4 تحت عنوان «من يفتى للمفتى؟». اعتبر الكاتب أنه بعد زيارة الدكتور على جمعة، فلا ينبغى أن يحاول أحد أو يزايد، كأنما حسم الرجل الموضوع. وأطلق إشارة خضراء فتحت الطريق أمام كل راغب لكى يصلى فى المسجد الأقصى دون أى قلق من وجود الاحتلال.

لا أخفى أن الألتباس الذى عبرت عنه بعض الكتابات مؤخرا هو ما دعانى إلى العودة للموضوع من ثانية للتذكير بالجانب المسكوت عليه فى المسألة، وهو رمزية القدس بالنسبة للقضية الفلسطينية. خصوصا أن البعض ذهبوا فى ترحيبهم إلى القول بأن معارضة الزيارة هى دعوة إلى هجرها، فى حين أن الزيارة تسهم فى انقاذها (لا أعرف كيف)، صحيح أن وجود الزائرين يخفف بصورة نسبية من شعور الفلسطينيين بالحصار والغربة، لكنه أيضا يضعف من المقاطعة وينعش الاقتصاد الإسرائيلى، وتظل استفادة العرب منه محدودة بل وهزيلة إذا قورنت بالأضرار الجسام التى تصيب القضية الفلسطينية، حيث تصب دعوة زيارة القدس فى مجرى هجرتها والتسليم باستمرار الاحتلال والتهويد.

إنهم يلحّون على زيارة القدس والصلاة فى الأقصى، لكن أحدا من هؤلاء لم يوجه الدعوة ولو مرة واحدة لزيارة قطاع غزة الذى يعانى الاحتلال، حتى أزعم أنه فى الظروف الراهنة فإن الصلاة فيه أكثر قبولا وأعظم ثوابا عند الله من الصلاة فى الأقصى الذى يرزح تحت الاحتلال.

جريدة الشروق المصرية
السبت 7 جمادى اخر 1433
28 ابريل 2012

mohamed5175
29-04-2012, 12:44 PM
أحدث فرقعة فى سوق الشائعات المصرية تحدثت عن ميلاد تشكيل جديد باسم «جماعة الجهاد لتطهير البلاد». فى بيانها الأول استهدفت قناة «أون تى فى»، التى وصفتها بأنها قناة البوم والغربان التى تستهدف تخريب البلاد وإشاعة الفوضى فيها، وطالبت إدارتها بدفع عشرة ملايين جنيه تبرعا لإحدى المؤسسات الخيرية وإلا تعرضت منشآتها واستديوهاتها للتخريب والتدمير ثم تحدثت عن اختطاف بعض مقدمى البرامج فى القناة، والمطالبة بدفع مبلغ 20 مليون جنيه لإطلاق «صراحهم» هكذا كتبوها.

الخبر بثه موقع صحيفة «المصرى اليوم» على شبكة التواصل الاجتماعى فى 24/4 الحالى. وظل يتصدر الصفحة الأولى من الموقع يوم 25 أيضا، ثم نشرته بعد ذلك يوم 26/ 4 منسوبا إلى جماعة جهادية. ورغم ركاكة البيان وضحالته، وغرابة وسذاجة الطلبات المقدمة فيه، خصوصا ذلك البند الخاص بالإعلان مقدما عن نية خطف بعض مقدمى برامج التليفزيون وطلب 20 مليون جنيه فدية لإطلاق «صراحهم»، إلا أن مجرد الإشارة إلى ظهور «جماعة جهادية»، وتهديدها بالتخريب والاختطاف، كان بحد ذاته كفيلا بتوصيل رسالة الخوف إلى الآخرين، وهى رسالة لها رنينها فى الظروف الراهنة التى تمر بها مصر.

قبل ذلك بأيام قليلة (فى 21/4) شهدنا فرقعة أخرى. حين نشرت صحيفة «الشروق» على صفحتها الأولى خبرا تحت عنوان يقول: «جماعة سيد قطب تدعو لاستبدال العلم المصرى بالراية السوداء» وفى الخبر أن مجموعة من المتظاهرين فى ميدان التحرير حملوا رايات كتبت عليها عبارة: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ونقل المحرر عن أحدهم قوله انه لا يعتد بالعلم المصرى الحالى. كما تحدث عن ان عناصر المجموعة وزعت منشورات مختومة باسمها ركزت على مصر الحلم والنهضة. ودعت إلى تدريب الشعب على جميع أنواع الأسلحة وفرض التدريب العسكرى على الكافة، كما دعت إلى تكوين قاعدة صناعية عسكرية. والاهتمام بكل أنواع الأسلحة غير التقليدية البيولوجية والنوعية، لسهولة تصميمها وقدرتها على الإبادة الشاملة. كذلك دعا المنشور إلى وضع ميزانية كبيرة لطباعة الكتب الدينية لدعوة الغرب وضمهم للإسلام، وتوفير عدد كبير من القنوات الفضائية الدينية الناطقة باللغات المختلفة لنشر الدعوة الإسلامية وإثارة البلبلة فى إثيوبيا، ودعم المقاومة الصومالية وقطع طرق التجارة فى البحر الأحمر أمام السفن الأمريكية والإسرائيلية.

الرسالة كما رأيت بالغة الركاكة والضحالة كسابقتها، وهى ليست أكثر من موضوع إنشاء يكتبه تلميذ فى المرحلة الثانوية. ومع ذلك فإنها تحولت إلى خبر على الصفحة الأولى خوفنا بالإعلان عن ميلاد جماعة باسم الأستاذ سيد قطب الذى ظلم حيا وميتا، وأقلقنا بحكاية الراية السوداء التى هى فى حقيقة الأمر علم حزب «التحرير الإسلامى» الذى نشأ فى الأردن وتمدد خارجه لاحقا.

قبل نحو شهرين أبرزت الصحف المصرية بيانا ظهر على شبكة التواصل الاجتماعى أعلن عن تأسيس جماعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فى استنساخ لفكرة الهيئة المعروفة بذات الاسم فى المملكة العربية السعودية. وشأنها شأن الهيئة الأم، فإنها أعلنت عن اعتزامها تطبيق شرع الله وحث الناس على الالتزام بحدوده، فى مظهرهم وسلوكهم الاجتماعى. كما تحدث بيان آخر عن أنهم بصدد استجلاب الأدوات المطلوبة لأداء المهمة من الخارج، وهى تتمثل بالدرجة الأولى فى العصى المكهربة التى تستخدم فى حث الناس وزجرهم. وقال بيان ثالث إن الشحنة وصلت بالفعل إلى ميناء الإسكندرية، وأنها بصدد التفريغ تمهيدا لبدء العمل، وشاء ربك أن يتوقف سيل البيانات بعد ذلك، إذ سكتت الجماعة فجأة كما ظهرت فجأة.

يلفت النظر فى الفرقعات الثلاث عدة أمور. أولها انها مجهولة المصدر ولم تنسب إلى أشخاص بذواتهم، ثانيها أن مصادرها التى من الواضح انهم مجموعات من الهواة تختبئ وراء وسائل الاتصال الحديثة. ثالثها انها تصب فى مجرى واحد هو التخويف من الإسلام والإسلاميين مستثمرة أجواء التوجس الراهن منهم فى بعض الأوساط. رابعا انها تلقى تجاوبا من حالة التربص والاصطياد الشائعة فى دوائر الإعلام المصرى، التى لم تتخلص بعد من ثقافة «الفزاعة» الإسلامية التى رسختها ممارسات النظام السابق.

هل هذه فرقعات منفصلة، أم أنها خارجة من وعاء واحد؟ ليست لدى إجابة على السؤال، لكننى أفهم أن هدف التخويف مطلوب فى أجواء الانتخابات الرئاسية، تماما كما أن توتير وتفجير الأوضاع فى مصر كان مطلوبا لتعطيل وإرجاء الانتخابات البرلمانية. وهى الملاحظة التى سمعتها من أحد كبار المسئولين، الذى نبهنى إلى أن حملة التوتير والتفجير توقفت تماما بعد فتح ملف منظمات التمويل الأجنبى وترحيل بعض الضالعين فى العملية ــ إن أبالسة الطرف الثالث لا يزالون يملون من العبث فى الساحة المصرية.

جريدة الشروق المصرية
الاحد 8 جمادى اخر 1433
29 ابريل 2012

mohamed5175
30-04-2012, 11:48 AM
هذا خبر لم يكترث به الإعلام فى مصر: فاز الطالب عمرو محمد من الإسكندرية فى المسابقة العالمية «مختبر يوتيوب الفضائى» التى تنظمها عدة مؤسسات علمية عالمية بالتعاون مع شركة «جوجل»، مالكة محرك البحث العلمى الشهير. وقد أعلنت الشركة عن أسماء الفائزين فى المسابقة العلمية التى أطلقت على مستوى العالم للشباب من فئتين عمريتين من 14 إلى 16 سنة ومن 17 إلى 18 سنة.. بهدف إتاحة الفرصة التى تمكنهم من إجراء أى تجربة علمية فى الفضاء الخارجى. عمرو ـ الشاب المصرى ـ تقدم للمسابقة بتجربة علمية حاول عبرها الإجابة عن السؤال التالى: هل يمكن تعليم العنكبوت حيلا جديدة؟ وحاول فى تجربته العلمية أن يتعرف على أثر انعدام الجاذبية على سلوك نوع معين من العناكب «زيبرا» عند اصطيادها لفريستها، وكذلك ملاحظة مدى قدرتها على التكيف مع البيئة الجديدة التى لم تعتد عليها.

بقية الخبر أن عمرو محمد فاز فى مسابقة الفئة العمرية 17 ــ 18 فى حين فازت طالبتان أمريكيتان فى مسابقة الفئة 14 ـ 16 سنة. وتم تكريم الفائزين فى احتفال أقيم فى واشنطن حضرته الجهات المنظمة للمسابقة، وهى: الإدارة الوطنية للطيران والفضاء «ناسا» ووكالة الفضاء الأوروبية «ايسا»، ووكالة استكشاف الفضاء اليابانية «جاكسا». وستنظم فى أواخر هذا العام رحلة إلى محطة الفضاء الدولية لاختبار التجربتين الفائزتين، وبثهما مباشرة على موقع يوتيوب. وسيتاح للفائزين الثلاثة الاستمتاع بواحدة من مغامرتين رائعتين من مغامرات الفضاء. الأولى رحلة إلى اليابان لمشاهدة ساعة انطلاق التجربة على متن صاروخ إلى محطة الفضاء الدولية. والثانية الحصول على دورة تدريبية على ريادة الفضاء لمدة أسبوع فى مدينة النجوم الروسية، التى تعد مركزا تدريبيا لرواد الفضاء الروس.

هذه التفاصيل لم أجدها فى صحيفة مصرية، ولكنى وقعت عليها فى صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية «عدد 24/3». الأمر الذى يستدعى السؤال التالى: لماذا لم يكترث الإعلام المصرى بالشاب الذى تفوق على أقرانه، وحقق إنجازا علميا دل على نبوغ مبكر؟ عندى إجابتان. الأولى: أننا مهتمون بمسابقات الرياضة والغناء بأكثر من اهتمامنا بمسابقات العلوم، حيث الأولى مبهجة وخفيفة الظل والثانية ثقيلة الظل وفراغنا ـ خواؤنا إن شئت الدقة ـ يدفعنا إلى الانجذاب إلى الأولى دون الثانية. الإجابة الثانية إن فضائياتنا مهجوسة بالشأن السياسى وصارت طرفا فى اللعبة السياسية، الأمر الذى حول أغلب مقدمى برامجها الحوارية المسائية إلى زعماء وموجهين للرأى العام، لذلك فهم لا يلقون بالا لمثل هذه الأمور «الصغيرة».

فى التعليق على هذا المشهد أضع بين أيدى الجميع خلاصة دراسة مثيرة أجراها مؤخرا فريق تابع لمنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، عن العلاقة بين قدرات الشباب العلمية ووفرة الموارد الطبيعية فى بلدانهم. ذلك أن تلك المنظمة تجرى كل عامين اختبارات فى 65 بلدا للطلاب فى سن الخامسة عشرة لتقييم قدراتهم فى الرياضيات والعلوم ومهارات القراءة بالمقارنة بنسبة إجمالى الناتج المحلى فى كل بلد، الأمر الذى يجيب عن السؤال التالى: ما هو مستوى تلاميذ المدارس الثانوية فى الرياضيات مقارنة بما يضخه البلد من نفط أو ما يستخرجه من ماس؟

المثير فى الدراسة أنها أثبتت وجود علاقة سلبية مهمة بين ما يقتطعه البلد من أموال الموارد الوطنية وبين معارف طلابها ومهاراتهم فى المدارس الثانوية. إذ لوحظ إن طلاب سنغافورة وفنلندا وكوريا الجنوبية واليابان حققوا أعلى الدرجات، رغم أن بلادهم لا تتمتع بموارد طبيعية كبيرة. الأمر الذى بدا حافزا لشحذ همتهم واستنفارهم. أما طلاب قطر وقازاخستان الغنيتين بالموارد الطبيعية فقد حازوا أدنى الدرجات، حيث لا يتوفر الدافع القوى للتفوق، الذى بغيره تمضى الأمور على نحو طيب وهذا الوضع تكرر فى دراسة مماثلة لاتجاهات الرياضيات والعلوم الدولية فى عام 2007. حيث كانت نتائج طلاب لبنان والأردن وتركيا (وهى بلدان محدودة الموارد نسبيا) أفضل من طلاب (السعودية والكويت وعمان والجزائر والبحرين وإيران). كما كانت الدرجات المتدنية أيضا من نصيب بعض بلاد أمريكا اللاتينية الغنية كالبرازيل والمكسيك والأرجنتين.

بينت الدراسة أيضا أن من الذين حصلوا على درجات عالية فى الاختبارات طلاب بعض الدول الغنية بالموارد، مثل كندا والنرويج واستراليا. إلا أن ذلك كان ناتجا عن أن تلك البلاد وضعت سياسات متوازنة لادخار واستثمار عوائد هذه الموارد ولم تكتف باستهلاكها.

الخلاصة. أنك إذا أردت أن تتعرف على مستقبل أى بلد فى القرن الواحد والعشرين فلا تحسب احتياطياته من النفط أو الذهب، ولكن انظر إلى مكانة مدارسه وكفاءة مدرسيه العالية وقوة مناهجه التعليمية وإيمان آبائه والتزام طلابه. ذلك أن المعارف والمهارات هى التى ستحدد موقع كل بلد فى خريطة المستقبل. وهو ما لابد أن يصدم كثيرين فى بلادنا ممن تصوروا أن غاية المراد أن يفوز فريق البلد القومى بكأس فى مباريات كرة القدم، أو أن يتفوق بعض أبنائه فى برنامج «ستار أكاديمى» ــ إننا نحث السير على طريق الندامة!


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 9 جمادى اخر 1433
30 ابريل 2012

mohamed5175
01-05-2012, 12:51 PM
الأزمة التى وقعت هذا الأسبوع بين السعودية ومصر كاشفة عن مدى التصدع الذى يعانى منه البيت العربى ومدى الوهن الذى أصاب علاقات الأشقاء.


(1)

ما خطر ببال أحد أن يؤدى حادث احتجاز أحد المحامين المصريين المعتمرين فى مطار جدة إلى إطلاق حملة احتجاجات فى القاهرة. ترددت أصداؤها فى وسائل الإعلام المختلفة، ثم ان ينتهى الأمر بسحب السفير السعودى وإغلاق القنصليات فى مصر، الأمر الذى يلوح باحتمال قطع العلاقات بين اثنين من أهم الأقطار العربية، ولأول وهلة يبدو الأمر وكأنه فرقعة سياسية انطلقت من حيث لا يحتسب أحد. إذ كان الانفعال والغضب واضحين فى القرار السعودى، بقدر ما أن رد الفعل من الجانب المصرى اتسم بالتعجل والعبثية من ناحية وبالبعد عن اللياقة من ناحية ثانية. إلا اننا ينبغى أن نلاحظ هنا أن الموقف السعودى كان قرار دولة. اعتادت أن تتصرف بهدوء وروية وتعتمد سياسة النفس الطويل فى أغلب الأحوال، من ثم فإن الانفعال يعد موقفا استثنائيا يعطى انطباعا بأن غضب الرياض قد تجاوز معدلاته العادية. بالمقابل فإن رد الفعل المصرى إزاء الحدث كان شعبيا وإعلاميا ولم يكن رسميا، وليس بعيدا عن التأثر بأجواء الهرج التى تسود مصر منذ قيام الثورة بما استصحبته من علو للصوت وجرأة فى التعبير.

لست فى مقام تحرى خلفيات القرار السعودى المفاجئ، ولكن بوسعنا أن نتحدث عن الأصداء المصرية التى شهدناها خلال الأيام العشرة الأخيرة وفى حدود علمى فإن الشرارة الأولى التى فجرت تلك الأصداء تمثلت فى الشائعات التى ذاعت فى أوساط الناشطين وتحدثت عن تعمد سلطات مطار جدة احتجاز المحامى المصرى، تأديبا له على مواقف سابقة كان قد اتخذها فى مواجهة ممارسات النظام السعودى. كما تحدثت عن أن حكما صدر بحبس المحامى لمدة سنة وتعريضه لعقوبة الجلد. هذه المعلومات تعامل معها كثيرون باعتبارها حقائق ولم يحاول أحد أن يتثبت من دقتها، الأمر الذى أطلق صورا مختلفة من تجليات الاحتجاج والغضب، كان بينها الضجر الذى شهدته نقابة المحامين المصريين، والتظاهر أمام السفارة السعودية بالقاهرة، ورشقها من قبل البعض، أما أسوأها على الإطلاق فقد كان التناول الإعلامى الذى لم يخل من تطاول وتجريح، ولم يسلم منه أحد من المسئولين السعوديين، بدءا من السفير فى القاهرة إلى الملك فى الرياض. وهو تطاول مارست فيه بعض الصحف المصرية ما نعرفه عنها من خفة فى التقييم وبذاءة فى التعبير. وتلك رذيلة ينبغى أن نعترف بأنها تعد من السوءات التى أصبحت تلصق بالإعلام المصرى جراء ممارسات بعض الصحف الصفراء التى تعتمد الإثارة الرخيصة وبعض الأقلام التى اخترقت الساحة الإعلامية فى غفلة من الزمن، دون أن تتمكن من تقاليد المهنة أو آداب الحوار مع المخالفين. وكانت النتيجة أن عددا غير قليل من حملة الأقلام المحدثين لم يتعلموا كيف يفرقون بين النقد و«الردح».


(2)

إذا نظرنا إلى وقائع الحدث من زاوية تفاصيلها، فسنجد أنها زوبعة فى فنجان، أو حبَّة تحولت إلى قبة، وإذا وضعنا فى الاعتبار أجواء ما بعد الثورة، وأدركنا أن بعض ما وجه إلى القادة السعوديين من أوصاف وعبارات خشنة يوجهه البعض إلى رموز الحكم فى مصر، فربما أسهم ذلك فى احتواء الموضوع من خلال الاكتفاء بالعتاب الهادئ عبر قنوات الاتصال المفتوحة بين القاهرة والرياض، إلا أننى لا أستطيع أن أفصل رد الفعل السعودى السريع والغاضب عن أجواء الحساسية المخيمة على منطقة الخليج إزاء الثورة المصرية وغيرها من مظاهر ما سمى بالربيع العربى ــ حتى أزعم أن هذا الذى حدث لو أنه وقع فى ظروف أخرى وسياق مغاير لعولج بأسلوب آخر أكثر هدوءا ورصانة.

إن استياء أغلب الدول الخليجية من التحول الذى أحدثته الثورة فى مصر وغيرها من دول الربيع العربى بات معلوما للكافة. وهذا الاستياء يلمسه أبناء تلك الدول الذين يعيشون فى منطقة الخليج. وهم الذين يعانون من التضييق فى تجديد عقود العمل وفى الإقامة والزيارات، إضافة إلى أن بعضهم سحبت منهم الجنسية التى منحت لهم

بعدما طالت أقامتهم هناك، وأمضوا سنوات عمرهم فى بناء الدول الخليجية وتطويرها.

تجلت مشاعر الاستياء أيضا فى موقف أغلب الدول الخليجية من الاستثمار فى دول الربيع العربى والحكايات التى تروى فى هذا الصدد كثيرة. فقد وعدت مصر باستثمارات قدرت بعشرة مليارات من الدولارات، لكنها لم تتلق سوى مليار واحد من دولتين خليجيتين. وكانت قد رتبت زيارة لمسئول خليجى كبير سبقته اتصالات تحدثت عن تقديم أربعة مليارات دولار. لكنه فى اللحظة الأخيرة تلقى تعليمات بالاكتفاء بالحديث عن نصف مليار فقط. وهناك إشارات تحدثت عن حظر استثمارى خليجى على دول الربيع ــ إلا أن إحدى الدول قدمت قرضا لتونس بفائدة 2.5٪، لكن اليابان قدمت قرضا مماثلا بفائدة 1.5٪ فقط (!).

وفى حدود علمى فإن بعض المسئولين الأمريكيين ينقلون إلى القاهرة بين الحين والآخر ما يسمعونه من انطباعات سلبية وانتقادات حادة لمصر بسبب انقلاب شعبها على الرئيس السابق يتحدث بها بعض القادة الخليجيين. وتتناقل الدوائر الدبلوماسية قصد هجوم وتحريض أحد وزراء الخارجية الخليجيين على مصر أثناء اجتماع عقد فى لبنان الشهر الماضى، واتهامها بأنها أصبحت مصدرا لعدم الاستقرار فى العالم العربى. ومعروف أن دول الربيع العربى المؤيدة للثورة السورية، تعارض موقف دول الخليج الذى يضغط بشدة لتسليح المقاومة السورية بما يفتح الباب لإشعال نار الحرب الأهلية هناك. وهو ما تجلى فى القمة العربية التى عقدت أخيرا فى بغداد، التى رفضت الفكرة خلالها. فما كان من بعض الدول الخليجية إلا أن دعت إلى اجتماع لمجلس التعاون الخليجى دعا إلى تسليح المقاومة، وتولت تلك الدول لاحقا تمويل عملية التسليح التى تم من خلال الأردن.

لم يقف الأمر عند حدود الموقف السلبى والناقد الذى اتخذته أغلب الدول الخليجية إزاء الثورات العربية، وإنما لجأ بعضها إلى محاولة التأثير

على موازين القوى فى داخل تلك الدول بدعوى الحد من نفوذ تيارات التطرف وتعزيز مواقف قوى الاعتدال. وتشهد ليبيا الآن جهدا ملموسا من ذلك القبيل. وهناك معلومات تتحدث عن تدخل دول أخرى لدعم بعض المرشحين فى الانتخابات الرئاسية فى مصر لترجيح كفتهم فى مواجهة منافسيهم.


(3)

إذا نظرنا إلى المشهد من منظور أوسع فسنجد أن العالم العربى فى وضعه الراهن يتعرض لحالة من السيولة التى تقترن فيها يقظة الشعوب بتفكيك الدول. إذ فى الوقت الذى هبت فيه رياح الثورة والغضب الشعبى الذى ترددت أصداؤه فى كل مكان، وجدنا أن دوله تتعرض لتهديدات وزلازل تهدد وحدتها أو وجودها. فالعراق الذى مزقه الاحتلال تم تقسيمه عمليا بين الشيعة والسنة والأكراد، والأخيرون يهددون بالانفصال هذه الأيام. وسوريا مهددة بالتقسيم بين السنة والعلويين إذا قامت الحرب الأهلية التى صرنا نسمع طبولها تدق عاليا والسودان قسم بالفعل، وليبيا تقف على أبواب الكونفيدرالية بعد تشكيل مجلس انتقالى فى بنغازى يهدد بالعودة إلى قسمة الولايات الثلاث. والمغرب يعانى من وجع متمردى الصحراء والجزائر يقلقه تمدد الأمازيغ فى جنوبه، الذين انطلقوا من مالى والنيجر. والأردن يقلقه تنامى الحساسية بين الأردنيين والفلسطينيين وحكاية الوطن البديل. ولبنان يعيش فى ظل التقسيم الصامت بين مكوناته، ومصيره معلق بما ينتهى إليه الوضع المتفاقم فى سوريا، واليمن يعانى من الشروخ والتشققات فى الشمال والجنوب. ولا تسأل عن الصومال الذى أنهكه الصراع الداخلى حتى أعاده إلى مرحلة ما قبل الدولة.

فى هذه الأجواء يبدو العالم العربى وكأنه عقد انفرطت حباته، أو بيت تداعت أركانه، وتبدو منطقة الخليج كأنها جزيرة يسود سطحها الهدوء، ولا تظهر للملأ طبيعة تفاعلاتها التحتية، التى تفوح منها الروائح بأكثر مما تتبلور الحقائق على الأرض. وفى ظل الانفراط العربى الراهن الذى يذكرنا بحالة الدولة العثمانية حين وصفت بالرجل المريض فى مرحلة احتضارها قبل الحرب العالمية الأولى، أصبحت دول الخليج لاعبا مهما فى الساحة العربية. على الأقل من حيث إنها صاحبة الحظ الأكبر من الوفرة المالية، ومن ثم صاحبة الصوت الأعلى فى الفضاء العربى. وليس من قبيل المصادفة بطبيعة الحال أن تصبح منطقة الخليج أحد مرتكزات السياسة الأمريكية فى المنطقة التى تؤدى وظائف عدة، سواء فى تأمين الخليج ضد ما يشاع عن التطلعات الإيرانية أو فى استثمار الدور الخليجى لتوجيه السياسة العربية.

هذه الخلفية إذا صحت، فإنها تقدم تفسيرا آخر للكثير من ممارسات السعودية. وهى الدولة الكبرى فى منطقة الخليج بعد تدمير العراق، إذ أصبحت تتصرف كدولة كبرى وقوة عظمى فى المنطقة العربية، فى ظل الفراغ المخيم عليها والتشتت والتفتت الذى تعانى منه دولها. ويدخل فى تلك الممارسات حالة التسرع فى الغضب والاستعداد للتصعيد الذى عبرت عنه فى أزمة المحامى سابق الذكر.


(4)

فى علاقات الدول، حتى، إذا لم تكن «شقيقة»، فإن الأواصر تحكمها العوامل المتعلقة بالمصالح العليا والمصائر. وعندما توشك العلاقات على الانقطاع بسبب أزمة صغيرة كتلك التى حدثت فى مطار جدة فذلك يعنى أنها بلغت مستوى أدنى من التصدع والتهتك. وتصبح المشكلة أكبر وأعمق بكثير مما يبدو على السطح. وهذا التشخيص ينطبق على الحالة التى نحن بصددها، ذلك أننا حين نحلل الأزمة التى وقعت، ونطل عليها من مختلف زواياها، سندرك أن العالم العربى صار جسما مترهلا بلا رأس وأن الكبار فيه ليسوا كبارا حقا، ولكنهم «استكبروا لأن من حولهم صغروا حتى صاروا أقزاما، فتصور الأولون أنهم عمالقة، الأمر الذى يعنى أن ثمة خللا فى الخرائط نال من القامات فضلا عن المقامات. وهى مشكلة لا حل لها إلا بعودة الروح والعافية إلى الجسم العربى، الذى تحتل مصر موقع القلب منه. وقد رأينا الذى أصاب الجسم من عطب وتشوَّه حين وهن القلب وانكسرت مصر وانتكس من بعدها العالم العربى من أقصاه إلى أقصاه. فاختلطت الأوراق واختلت الموازين وانقلبت الأحوال رأسا على عقب. فلا ظل الكبار كبارا ولا بقى الشقيق شقيقا، وانكشفت عورات الجميع حين وجدناهم قد اختاروا واشنطن قبلة لهم.

إن الثورة إذا لم تصحح هذا الوضع المختل، وتعيد إلى القلب العربى حيويته ومن ثم إلى الأمة عافيتها، فانها ستصبح مجرد تغيير فى الأنظمة، لا يختلف كثيرا عن ذلك الرجل الذى استاء من اسمه فشمَّر عن ساعده وغيرّه من حسونة النذل إلى سمير النذل!


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 10جمادى اخر 1433
1 مايو 2012

mohamed5175
02-05-2012, 08:07 PM
لا تقل لأمى إننى صرت أعمى، فهى ترانى لكنى لا أراها. ابتسم واتحايل عليها حينما ترينى صور اخوتى واصدقائى وجيران الحارة على شباك الزيارة، فهى لا تعرف اننى صرت كفيفا بعد أن دب المرض عينى حين غزت العتمة كل حياتى. لا تقل لها إننى انتظر عملية جراحية لزراعة القرنية منذ سنوات، لكن إدارة السجن تماطل وتستدعى إلى عينى كل اسباب الرحيل عن النهار، هذا بعض ما كتبه الاسير الفلسطينى محمد براش فى رسالة إلى شقيقه يشرح فيها أسباب لجوئه مع زملائه إلى الإضراب المفتوح عن الطعام الذى دخل يومه الرابع عشر.

قصة براش واحدة من آلاف القصص المشابهة لنحو خمسة آلاف اسير يعيشون فى اقبية السجون الإسرائيلية، بعضهم معزول لم ير أهله ولا نور النهار كاملا منذ سنين طويلة وبعضهم مريض ولا يجد طريقا للعلاج، والبعض الآخر أمضى شبابه فى السجن ووصل إلى خريف العمر وما عاد يأمل فى أن يموت بين أهله.

هذه المعاناة دفعت عددا من الأسرى إلى اللجوء لإضراب مفتوح عن الطعام منذ اكثر من شهرين وانضم إليهم فى 17 من شهر ابريل الماضى 1300 اسير آخر، بينهم اسرى لم يضربوا عن الطعام فقط وإنما أيضا عن الماء، الأمر الذى يهدد حياتهم بصورة فورية.

كانت الاحتجاجات فى السجون الإسرائىلية قد بدأت بإضراب فردى من الأسير خضر عدنان (35 عاما) الذى امتنع عن الطعام مدة 66 يوما، تبعته الأسيرة هناء شلبى (27 عاما) التى أضربت عن الطعام نحو 50 يوما، ثم ظل عدد المضربين عن الطعام يتزايد منذ شهرين، حتى وصل عددهم الآن إلى ألفى شخص.

رئيس نادى الأسير الفلسطينى قدورة فارس قال إن 14 أسيرا معزولون فى زنازين منفصلة، ومنهم من لم ير أسرته ولم ير النور منذ 12 عاما، كما فى حالة الأسير حسن سلامة، ومن الاسرى من امضى اكثر من 30 عاما فى السجن، ومما ذكره الاسير المحرر نائل البرغوثى الذى أمضى 33 عاما ونصف العام فى الأسر، وافرج عنه فى صفقة تبادل الأسرى الأخيرة فى مقابل الجندى جلعاد شاليط، أن بعض زملائه اصبحوا مقعدين لا يتحركون الا على الكراسى ولا يستطيع الواحد منهم أن يدخل الحمام منفردا، ومنهم من يعانى امراضا مزمنة قاتلة مثل الأورام السرطانية والقلب وغير ذلك.

الحكومة الإسرائيلية ترفض ليس فقط اطلاق سراح الأسرى وكبار السن وإنما ترفض ايضا تحسين شروط معيشتهم داخل السجن، وقد عدد البرغوثى 3 أسباب رئيسية وراء إضراب الأسرى عن الطعام. الأول أن المئات من الأسرى لم يروا عائلاتهم منذ سنين طويلة وجميع الأسرى من قطاع غزة لم تسمح السلطات لعائلاتهم بزيارتهم منذ الانسحاب الاسرائيلى من القطاع قبل ست سنوات، كما أن المئات من الأسرى من الضفة لا يسمح لعائلاتهم بزيارتهم لأسباب اخرى امنية. السبب الثانى هو العزل والمطالبة بإلغائه، فهناك عدد بين ١٢ و٢٠ أسيرا معزولون بصورة كاملة فى زنازين عزل انفرادية لا يخرجون منها إلا لمدة ساعة في اليوم وهم مقيدى الأيدى والأرجل. أما السبب الثالث فهو التفتيش الليلى الذى يتم فيه إيقاظ الأسرى والعبث بحاجياتهم.

من جانبه، قال أحد الأسرى الذى دخل إضرابه عن الطعام يومه الـ58 أن الاطباء ابلغوه بأن جسده فقد جهاز المناعة وأصبحت حياته معرضة للخطر. ونقلت وكالة «مدى» عن محامى مؤسسة «مانديلا» الذى زار السجين فى مستشفى سجن الرملة أن الأخير أحضر على كرسى متحرك وبدا فى حال هزال شديد ولا يقوى على السير بسبب الاضراب وأبلغه انه يعانى آلاما شديدة فى الصدر والمعدة وأصبح لا يرى إلا القليل بعينه اليسرى وفقد 34 كيلوجراما من وزنه. كما شكا من اعتقاله فى زنزانة انفرادية وانخفاض فى السكر وضغط الدم وارتفاع فى دقات القلب وتساقط الشعر ونزيف دموى من فمه بين الفترة والأخرى وضمور فى العضلات.

هذه خلاصة تقرير نشرته صحيفة «الحياة» اللندنية فى (27/4) لمرسلها فى رام الله، أهديه إلى فضيلة المفتى الذى زار القدس أخيرا، ورأينا صورته بنظارته السوداء وهو يتجول فى جنبات المسجد الأقصى دون أن يلفت نظره أن الاسرائيليين يمنعون ابناء فلسطين من الضفة والقطاع ومناطق 48 من زيارة المسجد الاقصى بل يحرم خطيبه وشيخه الشيخ عكرمة صبرى ابن القدس والشيخ رائد صلاح وغيرهما من رموز وعلماء المسلمين فى فلسطين، ولم تستوقفه دلالة منع كل هولاء ثم الترحيب بزيارة مفتى مصر وإظهاره فى الصورة محاطا بالجنود الإسرائىليين الذين تولوا حمايته.

إليه أهدى التقرير، مذكرا فضيلته ومن دافعوا عن زيارته بوجود الاحتلال وسجله الأسود فى فلسطين، الذى تمثل قضية الاسرى فصلا واحدا من فواجعه، ضمن عشرات الفصول الأخرى التى كتبت بدماء الفلسطينيين ودموعهم وعذاباتهم، التى يتجاهلها نداء السياحة فى القدس وهى مكبلة بالأغلال فى ظل الاحتلال


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 11 جمادى اخر 1433
2 مايو 2012

mohamed5175
03-05-2012, 07:47 PM
المظاهرات والاعتصامات الحاصلة فى القاهرة الآن بعضها يبعث على الحيرة والبعض الآخر يثير الشك والارتياب، فى توقيتها ودوافعها ومقاصدها. فنحن نعرف الآن أن ثمة اعتصاما أمام وزارة الداخلية لأعداد من أمناء الشرطة، وهناك اعتصام آخر فى ميدان التحرير، اشتركت فيه مجموعات عدة بعضها غاضب على المجلس العسكرى (أسر الشهداء)، والبعض الآخر عاتب على المجلس ويطالب برحيله. وثمة اعتصام ثالث فى العباسية يحاول أن يبعث برسالة إلى وزارة الدفاع والمجلس العسكرى، تحتج على إخراج السيد حازم أبوإسماعيل من السباق الانتخابى، وتطالب بإنهاء حكم العسكر، والمطلب الأخير جذب تجمعات أخرى من حركة 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين وغيرهما. ولا يخلو الأمر من وجود أعداد من العاطلين الذين وجدوا فى الانضمام إلى المظاهرات والاعتصامات «عملا» لهم يداوم بعضهم فيه كل صباح.

لأنصار المرشح السابق حازم أبوإسماعيل حضور واضح بين جماعة ميدان التحرير وأغلبهم منخرط فى اعتصام العباسية. وهؤلاء من السلفيين الهواة، الذين لا يجمعهم تنظيم بذاته، وإنما هم من أتباع بعض شيوخ الحركة السلفية الذين يظهرون فى البرامج التليفزيونية أو يعتلون منابر بعض المساجد. وهؤلاء يؤمنون بأن السيد أبوإسماعيل تعرض لعملية إقصائية، تواطأت فيها الحكومة الأمريكية مع الحكومة المصرية. واعتبروا أن فى الأمر مؤامرة ــ للصهاينة دورهم فيها ــ استهدفت اغتيال أبوإسماعيل سياسيا، وإخراجه من المنافسة لأنه يدعو إلى تطبيق الشريعية الإسلامية وإعلاء شأن الإسلام فى مصر والعالم العربى. وهم يتصورون أنها حرب صليبية ضد أبوإسماعيل يجب التصدى لها بكل قوة من جانب جماهير المؤمنين الغيورين على دينهم.

ساعد على إثارة المجموعات التى صدقت حكاية «المؤامرة» ضد أبوإسماعيل أن لجنة الانتخابات تأخرت كثيرا فى حسم الأمر، الأمر الذى فتح الباب لإطلاق الشائعات ورواجها. ووسع من نطاق الغضب وغذَّاه أن المتظاهرين تعرضوا لغارات واشتباكات من مجهولين أدت إلى سقوط ثلاثة قتلى وإصابة عشرات آخرين بعضهم بطلقات الخرطوش.

أثار الانتباه فى كل ذلك أن السيد حازم أبوإسماعيل والشيوخ الذين التفوا حوله وقاموا بتعبئة الشباب وتحريضهم على التظاهر إما أنهم التزموا الصمت إزاء ما يجرى أو أنهم اختفوا تماما من المشهد، كأنهم بعدما استجاب الشباب لدعوتهم احتاروا فى الأمر ولم يعرفوا ماذا يفعلون بعد ذلك. كما أنهم تحرجوا من صرفهم فتركوهم ولم يجد أولئك الشبان مخرجا من الأزمة سوى تطوير خطابهم وإضافة إنهاء حكم العسكر إلى مطلبهم، لكى يكون ذلك سببا آخر لاستمرارهم فى التظاهر والاعتصام.

المشهد يبدو عبثيا ومريبا. يتمثل العبث فى أمور عدة. إذ ليس مفهوما أن يتخذ إجراء قانونى بحق واحد من المرشحين للرئاسة فيخرج أنصاره للتظاهر والاعتصام فى الشارع لمدة أسبوعين، وتستثمر فى ذلك حالة الفوضى السائدة فى ميدان التحرير. وإذا كنا قد فهمنا ودافعنا عن خروج الناس للتظاهر فى الميدان لإعلان رأى المجتمع فى القضايا العامة، فليس مقبولا أن يوظف الميدان لصالح أية قضية خاصة، مهما كان شأن صاحب هذه القضية من العبث أيضا أن يعتصم أمناء الشرطة أمام مقر وزارة الداخلية ناهيك عن محاولة اقتحام المبنى، ذلك أننا نعرف أن وزارة الداخلية هيئة نظامية لها تقاليدها واجبة الاحترام، ثم إن الوزارة لا تختزل فى شخص الوزير وإنما هى جزء من هيبة الدولة وكيانها. أما تحسين أوضاع أمناء الشرطة أو التظلم من سياسة الوزير فله أبواب أخرى. أحدها استجوابه فى مجلس الشعب أو محاسبته أمام لجنته المختصة.

من العبث أيضا أن يتوجه المعتصمون والمتظاهرون إلى وزارة الدفاع لتوصيل رسالة يمكن توصيلها بوسائل أخرى، ولا أتخيل أن يفكر أحد فى اقتحام مقر الوزارة، الأمر الذى يعد أعلى درجات العبث واللامسئولية. من العبث كذلك أن تقف مختلف القوى السياسية متفرجة أمام ما يجرى، وكأنها غير معنية بإثارة الفوضى أو الاجتراء على هيبة الدولة.

حين تتعدد مشاهد العبث على ذلك النحو، وتتزامن مع إشعال ثلاثة حرائق كبرى فى بعض مدن الدلتا، ويحدث ذلك فى أجواء الإعداد للانتخابات الرئاسية فإن من حقنا أن نتساءل عما إذا كانت تلك مجرد مصادفة، أم إشاعة الفوضى للتذرع بها فى تأجيل الانتخابات مستهدف من ذلك التتابع. وهو سؤال يبدو منطقيا خصوصا إذا تذكرنا أن تفجير أحداث شارع محمد محمود كان الهدف منه تأجيل الانتخابات النيابية. ليست لدى إجابة على التساؤل ولكن الخبرة علمتنا أن نحذر ونرتاب لأن هناك كثيرين من الأقربين والأبعدين يتمنون للثورة أن تفشل، فى حين يمثل نجاحها كابوسا يلاحقهم طول الوقت.


جريدة الشروق المصرية

الخميس 12 جمادى اخر 1433
3 مايو 2012

mohamed5175
05-05-2012, 06:16 PM
لا يكفى أن يقول المتحدثون باسم المجلس العسكرى إن الجيش برىء من مذبحة العباسية. ولا يليق أن يقول أحد أعضاء المجلس إن المعتصمين رفضوا عرضا من جانب السلطة لحمايتهم، والمقولة الأولى يمكن أن يقولها أى أحد، باستثناء الذين يديرون البلاد، أما المقولة الثانية فلا ينبغى أن تصدر عن أى مسئول فى الدولة.

ليست جديدة التصريحات التى تتمسك بتبرئة الجيش ــ والشرطة فى الغالب ــ من المسئولية عن قمع المتظاهرين وإطلاق الرصاص عليهم. فقد سمعنا هذا الكلام عدة مرات من قبل. حتى أن بعض المتحدثين الرسميين لم يغسلوا أيديهم مما يجرى فقط، وإنما ذهبوا إلى حد نفى وجود القناصة من الأساس، رغم أن مئات الآلاف شاهدوهم وهم يعتلون الأبنية ويطلقون الرصاص عليهم.

هذا التكرار يفقد الحجة صدقيتها، لأننا إذا قبلنا بالكلام مرة، وكذَّبنا ما شاهده الجميع ولمسوه، فإنه من العسير أن تصدق ما يقال فى كل مرة. حيث يفترض أن فى البلد أجهزة وجهات مختصة بالتحرى والتحقيق من واجبها لا أن تنفى المسئولية عن ارتكاب الجرائم، وإنما أن تضع يدها على العناصر التى ترتكبها والأصابع التى تحركها كى تحاسبها ثم تمنع تكرارها. وهى فى هذه الحالة مخيرة بين أن تمسك بخيوط الجريمة وتعلن عن المدبرين والفاعلين، أو أن تعلن عن فشلها فى ذلك ومن ثم تتنحى لكى تفسح المجال لمن هو أقدر على حمل المسئولية. أما حين لا يحدث هذا وذاك، ويطالب المجتمع بأن يقتنع بما يقال مكتفيا بالإحالة المستمرة فى كل مرة إلى «المجهول» الخفى، فذلك مما يتعذر قبوله، ناهيك عن أنه يفتح الباب واسعا إلى إساءة الظن، الأمر الذى قد يقنع البعض بأن هناك من يتستر على الفاعلين ويحميهم، سواء لأن الأجهزة الرسمية راضية عما يفعله هؤلاء المجهولون، أو أنها متواطئة معهم إن لم تكن هى التى تحركهم.

حين يحرص مسئولو المجلس العسكرى فى كل مرة على تبرئة الجيش ويكتفون بذلك، فإنهم يتصرفون كمتهمين على رأسهم «بطحة» يريدون إخفاءها. علما بأن الناس لم يتهموا الجيش أصلا، ولكنهم يتساءلون عن الفاعل والمدبر وصاحب المصلحة فى قمع المتظاهرين وقتلهم. وهم يميزون جيدا بين المجلس العسكرى الذى يدير البلاد ومن حقهم نقد إدارته وسياسته، وبين الجيش الذى لم تهتز ثقة الناس فيه أو احترامهم لدوره. هم أيضا يميزون بين الجيش المقاتل الذى يحمى البلاد ويؤمنها، وبين بعض أذرعه التى أصبحت تؤدى أدوارا فى الساحة الداخلية. وإدانة هذه الأذرع ــ الشرطة العسكرية مثلا ــ لا ينبغى أن تحمل بحسبانها إدانة للجيش، لأن وضعها فى فترة الانتقال يكاد يتطابق مع الدور الذى تقوم به أجهزة وزارة الداخلية التى يشتبك معها المواطنون طول الوقت.

إننا نعلم أن «البلطجية» كانوا سلاح وزارة الداخلية فى مواجهة المتظاهرين ضد مبارك ونظامه، وتلك قرينة تدل على أن الكلام عن ارتباطهم بالسلطة ليس افتئاتا ولا افتراء. وحين تنشر الصحف كلاما على ألسنة المعتصمين يتحدثون فيه عن الأسلحة وقنابل الغاز التى يحملونها ووجبات الطعام التى ترسل إليهم من بعض دور الضيافة الرسمية، فإن شكوكنا تتزايد فى أن السلطة ليست بعيدة عن الموضوع.

إننا نريد أن نصدق أن المجلس العسكرى لا علاقة له بالمذبحة التى حدثت فى ميدان العباسية، ولكن تصريحات أعضاء المجلس لا تساعدنا على ذلك. وكلامهم يريد أن يقنعنا بأنهم متفرجون على البلد وليسوا مسئولين عن إدارته. وهى رسالة تلقيناها من تصريح أحدهم الذى قال فيه إن المعتصمين رفضوا عرض السلطة تأمينهم، وكأن حماية المواطنين ليست واجب الدولة، ولكنها خيار لها، الأمر الذى يعنى أن ثمة التباسا بين دور المسئول والمواطن العادى، أو بينه وبين السائح الأجنبى، الذى لا يستشعر أى تكليف عليه إزاء المجتمع الذى يزوره.

الخلاصة أن التصريحات سابقة الذكر لا تشجعنا على الاطمئنان إلى التحقيقات الجارية فى مذبحة العباسية، من ثم فليت مجلس الشعب يشكل لجنة من أعضائه لتقصى حقيقة «البلطجية» ولحساب من يعملون، كما فعل من قبل مع مذبحة مشجعى النادى الأهلى فى بورسعيد.

أما تعليقى الأخير على المؤتمر الصحفى الذى تحدث فيه ممثلو المجلس العسكرى، فهو أنه كان دفاعا عن الذات ومحاولة لنفى «البطحة» أو استبعادها، ثم أنهم كانوا معنيين بتحذيرنا وتخويفنا بأكثر من عنايتهم بطمأنتنا وتفهيمنا أو حتى مواساتنا فيما أصابنا فى العباسية.

ولأننا ودعنا زمن الخوف، فأزعم أنهم بما قالوه لم يفهمونا، وأن ما صدر عنهم كان نموذجا للكلام غير المناسب فى الوقت غير المناسب.


جريدة الشروق المصرية
السبت 14جمادى اخر 1433
5 مايو 2012

mohamed5175
06-05-2012, 06:30 PM
طمأننا السيناتور جون كيرى إلى أن الانتخابات الرئاسية المصرية ستجرى فى موعدها، وأنه لا توجد نية لتأجيلها. هذا الخبر زفته إلينا صحف الخميس الماضى (3/5) وأبرزته على صفحاتها الأولى، بعدما التقى رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكى مع المشير حسين طنطاوى رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

فى اليوم التالى (الجمعة) نشرت الصحف تقريرا لوكالة أنباء الشرق الأوسط عن مؤتمر صحفى عقده السيد كيرى ذكر فيه أن النقطة الأهم فى مصر الآن هى التركيز على الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأكد ما سبق أن قاله من أن المجلس العسكرى أكد له أن الانتخابات ستجرى فى موعدها. مضيفا أنه بعدها ستكون هناك حكومة جديدة ونقل للسلطة إلى سلطة مدنية، تحقق بها مصر نقلة إلى الأمام. واعتبر الرجل أن المرحلة التى تمر بها مصر تفتح الأبواب واسعة لتلك النقلة المرجوة، لبناء مصر الجديدة، حيث لا مجال للعودة إلى الوراء.

تحدث كيرى فى المؤتمر الصحفى عن لقاءاته فى القاهرة، واجتماعه مع المشير طنطاوى، ورئيس مجلس الشعب الدكتور محمد سعد الكتاتنى، ووزير الخارجية محمد عمرو والمرشح الرئاسى عمرو موسى. وذكر أنه أجرى اتصالا مع الدكتور محمد مرسى رئيس حزب الحرية والعدالة. إضافة إلى اجتماعاته مع ممثلى المجتمع المدنى ورجال الأعمال.

تطرق الرجل إلى أحداث العنف التى وقعت فى مصر أخيرا، ووصفها بأنها «مقلقة»، فى حين أكد معارضة الإدارة والكونجرس الأمريكى لاستخدام العنف فى الصراع السياسى، وشدد على أن واشنطن تدعو دائما إلى الاعتراف بحق الشعوب فى التظاهر.

فى التقرير أيضا أن السيد كيرى حث السلطات المصرية على إجراء تحقيق فى أحداث العنف الأخيرة ومعاقبة من قام بها. مشيرا إلى أن التقدم الذى حققته مصر بعد الثورة يعد إنجازا كبيرا إذا قورن بما شهدته دول ومجتمعات أخرى. وأعرب عن سعادته لما لمسه من شعور بالتفاؤل لدى من التقاهم فى مصر. وقال فى هذا الصدد إنه رغم الإحباط الموجود، فإن هناك أملا كبيرا فى المستقبل. وشدد على أن التحدى الأكبر الذى تواجهه مصر الآن يتمثل فى التحدى الاقتصادى، الأمر الذى يمكن أن يتغير بعد الانتخابات الرئاسية وإصدار الدستور وتشكيل حكومة جديدة.

في صحف يوم الجمعة أيضا خبر عن مؤتمر صحفى مشترك عقده السيناتور كيرى مع السيد عمرو موسى المرشح لرئاسة الجمهورية، وفى المؤتمر تحدث السيد موسى عن أهمية عدم تردد المجلس العسكرى فى تسليم السلطة فى الموعد المحدد. وانتقد فشل المجلس فى تأمين المواطنين، الذى تبدى فى أحداث العباسية. كما أشار إلى أن هناك جهات تحاول العبث بمقدرات مصر وتعويق مسيرتها. وأعرب عن أمله فى أن يقوم الشعب المصرى بحماية العملية الانتخابية ونزاهتها، مشيرا إلى ضرورة وجود متابعة دولية لها.

فى الأخبار المنشورة أيضا أن السيد كيرى بحث مع المرشح الرئاسى مختلف الأوضاع الراهنة فى مصر، بما في ذلك القلق من تعليق جلسات مجلس الشعب.

هذا الكلام يقول صراحة إن رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكى جاء إلى القاهرة فى ظروف التوتر التى تمر بها مصر، وخلال 48 ساعة التقى جميع المسئولين فيها وناقش معهم أوضاع البلاد الداخلية وموعد تسليم السلطة بعد انتخاب الرئيس الجديد، وفى حين أنه لم يلتق رئيس الوزراء الدكتور كمال الجنزورى، الذى قيل لنا إنه منح صلاحيات رئيس الجمهورية، فقد كان السيد عمرو موسى هو المرشح الرئاسى الوحيد الذى التقاه. (اتصاله مع رئيس حزب الأغلبية كان هاتفيا، وغمزه فى السلفيين تدل عليه إشارته إلى أنه لا مجال لعودة مصر إلى الوراء).

الأمر المؤكد أن السيد كيرى لم يحضر إلى القاهرة، لكى يطمئننا. ولا يحتاج المرء إلى بذل جهد لكى يدرك أنه ليس مشغولا بنا، وإنما جاء لكى يحقق هدفين على الأقل، أولهما أن يطمئن الإدارة الأمريكية على الأوضاع فى مصر، بعدما اهتزت صورتها فى الخارج خلال الأشهر الأخيرة. وثانيهما لكى ينقل إلى المسئولين فى القاهرة وجهة نظر الإدارة الأمريكية سواء فى أوضاع مصر الداخلية أو أوضاع المنطقة، خصوصا إزاء إسرائيل بعد وقف تصدير الغاز إليها، أو إزاء إيران التى يجرى التسخين فى مواجهتها هذه الأيام، وقد حدثنا الرجل عما يهمنا واحتفظ لنفسه بما يهم حكومة بلاده.

إذا لاحظت أن زيارة جون كيرى للقاهرة تزامنت مع زيارات المبعوثين الأمريكيين لبيروت وبغداد والرياض، فلعلك تتفق معى على أن «الراعى الأمريكى» حريص على أن يؤدى واجبه تجاه «رعيته» طول الوقت، حيث لم يبلغه بعد خبر الثورة التى وقعت فى مصر.

جريدة الشروق المصرية
الاحد 15 جمادى اخر 1433
6 مايو 2012

mohamed5175
07-05-2012, 06:26 PM
حين يقول أحد المرشحين للرئاسة إن كل الخيارات مفتوحة أمامه لتسجيل اعتراضاته، وحين يقول آخر إن أنصاره مستعدون لتقديم الشهداء فى سبيل دفاعهم عن قضيتهم، فكلاهما يلعب بالنار ولم يحسب كل منهما جيدا مآلات كلامه. وحين تتصيد بعض الصحف مثل هذه العبارات وتبرزها بدافع الإثارة أو لفت الأنظار، فإنها تشارك من جانبها فى اللعب بالنار، وتخلط بين الإثارة واللا مسئولية، ذلك أن الذين يبعثون بمثل تلك الإشارات لن يعدموا متلقيا يتسلم الرسالة وينفعل بها، ثم يعبر عن «تجاوبه» معها بصورة أو أخرى.

لقد استوقفتنى تلك التصريحات التى تحدث بها بعض المرشحين عن «كل الخيارات» و«الاستشهاد» والذهاب إلى «آخر المدى»، وتمنيت أن يضيف الواحد منهم إلى كلامه أية إشارة إلى أن مثل تلك الأصداء التى يلوح بها ستتم فى «حدود القانون»، لكن ذلك لم يحدث للأسف. وأرجو ألا يكون السبب فى ذلك هو قلة الخبرة السياسية وحداثة العهد بالديمقراطية وغياب الثقافة القانونية.

وإذا جاز لنا أن نعذر المرشحين فى تلويحاتهم ونعتبرها سقطات وقعوا فيها تحت تأثير الانفعال أو الحماس، فإننا لا نستطيع أن نعذر وسائل الإعلام التى تتعمد إبراز تلك التلويحات لاستدعاء فكرة العنف إلى الذاكرة وتخويف الناس من احتمالاتها، وليت الأمر يقف عند ذلك الحد، الذى قد تكون الإثارة هدفا له، لأن بعض المحررين المعبئين بفكرة «الفزاعة» يسارعون إلى تأويل الأخبار وليِّها لكى تصب فى ذات الوعاء.

خذ مثلا الخبر الذى نشر يوم الجمعة 4/5 تحت عنوان يقول «شبح الجماعات الجهادية يخيم على العباسية»، وفى نصه ما يلى: أثار احتفاء الشباب السلفى فى ميدان العباسية بالشيخين محمد الظواهرى، الشقيق الأكبر لأيمن الظواهرى (القيادى فى تنظيم القاعدة) ومصطفى مرجان أحد قيادات تنظيم الجهاد بصحبة الداعية السلفى محمد حسين يعقوب وترديد المتظاهرين شعارات جهادية، مخاوف البعض من العودة إلى مسلسل العنف والعنف المضاد بين المجموعات الجهادية والدولة. لا سيما بعد ذبح شاب سلفى خلال اشتباكات العباسية على يد مجهولين، وكانت مسيرة تضم العشرات من المعتصمين، يتقدمها ملثمون «بغطاء أسود على الوجه»، رفعوا أعلاما سوداء، قد طافت بمحيط وزارة الدفاع، وقد تقدمها الشيخ محمد الظواهرى الذى خاطب المعتصمين قائلا: جئنا لتطبيق شرع الله وإسقاط العسكر.

ما يمكن أن يوصف بأنه «خبر» فى الكلام أن المهندس محمد الظواهرى وقياديا آخر فى تنظيم الجهاد (سابقا) ظهرا فى ميدان العباسية ومعهما أحد الدعاة السلفيين، وأن أحد السلفيين ذبح خلال اشتباكات العباسية على يد مجهولين، وبقية الكلام كله مجرد تأويل وتزيُّد يتحدث عن احتمالات عودة العنف والعنف المضاد إلى الساحة. وكأن الفكرة مطروحة بالفعل واحتمالاتها واردة. حيث لا يريد البعض أن يصدقوا أن الفكرة تم تجاوزها بعد المراجعات التى تمت فى أوساط الجماعة الإسلامية بوجه أخص، وفى ضوء الخبرات والدروس التى حصَّلتها العناصر الجهادية خلال ربع القرن الأخير.

إن ما يستحق الانتباه وما ينبغى التحذير منه ليس شبح الجماعات الجهادية وإنما عنف أجهزة السلطة بأذرعها المختلفة، ولا استثنى منها «البلطجية» الذين لا يختلفون كثيرا عن «شبيحة» النظام السورى. ذلك أن عنف الجماعات الجهادية صار تاريخا وفى أتعس فروضه هو احتمال قد يلوح فى الافق البعيد، أما عنف أجهزة السلطة وأذرعها فهو ماثل تحت أعيننا، وضحاياه يمشون بيننا، ودماء الشهداء منهم لاتزال رطبة لم تجف بعد فى العديد من الشوارع والميادين.

إذا قال قائل إن العنف يولد العنف، فلن اختلف معه. لكننى أدعو إلى الانتباه إلى أهمية التمييز بين الفعل ورد الفعل. صحيح أن إدانة الاثنين واجبة، إلا أن نصيب مرتكب الفعل من الإدانة ينبغى أن يكون أوفر، خصوصا إذا كانت السلطة مصدرا له. ذلك أن عنف السلطة يوجه رسالة سلبية إلى المجتمع تدعوه إلى تمثل ذلك الأسلوب واحتذائه. إذ حين تزرع من جانبها شوكا فلا ينبغى أن تتوقع أن تجنى بعد ذلك وردا وياسمينا.

فتنة العنف نائمة يا سادة، لعن الله من أيقظها. لذلك فإن الجميع مطالبون بالتعامل مع ذلك الملف الشائك بقدر أكبر من المسئولية والنزاهة خصوصا من جانب السياسيين والإعلاميين. أما عنف السلطة فيبدو أن معركتنا معه طويلة بطول معركتنا مع بقايا نظام مبارك، لتأسيس النظام الجديد الذى يتوافر فيه للناس حقهم فى الحرية والكرامة.


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 16 جمادى اخر 1433
7 مايو 2012

mohamed5175
08-05-2012, 07:35 PM
كأنك في تونس لم تبتعد عن مصر. فالثورة واحدة والهم فيها واحد. لكن إدارة الأزمة اختلفت، حيث أثبتت تجربة العام أنهم تفوقوا علينا في المهارة السياسية.






(1)






أول ما وقعت عليه عيناي حين خرجت من باب الفندق ثلاث خيام منصوبة على الرصيف المقابل أمام إحدى البنايات، وقد رفعت فوق إحداها لافتة تقول: قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق.






سارع مرافقي إلى إيضاح الموقف فذكر أن الخيام لعمال معتصمين منذ أسبوع لأن لديهم مطالب رفضتها جهة الإدارة.






لم يكن المنظر فريدا في بابه، لأن أمثال تلك الاعتصامات لاحظتها في شوارع عدة، وأخبارها وصورها تحفل بها صحف الصباح.






لم أستغرب المنظر الذي كان صورة طبق الأصل من الحاصل في مصر، ولم يكن الأمر مقصورا على ذلك، لأن ما نعرفه من حوادث قطع الطرق تعبيرا عن الاحتجاج ومحاولة الضغط على الحكومة من خلال «وقف الحال»،






أصبحت ظاهرة منافسة للاعتصامات شبه اليومية، وهو ما شكا منه وزير التنمية والتخطيط، جمال الدين الغربي، أمام لجنة المالية والتخطيط بالمجلس التأسيسي حين أعلن أن أمثال تلك الصعوبات عطلت مشروعات بقيمة 1800 مليون دينار (الدولار يعادل 1.5 دينار)، بل إن رئيس الجمهورية الدكتور منصف المرزوقي اعتبر أنها تشكل تهديدا للديمقراطية.






تلك نماذج قليلة من سيل الأخبار التي تحفل بها الصحف، وتكاد تعد استنساخا لما تنشره الصحف المصرية كل صباح، فبقايا الانفلات الأمني لا تزال مستمرة،


وملف ضحايا الثورة وحقوقهم مفتوح على مصراعيه،


وثمة لجنة لشهداء الثورة وجمعية «لن ننساكم» تباشر الآن مع الجهات المعنية.


والاحتجاج على ممارسات الحكومة والتساؤل عن سرقة الثورة وعما إذا كان الموقف يتطلب القيام بثورة ثانية، هو ذاته الذي نقرؤه في بعض الصحف المصرية،






هم أيضا يتحدثون عن محاولات استرداد الأموال المنهوبة والتي أودعها الرئيس السابق وأعوانه في البنوك الأجنبية.


كما يتحدثون عن فكرة التصالح مع رجال الأعمال الذين تورطوا في فساد النظام السابق (460 عدد الممنوعين من السفر) وإلزامهم بتبني مشروعات تنموية في مختلف الولايات (المحافظات)،


وثمة مشروع مقدم إلى المجلس التأسيسي قدمته كتلة المؤتمر من أجل الجمهورية باستبعاد «فلول» النظام السابق (أعضاء حزب التجمع المنحل) من ممارسة العمل السياسي لمدة 5 سنوات في حين يطالب آخرون بمدها إلى 10 سنوات.






(2)






يصف الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة تونس بأنها «مصر الصغرى».


وذلك في سياق حديثه عن أوجه التشابه بين البلدين والشعبين، في اعتدال المزاج العام، وفي تركيبة الخرائط الاجتماعية والسياسية.


وفي دور المنارة الذي مثله كل من جامع الزيتونة في تونس والجامع الأزهر في مصر، وريادة التحديث عند خير الدين التونسي هناك ورفاعة الطهطاوي هنا (الاثنان ظهرا في القرن التاسع عشر).






وكان تقدير الشيخ الغنوشي المبكر أن الثورة ستبدأ في مصر وستنتقل شرارتها بعد ذلك إلى تونس، معتبرا أن تفاعلات غضب 85 مليون نسمة في مصر سوف تسبق انفجار غضب العشرة ملايين تونسي. إلا أن رياح الأحداث أتت بعكس ذلك.






امتد التشابه إلى ما هو أبعد، حين ضربت رياح التغريب البلدين بعد الاستقلال. وإن كانت تلك الرياح أشد وأعتى في تونس.


وبرز الصراع بين التيارين الإسلامي والعلماني (التغريبي تحديدا) في كل منهما. مع انحياز للعلمانية أكثر وضوحا وأشد فجاجة في تونس.


وقد تساوى البلدان في موقفهما من قمع الإسلاميين، الأمر الذي أصبح من ثوابت النظام السياسي في كل منهما.


خصوصا بعد خضوعهما لنظام بوليسي صارم كان فاحشا في تونس، احتكر السلطة ونهب الثروة وأشاع الفساد بقدر ما أشاع الخوف. وهو الوضع الذي انقلب تماما بعد الثورة، على الأقل فيما خص الحريات العامة، حتى انتقل كل من البلدين إلى حالة من الانفلات الإعلامي بدت أوسع نطاقا من الانفلات الأمني.






هذا التشابه في الظروف لم يمنع من وجود تباينات برزت بعد قيام الثورة في كل منهما.


ذلك أن الجيش في مصر انحاز إلى الثورة وشكل مجلسا أعلى تولى السلطة التنفيذية في البلاد.


أما في تونس فالجيش وقف محايدا في حين تولت السلطة المدنية إدارة البلاد منذ اليوم الأول، حين شغل رئيس البرلمان منصب رئيس الدولة طبقا للدستور. وتولى من جانبه تكليف حكومة أشرفت على إجراء انتخابات الجمعية الوطنية التي قامت بمهمة البرلمان وشرعت في وضع الدستور.


لذلك فإن الجدل المثار في مصر حول نقل السلطة من المجلس العسكري إلى المدنيين لا وجود له في تونس.






من الفروق المهمة بين البلدين أيضا أن حزب النهضة الإسلامي الذي فاز بأعلى نسبة من الأصوات في انتخابات الجمعية التأسيسية نجح في تشكيل فريق ثلاثي «ترويكا» تولت إدارة البلاد، مستثمرا في ذلك توافق مبكرا (في عام 2005) بين الأحزاب الوطنية في مواجهة الرئيس السابق زين العابدين بن علي. إذ أسس هؤلاء فيما بينهم ما سمي بهيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات،


ونجحت تلك الهيئة في التوصل إلى تفاهم بين تلك القوى حول المستقبل، بلورته أوراق تناولت ثلاثة عناوين هي:


الحريات العامة والعلاقة بين الدولة والدين وحقوق المرأة.






هذه الخلفية فتحت الطريق لاقتسام السلطة، بحيث تولت حركة النهضة رئاسة الحكومة، في حين تولى رئاسة الدولة ورئاسة الجمعية التأسيسية ممثلان لحزبين علمانيين هما الدكتور منصف المرزوقي رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية


والدكتور مصطفى بن جعفر رئيس حزب التكتل من أجل العمل والحريات.






(3)






التوافق الذي أدى إلى اقتسام السلطة بين الإسلاميين والعلمانيين المعتدلين يعد أحد أهم الإنجازات السياسية التي تحققت بعد الثورة في تونس، وهو ما فشلنا فيه في مصر.






ذلك أنهم إذا كانوا هناك قد أقاموا تحالفا سياسيا مع العلمانيين المعتدلين حرك سفينة إدارة الدولة، فإن الفشل الحاصل في مصر حال دون توافق الإسلاميين مع المعتدلين والمتطرفين من العلمانيين والليبراليين، الأمر الذي أدى إلى تعثر المسيرة وتخبطها. وهو ما شهدناه في تشكيل جمعية وضع الدستور، وفي العديد من الممارسات السياسية الأخرى.






أدري أنه من الصعب للغاية علاج أزمة الثقة بين الطرفين بسبب الضغائن والمرارات التي تراكمت على مر العقود، لكننا نتحدث عن إمكانية التعايش بين عقلاء الجانبين في ظل استمرار الخلافات بينهما. ذلك أن القدرة على تحقيق ذلك التعايش هي المعيار الذي تقاس به المهارة السياسية.






في هذا السياق يلفت نظرنا في تونس أن حركة النهضة تواجه تحديا ليس من المتطرفين العلمانيين فحسب، وإنما من المتطرفين الإسلاميين أيضا،


ذلك أن الأولين يستثمرون حضورهم في الساحة السياسية وانتشارهم في وسائل الإعلام وفي أوساط بعض المثقفين في تجريح الحركة والحكومة التي تولت حركة النهضة رئاستها.


إذ إلى جانب حملات التشهير والتشكيك والتحريض التي يمارسونها من فوق المنابر المختلفة، فإن عناصرهم التي تتحكم في أغلب وسائل الإعلام دأبت على تحدي الحكومة ومقاطعتها في بعض الأحيان.






يذكرون في هذا الصدد أن تنصيب أول حكومة شكلتها «النهضة» في تاريخ تونس المعارض، كان الخبر الثالث في نشرة أخبار التلفزيون الرسمي، في حين كان الخبر الأول عن الغلاء في تونس والثاني عن الاعتصامات.






حدث ذلك في الوقت الذي احتل فيه حدث التنصيب رأس نشرة الأخبار في التلفزيون الفرنسي.


وحين زار وزير الخارجية التونسي بكين ووقع بعض الاتفاقيات مع نظيره الصيني، فإن التلفزيون الرسمي نشر صورة الوزير الصيني وحده وتجاهل التونسي (!) لكنه أبرز خبر زيارة وزير خارجية سوريا لبكين التي تمت في ذات التوقيت.






يتحدثون أيضا عن تجاهل التلفزيون لزيارة الرئيس المرزوقي لليبيا، إذ في الوقت الذي كانت تجري مراسم استقباله في مطار طرابلس، فإن التلفزيون الرسمي كان يبث برنامجا عن الغابات وحيواناتها المختلفة...إلخ.






إذا كان المتطرفون العلمانيون يضغطون من على يسار النهضة فإن السلفيين يضغطون من أقصى يمينها.


إذ كما ظهر السلفيون في مصر بشكل لافت للنظر بعد الثورة، فإن ذلك حدث أيضا في تونس مع اختلاف في أمرين.


الأول أنهم في مصر شاركوا في الانتخابات وحصلوا على خُمس مقاعد مجلس الشعب، ولكنهم قاطعوها في تونس.


الثاني أنهم في مصر على اختلاف أطيافهم يركزون على الدعوة والأنشطة السلمية وينتمون إلى ما يعرف بالسلفية العلمية،


أما في تونس فلهم جناح يستخدم العنف وينتمي إلى ما يسمى بالسلفية الجهادية. والمسالمون يزحفون على المساجد ويفرضون تقاليدهم على المجتمع، والجهاديون ينشطون في الجنوب ولهم علاقاتهم مع تنظيم القاعدة في المغرب العربي.


وقد قتل منهم اثنان مؤخرا أثناء اشتباك مع قوات الأمن، حينما كانوا يهربون السلاح من ليبيا.






(4)






موقع الشريعة في الدستور الجديد كان موضوعا اشتباكيا من جانب الطرفين، لكن قيادة حركة النهضة تعاملت معه بدرجة عالية من النضج والمسؤولية.


فالمتطرفون العلمانيون خاصموها والمتطرفون الإسلاميون اعتبروا النص عليها أمرا وجوبيا.


وهؤلاء الأخيرون لم يكونوا من السلفيين فحسب ولكن وقف معهم في نفس المربع الجناح المحافظ في حركة النهضة ذاتها، كما تعاطف معهم جمهور من المتدينين العاديين.


وشجع الجميع أحد الدعاة المصريين المقيمين في الخارج، الذي استضافه السلفيون وصار رأس حربة في المواجهة.






التجاذب حول الموضوع عمق من الانقسام في المجتمع التونسي وأشاع قدرا غير قليل من التوتر في أوساطه، خصوصا أولئك الذين اقتنعوا بأن تطبيق الشريعة خطر على الحريات العامة والحداثة ومكتسبات المرأة.. إلى آخر ما يردده البعض في مصر وغيرها في هجاء الشريعة ومحاولة تجريحها.






لمواجهة الموقف اجتمع قادة حركة النهضة وبحثوا الأمر من مختلف جوانبه، الذي عبر عنه الشيخ راشد الغنوشي رئيس الحركة بقوله إنهم يريدون تجنب الانقسام في البلد، لأن وحدة الجماعة الوطنية تمثل موقفا استراتيجيا يتعين الحفاظ عليه.


لذلك فإنهم اكتفوا بالنص المتفق عليه منذ الاستقلال الذي قرر أن تونس دولة عربية دينها الإسلام باعتبار ذلك التزاما أصيلا كل ما عداه تفاصيل تليه في الترتيب.


وهو القرار الذي نزع فتيل التوتر في البلد، وأشاع حالة من الارتياح والسكينة في أوساط القلقين والمتوجسين. إلا أنه أثار غضب السلفيين والجناح المحافظ في الحركة،


حتى أن أحد المزايدين في الساحة السياسية وجه خطابا إلى علماء السعودية دعاهم فيه إلى الاحتجاج على هذا الموقف الذي اعتبره «خيانة للشريعة».






الفرق بين الموقفين، يعكس التمايز بين فصيل إسلامي يرى المجتمع ووحدة قواه الوطنية أولا، وبين فصيل آخر يرى الجماعة ومشروعها أولا.






إن شئت فقل إنه تعبير عن الاختلاف في القراءة الإستراتيجية لواقع يرى فيه طرف محيطه الذي يعيش فيه، وطرف آخر ينظر إلى المرآة فلا يرى إلا نفسه، وهي العبرة التي لم يستوعبها أغلب الإسلاميين في مصر.


إلا أن تلك ليس المشكلة الوحيدة، لأن أغلب الإسلاميين إذا كانوا يطيلون النظر إلى المرآة، فإن أغلب العلمانيين لا يزالون أسرى حساباتهم ومراراتهم.






وإذا كان الأولون مشغولين بالانتصار لمشروعهم والآخرون مشغولون بالانتصار على خصومهم، فإننا سنظل نحلم بيوم يفيق فيه الجميع فيحتشدون للانتصار للوطن، وأرجو ألا يطول انتظارنا لذلك اليوم.

جريدة الشرق القطرية
الثلاثاء 17 جمادى اخر 1433
8 مايو 2012

mohamed5175
09-05-2012, 01:53 PM
شىء جيد أن يتم ترميم العلاقات بين القاهرة والرياض، وإن تمنيت أن يتحقق ذلك الهدف بأسلوب آخر أكثر لياقة واحتشاما، فيه من احترام الذات بقدر ما فيه من الحرص على الآخر. حيث أزعم بأن الأمر كان فيه من الاندفاع غير المبرر بأكثر ما فيه من الحصافة وحسن الترتيب. فمعلوماتى أن مصر كانت قد أبلغت رسميا بأن استدعاء السفير السعودى إلى الرياض هو إجراء مؤقت لن يستغرق يومين أو ثلاثة، سيعود بعدها إلى مقر عمله بالقاهرة. وقال لى مصدر وثيق الصلة بتلك الاتصالات أن الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية أبلغ من حدثه هاتفيا من القاهرة، بأن الدافع الرئيسى للاستدعاء هو ما تردد من معلومات أشارت إلى أن بعض الذين تظاهروا أمام السفارة قد يتطاولون على شخص السفير أو رجال السفارة، بعدما تحرشوا بالمبنى.

أيا كان الأمر، فالسلطات المصرية كانت تعلم أن السفير السعودى غادر مصر لأيام معدودة، خصوصا أن العلاقات بين البلدين على الصعيد الرسمى مستقرة وطيبة، وأن السبب الحقيقى للاستدعاء كان الاحتجاج والعتاب على سلوك بعض المتظاهرين الذين تجاوزوا الحدود فى التعبير عن الغضب، وبعض الإعلاميين الذين تجاوزوا حدود اللياقة فى التضامن مع المحامى المصرى الذى احتجز فى مطار جدة. خصوصا أن تلك الأصداء صدرت قبل أن يتم التثبت من معلومات قضيته، التى ترددت بشأنها شائعات لم يتم التأكد منها.

هذه الخلفية إذا صحت فهى تعنى أن التعامل الرصين مع الموقف لم يكن يقتضى حشد جيش من الرموز المصرية على طائرة خاصة، قيل إن أحد رجال الأعمال المصريين استأجرها من حسابه، لكى يتوجهوا إلى الرياض لإصلاح ما أفسده التوتر العارض. ذلك أن الأمر لم يكن يتطلب اتخاذ هذه الخطوة من الأساس، حيث كان التفاهم حول الموضوع مستقرا من الناحية الرسمية. وإذا كان لابد من سفر وفد شعبى، فربما أدى الغرض وحقق المراد سفر رئيس مجلس الشعب وعدد محدود من أعضاء المجلس المنتخبين للقاء المسئولين فى الرياض. ولم تكن هناك حاجة لحشد ذلك الجيش، وكأن البلدين بصدد الدخول فى حرب بين بعضهما البعض. لذلك تمنيت أن يتحقق الهدف النبيل بوسيلة كريمة، تحفظ لكل طرف قدره وكبرياءه.

أثار انتباهى فى هذا الصدد أن عملية سفر الوفد الشعبى المصرى إلى الرياض تزامنت مع اتصالات جارية الآن لتشكيل وفد شعبى عربى لحلحلة قضية الحدود المغلقة بين المغرب والجزائر منذ أكثر من أحد عشر عاما، والتى بسببها يخسر البلدان سنويا ما يعادل عشرة مليارات من الدولارات. المبادرة شعبية خرجت من الرباط، ويقترح الداعون إليها أن تنطلق مسيرة الوفد العربى فى أواخر الشهر الحالى أو أوائل الشهر المقبل. والعملية لا تزال فى طور الترتيب والتواصل مع العواصم العربية. وكان بعض المنظمين قد زاروا القاهرة فى الأسبوع الماضى لهذا الغرض.


مثل هذه المبادرات الشعبية ليست بعيدة عن أجواء الربيع العربى، التى استدعيت فى ظلها الشعوب العربية إلى السياسة بعد طول إقصاء، فارتفع صوتها على نحو نرجو أن يكون تمهيدا لاستعادة عافيتها وتعزيز مشاركتها فى صناعة مصيرها. وهو أمر يستحق الحفاوة والتقدير لا ريب، الأمر الذى شجعنى على الدعوة إلى فتح ملف «المثلث الذهبى» الذى يضم مصر والسودان وليبيا، واقتراح تحريك الإسهام الشعبى فى التعامل معه، حيث أزعم أنه يمثل مدخلا مهما للإسهام فى النهوض العربى، حيث لا أشك فى أن نجاحنا فى إحياء ذلك المثلث وتفعيله يمكن أن يضعنا على عتبة تحقيق حلم الوحدة العربية.

الجهد الرسمى فى إحياء ذلك المثلث مهم لا ريب. ومعلوماتى أن ثمة تفاهما بين السودان وليبيا حول تطوير علاقات البلدين، كما أن هناك اهتماما مصريا رسميا بالوضع فى السودان عبرت عنه زيارة وزير الخارجية إثر التوتر الأخير بين الخرطوم وجوبا. لكنى أتحدث هنا عن جهد شعبى يكمل ويحفز وربما يقود ويضغط على المسار الرسمى لكى يصبح أكثر إيجابية.

أدرى أن ثمة تفاصيل كثيرة فى الموضوع، تحتاج إلى دراسة وترتيب، لكنى انتهزتها فرصة لكى أذكر بالأهمية الإستراتيجية القصوى لإحياء فكرة ذلك المثلث الذهبى الذى تتكامل فى ظله الدول الثلاث للانطلاق نحو مستقبل أفضل وأرحب. وهى مهمة تتطلب العناية والإحياء من جانب القوى الوطنية والهيئات الشعبية فى تلك الدول.

لقد انكفأنا على ذواتنا طويلا، حتى غيبنا عن محيطنا ومستقبلنا الذى أصبح غيرنا يخطط له ويوظفه لصالحه وأحيانا لصالح أعداء أمتنا. وقد آن الأوان فى ظل الربيع العربى أن نصوب خطايا الأنظمة التى ظلمت حاضرنا ومستقبلنا. إذ بغير ذلك لن تقوم للربيع قائمة، حتى لا ينطبق علينا قول من قال: كأنك يا أبوزيد ما غزيت!

جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 18 جمادى اخر 1433
9 مايو 2012

mohamed5175
10-05-2012, 05:16 PM
سراديب الأنظمة المغلقة لا حدود لها. ففى النظام المالى والإدارى المصرى عالم آخر مسكون بالغموض ومسكوت عنه اسمه «الصناديق الخاصة». وهى الأوعية المساعدة المشكلة بالمخالفة لقواعد الموازنة العامة التى تقرر وحدتها وعموميتها. بمعنى أنها منفصلة عن الموازنة العامة، كما أنها تنشأ لأغراض محددة وليس لغرض عام. وقد أثير اللغط حول تلك الصناديق منذ عصر مبارك ولكن مراكز القوة والانتفاع منها حالت دون حسم المسألة وقطع الشك إزاءها باليقين. وهو ما حاولت أن تتصدى له لجنة الخطة والموازنة فى برلمان الثورة، التى تتبعت الموضوع. وأعدت تقريرا كشف عن المعلومات التالية:

* إن أعداد تلك الصناديق ليس معروفا على وجه الدقة، لأنها منتشرة كالفطر فى مختلف الوزارات والهيئات ووحدات الحكم المحلى، فوزارة المالية قدرتها بـ4737 صندوقا فى حين أن بيانات الجهاز المركزى للمحاسبات ذكرت أن مجموعها 6361 صندوقا. والفرق كبير بين الرقمين.

* الفرق فى العدد أحدث فرقا طبيعيا فى حجم الأرصدة المالية التى حددتها كل جهة. فالمالية ذكرت أن مجموع أرصدة الصناديق يصل إلى 36 مليارا و100 مليون جنيه. أما جهاز المحاسبات فيتحدث عن أرصدة بقيمة 47 مليارا و400 مليون جنيه، بفرق يقدر بأكثر من 11 مليار جنيه بين الرقمين.

* إن تعديلا قانونيا صدر فى عام 2006 يلزم الجهات التى انشأت صناديق خاصة بها أن تودع حصيلة تلك الصناديق فى حساب الخزانة الموحد. لكن 442 صندوقا لم تلتزم بذلك، وقد قدرت حصيلتها بنحو 8 مليارات و800 مليون جنيه.

* إن وزارة الدفاع وهيئة الأمن القومى لهما صناديقهما الخاصة، التى قدرت حصيلتها فى العام المالى الأخير بمائة مليار جنيه، وكانت القوات المسلحة قد أقرضت الموازنة العامة فى العام المالى الأخير بما يعادل 12 مليار جنيه (كانت الصحف قد تحدثت عن مليار واحد قدمته القوات المسلحة إلى الموازنة العامة).

(للعلم: تحدثت مواقع الإنترنت عن أن القوات المسلحة لديها 4000 شركة تعمل فى مختلف المجالات الإنتاجية. وهى معفاة من الضرائب إلى جانب أن ما تستورده خاضع للإعفاء الضريبى أيضا. علما بأن العاملين فى تلك الشركات من أفراد القوات المسلحة الذين يتقاضون رواتبهم فى الموازنة العامة).

* من المعلومات التى ترددت على هامش الموضوع أن جامعة المنوفية أقامت 49 وحدة ذات طابع خاص. وان صندوق توزيع الخبز بالمحافظة حقق فى العام الماضى إيرادات قيمتها أربعة ملايين جنيه، وتم توزيع مليونين منها كمكافآت لكبار الموظفين.

من الملاحظات التى رصدت حين أثيرت القضية فى مجلس الشعب ان بعض الجهات المنتفعة بالصناديق الخاصة سارعت إلى محاولة استهلاك ما لديها من أرصدة لتحقيق أكبر قدر من الانتفاع بها فى محيطها، ولكى لا تذهب إلى خزينة الدولة.

حين تحدثت إلى أهل الاختصاص فى الموضوع قالوا ان عالم الصناديق الخاصة يحتاج إلى مراجعة شاملة، أولا للتثبت من حجمه وثانيا للحفاظ على ما حققه من مرونة وما خلقه من نتائج مسَّت أوضاع عشرات أو مئات الآلاف من العاملين وثالثا لسد منافذ الفساد وسوء الاستغلال التى برزت مع انشاء تلك الصناديق، حتى إن جميع المحافظين ثاروا ثورة عارمة ضد وزارة المالية حين وزعت منشورا دعت فيه إلى عدم صرف أية مبالغ إلا فى الأغراض التى خصص لها كل صندوق. وهو ما ذكره الدكتور حازم الببلاوى وزير المالية الأسبق فى كتابه الذى سجل فيه تجربته حين كان عضوا فى الحكومة.

إننا نتحدث عن مليارات تتحرك بعيدا عن خطط الدولة ومصالحها العليا فضلا عن رقابتها، الأمر الذى يفتح الباب لمزالق كثيرة. ورغم أية ايجابيات حققتها تلك الصناديق للعاملين، فإن ذلك الوضع المختل لا ينبغى له أن يستمر فى الظروف العادية، فما بالك بظروف بلد مثل مصر يمر بضائقة اقتصادية خانقة.

إننا بصدد قضية شائكة ودقيقة، يتطلب تناولها خليطا من الشجاعة والحزم والحكمة.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 19 جمادى اخر 1433
10 مايو 2012

mohamed5175
12-05-2012, 01:02 PM
منذ بداية شهر مايو الحالى وقصة قتل بن لادن والوثائق التى عثر عليها فى مقره تشكل أحد العناوين الرئيسية لوسائل الإعلام الأمريكية، ذلك أن حملة الرئيس أوباما الانتخابية انتهزت فرصة حلول الذكرى الأولى لقتله (فى 2 مايو من العام الماضى) لإعادة تسليط الضوء على ما اعتبرته أحد أهم إنجازات الرئيس الأمريكى فى ولايته الأولى. حتى قالت صحيفة نيويورك تايمز صراحة إن قتل بن لادن يكاد يلخص السنوات الأربع التى أمضاها أوباما فى السلطة، وأن عملية «الرقص على جثة أسامة» باتت تستخدم كخلفية أساسية لحملة إعادة انتخابه. التى تصوره بحسبانه الرجل الحازم والمغامر الذى اتخذ قراره الشجاع بالقضاء على العدو الأول للولايات المتحدة الأمريكية.

ذلك فتح الباب لمناقشات تحدثت عن آخرين مجهولين من رجال الاستخبارات والمحللين والمخططين العسكريين الذين جرى التعتيم على دورهم. كما تحدث آخرون عن أن أوباما قطف ثمار جهد سابقيه الذين لم يكفوا عن تتبع تحركات بن لادن ومحاولة الوصول إليه فى عهد سلفه الرئيس السابق جورج دبليو بوش.. وكما ذكر خوسيه رودريجيز رئيس مركز مكافحة الإرهاب فى عهد بوش فى مقالة نشرتها الواشنطن بوست، فإنه لولا الجهد الذى بذله هو ورجاله قبل تولى أوباما للسلطة، ما كان ممكنا أن يقتل بن لادن وتطوى صفحته إلى الأبد.

عندى كلام فى الموضوع احتفظ به منذ شهرين، يضيف بعض المعلومات المهمة عن العملية. ويشكك فى أهم التفاصيل التى جرى الترويج لها فى القصة المذاعة. وما حصلته لم يكن نتيجة جهد بذلته، ولكنها معلومات ترددت كثيرا فى نشرها لحساسيتها وخطورتها.

أما مصدر المعلومات فهو باحث أمريكى محترم، له اسمه العالمى فى مجال التحرى والاستقصاء.

لقد ظل صاحبنا يتتبع التفاصيل ويدقق فيها مستجوبا كل من كانت له صلة بالموضوع. وحين وضع يديه على القصة كاملة فإنه أدرك خطورتها وأحجم عن نشرها. لاعتبارات قدر أنها تمس الأمن القومى الأمريكى. ولذلك فإنه قرر الاحتفاظ بما توصل إليه فى الوقت الراهن، وتحدث إلى نفر من خاصته عن جانب من الصورة التى وقع عليها.

لا أخفى أنه ليس بمقدورى أن أتحقق مما سمعت من معلومات خطيرة، لأن أسرار العملية لا تزال مدفونة بعيدا فى كواليس ودهاليز الاستخبارات الأمريكية، ولا أظن أنها سترى النور فى وقت قريب. ولولا ثقتى فى صدق ووزن وكفاءة المصدر لما جرؤت على ذكر أى منها. وقد شجعنى على أن أبوح بالقدر الذى سمعته أن بعض المعلومات المهمة فى الموضوع جرى التعتيم عليها، واستبدالها بروايات خاطئة تبعد المتلقى كثيرا عن الحقيقة. وسأكتفى هنا بمعلومتين أساسيتين حول القبض على بن لادن وقتله.

فالرائج أن المخابرات المركزية تعرفت على مكان بن لادن بعدما توصلت بعد جهد شاق وطويل إلى وسيط له كان ينقل إليه المعلومات. وهو كلام لا أستطيع أن أنفيه، لكنى أضيف عليه أن الأمريكيين تلقوا معلومات سرية تفيد بأن بن لادن فى مكان تسيطر عليه المخابرات الباكستانية. ولم يكن يعرف هذا المكان غير رجلين اثنين فقط، رئيس المخابرات والرجل الثانى بعده، وقد نجحت المخابرات الأمريكية فى التوصل إلى الرجل الثانى، الذى أنكر فى البداية أى معرفة له بالموضوع، ولكنه ضعف أمام إغراء 30 مليون دولار عرضت عليه لكى يدلهم على مكانه. وتم عقد الصفقة فعلا، ولأنه كان من المتعذر تدبير هذا المبلغ من الخزانة الأمريكية، فقد وفرته إحدى الدول الخليجية. وحين وصلت المعلومة إلى الطرف الأمريكى، تسلم الرجل المبلغ ثم اختفى تماما ولم يظهر له أثر فى باكستان ولم يعرف له مكان خارجها.

المعلومة الثانية خاصة بقتل بن لادن، ذلك أن الرجل حين انقض عليه رجال العمليات الخاصة وهو نائم، أطلقوا عليه 120 طلقة رصاص حتى اطمأنوا على الإجهاز عليه. وليس صحيحا أن جثمانه ألقى بعد ذلك فى بحر العرب كما ذكرت البيانات الرسمية. ولكن الذى حدث أن رأسه قطع وحمل بالطائرة إلى واشنطن، فى حين أن جثمانه ألقى فوق جبال هندكوشتى الشاهقة.

الرجل الذى جمع هذه المعلومات لديه الكثير منها، لكنه لا يريد أن يفصح عما حصله. للسبب الذى ذكرته، وأكرر أننى أعرف قدره وأثق فى مصادره وقدرته على الغوص وراء الأسرار، ولذلك غامرت بنقلها عنه. وإذا كان قد رفض أن يبوح بما عنده وأن ينشر شيئا عن نتائج بحثه المضنى الذى استمر عدة سنوات، فلعلك تدرك لماذا كان على أن احتفظ باسمه.


جريدة الشروق المصرية
السبت 21 جمادى اخر 1433
12 مايو 2012

mohamed5175
13-05-2012, 11:46 AM
من يتابع الإعلام المصرى يخيل إليه أن القوى السياسية والمثقفين المشايعين لها استولوا على البلد، وما برحوا يتعاركون فيما بينهم حول أنصبتهم منها، ذلك أن صدارة الصحف اليومية ونشرات الأخبار والبرامج الحوارية المسائية التى تبثها مختلف قنوات التليفزيون، لا تتحدث منذ أكثر من عام إلا عن تجاذبات القوى والجماعات السياسية سواء فيما بينها، أو بينها وبين المجلس العسكرى. منذ إعلان التعديلات الدستورية والاستفتاء عليها فى شهر مارس من العام الماضى. وحتى قضية الجمعية التأسيسية ومعايير اختيار أعضائها وأزمة مجلس الشعب مع الحكومة والمجلس العسكرى المثارة هذه الأيام، لم يتوقف الجدل بين السياسين والمثقفين، حتى بدا الحوار الظاهر على السطح وكأنه نخبوى وقاهرى بالدرجة الأولى، الأمر الذى أعطى انطباعا بأن تلك النخب القابعة فى القاهرة قررت أن تحتكر الواجهة والمشهد لصالحها، وان تفرض على المجتمع أولوياتها وحساباتها ومخاوفها.

ذلك ما تدل عليه الملاحظة الدقيقة. إذ ليس لدينا للأسف أى قياس علمى لاهتمامات الناس، يوضح لنا كم عدد المشغولين بأيهما أولا الانتخابات أم الدستور، أو بحكاية الدولة المدنية والدينية أو بمعايير اختيار أعضاء لجنة الدستور والفئات التى يجب أن تمثل فيها، أو بالمادة 28 التى حصنت قرارات لجنة الانتخابات.

لا أقلل من أهمية هذه الأمور، لكن استمرار التركيز الإعلامى عليها يصرف الاهتمام عن مشكلات الفقراء والجماهير العريضة، الأمر الذى يجعل شواغل عدة مئات من المثقفين والسياسيين حاجبة لهموم عشرات الملايين من البسطاء والفقراء. وإذا كان ذلك يعزل النخبة عن المجتمع المحيط بهم، فلن نستطيع أن نتحدث عما يسببه ذلك الانكفاء على الذات من عزلة أخرى عن هموم الأمة أو عن العالم الخارجى.

إن ملايين الفلاحين تأثرت أوضاعهم بانتشار وباء الحمى القلاعية الذى أباد الآلاف من رءوس الماشية، وفشلت محاولات إيقافه أو التحصين ضده. بل إن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أصدرت فى الأسبوع الماضى تحذيرا من انتقال الوباء إلى قطاع غزة، وتهديده لبقية دول الشرق الأوسط. وشكوى الفلاحين مُرَّة من إهمال الصرف الصحى الذى أدى إلى إفساد عملية الرى وغمر بعض المحاصيل بالطين. ولقطاع الصناعة همومه التى تسببت فى إغلاق نحو 850 مصنعا بعد الثورة، مما أدى إلى تشريد آلاف العمال وزيادة معدلات البطالة. ذلك بخلاف الإضرابات والاعتصامات التى أدت إلى شل عجلة الإنتاج وتعطيل عملية التصدير. أما قطاع الخدمات التعليمية والصحية فكوارثه معلومة، لا ينافسها فى الفجيعة سوى أجهزة الإدارة المحلية التى يرتع فيها الفساد بغير ضابط ولا رابط.

لا أتحدث عن حل تلك المشكلات ــ وما ذكرته قطرة فى بحر ــ التى أفهم خلفياتها وأدرك حاجتها إلى علاج طويل المدى، ولكنى أتحدث عن الانصراف عنها وعدم إدراجها ضمن قائمة اهتمامات النخب القاهرية المستغرقة فى معاركها وتصفية حساباتها.

قرأت أن بيانا أعد عن حصيلة مائة يوم من عمر مجلس الشعب بعد انتخابه، وطبقا لما نشرته جريدة الشروق (فى 5/5) منسوبا إلى الأمين العام للمجلس المستشار سامى مهران، فإن أعضاء المجلس قدموا خلال تلك الفترة 900 طلب إحاطة وسؤال إضافة إلى 200 بيان عاجل، منها 70 بشأن أزمة نقص أنابيب البوتاجاز و35 عن أزمة رغيف الخبز و48 عن أزمة البطالة و25 عن الإصابة بالحمى القلاعية و30 عن نقص المعروض من الأسمنت. كما قدم إلى المجلس 80 اقتراحا برغبة حول العديد من الأزمات إضافة إلى مناقشة قضية الانفلات الأمنى. خلال تلك الفترة أيضا أنجز المجلس 9 مشروعات قوانين، كان أبرزها تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية، لمنع فلول النظام السابق من اختراق المشهد السياسى.

هذه المعلومات إذا صحت فهى تعنى أن التيارات والقوى السياسية تتحرك فى واد، فى حين أن مجلس الشعب الذى انتخبه الناس يتحرك فى واد آخر، وأن وسائل الإعلام منخرطة فى صَخَب السياسيين والمثقفين بأكثر من انحيازهم إلى هموم الناس المباشرة والحياتية.

أصنَّف هذه الحالة الشاذة ضمن تشوهات الحياة السياسية التى خلفها النظام السابق، وأدت إلى تجاهل الفقراء وإلى تفكيك النخب وتعميق المرارات بين مكوناتها. لكنى لا أعفى الرموز السياسية والمثقفين من الاستسلام لتلك الحالة والاستمرار فيها، رغم أن الثورة يفترض أن تحدث انقلابا فى منظومة القيم السائدة. بحيث تستمد النخبة شرعيتها من التعبير عن المجتمع وليس الاستعلاء عليه. وبحيث لا يعلو هم فوق هم جماهير الشعب.

جريدة الشروق المصرية
الاحد 22 جمادى اخر 1433
13 مايو 2012

mohamed5175
14-05-2012, 11:35 AM
كنت فى أنقرة حين انعقدت المناظرة بين المرشحين الرئاسيين عمرو موسى وعبدالمنعم أبوالفتوح. لم يتح لى أن أشاهد اللقاء على شاشات التليفزيون فى يوم بثه، لكنى تابعت أصداءه من جانب المشاركين فى ملتقى الحوار التركى الأفريقى الذى حضره ممثلون عن 45 دولة أفريقية، كانت بينها مصر ودول الشمال الأفريقى (المغرب العربى). الدهشة كانت قاسما مشتركا بين تلك الأصداء. وإن اختلفت أسبابها بين العرب وغيرهم من الأفارقة. إذ لم يتخيل أحد فى أى يوم أن يحدث ذلك فى مصر، قال لى زميل من جنوب أفريقيا إنه عاجز عن تصديق ما رآه على شاشة التليفزيون. إذ إنه لا يستطيع أن ينسى صورة مبارك وهو داخل القفص يحاكم أمام العدالة، وصورة اثنين من المرشحين للرئاسة وهما داخل استوديو البث يحاكمهم إعلاميون أمام الرأى العام. وهى مقارنة إن دلت على شىء فهى تدل على أن عصر الفراعين انتهى فى مصر.


الذين حدثونى من الأفارقة لم يخفوا انبهارهم بالحدث، لكن أغلبم انتهزوها فرصة وقالوا إن مصر خرجت من أفريقيا ولم تعد، وقارنوا بين الغياب المصرى عن القارة بالهمة التركية التى كان عقد الملتقى من تجلياتها. وأبدوا دهشتهم من أن الذين حكموا مصر خلال العقود الأخيرة لم يكونوا مدركين لقيمتها الحقيقةفى أوساط الأفارقة، الذين احتضنتهم مصر فى ستينيات القرن الماضى، ففتحت أذرعها لحركات التحرير من الاستعمار، وآوت أبناء القارة وعلمتهم، وظلت تخاطب شعوبها من خلال الإذعات الموجهة. ثم نفضت يديها من كل ذلك وأدارت ظهرها للقارة.



زملاؤنا العرب كان لهم كلام آخر. ذلك أننى كنت قد تلقيت رسالة هاتفية من أحد المثقفين الإماراتيين ذكر فيها أنه لم ينم فى تلك الليلة، بسبب فرق التوقيت (ساعتان زيادة فى الإمارات). إذ حين انتهت المناظرة فى الثانية صباحا فى القاهرة، كانت عقارب الساعة فى دبى تشير إلى الرابعة. ولم أستغرب حين قرأت لاحقا أن شوارع الرياض كانت خالية من المارة أثناء المناظرة، وأن بعض مقاهى البحرين قامت بتأجير المقاعد للراغبين فى متابعتها من الجمهور. إلى غير ذلك من الأصداء التى سجلت من خلال التويتر، حتى رصد أحدهم 100 «توتيه» فى الثانية حول المناظرة. وقال آخر إن كل من شكك فى الثورة المصرية يجب أن يخجل بعد بث المناظرة. وقال ثالث إن الرئيس المغرور قال قبل عام عن ثورة الشعب «خلِّيهم يتسلوا» وها نحن نرى اليوم مرشحين يتوددان للشعب لكى يقبلوا أحدهما رئيسا. علق رابع قائلا إنه هب من النوم فزعا لأنه حلم بمناظرة فى دولة الإمارات، فاستعاذ بالله من همزات الشياطين ثم عاد إلى النوم. آخرون كتبوا من الكويت حيوا شعب مصر الذى حقق للعرب حلما تمنوا تحقيقه على الأرض، واستحقت لقب «أم الدنيا».



الذين لقيتهم من دول شمال أفريقيا تباينت الأصداء لديهم. بعض الموريتانيين قالوا إنهم لم يعودوا يحتملون استمرار الحكم العسكرى فى بلادهم. وإنهم حين يشاهدون التفاعلات الحاصلة فى مصر يزدادون إصرارا على المطالبة بعودة الديمقراطية وإسقاط النظام الذى انقلب عليها بمساندة من فرنسا، أحدهم اقترب منى وقال هامسا: خذها منى نبوءة وحاسبنى عليها: إذا ما تمت الانتخابات الرئاسية فى مصر بصورة شفافة وديمقراطية، فإن تلك ستكون بداية لتصدع وسقوط النظام العسكرى فى نواكشوط.



زميل مغربى قال إنه كلما أطل على ما يجرى فى مصر، يدرك أن ما يحدث فى المملكة المغربية هو فى حقيقته تلاعب بالديمقراطية لا يستهدف سوى إطالة عمر النظام وتثبيت أقدامه فى مواجهة السخط الشعبى ودعوات التغيير. إضافة إلى ذلك قوله: نحن لا نستطيع أن نشاهد التحولات الديمقراطية المثيرة تتوالى فى مصر، ثم نسكت. ونحن الآن عند مفترق طرق، فإما أن نفرض على النظام إقامة ملكية دستورية يستعيد فى ظلها الشعب حقه كاملا فى المشاركة فى صناعة مصيره، وإما أن ننتقل إلى المواجهة مع السلطة، والمطالبة بالتحول إلى النظام الجمهورى.



الجزائرى قال إن مبارك الذى اختفى من مصر مع حزبه «الوطنى»، لايزال متسمرا فى الجزائر تحت مسمى آخر. فاحتكار حزب جبهة التحرير للسلطة لايزال مستمرا، وتزوير الانتخابات يتم بكل جرأة كما حدث قبل أيام قليلة، كأنهم لم يسمعوا بما يجرى فى مصر، ولا اعتبروا من مصير مبارك ونظامه وحزبه.



إن كثيرين فى بلادنا لم يدركوا حجم الرنين المدوى الذى أحدثته المناظرة فى العالم الخارجى، ولا حجم الآمال والأحلام التى يعلقها العرب والأفارقة على إنجاح التجربة فى مصر.





جريدة الشروق المصرية

الاثنين 23 جمادى اخر 1433

14 مايو 2012

mohamed5175
15-05-2012, 11:46 AM
لأن حدث المناظرة بين مرشحى الرئاسة المصرية تاريخى واستثنائى بامتياز، فإنه يظل بحاجة إلى تحقيق وتدقيق فيما قيل وما لم يقل ليس فقط لكى نستوعب ونتفهم، ولكن أيضا لكى نستفيد ونتعلم.


(1)



لا أستطيع قبل أى كلام فى الموضوع أن أتجاهل أمرين، الأول أنها التجربة الأولى فى التاريخ المصرى «فى عام ٢٠٠٧ حدثت مناظرة بين مرشحى الرئاسة فى موريتانيا»، التى يقف فيها اثنان من مرشحى الرئاسة أمام بعضهما البعض لكى يعرضا نفسيهما على الرأى العام. صحيح أن تراثنا العربى حافل بمناظرات أهل العلم، ولهم فى ذلك كتابات غنية، أذكر منها ما سجله الإمام أبوحامد الغزالى متعلقا بآداب المناظرة، فى مؤلفه الشهير «احياء علوم الدين». وتحدث فيه عن مناظرات الفقهاء والمقلدين من الشافعية والأحناف بوجه أخص، وحاول أن يبدد التلبيس فى تشبيه المناظرات بمشاورات الصحابة، وأن يبين آفات المناظرة وما يتولد عنها من مهلكات الأخلاق، لأنها تدفع أطرافها إلى تتبع عورات بعضهم البعض وإشهار نقائصهم بالحق أو بالباطل، التماسا للانتصار فى الرأى وكسبا للجاه والرياسة الدنيوية.



لم يعرف تاريخنا مناظرات أهل السياسة. خصوصا ما تعلق منها بشأن الرئاسة. ربما فى أغلب الأحيان لأن تقاليد الاستبداد فى بلادنا أشاعت بين الناس أن الرئاسة قدر مكتوب لأناس بذواتهم، لا شأن لها باختيار الناس أو قرارهم. ولأننا حديثو عهد بالتجربة، فإن ما يعتريها من نقائص وثغرات تصبح أمرا طبيعيا ينبغى أن نترفق به ونحتمله.



الأمر الثانى أن الذين قاموا بالتجربة من الإعلاميين والإعلاميات يستحقون التحية والتقدير، إذ أتاحوا لنا أن نعيش تلك اللحظات النادرة، التى نشاهد فيها رئيسا ــ أو مشروع رئيس ــ يؤخذ من كلامه ويرد ــ ولا يستقبل كلامه بحسبانه تنزيلا محصنا لا ينطق فيه صاحبه عن الهوى. وأى نقد للجهد الذى بذله أولئك الزملاء ينبغى ألا ينتقص مما قدموه، ولكنه يحاول أن يكمله ليحقق المراد من المناظرة بصورة أفضل وأوفى.



(2)



الانطباع الأولى عن الأسئلة أن أغلبها جاء مثيرا للفضول بأكثر مما كان كاشفا عن السياسات ومثيرا للعقول. أما الانطباع الثانى أنها ركزت بدرجة عالية على الشأن الداخلى، وبدت متأثرة بحالة الانكفاء التى يعانى منها الإعلام المصرى خصوصا بعد الثورة. والمسألتان بحاجة إلى بعض الشرح والإيضاح.



لقد بدت الأسئلة وكأنها ورقة امتحان مدرسى، ركزت على شخصية كل مرشح بأكثر مما ركزت على أفكاره وسياساته إزاء القضايا الكلية، ناهيك عن أنها تجاهلت بعض القضايا الحيوية فى حين ألقت على المرشحين أسئلة حول الراتب الشهرى والأزمة المالية والحالة الصحية والامتيازات المتوقعة، والتدخل فى اختيار الوزراء وكيفية تشكيل لجنة الدستور والموقف من أحداث العباسية والتعامل مع الإضرابات الفئوية.. إلخ.



مثل هذه الأسئلة الأخيرة قد تقدم الشخص ولكنها لا تسمح لنا بأن نتعرف على أفكاره وتعامل برنامجه مع القضايا الكلية التى ترتبط بالمصالح العليا للوطن.



إن قضية الاستقلال الوطنى لم تأخذ حقها فى الحوار، رغم أنها تشكل جوهر السياسة الخارجية المصرية، ومعروف أن استقلال مصر منقوص على الصعيدين الإقليمى والدولى. فدورها فى القرار العربى محدود للغاية. وليس سرا أن الجامعة العربية تديرها فى حقيقة الأمر دولتان هما السعودية وقطر. كذلك فإن العلاقة بين مصر وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، تتعامل معها مصر بحسبانها الطرف الأضعف الذى يتلقى بأكثر مما يقرر أو يبادر. واختزال العلاقة مع إسرائيل فى التساؤل عما إذا كانت عدوا استراتيجيا يعد ابتسارا واجتزاء للملف الأساسى المتمثل فى استقلال الإرادة والاهتداء بالمصالح الوطنية العليا فى رسم السياسات وتحديد طبيعة العلاقات الخارجية.



لم نعرف شيئا عن موقف المرشحين إزاء التجمعات الإقليمية العربية، المغاربية أو الخليجية. ولا إزاء الجارتين السودان وليبيا، ولا إزاء القضية الفلسطينية التى تحل ذكرى نكبتها اليوم (الثلاثاء 15 مايو). ولا إزاء الدولتين الكبيرتين تركيا وإيران.. (ثم التعرض لإيران فى سؤال عابر).



حتى الشأن الداخلى، فإن ملفات عديدة لم يتم التطرق إليها. لم نسمع شيئا عن قضية مصيرية مثل التنمية فى مصر، مرتكزاتها ومقاصدها. لم يتطرق أحد إلى كيفية استثمار الطاقات البشرية الكبيرة فى البلد وكيفية توظيفها للتأكيد على التنمية الذاتية، التى توظف خبرات البشر وإمكانيات البلد المتوفرة لتكون الأساس فى تحقيق النهضة المرجوة، قبل أى لجوء إلى الاستدانة والاقتراض من الخارج، خصوصا أن انطلاقة الداخل تشكل أكبر عنصر لجذب استثمارات الخارج، وإمكانياتها بلا حدود فى مجالات الزراعة والصناعة والسياحة.



لم تتعرض المناقشات ــ ولم يلق سؤال ــ حول قضية البطالة المتفاقمة، والتى يتحدث عدد غير قليل من الخبراء عن أنها وصلت فى صعيد مصر إلى 50٪ من السكان، الأمر الذى يجعل من البطالة لغما داخليا شديد الانفجار. فآثارها الاجتماعية خطيرة والتداعيات التى تترتب عليها مخيفة، حتى وجدنا شبابا باتوا يفضلون المغامرة باحتمال الموت فى البحر لكى يصلوا إلى شواطىء أوروبا، بدلا من أن يعيشوا بلا أمل فى مصر. ويظل مستغربا ألا يتطرق الحديث عن أولئك الملايين من البشر، الذين هم ثروة حقيقية إذا أحسن استثمارها، فى حين اعتنت الأسئلة بمسألة كشوف العذرية (رغم أهميتها) والتعامل مع الموضوع القانونى للإخوان.



قضية البيئة الملوثة فى مصر تم تجاهلها أيضا، رغم ما تمثله من أهمية بالغة بالنسبة لقضيتى التنمية والصحة العامة، ناهيك عن أنها أصبحت تحتل موقعا متقدما فى تحديات العصر التى تحتشد لأجلها الدول ولا تتوقف المؤتمرات التى تعقد لمواجهتها كل حين.



(3)



تغييب مثل هذه القضايا الحيوية أضعف موضوعية الحوار، الأمر الذى لم يتح لنا أن نتعرف بشكل جاد على سياسات وبرامج المرشحين إزاءها. من ناحية أخرى فإن الإجابات التى قدمت على الأسئلة الموجهة حققت اتفاقا حول تمثيل الجميع فى لجنة وضع الدستور وحول فرض الضرائب التصاعدية والالتزام بالحد الأدنى والأعلى للأجور. وذلك شىء طيب لا ريب، لكن الأمر لم يخل من ملاحظات سلبية أخرى، منها على سبيل المثال:



ــ أن المرشحين تبادلا الاتهامات الشخصية، إذ عمد السيد عمرو موسى إلى تخويف المشاهدين من الدكتور أبوالفتوح باعتباره إخوانيا سابقا، فما كان من الأخير إلا أن رد عليه مذكرا بانتمائه إلى نظام مبارك، الأمر الذى يصنفه ضمن الفلول. وإطلاق هذا التراشق لم يكن فى صالح عمرو موسى، لأنه حين رمى أبوالفتوح بأنه «إخوانجى» فإنه استخدم فزاعة نظام مبارك، فى حين أن ذلك الاتهام لم يعد مشينا فى الوقت الحاضر، إلا أن تصنيف عمرو موسى ضمن الفلول مما يشينه ويسىء إليه بعد الثورة. وفى كل الأحوال فقد بدا عمرو موسي هاربا من ماضيه ومنكرا له، أما أبوالفتوح فقد بدا معتزا بماضيه الذى اعتبره رصيدا له فى انخراطه مع الثورة..



ــ حاول عمرو موسى وهو يخوف من إسلامية أبوالفتوح أن يكرس إقصاء التيار الإسلامى، فى حين أن أبوالفتوح حرص على إقامة المصالحة بين التوجه الإسلامى والديمقراطية. من ثم فإن الأول قدم نفسه باعتباره رئيسا لبعض المصريين، فى حين أن الثانى أراد أن يقنعنا بأنه رئيس لكل المصريين.



ــ حين سئل الاثنان عن مبرر انتخاب كل منهما، قال موسى إنه تبوأ مناصب عدة وخبراته كثيرة، وأن مصر فى أزمة الآن وبحاجة إلى رجل دولة (مثله) فاهم للعالم ومدرك للظروف المحيطة، ولم يحدثنا عن السياسة التى سيتبعها فى تعامله فى ذلك العالم الخارجى، أما أبوالفتوح فقد اعتبر نفسه رمزا لاصطفاف الجماعة الوطنية، حيث يشترك فى تأييده الليبراليون واليساريون والإسلاميون. فبدا من الإجابتين أن الأول يصوب نظره نحو الدولة والثانى يصوبه نحو المجتمع.



ــ استلفت نظر كثيرين نفور عمرو موسى من الأغلبية التى صوتت لصالح التعديلات الدستورية، وحين اعتبر أن الذين قالوا «لا» هم الثوار الحقيقيون ــ وهو منهم ــ فى إشارة إلى أن الـ77٪ الذين أيدوا التعديلات يقعون فى مربع الثورة المضادة. وبدا ذلك تجريحا من جانبه للأغلبية التى يطلب تأييدها!



ــ قال موسى إن مصر دولة فقيرة وأن المطالب الفئوية التى تكاثرت بعد الثورة لا تختلف كثيرا عن الذين يحاولون حلب بقرة نضب لبنها. وتلك قراءة لا تعول كثيرا على التنمية الداخلية كما تهون كثيرا من شأن غنى البلد بثروته البشرية وموارده الاقتصادية. وهذه الرؤية لا ترى حلا لمشكلة التنمية فى مصر سوى الاعتماد على الاستثمار الأجنبى والقروض الخارجية.



ــ كان الاختلاف واضحا بين المرشحين حول الموقف إزاء الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فأبوالفتوح رفض الاستجابة لأى تأثيرات خارجية على سياسة مصر الخارجية، واعتبر إسرائيل عدوا يهدد الأمن القومى المصرى. أما موسى فأكد على أن سياسته لن تغضب الولايات المتحدة، وأن إسرائيل خصم لا يحبه المصريون. وكرر مرتين أنها ليست عدوا، فبدا الأول تعبيرا عن منطق وموقف الثورة المصرية، أما الثانى فقد بدا ملتزما بخطوط السياسة التى التزم بها نظام مبارك.



(4)



كان عمرو موسى أكثر عدوانية وتوترا، فى حين بدا أبوالفتوح أكثر هدوءا وتماسكا. ومع ذلك خرج المرشحان متعادلين تقريبا رغم الهنات هنا وهناك، بحيث يتعذر القول بأن أحدهما اكتسح الآخر. وهذا ما شهدت به وكالات الأنباء الأجنبية التى تابعت المناظرة، إلا أن الاستقطاب كان واضحا فى بعض معالجات الصحف المصرية. فقرأنا فى أوساط العلمانيين تهليلا لصالح عمرو موسى وحفاوة بالغة بما قاله وهجوما مقذعا على «أبوالفتوح» استند إلى جذوره الإخوانية. وذهب أحد الكاتبين فى هجائه لأبوالفتوح إلى القول بأن موسى وجه إليه ضربة قاضية وأخرجه من سباق الرئاسة فى أول جولة للحوار.



لم يخل الأمر من هجاء لموسى، استعاد موقفه فى مؤتمر دافوس حين انسحب رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان من المنصة احتجاجا على منعه من الرد على تجاوزات وأغاليط شمعون بيريز رئيس إسرائيل، لكن عمرو موسى الذى كان جالسا بالقرب منه تردد فى التحرك ثم بقى فى مقعده بعد إشارة من الأمين العام للأمم المتحدة. وغمز آخرون فى مكافأة نهاية الخدمة التى منحت له عند مغادرته منصبه فى الجامعة العربية، والتى طلب المندوب السعودى زيادتها إلى 5 ملايين دولار فى اجتماع مجلس الجامعة، وهو مبلغ لم يكافأ به أى أمين عام آخر فى تاريخ الجامعة العربية، حيث كانت القاعدة أن يكافأ بمبالغ فى حدود نصف مليون دولار فقط.



هذه الأصداء كانت من تداعيات تركيز التراشق والحوار حول الأشخاص. ولم تكن بعيدة عنها إشارة جريدة «الشروق» فى عدد السبت 12/5 إلى أنه خلال فترة الاستراحة التى تخللت المناظرة فإن موسى طلب فنجانا من القهوة الأمريكية، أما أبوالفتوح فقد اكتفى بفنجان من القهوة التركية، الأمر الذى تصيده بعض الخبثاء واعتبروه إشارة لها دلالتها السياسية. مرحبا بالتراشق المهذب بين المرشحين للرئاسة، وبشقاوة وتخابث المتابعين، طالما اننا نتقدم على طريق تأسيس معنى الديمقراطية بديلا عن مصر مبارك.





جريدة الشروق المصرية

الثلاثاء 24 جمادى اخر 1433

15 مايو 2012

mohamed5175
16-05-2012, 12:01 PM
المشهد كله عبثى وغير قابل للتصديق. إذ بعدما سدت الأبواب فى وجوههم، أصبح الفلسطينيون يقاومون الاحتلال بأمعائهم، وأصبح المسجونون هم الذين يسعون إلى تحرير الطلقاء. بل إن تحسين أوضاع السجناء وهم وراء القضبان تحول إلى «إنجاز وطنى» يتباهى به البعض!


أتحدث عن إضراب نحو ألفى سجين فلسطينى عن الطعام، احتجاجا على الأوضاع المزرية وغير الإنسانية التى يعيشون فى ظلها داخل السجون الإسرائيلية. والتى تشمل قضاء بعضهم 12 عاما فى زنازين انفرادية قاسية. وحرمان معتقلى غزة من زيارات أهليهم منذ خمس سنوات. مع حرمان الجميع من الكتب ومن مواصلة التعليم. إضافة إلى احتجاز البعض الآخر بدعوى الاعتقال الإدارى، الذى بمقتضاه يلقى الفلسطينى فى السجن بلا تهمة وبلا أجل محدد، وبلا محام بطبيعة الحال.



تضامنت «العدالة الإسرائيلية» مع جلاديهم، وشغلت السلطة فى رام الله بالتنسيق الأمنى مع الإسرائيليين بأكثر مما انشغلت بالدفاع عنهم. ومن دون كل البشر، تسترت أغلب المنظمات الحقوقية الدولية على الانتهاك اليومى والوحشى لحقوق الإنسان الفلسطينى. وانكفأت أكثر البلدان العربية ــ إن لم يكن كلها ــ على ذواتها ومشكلاتها الداخلية. وبعدما كبلت منظمات المقاومة الفلسطينية حتى ضاق كثيرا هامش حركتها فى الداخل والخارج، لم يجد الأسرى الفلسطينيون مفرا من الإضراب عن الطعام، وتحويل أمعائهم وأجسامهم إلى سلاح للمقاومة!



اختار الفلسطينيون أن يدافعوا عن إنسانيتهم ببطونهم الخاوية، نجح اثنان منهم، هما خضر عدنان وهناء شلبى فى فضح الإسرائيليين وإجبارهم على إطلاق سراحهم. ولم يتحقق ذلك إلا بعد أن أضرب الأول عن الطعام طوال 66 يوما، فى حين أضربت الثانية مدة خمسين يوما. بعدها دخل فى الإضراب بلال زياب وثائر حلاحله اللذان اقترب إضرابهما من اليوم الثمانين، وهما تحت الاعتقال.. وانضم إليهما حسن الصفدى الذى ظل مضربا طوال سبعين يوما، حتى قام الإسرائيليون بتكبيله وحقنه بالمحاليل عنوة، بالمخالفة لكل القوانين والأعراف التى لا تجيز ذلك. وتبعهم آخرون حتى جاوز عدد المضربين هذا الأسبوع ألفى أسير، أحد هؤلاء ــ خضر عدنان ــ قال إن الأطباء داخل مستشفى السجن أبلغوه بأن كل يوم عاشه بعد اليوم الستين من إضرابه هو وزملاؤه كان يوما إضافيا إلى حياتهم. الأمر الذى يعنى أن سبعة على الأقل من المضربين عن الطعام باتوا يقفون على عتبة الموت. وأن إرادة الله وحدها هى التى أبقتهم على قيد الحياة.



حين اتسع نطاق الإضراب وتناقلت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام أخباره، التى كانت فى أغلبها صادمة ومستفزة، تحرك الركود الذى ران على قضيتهم على مختلف الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية، وأدرك كثيرون أن الجريمة ليست مقصورة على الممارسات الإسرائيلية ولكن الضلوع فيها يشمل الساكتين عليها أيضا. وأخذت القضية بعدا جديدا ــ نسبيا ــ حين برزت فى أجواء الذكرى الرابعة والستين لاغتصاب فلسطين وطرد أهلها فى عام 1948، من ثم فإن الصدمة لم تحدث إفاقة وانتباها فحسب ولكنها استدعت ملف الجريمة كاملة. ذلك أن بؤس الأسرى الفلسطينيين والأوضاع الكارثية التى فرضت عليهم هو فرع عن أصل، وصفحة مسكوت عليها فى سجل الاغتصاب والاحتلال. لذلك فقد كان محقا تميم البرغوثى حين قال إنه «فى فلسطين الأسرى يحررون الطلقاء» ــ (الشروق ــ 15/5).



أمس أبرزت الصحف العربية والمصرية الاتفاق الذى تم لإنهاء الإضراب الذى نجح فى تحقيق هدف تحسين أوضاع المسجونين (إنهاء العزل الانفرادى وتقديم لوائح الاتهام بحق المعتقلين إداريا والموافقة على زيارات أبناء غزة وتحسين أوضاع الأسرى). وتحدثت الصحف المصرية عن الدور الذى قامت به المخابرات العامة فى التوصل إلى ذلك الاتفاق. إلا أننى لم أستسغ تقديم محرر «الأهرام» للخبر الذى ذكر أنه تم «فى إطار الدور الوطنى لجهاز المخابرات العامة، وفى إطار الدعم (المصرى) المتواصل للقضية الفلسطينية». الأمر الذى بدا مبالغة غير مبررة فى الحديث عن جهد طيب بذلته المخابرات المصرية. وهى مبالغة لم تختلف كثيرا عما عبرت عنه السلطة فى رام الله التى ذكرت أن أبومازن كان قد حذر من «طامة كبرى» إذا أصاب أحد الأسرى المضربين أى أذى.



لا أريد أن أقلل من شأن الجهد الذى بذل للتخفيف من معاناة الأسرى، لكنى أذكر بعدة أمور، أولها أن الجميع لايزالون فى غياهب السجون. وثانيها أن إنهاء الاحتلال هو المشكلة وليس فقط إنهاء العزل الانفرادى. وثالثها أن الأسرى قاموا بما عليهم حيث إن إضرابهم هو الذى حرك الملف، وبقى أن يقوم الآخرون بما عليهم إزاء قضية الاحتلال. وأذكر بأن السلطة فى رام الله لا تستطيع أن تدخل على الخط وهى تنسق أمنيا مع إسرائيل وفى سجونها معتقلون من الفلسطينيين المقاومين. كما أذكر بأن الحد الأدنى لدعم مصر للقضية الفلسطينية يتمثل فى فتح معبر رفح والكف عن الاستمرار فى حصار غزة.





جريدة الشروق المصرية

الاربعاء 25 جمادى اخر 1433

16 مايو 2012

mohamed5175
18-05-2012, 02:11 PM
بحثت عن سبب مقنع لتدخل مجلس الشعب فى الشأن القضائى وسعيه لإعادة تشكيل المحكمة الدستورية العليا فلم أجد. وإزاء هذه الحيرة فقد كدت أميل إلى أن أسبابا غير بريئة وراء اتجاه لجنة الاقتراحات بالمجلس لإعداد مشروع قانون بهذا الخصوص. أتحدث عن الزوبعة التى ثارت خلال الأيام الثلاثة الأخيرة بسبب موافقة لجنة المقترحات بالمجلس على اقتراح مشروع بقانون قدمه أحد النواب السلفيين، لإعادة تشكيل المحكمة العليا وفقا لمواصفات جديدة. وكانت الحجة الأساسية التى استند إليها الاقتراح أن رئيس المحكمة العليا الحالى ليس أقدم القضاة، ولكنه معين من قبل رئيس الجمهورية الأمر الذى يُجرِّح حياده «ويجعل رئيس أكبر محكمة فى البلاد تابعا لرئيس الجمهورية»، على حد تعبير صاحب مشروع التعديل النائب حسنى أبوالعزم.

ليس لدى كلام فى تفاصيل المشروع والتشكيل الذى يقترحه للمحكمة الدستورية، ولكن لى أربع ملاحظات حول الفكرة من أساسها، وتوقيت وسياق إطلاقها. ذلك أن تعيين رئيس المحكمة من قبل رئيس الجمهورية يعد ثغرة لا ريب، لكن مبلغ علمى أن مرسوما صدر من المجلس العسكرى منذ عام تقريبا عالج هذه الثغرة، إذ قرر أن رئيس المحكمة تختاره الجمعية العمومية من بين أقدم ثلاثة أعضاء بها. ويصدر التعيين بعد ذلك بقرار من رئيس الجمهورية. وبصدور المرسوم تنتفى المشكلة التى ذكرت فى تسويغ إعادة تشكيل المحكمة من جديد.

الملحوظة الثانية أن طرح الفكرة غير مفهوم فى الوقت الراهن، أعنى قبل أسابيع من إعداد الدستور الجديد وقبل أيام معدودة من انتخابات الرئاسة، ذلك أن الخرائط يمكن أن تتغير سواء لجهة تحديد سلطات الرئيس أو لجهة تشكيل هيئة المحكمة الدستورية والمحاكم الأخرى. فى حين أن الإقدام على تلك الخطوة حاليا من شأنه أن يربك المحاكم، فضلا عما قد يثيره ذلك من لغط.

الملحوظة الثالثة أننى لم أفهم وجه الاستعجال فى الموضوع، الذى لا أجد له مكانا فى الأولويات التى ينبغى أن تهتدى بها لجان المجلس فى ترتيب أعمالها. ذلك أننى أزعم أن أمام لجنة الاقتراحات والشكاوى قائمة طويلة من العناوين وثيقة الصلة بمصالح الناس وأوجه معاناتهم، كان ينبغى الالتفات إليها والانشغال بها قبل أن تصل إلى تشكيل المحكمة الدستورية العليا، الذى صوَّب مرسوم المجلس العسكرى طريقة اختيار رئيسها.

الملاحظة الرابعة والأهم هى أننى لا أرى من حيث المبدأ مصلحة أو حكمة فى تدخل السلطة التشريعية فى الشأن القضائى، ولا أخفى أن ذلك التدخل يفتح الباب لشرور كثيرة وخطيرة، أقلها إهدار مبدأ الفصل بين السلطات. لم يقل أحد أن القضاة ملائكة ولا أنهم منزهون عن الهوى، لكننا لابد أن نعترف بأن النزاهة غالبة على هذا المرفق ومتأصلة فيه، الأمر الذى يفرض على الغيورين أن يحافظوا على استقلاله وأن يحترموا حرمته، لا أن يتحرشوا به ويدَّسوا أنوفهم فى شئونه.

إذا كان مبرر إعادة تشكيل هيئة المحكمة لم يعد قائما، ولا محل للاستعجال فيه، ثم أنه لا يتمتع بأية أولوية، ناهيك عما يمثله ذلك من عدوان على السلطة القضائية، فما الذى يبرر إذن إعداد مشروع القانون وتمريره من خلال لجنة المقترحات والشكاوى؟ حين نحتار فى الإجابة فإن ذلك ينقلنا من احتمال سوء التدبير ويدفعنا إلى التفكير فى احتمال سوء القصد. وأكرر أننى أتحدث عن احتمال وليس عن يقين. فى هذا الصدد لا أستطيع أن أتجاهل «الصرخة» الغاضبة التى أطلقها المستشار طارق البشرى فى مقالته التى نشرتها جريدة «الشروق» يوم الجمعة 11/5، وحذر فيها من تدخل السلطة التشريعية فى الشأن القضائى. مذكرا بأن المحكمة الدستورية العليا التى يراد إعادة تشكيلها محال إليها قضيتان تخصان مجلس الشعب، إحداهما تتعلق بعدم قانونية تشكيله، والثانية تدعى عدم دستورية التعديل الذى أدخله المجلس على قانون مباشرة الحقوق السياسية والمتعلق بعزل فلول النظام السابق.

هذه الإشارة تلمح إلى أن تحريك مشروع قانون إعادة تشكيل المحكمة الدستورية لا تستبعد فيه مسألة تصفية الحسابات، كأن الهيئة التشريعية تهدد إحدى هيئات السلطة القضائية بالمشروع الجديد، فى الوقت الذى تنظر فيه تلك الهيئة (المحكمة الدستورية) دعوى هى خصم فيها. وهو أمر إذا صح فإنه يضاف إلى سلسلة الأخطاء التى وقع فيها المجلس، الذى تورط فى سلسلة من الأزمات مرة مع المجلس العسكرى ومرة مع الحكومة ومرة مع القوى السياسية المختلفة (فى تشكيل لجنة وضع الدستور).

أدرى أن المجلس يسعى جاهدا لكى يتبنى قضايا المجتمع، لكن الأخطاء التى يقع فيها تشوه صورته وتسحب الكثير من رصيده. وإذا كنت قد دعوت أكثر من مرة إلى احتمال الأخطاء واغتفارها لأن ذلك هو السبيل الوحيد للتعلم، إلا أننى لاحظت أن الأخطاء تتوالى ولكن الخطائين لا يتوبون ولا يتعلمون.

جريدة الشروق المصرية
الخميس 26 جمادى اخر 1433
17 مايو 2012

mohamed5175
19-05-2012, 03:09 PM
يجرى فى مصر هذه الأيام الإعداد لتشكيل حزب جديد يكون بديلا مرشحا لتسلم السلطة. بعد الفشل المتوقع لحكومة الإخوان. وهذا الحزب يسوِّقه الآن ويوزع استمارات عضويته بعض ذوى الصلة بالنظام السابق، وهناك كلام مثار حول دعم خارجى له، أسهمت فيه بعض الدول العربية. هذه الفقرة ختمت بها مقالة نشرتها جريدة «الشروق» فى 21 فبراير من العام الحالى، أى قبل نحو ثلاثة أشهر. كانت المقالة بعنوان «مغامرة حكومة الإخوان». وقد سجلت فيها آنذاك تحفظا على فكرة تشكيلهم للحكومة، قبل أن يتطور الموقف ويدفع الإخوان بمرشح لهم لرئاسة الجمهورية.



حين نشرت هذا الكلام فى حينه وقلت إنها معلومات وليست استنتاجات سألنى بعض الزملاء الصحفيين فى الأهرام والشروق وفى مكتب قناة الجزيرة بالقاهرة عن التفاصيل، فقلت إننى لست فى حل من ذكر شىء منها، بعدما ائتمننى عليها من عرضت عليه عضوية الحزب، وحضر ثلاثة اجتماعات دعى إليها لإقناعه بملء استمارة العضوية، كان أحدها لقاء فى إحدى السفارات الغربية، وأضفت أن ما أستطيع أن أقوله أمران، الأول أن مؤسسى الحزب استقروا على أن يطلقوا عليه حزب الشعب الجمهورى، والثانى أن هذه التسمية مستعارة من اسم الحزب الذى شكله كمال أتاتورك فى عام 1923، ليكون وعاء تحتشد فيه كل فئات الشعب لمواجهة الاجتياح الأجنبى للأناضول. وهى صيغة كانت أقرب إلى فكرة الحزب الواحد التى تمثلت فى الاتحاد الاشتراكى والحزب الوطنى.



يوم الخميس الماضى 17/5 أعلنت جريدة الوطن عن «اكتشاف» الحزب. وقالت إن مقربين من مبارك ورجال أعمال شرعوا فى تأسيس حزب الشعب الجمهورى بديلا عن الحزب الوطنى. وذكرت بعض أسماء مؤسسى الحزب، الذين كانوا خليطا من رجال الأعمال ورجال الوطنى السابقين، مشيرة إلى أن وكيل المؤسسين واحد من رجال الأعمال، ومن بين أولئك المؤسسين أمين التنظيم فى الحزب الوطنى المنحل. ذكرت أيضا أن ميزانية الحزب 50 مليون جنيه تبرع بها رجال الأعمال، الذين أسهموا فى حملة السيد عمرو موسى بمليون جنيه، تعبيرا عن دعمهم وتأييدهم له.



المؤتمر التأسيسى الذى عقد فى نفس يوم الخميس كان متواضعا، حيث توجس منه بعض المدعوين. إذ غاب عنه الدكتور كمال أبوالمجد الذى نشر أنه الأب الروحى للحزب، واعتذر آخرون عن عدم الحضور، وقال لى المهندس حسب الله الكفراوى وزير الإسكان الأسبق إنه لم يسترح إلى أجواء المؤتمر فلم يكمل الجلسة وانصرف منها مبكرا. وكان من بين الحضور الذين لم يتجاوز عددهم 150 شخصا السيد عمرو موسى، الذى ألقى كلمة قصيرة، كما كان من بينهم عدد من السفراء المتقاعدين. من الملاحظات التى تثير الانتباه أن وكيل المؤسسين أبلغ المدعوين بأن الاجتماع سيعقد فى دار الأوبرا، ولكنه اتصل بهم مرة ثانية وأبلغهم بأن الاجتماع سيعقد فى أحد الفنادق الكبرى، وعلل ذلك بأنه نصح ذلك من قبل المسئولين فى المخابرات العامة.



رغم أن الاجتماع لم يكن مهما، إلا أن الرسالة فيه أهم بكثير، وهى رسالة بوسعك أن تقرأها بوضوح إذا وضعت خروج فكرة تأسيس الحزب المذكور إلى النور جنبا إلى جنب مع إشارات لاحت فى الفضاء المصرى خلال الأشهر الأخيرة. وجميعها تدل على أن أعوان النظام السابق ازدادوا جرأة، وباتوا يطلون برءوسهم علينا مرة أخرى، حتى إن بعضهم ترشح لرئاسة الجمهورية، ومنهم من أعلن على الملأ أن مبارك مثله الأعلى، كما نبهتنا ممارسات أخرى إلى أن أذرع النظام السابق لا تزال موجودة فى جهاز الإدارة وأجهزة الأمن.



وإذا كانت تلك الأذرع خفية وغير منظورة بحكم طبيعة عملها، فإن ثمة أذرعا أخرى فى المحيط الإعلامى لا تزال تتحرك بمنتهى الجرأة، رغم أن من بينها عناصر اشتهرت بكونها جزءا من إعلام أمن الدولة، ولا يزالون حتى الآن يخوضون معارك الجهاز ضد خصوم نظام مبارك التقليدين.



لست أشك فى أن الظرف السياسى الراهن بدا مشجعا على استدعاء هؤلاء وإخراجهم من مكانهم. ذلك أن شيوع الإحباط بين الناس، وقلق كثيرين من ضغط الأوضاع الاقتصادية وعدم استقرار الأوضاع الأمنية، هذه الأجواء شجعت عناصر النظام السابق على محاولة أداء دور «المنقذ» الذى تحتاجه مصر وتفتقده. ساعد على ذلك لا ريب أن مؤسسات الثورة تراخت فى إحداث القطيعة مع النظام السابق الذى انفجرت الثورة ضده واستهدفت الخلاص منه. ولم يستشعر مجلس الشعب الخطر إلا حين فوجئنا بترشح نائب مبارك للرئاسة، وحينئذ فقط أفاق المجلس وسارع إلى تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية لعزل أركان النظام مبارك وفلوله، إلا أن صدوره لهذا السبب جرَّحه من الناحية القانونية وفتح الباب للطعن فى دستوريته.



إن القطيعة مع نظام مبارك لاتزال قضية معلقة لم يتم التعامل معها بحزم رغم مضى 15 شهرا على الثورة. وليس خافيا أن تلك القطيعة المنشودة تواجه اختبارا مهما فى انتخابات الرئاسة. ذلك أنه إذا كانت مؤسسات الثورة قد تراخت فى إحداث القطيعة، فإن واجب الجماهير أن تتقدم من جانبها لإسقاط أركان النظام السابق وكل المنسوبين إليه، الذين ارتدوا مسوح الثوار هذه الأيام. أليست تلك الجماهير هى التى رفعت صوتها مدويا وهتفت يوما أن «الشعب يريد إسقاط النظام»؟.


جريدة الشروق المصرية
السبت 28 جمادى اخر 1433
19 مايو 2012

mohamed5175
20-05-2012, 11:58 AM
[center][b]لا يستطيع المرء أن يخفى شعوره بالسعادة إزاء الحيرة التى يعانى منها المصريون هذه الأيام، قبل التصويت على انتخابات رئاسة الجمهورية. ذلك أنها المرة الأولى فى تاريخ هذا البلد التى يختار فيها المصريون رئيسهم، كما أنها المرة الأولى التى يتنافس فيها أكثر من عشرة أشخاص على الفوز بالمنصب، دون أن يستطيع أى أحد فى بر مصر أن يتحدث بيقين عن هوية الرئيس القادم. وهذا اللا يقين المسبق، إحدى مواصفات العملية الديمقراطية ومن القرائن الدالة على نزاهة الانتخابات، حيث أزعم أن البلبلة والحيرة على ذلك الصعيد من المعلوم بالضرورة فى العملية الديمقراطية.

بوسع أى أحد أن يهز كتفيه قائلا إن ذلك ليس اكتشافا أو اختراعا مصريا، ولكنه أمر شائع فى كل الدول الديمقراطية، وهو ما أوافقه عليه تماما، باستدراك بسيط هو أننا لم نكن من بين تلك الدول، وأننا سمعنا بالديمقراطية فقط فى خطب الذين جثموا على صدورنا طوال السنوات التى خلت، وظلوا يقنعوننا بأنهم يحكومننا ــ إلى الأبد وحتى آخر نفس ــ باسم الديمقراطية. وباسمها سوف يسلمون السلطة إلى أبنائهم.

لأن الأمر كذلك، فأحسب أن الجميع ينبغى أن يعذرونا ــ البعض سوف يحسدوننا ــ إذا تباهينا بأننا لا نعرف على وجه اليقين من سيكون الرئيس القادم، ليس ذلك فحسب وإنما ليس بوسع أى «كبير» فى بر مصر أن يحدد ذلك، بمن فى ذلك وزير الداخلية ورئيس جهاز الأمن الوطنى، اللذان كانا يحتفظان بنتائج أية انتخابات «حُرَّة!» قبل أن تتم بعدة أشهر، ولديهما تفاصيل الانتخابات الرئاسية لعدة سنوات مقبلة. إلى غير ذلك من الأسرار الانتخابية التى انتقل مصدر القوة فيها من الأجهزة الأمنية إلى أيدى الناس، كما انتقل اليقين فيها من مكاتب قادة الأجهزة الأمنية إلى صناديق الانتخاب، التى أصبح الفرز المحايد فيها هو المصدر الوحيد لإعلان الحقيقة.

إلى جانب ذلك فإننا ينبغى نعترف بأن جهلنا تجاوز تلك الحدود، وشمل أيضا خرائط المجتمع المصرى وتضاريسه، إذ فى ظل الموات السياسى الذى خيم على البلاد، لم يعد بمقدورنا أن نعرف شيئا عن أوزان القوى السياسية. والوصف الأخير لا يخلو من مبالغة نسبية، لأن ما كان لدينا لم يتجاوز الديكورات أو اللافتات السياسية. ورغم أننا بدأنا نتعرف على جانب من تلك الأوزان فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية وفى انتخاب أعضاء مجلس الشعب. إلا أن متغيرات «البورصة» الانتخابية غيرت فى الآونة الأخيرة من بعض معالم الصورة، فارتفعت فيها بعض الأسهم وانخفضت بشدة أسهم أخرى، أو هكذا بدا لنا على الأقل.

لقد توافرت لنا خلال الأسابيع الأخيرة استطلاعات للرأى تفاوتت فى نتائجها، إلا أننا فى اليومين الأخيرين تلقينا تباعا نتائج فرز أصوات المصريين فى الخارج. التى وضعت الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح فى المقدمة وبعده فى الترتيب كل من حمدين صباحى وعمرو موسى والدكتور محمد مرسى والفريق أحمد شفيق.. وهى نتائج محدودة الدلالة، خصوصا إذا وضعنا فى الاعتبار أن الرقم المتداول لأعداد المصريين فى الخارج يقدرهم بنحو عشرة ملايين شخص، فى حين أن الذين اشتركوا فى التصويت كانوا فى حدود 600 ألف فقط، الأمر الذى يعنى أن هذه النتيجة لا تعبر بدقة عن رأى المصريين المغتربين.

لقد تضاعفت حيرتنا حين اقترب موعد التصويت هذا الأسبوع وحل أوان «الصمت الانتخابى» ابتداء من غد، ذلك أن كل مرشح شمر عن ساعديه وكثف من نشاطه قبل إنزال الستار على حملة الدعاية، أملا فى تعزيز موقفه وتوسيع نطاق مؤيديه، فامتلأت شوارع مصر بالضجيج الانتخابى، فى حين حرص كل المرشحين على الحضور اليومى فى الفضاء الإعلامى، المرئى منه والمقروء. فى هذا الصدد لفت انتباهى أمران، الأول أن ثمة إنفاقا فى الدعاية باذخا ومثيرا للانتباه لحملة كل من السيد عمرو موسى وأحمد شفيق. وهناك علامات استفهام حول آلة الدعاية للأخير، التى بدا واضحا أن أصابع جهاز الإدارة ليست بعيدة عنها، الأمر الذى أثار قلق بعض المرشحين، وقد فهمت أن بعضهم نبه أعضاء المجلس العسكرى إلى هذه الملاحظة.

الأمر الثانى أنه يلاحظ فى حملات الدعاية للمرشحين أنها تستهدف قطاعات معينة من الأنصار، لكننى فوجئت فى المؤتمر الكبير الذى دعت إليه حملة الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح فى القاهرة مساء يوم الجمعة الماضى (18/5) بتمثيل مختلف القطاعات على نحو عكس قدرا من الالتفاف الشعبى لم أجد له مثيلا فى الحملات الأخرى التى تابعتها، الأمر الذى بدا وكأنه تعبير إلى الحنين إلى أيام ميدان التحرير فى عِزِّها.

ذلك كله يظل من قبيل الانطباعات التى لا تحسمها سوى صناديق الانتخابات، التى وحدها صاحبة القول الفصل فى تجاوز التخمين إلى اطلاعنا على الخبر اليقين.

جريدة الشروق المصرية
الاحد 29 جمادى اخر 1433
20 مايو 2012

mohamed5175
22-05-2012, 12:07 AM
لا أستطيع أن أصدق أن ثمة «مرشحا ربانيا» لرئاسة الجمهورية فى مصر. كما أننى لا أصدق أن ثمة تكليفا شرعيا بالتصويت لمرشح بذاته. لمجرد أنه ينتمى إلى فصيل مرجعيته الإسلامية. ومثل هذه الإيحاءات التى توظف المشاعر الدينية لصالح مرشح دون آخر قد تصدر بحسن نية، ولكنها يمكن أن تكون سببا للبلبلة إذا ما خسر المرشح الربانى مثلا، حيث يفترض فى هذه الحالة أن يكون فوزه مضمونا بل ساحقا. على الأقل لكى تبلغ الرسالة إلى الجميع ولكى يعرفوا الفرق بينه وبين آخر «غير ربانى». وستكون الطامة الكبرى أن يفوز عليه مرشح آخر «غير ربانى»، الأمر الذى قد يفسر بأحد أمرين، إما أن يكون المرشح الذى زعم أنه ربانى، انتحل الصفة وكذب على الجميع، أو أن المقادير تخلت عنه لإدراكها أن الرجل لا يستحق أن تشمله الرعاية الربانية.


لا يقف الأمر عند احتمال البلبلة. ولكن المشهد قد يبدو عبثيا، حين يشار إلى مرشح بذاته ويقول أحد الدعاة إن التصويت لصالحه يعد تكليفا شرعيا، لأنه منحاز إلى المرجعية الإسلامية. ولكن حين يكون هناك أكثر من مرشح ينطلق من المرجعية الإسلامية، كما هو الحاصل مثلا فى الحالة المصرية، فإن فكرة العبث تلوح فى الأفق. إذ من حق أى أحد أن يسأل لماذا يكون التكليف الشرعى الموحى به متجها صوب مرشح واحد من ذوى المرجعية الإسلامية، ولماذا يحجب التصويت عن نظراء له لهم نفس المرجعية. وهل يجوز عقلا أن تصدر الفتوى محبذة التصويت لذوى المرجعية الإسلامية جميعا، الأمر الذى يمكن أن يشتت الأصوات بما يؤدى إلى سقوطهم وفوز غيرهم من ذوى المرجعيات الأخرى؟



الأمر كما رأيت محرج ودقيق، وقد يبدو فى بعض جوانبه مسكونا بالافتعال والتدليس الفكرى. وهو ما يعيد إلى الذاكرة مواقف وممارسات الحاخامات فى التجربة الإسرائيلية. ومشهورة فى هذا الصدد فتاوى الحاخام عوفاديا يوسف الزعيم الروحى لحزب شاس (اخترال لعبارة حزب الشرقيين المحافظين على التوراة) الذى قال فيها إن من لا يصوت لشاس فى الانتخابات ستحل عليه اللعنات لأنه لم يلب نداء الرب ــ وتصويتك للحزب سيجعلك تمثل مكانة مرموقة فى الجنة ــ وأن الذى يصوت لمنافسه ليبرمان (نائب رئيس الوزراء وزعيم حزب إسرائيل بيتنا) كمن يصوت للشيطان ــ وقد ألقى أحد رجاله (اسمه شمعون بعدنى) ــ موعظة فى معبد يزديم بالقدس المحتلة قال فيها إن الذين يصوتون لغير حزب شاس سيدخلون جهنم، أما أعضاء شاس فالنار محرمة عليهم إلى غير ذلك من الفتاوى التى تتاجر بالآخرة لتحقيق مكاسب سياسية فى الدنيا.



مبلغ علمى أن شئون المعاملات التى لم يرد فيها نص قرآنى يخرج التقدير والاجتهاد فيها من دائرة الحلال والحرام ليصبح شأنا يتم التفاضل فيه بين الصواب والخطأ. وغاية ما يمكن أن يبلغه الفقيه فى اجتهاده بخصوص تلك المعاملات أن يفتى بالاستحباب أو الكراهية، وليس له أن يستخدم معيار الحل والحرمة.



إن المشكلة التى تواجهنا فى المفاضلة بين المرشحين للرئاسة فى مصر أن أحدا منهم لا يستطيع أن يحدثنا عن إنجاز له على الأرض، لسبب جوهرى هو أن إنجازات العقود السابقة كانت كلها منسوبة إلى «السيد الرئيس»، إن لم يكن بتوجيه منه فباستلهام لحكمته. ولا نستطيع أن نعتبره إنجازا أن يؤدى المسئول عمله المفترض، كأن يبنى وزير الطيران مطارا أو يشق وزير التعمير طريقا أو ينجح وزير البيئة فى مكافحة السحابة السوداء. ذلك أن الموات السياسى لم يكن يسمح بأكثر من ذلك. فتلك كلها فى أحسن فروضها من علامات الكفاءة فى التنفيذ ولا تعنى بالضرورة نجاحا فى الإدارة السياسية لدولة كبيرة بحجم مصر ووزنها.



لأن سجل الإنجاز السياسى على الأرض ضعيف بالنسبة للجميع، فإن المبالغة فى استعراض مناقب المرشحين تصبح الصيغة المتاحة لجذب الناخبين، وفى هذه الحالة يلجأ المرشحون إلى دغدغة مشاعر الناس، فالقلقون المتوجسون يقال لهم إن المرشح هو الرجل القوى الذى سيوفر لهم الأمان، وسيقدم لهم رجل الدول الذى لا يشق له غبار. والمتدينون سيتم جذبهم بإعلان تقوى المرشح وورعه ومواصفات الرجل الربانى الذى تتوفر له.



مثل هذه المبالغات أفهمها، لكنى أحذر من دغدغة المشاعر الدينية، لأنها تفتح الباب لاستدعاء الهويات الدينية وتوظيفها فى التنافس أو التنابذ السياسى. والأهم من ذلك أنها تشوه الدين وتسىء إليه. ذلك أن معيار الاختيار المستقر فى التفكير الإسلامى ينحاز إلى صفتين أساسيتين وردتا فى النصوص القرآنية هى القوة والأمانة، (إن خير من استأجرت القوى الأمين) الآية 26 من سورة القصص ــ وأذكر هنا بأن النبى عليه الصلاة والسلام حين اختار دليلا من المشركين فى هجرته من مكة إلى المدينة، فإنه تحرى كفاءته وإخلاصه ولم يأبه بشركه أو اعتقاده، ونحن لا نريد فى الرئيس أكثر من أن يكون قويا وأمينا، علما بأن كل منسوب إلى النظام السابق مجَّرح فى أمانته.





جريدة الشروق المصرية

الاثنين 29 جمادى اخر 1433

21 مايو 2012

mohamed5175
25-05-2012, 02:22 PM
يمنعنا الصمت الانتخابى من أن نتحدث عن الذى سيجرى فى مصر، لكنه لا يحول دون أن ´نأخذ راحتنا فى الحديث عن الذى جرى.


(1)

لن نقع فى المحظور إذا قلنا إن باب المفاجآت مفتوح على مصراعيه لأكثر من سبب. فقلة خبرتنا بالانتخابات الديمقراطية، فإننا لا نستطيع أن ندعى إحاطة كافية بخرائط المجتمع المصرى بتوجهاته السياسية وتركيبته الاجتماعية والثقافية. لذلك لا مفر من الاعتراف بأن اهتمامات النخب وتأثيرات وسائل الإعلام أصبحت هى التى تفرض نفسها على الجميع، وتشكل مرجعنا الحقيقى فى التعرف على ملامح تلك الخريطة. وإذا كان الحضور المعتبر للسلفيين يعد إحدى مفاجآت الانتخابات التشريعية، فإن ظهور أركان ورجال النظام السابق يشكل إحدى الملاحظات المهمة على الانتخابات الرئاسية. إذ من الواضح أن رجال النظام السابق الذين سقطوا فى اختبار الانتخابات التشريعية يحاولون أن يستعيدوا دورهم واعتبارهم فى الانتخابات الرئاسية. وربما اعتبروا تلك الانتخابات فرصتهم الأخيرة للعودة إلى الساحة. وثمة قرائن عديدة تدل على أنهم يعتبرونها مسألة حياة أو موت، إذا فشلوا فى استثمارها ولم ينفضوا، فقد غدا بديلهم الوحيد أن يخرجوا من الساحة وينفضوا.

لعلنا لا نبالغ أيضا إذا قلنا إنه باستثناء الأحزاب الإسلامية، فإن الأحزاب الأخرى العلمانية والليبرالية لم يعد لها تأثير يذكر فى الساحة السياسية. ينطبق ذلك على حزب الوفد الذى صار جزءا من التاريخ وليس جزءا من السياسة، أو حزب التجمع الذى لم يعد يذكر الأمن خلال استدعاء بعض قادته فى برامج التليفزيون أو ظهورهم على صفحات الصحف، أو الحزب الناصرى الذى يعتمد على الحنين إلى الماضى وعلى التوجس من الإسلاميين بأكثر مما يعتمد على الكوادر الفاعلة على الأرض. وإذا كان ذلك شأن الأحزاب التى كانت موجودة قبل الثورة، وعاشت تجربة موت السياسة، فإن حداثة ميلاد الأحزاب التى تشكلت بعد الثورة تعد سببا قويا لمحدودية حضورها فى الشارع المصرى فى الوقت الراهن.

إلا أن هذا الغياب للتيار العلمانى والليبرالى على الأرض، لم يلغ وجود شخصيات منتمية إلى ذلك التيار فى المجال العام. وقد أثبتت هذه الشخصيات حضورها وتأثيرها لسببين: أحدهما انتشارها فى وسائل الإعلام المرئى والمقروء التى اصبحت الساحة الأوسع التى يمارس فيها الحضور السياسى. والثانى سوء أداء أبرز قوى التيار الإسلامى الذى أثار مخاوف البعض ودفعهم إلى الاصطفاف مع الطرف العلمانى والليبرالى، ليس انحيازا إليه ولكن توجسا وإبعادا عن الإسلاميين.


(2)

عودة المصريين إلى السياسة ظاهرة ارتبطت بسقوط النظام السابق، واختفاء لافتة مصر مبارك وانضواء الجميع تحت شعار مصر للمصريين. وقد رفعت الحملات الانتخابية من مؤشرات انغماس المصريين، ليس فقط بسبب كثافة الحملات الدعائية التى ظلت مادة يومية لوسائل الإعلام المختلفة منذ 18 شهرا تقريبا، ولكن أيضا بسبب احتدام المواجهة خصوصا بين المرشحين الإسلاميين ومرشحى النظام السابق، ومحاولة مرشحى البين بين أن يلفتوا الأنظار إليهم فى ذلك السباق.

ومن العلامات الفارقة فى هذا التنافس تلك الصدمة التى أصابت المجتمع جراء إقدام بدائل مبارك على الترشح، الأمر الذى وسع كثيرا من دائرة الخوف وأعاد إلى الأذهان كابوس سنوات المعاناة من الاستبداد والفساد.

ولم يعد خافيا على أحد أن أحداث العنف التى شهدتها مصر وكان الثوار ضحية لها، وكذلك وقائع الانفلات الأمنى التى تعددت، كانت من العوامل التى دفعت كثيرين إلى التطلع للعودة إلى الاستقرار والتعافى، خصوصا حين أدت هذه الأحداث وتلك إلى الإضرار بمصالح الناس ومعايشهم.


ولست واثقا مما أشيع عن أن ذلك كله مرتب لإيصال الناس إلى تلك النتيجة، لكن الذى لا شك فيه أن الشعور بالقلق كان حقيقة وليس وهما، وأن المنسوبين إلى النظام السابق اتكأوا عليه فى دعايتهم وحاولوا إقناع الناس بأن مفاتيح الأمن والاستقرار بأيديهم، وليست فيما تنشده من ديمقراطية. وكأنهم أبرياء مما حل بالبلد من دماء وتشوهات طوال الثلاثين سنة الماضية.

إذا أضفنا إلى هذه الخلفية حالة الاستقطاب التى تعمقت فى مصر بين الإسلاميين باختلاف فصائلهم من جانب، وبين العلمانيين والليبراليين من جانب آخر، فسنجد أن ذلك كان عنصرا آخر رفع من وتيرة الاستنفار ووسع من دائرة الجدل السياسى. وكانت النتيجة أن موضوع مرشحى الرئاسة فرض نفسه على كل حوار يدور فى أى محفل. وأصبح من المألوف أن يسأل سائق التاكسى أى راكب معه عن المرشح الذى سينحاز إليه، أو أن تصبح المفاضلة بين المرشحين مادة للجدل الصاخب بين الجالسين فى أى منتدى أو مقهى.

مع الاستقطاب تراجعت فرصة التوافق، وانفرط عقد الجماعة الوطنية، وتعمقت أزمة الثقة بين الجماعات والقوى المختلفة. ولم يكن غريبا فى هذه الأجواء أن تختفى روح ميدان التحرير، حين كان الجميع حقا يدا واحدة، وكان المطلب الذى رددته هتافات تلك المرحلة أن يكون الثوار مع الجيش يدا واحدة. لكن الأمور انقلبت رأسا على عقب، فلا بقى ثوار التحرير كما كانوا، ولا نجحوا فى أن يصبحوا مع الجيش يدا واحدة.


(3)

حتى التيار الإسلامى لم يعد يدا واحدة فيما بين فصائله المختلفة. والمرشحون الثلاثة الذين التزموا بالمرجعية الإسلامية تعبير عن ذلك التشرذم. والتباين فى المواقف من المرشحين بين الإخوان من ناحية وبين السلفيين وحزب البناء والتنمية (الجماعة الإسلامية) نموذج آخر.


بل إننا نجد أن ذلك التباين حاصل أيضا فى محيط السلفيين أنفسهم. فحزب النور المعبر عن جماعة الدعوة السلفية. انحاز إلى أحد المرشحين، فى حين أن آخرين من السلفيين أيدوا مرشحا آخر، ووجدنا أن الجانبين تبادلا التراشق اللفظى جراء ذلك التباين، الذى اتسع نطاقه ووجدنا له امتدادات أثرت سلبا على الجسور الممتدة بين الإخوان وحزب النور.

حين ظهر السلفيون إلى العلن اكتشفنا ثلاثة أمور مهمة. الأول أنهم يمثلون كتلة تصويتية معتبرة فى المجتمع المصرى ينبغى أن يعمل لها حساب فى المعادلة السياسية، الثانى أنهم ليسوا شيئا واحدا ولكنهم مدارس مختلفة لا يجمع بينها أى إطار تنظيمى، باستثناء الدعوة السلفية التى عمدت إلى تشكيل حزب النور. وهذا الحزب مقره فى الإسكندرية حقا، لكن له أفرعا فى بقية المحافظات المصرية. أما الآخرون فهم مجموعات تلتف حول بعض شيوخ السلفيين، وكل واحد له طريقته التى يمكن أن تختلف عن الآخر.

الأمر الثالث أن الصورة النمطية التى جرى تعميمها إعلاميا على السلفيين ظلمتهم كثيرا وشوهت المعتدلين منهم والعقلاء جراء الإصرار على التركيز على المتطرفين منهم والمشوهين فكريا. وكل من يقترب منهم يستطيع أن يتبين أن بينهم عقلاء على استعداد لتطوير أفكارهم والتفاعل مع متغيرات الواقع السياسى. وقد قيل لى إن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام نظم دورة تدريبية لأعضاء مجلس الشعب الجدد، وكان ممثلو السلفيين وحزب التنمية والبناء هم أكثر المشاركين حرصا على الانتظام فى الدورة حتى آخر يوم فيها.

لقد أدهشنى المتحدثون من حزب النور الذين سمعتهم فى أحد المؤتمرات الانتخابية، وكان رئيس الحزب الدكتور عماد عبدالغفور فى المقدمة منهم، حينما ركزوا فى خطابهم على أهمية إحلال العدل فى مصر، مستندين فى ذلك إلى الآية القرآنية التى تقول إن الله يأمر بالعدل ــ ولم يذكر أحد منهم كلمة الشريعة، ليس إنكارا لها بطبيعة الحال، ولكن إدراكا منهم أن التركيز على قيمة العدل يحقق أحد مقاصدها الشريعة، بل مقصدها الأكبر. وبدا ذلك نموذجا لمنظور الخطاب ونضجه لدى عقلاء السلفيين فى نفس الوقت.


(4)

لا أستبعد أن ترتفع كثيرا نسبة المشاركين فى عملية التصويت فى الانتخابات. وإن كنت استبعد ان تصل النسبة إلى 90% كما ذكرت جريدة الأهرام. ذلك أن الحماس والاستنفار على أشده فى كل أنحاء مصر، ورغم التأكيد على ضرورة احترام النتائج أيا كانت طالما توافرت لها ضمانات الحرية، إلا أننى لا أستطيع أن أتجاهل أن ذلك الحماس يختلط بدرجات متفاوتة من الخوف. وفيما استشعره فإن ثمة خوفا من أن يكون الخيار فى نهاية المطاف محصورا فى الاعادة بين من انتسب إلى عصر مبارك وجرحت ذمته السياسية، وبين أحد الإسلاميين الذين جرحت خبرتهم السياسية. وإذ أشارك الخائفين من عودة أعوان مبارك قلقهم، إلا أننى لا أعفى الإسلاميين من المسئولية عن تخويف الناس منهم. أدرى أن الإعلام لعب دورا كبيرا فى تعميم الخوف والمبالغة فيه، لكننى أسجل أيضا أن سلبيات أدائهم وفرت للإعلام المتصيِّد والمخاصم زادا مستمرا لإشاعة ذلك الخوف. وأعنى بالإسلاميين فى هذا السياق الإخوان المسلمين بالدرجة الأولى وبعض السلفيين أو المنسوبين إليهم. وأخص بالذكر موقف الإخوان من الحكومة والرئاسة واللجنة التأسيسية للدستور، وموقف السيد حازم أبوإسماعيل وأمثاله.

مازلت عند رأيى فى أن مصر أجرت جراحة كبرى بإسقاط نظام مبارك، ولابد لها أن تمر بفترة نقاهة قبل أن تتعافى وتؤسس بنيانها الديمقراطى، وهذا الذى نمر به أحد أطوار مرحلة النقاهة التى لن تخلو من بطء فى الحركة وتعثر فى المسيرة، إلا أن ذلك لا يهم مادمنا نسير فى الطريق الصحيح، الذى أحسب أننا ماضون على دربه.

جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء غرة رجب 1433
22 مايو 2012

mohamed5175
25-05-2012, 02:51 PM
أكبر خطأ أن يتصور أى أحد أن المنافسة فى الانتخابات الرئاسية التى تجرى اليوم هى بين الإسلاميين والعلمانيين. أو بين مشروعى الدولة المدنية والدينية، لأنها فى حقيقة الأمر بين الثورة وبين الثورة المضادة. أو بين الحلم والكابوس. وقد لا أبالغ إذا قلت إنها أيضا بين ميدانى التحرير وروكسى. وربما كان ذلك تعبيرا أدق لأن الذين احتشدوا فى ميدان التحرير فى 25 يناير هم شعب مصر بكل فئاته. أما الذين اجتمعوا لاحقا فى ميدان روكسى فهم الذين تعلقت أهواؤهم وربما مصالحهم وارتباطاتهم بالنظام القديم. ومن المفارقات أن يقع ميدان روكسى فى قلب «مصر الجديدة»، فى حين أن الذين تظاهروا فيه ينتمون بامتياز إلى مصر «القديمة» التى جثم على صدرها مبارك (وأعوانه) وأراد أن يظل ممسكا بخناقها حتى «آخر نفس»، كما ذكر صراحة، وسعى لأن يورثها لابنه من بعده إلى أجل لا يعلمه إلا الله.

لذلك فإن حلم مصر الجديدة كان ولايزال فى ميدان التحرير، وأى التباس أو خطأ فى قراءة المشهد والعنوان يغدو كارثيا. يفتح الباب لإجهاض الثورة والانقضاض عليها.

أدرى أن ثمة تناقضات بين التيارين الإسلامى والعلمانى، وأن التنافس والصراع بينهما لم يتوقفا طيلة الخمسة عشر شهرا الماضية. وكلنا شاهدنا بأعيننا التجاذب بين الفريقين، وكيف أنه اتخذ فى بعض الأحيان «صورا غير صحية تجرح هذا الطرف أو ذاك. إلا أننى أشدد على أن التناقض الرئيسى ــ الأكبر والأخطر ــ هو بين التيارين معا وبين نظام مبارك. وأنبِّه إلى أن كل التراشقات التى حدثت بين الإسلاميين والعلمانيين مرجعها سوء التقدير أو سوء الظن أو إساءة إدارة الخلاف، أما ما بين الطرفين وبين أركان النظام السابق وأعوانه فهو أعمق وأعقد بكثير. هو شىء أبعد من الظنون وسوء التقدير، وأقرب إلى الخصومة المتأصلة التى صنعتها مرارات ثلاثين عاما من الاستبداد والفساد.

من هذه الزاوية، فإن أية سوءات تنسب إلى الإسلاميين أو العلمانيين لا تكاد تقارن بجرائم النظام السابق وسجل جناياته على الوطن. لا أنكر أن التيار الإسلامى بوجه أخص أساء تقديم نفسه بعدما حاز الأغلبية فى الانتخابات التشريعية. كما أنه تعرض لحملة تشويه عاتية أسهمت فيها وسائل الإعلام التى مازالت متأثرة بخطاب الفزاعة الذى اعتمده النظام السابق. لكننى أذكر أن الجميع حديثو عهد بالممارسة الديمقراطية، التى حرمنا منها النظام السابق. إلا أننى أرجو ألا نتعامل مع ذلك التيار باعتباره كتلة صماء واحدة، ولكنه يضم جماعات من البشر تتباين أفكارهم ومواقفهم. وشأنهم شأن أى جماعة بشرية، فيهم العقلاء المعتدلون، وفيهم المتطرفون والحمقى.

وليس صحيحا أن الصراع فى مصر بات محصورا بين الدولتين الدينية والمدنية. فهذا اختزال مخل، بل خبيث ومشكوك فى براءته. حتى أزعم بأن الترويح لهذه الصيغة هو من قبيل التدليس والغش، ليس فقط لأن الإسلام لا يعرف الدولة الدينية المتعارف عليها فى التجربة الأوروبية، ولكن أيضا لأن النماذج التى تستدعى فى هذا الصدد بعضها له خصوصيته المذهبية (ولاية الفقية مثلا عند الشيعة الاثنى عشرية) أو أنها مرتبطة بحالة من التخلف يستحيل استنساخها فى الحالة المصرية (دولة طالبان فى أفغانستان مثلا). ثم لا ننسى أن ثمة توافقا بين الجميع فى مصر ــ إسلاميين وعلمانيين ــ على الإبقاء على المادة الثانية من الدستور التى تنص على اعتبار مبادئ الشريعة الإسلامية مرجعا للقوانين، ووثيقة الأزهر التى أيدها مختلف الأطراف لا تدع مجالا لاستمرار ذلك الصراع المفتعل، من حيث إنها صححت المعادلة وانحازت إلى الدولة الديمقراطية الحديثة التى تحفظ للدين مكانته وتديرها المؤسسات المدنية فى مختلف المجالات.

إضافة إلى ما سبق لا يغيب عن البال أن الفشل فى التوافق المرجو بين الطرفين الإسلامى والعلمانى يتحمل الطرفان المسئولية الأكبر عنه لا ريب. لكن النظام السابق الذى تحكم فى البيئة السياسية فى مصر طيلة الثلاثين سنة الأخيرة يتحمل بدوره جانبا من تلك المسئولية. لأن سوء إدارته للمجتمع وإصراره على تغييب المشاركة والثقافة الديمقراطية أسهما فى تشويه العلاقات بين القوى السياسية. ولم يكن سرا أن له مصلحة فى جعل العلاقات فيما بينها تقوم على التقاطع والتنابذ وليس التوافق.

إن التحدى الذى يواجهه الناخب اليوم يتمثل فى إدراكه لجوهر التناقض المطروح فى اللحظة الراهنة، المتمثل فى الاختيار بين استمرار الثورة وبين النكوص عنها وإجهاضها. وفى ضرورة التصويت للثورة وليس لأى طرف آخر منسوب إلى النظام الذى رفضته ودفعت لأجل ذلك ثمنا غاليا من دماء الشهداء وعيون الأحياء. ذلك أننا لا نريد فى نهاية المطاف أن يرأس مصر مبارك مستنسخ أو معدل. لا نريد بالضرورة أن يكون الرئىس واحدا «مننا» كما تقول دعاية صديقنا حمدين صباحى، لأن الأهم ألا يكون واحدا «منهما»!


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 2 رجب 1433
23 مايو 2012

mohamed5175
25-05-2012, 02:55 PM
لا ينبغى أن ننسى أن تحديد موعد الانتخابات الرئاسية لم يتم إلا بعد مظاهرات واشتباكات شارع محمد محمود، التى سقط فيها أكثر من أربعين شهيدا وثلاثة آلاف جريح. ذلك أنه بعد خمسة أيام من وقوع تلك الأحداث (فى 22 نوفمبر عام 2011) ظهر المشير محمد حسين طنطاوى وأعلن لأول مرة أن الانتخابات الرئاسية ستتم فى شهر يونيو 2012، وبعدها بوقت قصير أعلن رسميا أنها ستجرى فى 23 و24 مايو، تمهيدا لتسليم السلطة إلى المدنيين والرئيس الجديد فى 30 يونيو.

أهمية هذه الخلفية تكمن فى أمرين. أولهما أن دماء الشهداء هى التى دفعت المجلس العسكرى لتحديد موعد الانتخابات واختصار موعد تسليم السلطة إلى المدنيين، حيث كان التقدير الأولى أن تلك الترتيبات ستتم فى عام 2013. الأمر الثانى أنه إذا كان شهداء الثورة هم الذى دفعوا ثمن تحديد الموعد، فليس معقولا ولا مقبولا أن تستثمر الانتخابات لصالح أركان وأعوان النظام السابق الذين يحتلون موقعهم فى صفوف الثورة المضادة.

إن الذين شاهدوا مصر أمس، فى طوابير البشر الحاشدة التى تجمعت أمام لجان الانتخابات منذ طلوع الشمس، وقبل نحو ساعتين من بدء التصويت، لا يكاد يصدق أن هذه هى ذاتها مصر التى ملأها الضجيج والتجاذب والتراشق طوال الأشهر الماضية. إذ شئت فقل إن مصر التى احتشدت أمام لجان التصويت كان لها سمت مختلف عن تلك التى قدمتها وسائل الإعلام وملأت الفضاء خلال تلك الفترة. فمصر التى احتشدت أمام اللجان كانت تتلهف على تحقيق الحلم الذى استعادته الثورة حين قامت بتنزيله على الأرض. أما مصر التى ظهرت فى استوديوهات الفضائيات وأدارت منصات حلقات التجاذب والتراشق فإنها كانت تستثمر الثورة وتتقاسم منها الحظوظ والوجاهات، بل وتتنافس حول المواقع والأدوار.

فى طابور كبار السن وقفت. انضممت إليه قبل ساعة من موعد التصويت، ولاحظت أن الواقفين فيه أكثر من الذين انضموا إلى طابور الشباب. لم أجد ذلك غريبا فأصحاب المعاشات فى الدنيا كلها أصبحوا يمثلون كتلة تصويتية معتبرة يعمل لها حساب، إذ لديهم من الفراغ ما يمكنهم من الانخراط فى الأنشطة السياسية ولديهم من الاحتياجات ما يدفعهم إلى استخدام أصواتهم لتلبيتها. تولى بعض الشبان إعانة المسنين على الوصول إلى الطابور والتعرف على أرقامهم فى الجداول. وبعضهم قدم لهم كراسى لكى يجلسوا عليها، وبعض الصحف للاحتماء بها من حرارة الشمس.

خلال الوقوف اكتفى البعض بقراءة الصحف، فى حين انخرط آخرون فى الحديث عن الأوضاع فى مصر. أحدهم قال نريد أن نستريح ولم نعد نحتمل مزيدا من الفوضى. الثانى رد عليه قائلا: احمد ربك يا رجل فهذا الذى يحدث الآن لم نتوقع أن يمتد بنا العمر لكى نراه. الثالث قال لو نجح واحد من فلول النظام السابق فلا مفر من العودة إلى ميدان التحرير. علق الرابع قائلا: فال الله ولا فالك يا رجل. لا تذكرنا بما نريد أن ننساه. سألنى الخامس: هل تعتقد حقا أن المجلس العسكرى سيترك السلطة؟، وكان ردى أننا نحن الذين بوسعنا أن نحدد ما إذا كان عليهم أن يرحلوا، لذلك فإن السؤال يحتاج إلى إعادة صياغة. اقترب من آخر وسألنى، لماذا يسفهنا الإعلام ويحاول اتهامنا بالسذاجة والجهل، مدعيا أننا نمنح أصواتنا لمن يوزع علينا علب الزيت وأكياس الأرز والسكر. وطاعنا فى إدراكنا وقدرتنا على التميز بين الصالح والطالح. وكان ردى أن ذلك جزءا من الهرج السائد فى الساحة السياسية والإعلامية المصرية، ثم إن عناصر النظام السابق لا تزال لهم أصابعهم ومواقعهم فى منابر الإعلام والصحف المختلفة. سألنى آخر هل تعتقد أنه سيكون هناك تزوير فى الانتخابات، فقلت إن ذلك صعب إلى حد كبير، لكن إمكانية اللعب فى النتائج تظل واردة من الناحية النظرية. وفى هذه الحالة لا يكون هناك مبرر للتزوير. وإذا كان التزوير فى العهد السابق يتم لإنجاح أفراد بذواتهم، فأى تدخل فى الانتخابات هذه المرة ــ إذا حدث ــ فإنه سيكون لصالح قوى سياسية وليس أفرادا. وفى هذه الحالة فإن بعض الشر قد يكون أفضل من البعض الآخر.

لاحظت أن ثمة مجموعة من الشبان يتحدثون عن الديمقراطية والعقبات التى تعترض طريقها فى مصر، وسمعت من بعضهم أن المجلس العسكرى لن يترك السلطة بسهولة ولن يغادر إلا إذا اطمأن إلى أن المؤسسة العسكرية ستظل بعيدة عن الحساب والمساءلة. وعندما ألقوا على بعض الأسئلة حول الموضوع كان ردى أننا جئنا إلى هنا لكى نضع لبنات النظام الديمقراطى ولكى يصبح بمقدورنا أن نبدد تلك المخاوف والشكوك، وفيما نحن نتجادل سمعنا صوت عقيد فى القوات المسلحة يقول: اتفضلوا يا جماعة. وكل واحد يجهز رقمه فى الجداول، وإذا لم يكن معه الرقم فليبعث برسالة عبر هاتفه المحمول إلى رقم 5151 ويسجل رقمه القومى فيها. وسيصله الرد على الفور. فسكت الجميع وراح كل واحد يدبر أمره.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 3 رجب 1433
24 مايو 2012

mohamed5175
26-05-2012, 12:03 PM
لم يبالغ الرئيس التونسى المنصف المرزوقى حين قال إن الأمة العربية تنتظر نتائج الانتخابات الرئاسية المصرية، وأن تلك النتائج سوف يكون لها تأثيرها على المستقبل العربى. ولم يبالغ فى ذلك المدون السعودى الذى استحضر صورة لإصبع امرأة مصرية اصطبغ بلون الحبر الدال على التصويت وعلق على ذلك قائلا إن حبر الحرية هذا أثمن من كل النفط الذى يملكه العرب. كذلك لم أفاجأ بالأصدقاء العرب الذين جاءوا إلى القاهرة والإسكندرية من أكثر من قطر شقيق، لكى يشبعوا أعينهم بطوابير التصويت على اختيار الرئيس، وظلوا فى الفنادق طوال الليل يتابعون النتائج. ولم يدهشنى أولئك الذين ألغوا ارتباطاتهم فى بعض العواصم العربية وجلسوا فى بيوتهم، بين محطات التليفزيون وأجهزة «اللاب توب» يسمعون الأخبار ويعلقون عليها. ومنهم من بعث يسألنى عن صحة ما قيل عن الرشاوى الانتخابية التى دفعت فى الغربية، وعن احتمالات التزوير أثناء مبيت الأوراق فى اللجان، ومنهم من اقترح علىّ أن أدعو إلى فحص كيمياء الطباعة بالنسبة لمربعات بعض المرشحين، وكذلك فحص أحبار الأقلام المستخدمة فى التصويت، لتجنب التلاعب فى مواقف الناخبين. وقد استغربت قلق ذلك القارئ العمانى وانشغاله بكيفية كشف ذلك التلاعب المفترض.

لا أدعى أن حركة الكون توقفت بسبب الانتخابات المصرية، رغم أن عواصم الدول الكبرى اهتمت بها وتحدث الإعلام البريطانى بدهشة عن إجراء ثلاثة انتخابات فى مصر خلال 12 شهرا، دون أن يضطرب البلد أو يهتز، وقد تمت كلها فى سلاسة وهدوء. لكنى أريد أن أنبه إلى أن العالم العربى على الأقل ينتظر بفارغ الصبر عودة مصر إلى موقعها ودورها وعافيتها، التى دفع الأشقاء ثمنا باهظا جراء غيابها وانكفائها والتحاقها بمعسكر الانكسار والتبعية.

جدير بالذكر فى هذا الصدد أن أصدقاءنا الباحثين العرب كانوا ولايزالون من بين المرحبين برفع شعار «مصر أولا»، لاقتناعهم بأن نهوض مصر يمثل رافعة تلقائية لنهوض العالم العربى. على العكس مما ارتآه بعض الذين رفعوا الشعار ممن أرادوا به إحداث قطيعة مع العالم العربى لكى تركز مصر على الالتحاق بالعالم الغربى، ومنهم من أراد لها أن تكتفى بتوثيق علاقتها مع إسرإئيل. حتى أصدقاؤنا من قادة المقاومة الفلسطينية الذين ترددوا على مصر بعد الثورة، كانت نصيحتهم لكل من التقوهم من المسئولين والإعلاميين المصريين، ألا يشغلوا أنفسهم فى الوقت الراهن بالملف الفلسطينى وعناوينه الشائكة، وأن يركزوا كل جهودهم لاستعادة عافية مصر وتثبيت قواعد الثورة فيها، لأن «مصر أولا» بهذا المعنى ستؤدى تلقائيا إلى إنعاش العالم العربى وإحيائه.

أستعيد هذه الخلفية فى الوقت الراهن، لأنها تنبهنا إلى أن اتساع نطاق التحدى الذى ينتظرنا فى الأسابيع القادمة، بعد ظهور النتائج الأولية لانتخابات الرئاسة، التى إذا صحت فإنها تشير إلى أن هناك إعادة منتظرة بين المرشحين الدكتور محمد مرسى والفريق أحمد شفيق. وهذه الإعادة تحتمل عدة قراءات إحداها أن أحدهما ينتمى إلى مرحلة إقامة النظام الديمقراطى الجديد، والثانية تعد امتدادا للنظام القديم. وهذه القراءة تعيدنا إلى مربع المواجهة بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة. وهى المعادلة التى سبق أن نبهت إلى ضرورة الانتباه إليها فى خضم الصراع الذى احتدم فى مصر خلال الأسابيع الأخيرة، والتبس الأمر على البعض حتى تصوروا أن الصراع فى جوهره بين الإسلاميين والعلمانيين، فى حين أنه فى أصله ليس كذلك على الإطلاق. إن شئت فقل إن ذلك الصراع الأخير أقرب إلى التنافس من أى شىء آخر، بمعنى أنه تناقض ثانوى، فى حين أن التناقض الرئيسى والصراع الحقيقى هو بين الثورة وخصومها من أركان النظام السابق وأعوانه. واتضاح هذه النقطة يفرض على الجماعة الوطنية أن تستعيد رشدها وتفتح أعينها جيدا بحيث تفرق بين ما هو تناقض رئيسى يهدد بإجهاض الثورة وإفشالها، وبين ما هو هامشى يربك المسيرة ويشاغب عليها، لكنه يظل محافظا على الثورة ومدركا أن استمرارها وتثبيت أركانها هو المهمة الأولى والقدر الذى ينبغى الالتفاف حوله والاتفاق عليه، لأجل مصر ولأجل الأمة العربية التى تتطلع إليها.

هذا الاحتشاد المنشود من جانب عناصر الجماعة الوطنية يفرض نفسه بقوة فى الوقت الراهن، لأن أى تقاعس عنه أو تفريط فيه يمهد إلى للانقضاض على الثورة وتصفيتها. وإذا كانت التجاذبات والتراشقات قد استمرت بين مكونات تلك الجماعة خلال الأسابيع الماضية، إلا أنه فى مرحلة الإعادة بين المرشحين على الأقل، لا مفر من إيقاف كل صور التقاطع والتجاذب، والتركيز على إنقاذ الثورة واستمرارها. وهو خيار فرضته الأقدار علينا، مثلما وضعتنا أمام مفارقة أخرى مثيرة للانتباه. ذلك أننا ظللنا نهتف طوال الأشهر الماضية قائلين يسقط حكم العسكر، ثم فوجئنا بشبح استمرار حكم العسكر يطل علينا بوجه جديد متنكرا فى ثياب ديمقراطية تدعى الدفاع عن الثورة من خاطفيها!


جريدة الشروق المصرية
السبت 5 رجب 1433
26 مايو 2012

mohamed5175
27-05-2012, 03:12 PM
أخشى أن يلتبس الأمر على بعضنا، فيخطئون فى توصيف ما جرى فى مصر، الأمر الذى يوقعنا فى محظور انتكاسة الثورة والتمهيد لإجهاضها. ذلك أننى لم أفهم أن يقول قائل بأن خيارنا القادم هو بين الفاشية والديكتاتورية، أو أن الصراع يدور بين الدولة المدنية والخلافة العثمانية.



كأنه لا فرق يذكر بين المتنافسين أو أن الفريق شفيق يمثل الدولة المدنية! والدكتور مرسى يمثل الدولة العثمانية. لا أعرف إلى أى مدى يمكن أن يؤخذ هذا الكلام على محمل الجد، لكنه حين يصبح متداولا فى بعض وسائل الإعلام فإنه يتعذر تجاهله. بصرف النظر عما فيه من تدليس أو خفة.



منذ اللحظات الأولى قلت إننا بصدد الاختيار بين أستمرار الثورة أو الانحياز للثورة المضادة. وحذرت من تغليب المرارات وتراكم الأحقاد التاريخية على المصلحة الوطنية، الأمر الذى يصرف الانتباه عن التناقض الرئيس بين أنصار الثورة وخصومها، وينشغل بالتناقضات الفرعية أو التنافس المرحلى بين قوى الثورة، الأمر الذى يقدم هدية مجانية ثمينة إلى خصومها.



هذه الصورة بدت واضحة لدى بعض العناصر الوطنية التى عبرت عن رؤيتها بأكثر من صيغة. فمنهم من قال إن الخلاف مع الدكتور محمد مرسى سياسى بالدرجة الأولى، أما الخلاف مع الفريق أحمد شفيق فهو جنائى أولا وأخيرا وقال آخر إننا بصدد تمثل سياسى لموقعة «الجمل» التى حاول فيها بعض أنصار مبارك الانقضاض على الحشود المجتمعة فى ميدان التحرير. وأحد المرشحين يمثل طابور الغزاة فى حين يعد المرشح آخر جموع ميدان التحرير. وسمعت أستاذة فى علم النفس اعتبرت يد الأول ملوثة بدم الشهداء، أما يد الثانى فهى غير مطمئن إليها. والأول يستحيل مصافحته لأن ما بيننا وبينه ما لا يمكن عبوره أو نسيانه. أما الثانى فإننا نستطيع أن «نلاعبه» وأن نفرض عليه ما نريد، والأخير بحاجة إلينا لكى يتغلب على خصمه، بقدر ما أننا بحاجة إليه لأن منافسه خصم لنا أيضا.



فى مقابل ذلك فهناك آخرون لا يزالون أسرى المرارات والمواقف المتطرفة الحدِّية، التى تقر على إقصاء الآخر وترفض الاعتراف بفكرة الموازنة بين المصالح والمفاسد. كما ترفض الاعتراف بمقتضيات الضرورات التى تبيح المحظورات. وقد قلت لبعضهم إن نتائج فرز الأصوات وضعتنا بين طرفين أحدهما قد يقودنا إلى مستقبل غامض. وآخر يستدعى ماضيا بائسا. والأول ينبغى أن تفكر قبل أن ترفضه فى حين أن الثانى ترفضه دون أن تفكر. وإذا كان الأول لا يمثل أفضل ما تمنيناه إلا أن الثانى يجسد أسوأ ما توقعناه. وفى نفس الوقت فإن الأول منسوب إلى النظام الجديد الذى نتطلع إلى بنائه أما الثانى فهو مجرد استنساخ للنظام القديم، الأمر الذى يضع الأول على هامش الحلم الذى يراودنا أما الثانى فيستدعى الكابوس الذى دفعنا ثمنا باهظا للتخلص منه، وبالدم كتبنا شهادة التخارج من قبضته.



الميزة الوحيدة للتحدى الذى نواجهه فى انتخابات الإعادة أن التناقض بين المرشحين واضح فيه بما لا يسمح بأى شك أو التباس. وأقول «ميزة» لأن الإعادة لو تغيرت فيها الشخوص لأصبح الالتباس واردا. إلا أن ذلك الوضوح لم يكن كافيا من وجهة البعض لمراجعة المواقف وإعادة النظر فى خريطة الاصطفاف السياسى. وهو أمر لابد أن يثير الدهشة والاستغراب الشديدين، لأن التحدى المطروح على الجميع بات يخير كل صاحب صوت بين أن ينحاز إلى الثورة أو إلى الثورة المضادة.



أدرى أننا إزاء شريحة استثنائية فى محيط الصف الوطنى، تضم أولئك الذين هم على استعداد للاصطفاف إلى جانب الثورة المضادة، لمجرد رفضهم لمرشح الإخوان أو انتقادهم لمواقف الجماعة. إلا أننى أخشى من خطابهم فى أمرين. الأول ما يبثونه من دعاية سوداء تتبنى عناوين ومفردات «الفزاعة» التى استخدمها النظام السابق. وهى التى تصب فى وعاء تخويف المسلمين وترويع الأقباط. وقد قرأت شيئا من ذلك القبيل أخيرا يتحدث عن «الإخوان الفاشيين» الذين ينسب إليهم ما يلى: تسريح فنانين وغلق بلاتوهات السينما وتشميع دار الأوبرا ــ فرض الحجاب حتما ــ تعليق الخطاب للخصوم وعدم التسامح حتى مع تعاطف بعضهم ــ تصفية الصحفيين والمثقفين والمفكرين بالحبس والتشويه والتكفير ــ مطاردة المخالفين لما يدعون أنه شرع الله فى الشوارع والمقاهى.. إلخ.



هذه الدعاية السوداء التى ترددها منابر إعلامية أخرى بصياغات مغايرة تسمم الأجواء لا ريب. وتستصحب معها حملة من الشائعات التى لا تشيع الخوف فقط، ولكنها تدفع إلى الإحباط أيضا. وهذا الإحباط من شأنه أن يحدث تأثيرا سلبيا على الإقبال على التصويت فى انتخابات الإعادة. وهذا هو المحظور الثانى الذى أحذر من وقوعه. إذ الملاحظ أنه بمضى الوقت يهدأ الحماس وتتراجع نسبة المصوتين فى الانتخابات (كانت النسبة فى انتخابات مجلس الشعب 54٪ وهى فى الانتخابات الراهنة لم تتجاوز 50٪). وأخشى إذا استمر الترويج للإحباط أن تقل أيضا نسبة المشاركين فى الإعادة، فى حين أن المطلوب هو استثارة الهمة واستنفار المجتمع للدفاع عن استمرار الثورة. لأنه إذا حدث العكس ففرصة فوز مرشح الثورة المضادة تصبح واردة.. لا قدر الله.



جريدة الشروق المصرية
الاحد 6 رجب 1433
27 مايو 2012

mohamed5175
28-05-2012, 01:23 PM
لابد أن تستوقفنا وتثير انتباهنا حالة الارتياح والانتعاش التى عبر عنها الإسرائيليون بعد إعلان نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المصرية، الأمر الذى يستدعى ملفا مسكوتا عليه من الجميع فى المعركة الدائرة، ذلك أن المرشحين ظلوا مهتمين طول الوقت بجذب أصوات الناخبين المصريين.



من ثم ركزت حملاتهم على الشأن الداخلى، باعتبار أن القضايا التى تهم الجماهير تشكل أحد الدوافع المهمة للتصويت لصالح هذا المرشح أو ذاك. وهذا شىء مفهوم، ليس فى مصر فقط ولكن فى العديد من دول العالم، بما فى ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، التى يقال دائما إن السياسة الداخلية فيها هى التى ترسم خطوط وأهداف السياسة الخارجية.



الأمر اختلف فى مصر بدرجة أو أخرى لأسباب يطول شرحها. فمن الممكن أن يطنطن الإعلام لمقولة إن مصر لن تركع لأحد، وأن قرارها تمليه مصالحها

فقط. ثم نفاجأ بتصرفات ومواقف لا تعبر عن ذلك الموقف. كما لم يعد سرا أن مصر التى قالت إنها تقف على مسافة واحدة من الفصائل الفلسطينية، كان المسئولون فيها ينسقون مع أبومازن والإسرائيليين ضد حماس، ويشاركون فى الضغط لإحكام الحصار حول غزة.



ولرئيس المخابرات المصرية السيد عمر سليمان دوره المشهود فى هذه السياسة، الذى لم يتحدث عنه الفلسطينيون فحسب وإنما فضحته وثائق ويكيليكس لاحقا.



ولولا أن الإسرائيليين هم الذين فضحوا مبارك حين قالوا إنه بمثابة كنز استراتيجى لهم، لبقينا عند توهمنا أن الرئيس المصرى الذى ادعوا أنه صاحب «الضربة الجوية» الشهيرة لا يزال عند ظننا به كنزا استراتيجيا لمصر دون غيرها.



للدقة فإن الرئيس لم يكن وحده رمزا لذلك الكنز بالنسبة لإسرائيل، ولكن فريقه كان يقف إلى جانبه فى نفس الصف. حتى أزعم أن ذلك لم يكن انحيازا من جانب مبارك وحده، لكنه كان سياسة لنظامه أيضا. وقد أشرت توا إلى دور وموقف رئيس المخابرات العامة اللواء عمر سليمان، ومن المفيد فى هذا الصدد أن نطالع ما ذكره الإسرائيليون خلال الأيام القليلة الماضية فى تعليقهم على النتائج التى أعلنت بالنسبة لمرشحى الرئاسة.



ذلك أن تلك الأصداء تسلط الضوء على شىء مسكوت عليه بالنسبة للفريق أحمد شفيق، الذى احتفى الإسرائيليون بتقدمه وبأصوات الناخبين المرتفعة نسبيا التى حصدها وقد تمثلت تلك الأصداء فى التصريحات التى توالت على النحو التالى:



ــ موشى يعلون، نائب رئيس الوزراء: فوز شفيق يعنى استعادة الشراكة الاستراتيجية بيننا وبين مصر، وعلى العالم تعزيز حظوظه فى النجاح فى انتخابات الإعادة. (الإذاعة العبرية، الساعة السادسة من مساء الجمعة الماضية).



ــ بنيامين بن إليعازر، النائب الحالى والوزير السابق، وأقرب الإسرائيليين لقلب مبارك: تراجع المصريين عن إلغاء صفقة الغاز أصبح احتمالا واقعيا واردا بعد تقدم شفيق (القناة الأولى فى التليفزيون الإسرائيلى، الساعة 8 مساء الجمعة).



ــ الوزير الإسرائيلى شاؤول موفاز: صعود شفيق يدلل على أنه يتوجب عدم الاستسلام لليأس وأنه بالإمكان تدارك ما فقدناه بخلع مبارك. (إذاعة الجيش الإسرائيلى، السبت الساعة العاشرة صباحا).



ــ المستشرق الإسرائيلى شاؤول بيلو: على الغرب البحث عن طرق «إبداعية» لمساعدة شفيق فى الفوز بمقعد الرئاسة، وإسدال الستار على الربيع العربى (الجمعة، الساعة الثالثة بعد الظهر).



ــ رئيس الاستخبارات الإسرائيلى السابق عاموس يادلين: أفزعنا احتمال أن تقود مصر بعد الثورة تكتلا إقليميا معاديا لنا، لكن فى حال انتخاب شفيق، فإن ذلك الاحتمال لن يتحقق (جاءت أقواله أثناء ندوة عقدت عصر الجمعة فى تل أبيب، ونقلتها مساء نفس اليوم الإذاعة العبرية).



لا أظن أن أحدا من رجال حملة الفريق شفيق يستطيع أن يدعى أن أولئك الإسرائيليين أرادوا بكلامهم تشويه صورته لإنجاح منافسة الدكتور محمد مرسى، ولو خطر ببال أى واحد منهم ذلك الخاطر، فليته يشجع الفريق على أن يظهر على الملأ ويعلن لنا موقفه من إسرائيل ومن علاقات مصر الخارجية، خصوصا مع الولايات المتحدة.



ذلك أن سؤال الموقف من إسرائيل أصبح يمثل التحدى الأساسى الذى يواجه سياسة مصر الخارجية وأى رئيس جديد، لأنه يجسد الموقف من استقلال الإرادة المصرية. لست أتحدث هنا عن إلغاء المعاهدة أو الدخول فى حرب ضد إسرائيل، لكنى أتحدث عن موقف نزيه يحترم التزامات مصر الدولية، ولكن من موقع المستقل الذى يحافظ على كرامة مصر وحقوق الشعب الفلسطينى



ويتحرى السلام الذى يحقق العدل وليس ذلك السلام المزيف الذى يستر الاستيطان ويتواطأ مع الإسرائيليين والأمريكيين لتصفية القضية وتضليل الأمة.



إننا فى اختبار انتخاب الرئاسة القادمة لسنا مهددين بعودة الفلول وإجهاض الثورة فقط، ولكننا مهددون أيضا بالاستمرار فى سياسة الانبطاح والالتحاق بـ«فريق» كنز إسرائيل الاستراتيجى!


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 7 رجب 1433
28 مايو 2012

mohamed5175
29-05-2012, 01:02 PM
هذه لحظة الاستنفار والاحتشاد وإنكار الذات، بعدما أصبحت مصر الثورة عند مفترق طرق، وغدا طريق «الندامة» ظاهرا للعيان، وصار التهديد الماثل ينذر بإجهاض الثورة، الأمر الذى يدعو جميع فصائل القوى الوطنية إلى ضرورة إعادة النظر فى مواقفها، وفى المقدمة منها جماعة الإخوان المسلمين.


(1)

لا أنسى أننا خارجون لتونا من نظام مستبد دمر الحاضر وأمات السياسة وشوه المستقبل، وأننا نخطو خطواتنا الأولى فى رحلة الديمقراطية، وأفهم أننا لا ينبغى أن نتوقع انتقالا إلى ديمقراطية كاملة الأوصاف. وأن إحدى قواعد تأسيس النظام المنشود أن نقبل ونحترم كلمة صندوق الانتخاب، طالما توفرت للعملية شروط النزاهة والحرية. أدرى أيضا أن هذه هى المرة الأولى فى التاريخ المصرى التى يتولى السلطة فى البلد رئيس خارج من الصندوق، ومنتخب من بين 13 مواطنا آخرين، توسم كل واحد منهم أن بوسعه أن يرأس مصر.

هذا كله أقدره ولا أستطيع أن أتجاهله. لكننى أيضا لا أستطيع أن أغض الطرف عن أن نتائج فرز الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية وضعتنا أمام تحد لم يكن فى الحسبان. إذ فى حين دخلنا فى تلك الجولة مخيرين بين مرشحين يتنافسون على كيفية تحقيق أهداف الثورة فإن نتائج الفرز فاجأتنا بأننا صرنا مخيرين بين أن تكون الثورة أو لا تكون. وأن أركان الثورة المضادة أطلوا بوجوههم وفرضوا أنفسهم على المشهد الانتخابى بعدما ارتدوا مسوح الثوار ورفعوا أعلامهم.

ذلك تطور يقلقنا لا ريب. لكننى أزعم أنه لا يخيفنا ولا ينبغى له أن يشيع اليأس بيننا، بل أزعم أنه على سوئه ليس شرا كله، ولكن يمكن أن يكون له مردوده الإيجابى إذا فتحنا أعيننا جيدا واستخلصنا منه الدرس الذى يقوى من عزائمنا ويعزز من صفوفنا، بحيث تتحول الأزمة إلى فرصة كما يقول الصينيون.


(2)

إذا سألتنى كيف؟ فردى تلخصه النقاط التالية:

●إن النتيجة كشفت لنا عن جانب فى المشهد كان غائبا على الأذهان، يتمثل فى ظهور رموز الثورة المضادة، وثبوت قدرتهم على التحرك والتأثير. وإذا صرفنا النظر عن عددهم أو حجم تأثيرهم فالشاهد أن النظام الذى استمر طيلة ثلاثين عاما لم يسقط بسقوط رأسه، وإنما أتاحت له المدة الطويلة التى قضاها فى الحكم أن يشكل طبقة مستفيدة فى عمق المجتمع. وأن يزرع أيادى وأصابع له فى معسكر الإدارة وأروقة السلطة. وقد كان لهؤلاء وهؤلاء دورهم الذى لا ينكر فى تعزيز مرشح الثورة المضادة فى بعض الأوساط. يؤيد ذلك الادعاء أن عناصر فريق الفريق الذين يحيطون به ويبثون دعايته هم من أبواق النظام السابق، وبعضهم من كبار رجال الأمن السابقين فى الداخلية، حتى بعد الثورة.

● إن المفاجأة شكلت تحديا جديدا للجماعة الوطنية والقوى السياسية فى مصر سوف يرغمها على التوافق، الذى تمنعت عنه فى السابق. ذلك أن الجميع أدركوا الآن أنهم إذا لم يتوافقوا فيما بينهم من خلال التقارب والتفاهم فإن رياح الثورة المضادة سوف تعصف بهم جميعا، لذلك أزعم أنه ما كان خيارا تطوعيا قبل الانتخابات بات ضرورة بعدها. وما كان نافلة فى السابق أصبح فريضة بعد «الآذان» المدوى الذى رفعته الانتخابات.

● إن تصويت الجماهير العريضة أثبت أنها تعى ما تفعل، وأنها ليست ذلك «القطيع» المتهالك الذى ينساق وراء أكياس الأرز وزجاجات الزيت وأنابيب البوتاجاز كما صورتها وسائل الإعلام. ولكنها بوعى شديد عاقبت الإخوان على مواقفهم، وانحازت إلى من اعتبرته أكثر قربا منها، وأفضل تعبيرا عن أشواقها. وتلك شهادة ينبغى تسجيلها ووضعها فى الاعتبار.

● حين اختلفت مواقف الإخوان والسلفيين، بدا واضحا للكافة أن الطرفين ليسا شيئا واحدا كما يشاع. بل تبين أن السلفيين أنفسهم ليسوا شيئا واحدا. فقد أيد بعضهم الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح. وأيد فريق آخر من السلفيين الدكتور مرسى. ولا أستبعد أن يكون بعضهم قد صوت لصالح حمدين صباحى. بالتالى فمن الآن فصاعدا لا ينبغى أن يتم التعامل مع «الإسلاميين» باعتارهم كتلة تصويتية واحدة. ولابد أن يشار هنا إلى أن قيادات الدعوة السلفية وحزب النور قد تصرفت بدرجة ملفتة للنظر من الرشد والمسئولية، حين اعتبرت أن هناك مصلحة وطنية فى الظرف الراهن تقتضى الالتفاف حول الدكتور أبوالفتوح واعتبرت أن المصلحة الوطنية تشكل نقطة لقاء، لا تنفى وجود مسافات بينها وبينه فى نقاط أخرى.

● النقطة التى لا تقل أهمية عن كل ما سبق، وقد تزيد، أن المجتمع بعث من خلال التصويت العقابى برسالة تنبيه وتحذير للإخوان، عبرت فيه الجماهير عن عدم رضاها عن سلوكهم وأدائهم السياسى بوجه عام سواء فى تراجعهم عن بعض ما وعدوا به (فى عدم الترشح للرئاسة وفى نسبة المقاعد التى أرادوا الحصول عليها فى البرلمان)، أو فى موقفهم من لجنة الدستور التى أرادوا تشكيلها تبعا للأغلبية وليس تبعا للكفاءة والتمثيل المجتمعى. ومعلوماتى أن هذه الرسالة تلقاها الإخوان، حين وجدوا أنهم خسروا نحو خمسة ملايين صوت فى الانتخابات الرئاسية مقارنة بالانتخابات التشريعية، وهذه نقطة إيجابية تحتاج إلى وقفة.


(3)

قلت فى الأسبوع الماضى إن الخوف سيد الموقف فى الانتخابات الرئاسية، سواء كان خوفا من الإسلاميين أو خوفا من الفلول وأركان النظام السابق. والأول أهم وأخطر لأنه ينعكس على المستقبل المفتوح، أما الخوف من الفلول فهو يظل جزءا من الماضى ومنسوبا إلى الثورة المضادة، التى تقف على النقيض تماما من الجماعة الوطنية المصرية.

للدقة فإن الخوف من الإسلاميين ليس مصدره سلوك الإخوان فقط، لكن أسهم فيه سلوك وخطاب ــ وربما مناظر ــ بعض السلفيين الذى أصاب الناس بالذعر، كما عمم الخوف وأشاع بين الناس موقف وسائل الإعلام التى لم تقصر فى الاصطياد وتشويه الصورة والتركيز على الأخطاء والمبالغة فيها. وهو ذات الإعلام الذى لم يتغير فى أساليبه شىء بعد الثورة، وإنما ظل متمسكا بتقاليد ومفردات خطاب الفزاعة المتراوح بين الإسلاموفوبيا والإخوانوفوبيا.

رغم تعدد مصادر الخوف وأسبابه إلا أننى أزعم أن الإخوان يتحملون القسط الأكبر من المسئولية عنه، لسبب جوهرى هو أنهم يشكلون القوة السياسية الأكبر فى البلد، إضافة إلى تمتعهم فى الأغلبية فى البرلمان، الأمر الذى لفت إليهم الأنظار والأضواء.

لقد أصبح مصطلح الاستحواذ لصيقا بالإخوان، إلا أنه لا يخلو من مبالغة ذهبت إلى حد اتهام الإخوان باستنساخ دور الحزب الوطنى، الذى كان مهيمنا على كل المناصب الرئيسية فى البلد، من رئاسة مؤسسات الدولة إلى مناصب الوزراء والمحافظين والمجالس العليا والسفراء ومديرى الجامعات...إلخ. ورغم أن الإخوان «اعجبتهم كثرتهم» وتصوروا أن الأغلبية التى حازوها تقتضى توليهم رئاسة مجلس الشعب والشورى والحكومة ولجنة الدستور إلى جانب دفعهم بمرشح لرئاسة الجمهورية، فإنهم لم يدركوا أن المجتمع ليس مستعدا لاحتمال وهضم هذه الصورة، بمعنى أنه غير مستعد لأن يرى «المحظورة» قد ملأت عليه الأفق وشغلت أهم أربعة أو خمسة مناصب فى الدولة، متجاهلة الجماعات والقوى السياسية الأخرى. وإذا أضفت إلى ذلك ما شاع عن قلق الأقباط والنساء والمبدعين والكلام عن التدخل فى الحياة الخاصة للناس، فلك أن تتصور حجم الخوف الذى انتاب الناس مما اعتبروه تغولا للإخوان أثار ارتيابهم وتوجسهم.


(4)

إذا اعتبرنا أن خوف الناس من الإسلاميين عامة والإخوان خاصة وراء تراجع شعبيتهم وتقدم غيرهم، بمن فى ذلك مرشح الفلول، فإن طمأنة الناس وكسب ثقة القوى السياسية يصبحان واجب الوقت. وهذه الطمأنة لا تتحقق إلا بعد نقد ذاتى يكشف عن مواضع الخلل وفى ظل شجاعة تدفع إلى الكشف عن الثغرات ومواضع الخلل وتحث على علاجها بسرعة وحزم.

فى مقام سابق استشهدت بنجاح تجربة التوافق فى تونس بين حركة النهضة الإسلامية وحزبى المؤتمر والكتلة العلمانيين، إضافة إلى عدد من الأحزاب اليسارية والقومية الأخرى. وعرضت لخلاصة من انتهت إليه هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات حين بدأت فى عام 2005 تحضير عدة أوراق تترجم التوافق حول بعض العناوين الأساسية المتعلقة بالتعايش فى إدارة شئون المجتمع. وقد كان ذلك التوافق كامنا فى خلفية ما جرى بعد الثورة، حين تولت حركة النهضة رئاسة الحكومة وتولى رئاسة الدولة رئيس حزب المؤتمر كما شغل رئيس حزب الكتلة منصب رئيس اللجنة التأسيسية الأقرب إلى البرلمان.

أشرت فى السابق أيضا إلى تنازل حركة النهضة عن إيراد كلمة الشريعة فى الدستور التونسى الجديد والاكتفاء باعتبار الإسلام دينا للدولة، وكيف أن الشيخ راشد الغنوشى قبل بهذه الخطوة حفاظا على وحدة الجماعة الوطنية وتجنبا لإحداث أية شروخ أو تصدعات فى المجتمع.

هذا الذى ذكرته أردت به تأييد اقتراح من جانبى أدعو فيه الإخوان إلى السعى بشكل جاد لطمأنة المجتمع والقوى السياسية وإزالة أسباب الخوف التى سحبت من رصيدهم وأضعفت من موقف الجماعة الوطنية فى الانتخابات الرئاسية. إلا أن ذلك الاقتراح يظل منقوصا إذا لم يطالب القوى العلمانية والليبرالية بوقف إطلاق النيران باتجاه الإسلاميين، ولو على سبيل الهدنة، حين يجتاز الجميع المرحلة الحرجة الراهنة، ذلك أننا لا نستطيع أن نطالب الإخوان بتقديم تنازلات للتوافق مع الآخرين، بينما هم يواصلون قصفهم ليل نهار والدعوة إلى إقصائهم بمختلف السبل.

إننى أدعو الإخوان إلى إصدار إعلان باسم الجماعة يقرر عدة أمور منها ما يلى: إن رئيس الحكومة القادم. إذا نجح مرشح الإخوان، سيكون كفاءة مستقلة من خارج الجماعة ــ إن نائب رئيس الجمهورية أو أحد نواب الرئيس سيكون من شباب الثورة المستقلين ــ إن الجماعة متمسكة بالقيم الديمقراطية وفى مقدمتها التعددية السياسية وتداول السلطة ــ إن الأقباط والنساء والشباب سيمثلون فى المجلس الاستشارى للرئيس ــ إن الجماعة تتعهد باحترام الحريات الخاصة وحرية الإبداع كما إنها ملتزمة باحترام حقوق الإنسان بما فى ذلك حرية التفكير والتعبير ــ إنها ملتزمة بتثبيت قيمة المواطنة وبعدم التمييز بين المواطنين فى الدين أو الرأى أو الجنس ــ إن النهضة الحقيقية لا تقوم إلا من خلال العدل الاجتماعى والانحياز إلى الفقراء.

إذا فعلها الإخوان فربما استطاعوا أن يهدئوا من روع الناس بما يبدد بعض مشاعر الخوف والقلق، التى لن تختفى إلا إذا ترجمت الأقوال إلى أفعال.

جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 8 رجب 1433
29 مايو 2012

mohamed5175
30-05-2012, 02:22 PM
قال اللواء عمر سليمان إن المشكلة الأولى التى تواجه مصر حاليا تتمثل فى صعود التيار الإسلامى. لذلك فإنه لم يستبعد حدوث انقلاب عسكرى فى مصر فى حالة تولى الإخوان المسلمين السلطة فى البلد، وهو ما اعتبره المشكلة الثانية. وفى السياق ذكر أن الإخوان يعدون أنفسهم عسكريا، وأنه خلال سنتين أو ثلاث سيكون لديهم حرس ثورى لمحاربة الجيش، من ثم ادعى أن مصر مهددة بخطر الدخول فى حرب أهلية كتلك التى شهدها العراق.

هذا الكلام نقله عنه الأستاذ جهاد الخازن فى جريدة «الحياة» اللندنية، التى نشرت له على مدى ثلاثة أيام تفاصيل لقائه مع رئيس جهاز المخابرات السابق (فى 20 و21 و22 مايو)، ولم يصدر عن الرجل أى تكذيب أو تصويب لما نسب إليه، الأمر الذى يعنى أن علينا أن نتعامل مع ما نشر على لسانه باعتباره معلومات وحقائق صدرت عن الرجل فعلا.

توقيت نشر الحوار مهم، لأنه ظهر مباشرة قبل التصويت على المرشحين للانتخابات الرئاسية. والحلقة الأخيرة منه نشرت قبل 24 ساعة من بدء التصويت، وختمها الكاتب بعبارة مستوحاة من آراء اللواء سليمان، قال فيها ما نصه: «إن انتخاب مرشح إسلامى رئيسا لمصر سيكون كارثة على الديمقراطية والسلم الأهلى. وأرجح فوز هذا المرشح، فيتبعه انقلاب عسكرى».

توقيت نشر الحوار بهذا المضمون لا يبدو أنه مصادفة، ولكنه يوجه رسالة إلى الجميع فى داخل مصر وخارجها تحذر وتخوف وتهدد باحتمال وقوع انقلاب عسكرى. إذا وقع المحظور، وابتسمت الأقدار لـ«المحظورة» فى الانتخابات.

الملاحظة الأخرى أن اللواء سليمان الذى ظل على ود شديد مع الإسرائيليين، اعتبر الإسلاميين هم خصومه الشخصيون، وظل فى ذلك ملتزما بمنطق ومفردات خطاب مبارك ونظامه، الذى تعامل مع مجمل التيار الإسلامى باعتباره يضم حفنة من الأشرار، الذين يتعين إقصاؤهم واستئصالهم.

الملاحظة الثالثة انه فى انتقاده للإخوان والتيار الإسلامى لجأ إلى التخويف والترويع للمصريين فى الداخل وللعالم الخارجى أيضا. فتحدث عن إصدار البرلمان لقوانين تعيد المرأة إلى البيت وتخفض من حضانة الأطفال ومن سن زواج الفتيات. كما تحدث عن عودة جماعات العنف والتكفير والهجرة، التى ذكر أن انفتاح الحدود مع ليبيا والسودان سيمكنها من الحصول على السلاح. وفى تخويفه للخارج قال إن من شأن تنامى التيار الإسلامى أن تصبح مصر فى نظر الغرب دولة مصدرة للإرهاب «ألعن من باكستان وأفغانستان» ــ هكذا قال ــ وستخسر علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، الأمر الذى يهدد بحصار مصر وقطع المساعدات عنها.

إذا وضعت هذه المعلومات إلى جانب كلام الرجل عن الاستعدادات العسكرية التى يقوم بها الإخوان «لتشكيل حرس ثورى يحارب الجيش» ــ وهذا بلاغ خطير إذا أخذ على محمل الجد ــ ستجد أن الرجل تحدث بلغة ومعلومات مخبر فى أمن الدولة من الدرجة الثالثة. أعنى انها اللغة التقليدية والنمطية المسطحة والمبتذلة، التى لا تليق برجل أمضى نحو عشرين عاما على رأس جهاز المخابرات العامة. ذلك أن المسئولين فى الإدارة الأمريكية قالوا كلاما أصوب وأفضل منه بكثير. وأستحى أن أقول أن ما قاله يطابق تماما ما يقوله المتطرفون فى الحكومة الإسرائيلية. والذى يراجع تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلى أفيجدور ليبرمان بخصوص الموضوع ذاته خلال الأسبوع الأخير، لن يجد فرقا كبيرا بينها وبين ما صدر عن اللواء سليمان.

الملاحظة الرابعة أن صاحبنا أقنع الكاتب ــ الأستاذ جهاد الخازن ــ بأنه حين تقدم للترشح لرئاسة الجمهورية فإن الإسلاميين وحدهم هم الذين عارضوه، وهددوا باستخدام العنف لمنعه، إدراكا منهم بأنه صاحب الحظ الأوفر فى الفوز. وقد استغربت أن الأستاذ الخازن صدق هذا الكلام، ولم ينتبه إلى أن ترشحه كان صدمة لكل الوطنيين فى مصر، لأنه أكثر من الفريق شفيق تمثيلا للنظام السابق وتجسيدا للكابوس الذى عانت منه مصر طوال 30 عاما.

الملاحظة الخامسة إن اللواء سليمان قال للخازن إنه تعرض لمحاولة اغتيال يوم 30 يناير من العام الماضى. وفى حواره سمى الطرف الذى يتهمه بتدبير المحاولة، ولكن الكاتب احتفظ بالسر لنفسه. وتلك معلومة مهمة تم نفيها فى حينها، ولا أجد سببا لكتمانها وإغلاق ملف التحقيق فى الموضوع كما ذكر هو. ولا أستبعد أن يكون تسريبها فى الوقت الراهن محاولة من جانب الرجل لإقناعنا بأنه كان مستهدفا لأنه كان متعاطفا مع الثورة.

لقد ظل اللواء سليمان محتفظا بهيبته ومكانته طوال السنوات التى ظل فيها صامتا، لكنه حين تكلم فإنه أساء إلى نفسه وشوه صورته، وسمح لنا أن نجد تفسيرا معقولا لخيبات مبارك وبؤس نظامه.

جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 9 رجب 1433
30 مايو 2012

mohamed5175
31-05-2012, 11:16 AM
ما يحدث الآن فى الساحة السياسية المصرية يعيد إلى الأذهان ما فعله الأمريكان مع ياسر عرفات فى عام 1988. ذلك أن الرجل كان قد ضعف موقفه ووجد نفسه مضطرا لاسترضاء واشنطن، فطلبوا منه كى يشمله الرضى أن يعلن تخليه عن المقاومة وإدانته لها والاعتراف بقرارى مجلس الأمن 338 و242. وحين وافق على ذلك وقرر أن يلقى خطبة فى الأمم المتحدة يعلن فيها استجابته لما طلب منه، فإن الأمريكيين استغلالا لضعفه وإمعانا فى إذلاله رفضوا أن يعطوه تأشيرة دخول، واقترحوا أن يلغى خطبته أمام اللجنة السياسية التابعة للأمم المتحدة، فى مقر المنظمة الدولية بجينيف. وهو ما حدث بالفعل. إذ أعلن أبوعمار نبذ «الإرهاب» وأيد قرارى مجس الأمن. وبعد أن استجاب الرجل لما طلب منه، كتب أحد المعلقين الأمريكيين قائلا ما معناه أنه طالما أن أبوعمار قرر أن يغير الدور وينتقل إلى طور جديد، أما كان الأجدر به أن يحلق ذقنه ويغير من ثيابه أيضا؟!

سمعت قصة مشابهة من الباحث الفلسطينى المخضرم عبدالقادر ياسين خلاصتها أن مؤتمر القمة العربى كان قد شكل فى عام 1983وفدا برئاسة الملك الحسن الثانى للسفر إلى واشنطن ولقاء الرئيس الأسبق رونالد ريجان، الذى كان قد قدم مبادرة خاصة بالقضية الفلسطينية وكانت للملك فهد مبادرة أخرى حول الموضوع ذاته. وحين عاد العاهل المغربى إلى بلده سأله أبوعمار عما تم فى اللقاء. وكان مما قاله الحسن الثانى أن ريجان سألهم لماذا يرتدى عرفات تلك الخرقة المربوطة بحبل التى يضعها فوق رأسه؟ ــ حينذاك سأل عرفات: ماذا كان ردكم عليه، فقال الملك إننا سكتنا، وحينئذ علق عرفات قائلا، ليتكم قلتم له أعطوا الفلسطينيين حقهم وسأرتدى لهم بدلة «سموكنج».

المشترك بين القصتين أن من يستشعر القوة فى أى مفاوضات لا يكف عن فرض شروطه، وأن الطرف الأضعف إذا ما قرر التنازل فإن مقابله الأقوى سيظل يضغط ويتدلل حتى يعرى الأضعف أو يلغيه تماما.

حضرتنى هذه الخلفية حين تابعت خطاب الأطراف التى لم يحالفها التوفيق فى انتخابات الرئاسة المصرية، ولاحظت أن الإخوان خسروا خمسة ملايين صوت، رغم أن مرشحهم الدكتور محمد مرسى احتل المرتبة الأولى، ودخل الإعادة مع الفريق أحمد شفيق. بعدما حصل كل منهما على نحو ربع الأصوات. (كل واحد حصد 5 ملايين صوت تقريبا). وأدرك هؤلاء أن المرشحين فى موقف ضعيف نسبيا، وأن نصف الأصوات موزعة على القوى الأخرى، خصوصا المرشحين عبدالمنعم أبوالفتوح وحمدين صباحى (الاثنان حصلا على نحو تسعة ملايين صوت).

لأن الفريق شفيق يعد امتدادا واستنساخا لنظام مبارك، فإن رفضه من جانب أغلب الأطراف والمجموعات السياسية الأخرى، لذلك فان الضغط استهدف الدكتور محمد مرسى بالدرجة الأولى. وتنافست تلك المجموعات فى محاولة إلزامه بشروطها، التى بعضها تعجيزى، ولم يحدث البعض الآخر فى أى مرحلة من مراحل التاريخ المصرى. فقد اقترح عليه البعض أن يخرج من السباق تماما ويتنازل للمرشح الثالث (!). وطالبه آخرون بأن يقر من الآن بتعديل المادة الثانية من الدستور بحيث لا تنص فقط على أن مبادئ الشريعة هى مصدر القوانين (وهو النص الذى لم يعد يختلف عليه أحد) وإنما عليه أن يقر أيضا باشتراط ألا يتعارض ذلك مع المواثيق الدولية، التى تعد فى هذه الحالة حاكمة ومقدمة على مبادئ الشريعة. وعرضت علينا من خلال التليفزيون شروط أخرى بينها شرط يقضى بأن كل قرارات رئيس الجمهورية ينبغى أن يوقع عليها نائب الرئيس، الذى يملك بمقتضى ذلك حق «الفيتو» على قرارات الرئىس. وسمعنا أحدهم يطالبه بزيادة الرواتب ومضاعفة معاشات الضمان الاجتماعى ثلاثة أضعاف، بصرف النظر عما إذا كانت الميزانية تسمح بذلك أم لا...إلخ.

لقد دعوت الإخوان من قبل إلى طمأنة الرأى العام، وأشرت إلى عدة أفكار فى هذا الصدد، بينها تعيين رئيس وزراء من غير الإخوان وتشكيل حكومة ائتلافية تضم أبرز القوى والكفاءات، والإعلان عن احترام الحريات الخاصة، إلى جانب احترام مبدأ المواطنة وكفالة حرية التعبير والإبداع. كما تحدثت عن تمثيل الأقباط والنساء فى أعلى مؤسسات الدولة، وأضيف الإعلان بوضوح عن رفض فكرة الدولة الدينية. وكان رأيى ولايزال ان إيضاح الموقف إزاء مثل هذه العناوين يفتح الباب للطمأنة المنشودة. لكنى وجدت أن الأمر وصل إلى حد الاستقواء والابتزاز ومطالبة الرجل بالتنازل عن أبسط مقومات مشروعة. إضافة إلى تكبيله وتعجيزه عن العمل. وهو ما يسوغ لى أن أقول إنه إذا كان الإخوان قد اتهموا بالاستحواذ فإن القوى الأخرى مارست الابتزاز والإقصاء.

ليس عندى دفاع عن الأخطاء التى وقع فيها الإخوان، وكنت من أوائل من نبهوا إليها. لكنى أقول الآن أن ابتزاز مرشحهم للرئاسة على هذه الصورة التى يصعب القبول بها هو بمثابة تقوية لمنافسه الفريق شفيق ودعوة غير مباشرة لإنجاحه. وحينئذ لن يكون الخاسر هو الدكتور مرسى وحده، ولكنه الوطن والثورة وأولئك الذين يتسابقون على فرض الشروط، التى لم يكن منها مطالبة الدكتور مرسى بحلق لحيته.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 10 رجب 1433
31 مايو 2012

mohamed5175
02-06-2012, 11:49 AM
منذ أعلنت نتائج التصويت على المرشحين للرئاسة، ما صادفت أحدا إلا وعبر عن حزنه واكتئابه بصورة أو أخرى. وطوال الأيام الأربعة الماضية ــ منذ الأحد 27 مايو ــ وأنا أجاهد فى مقاومة مشاعر اليأس والإحباط عند من التقيتهم. ولكثرة ما سمعت من انطباعات سلبية من ذلك القبيل قفز إلى ذهنى مصطلح «أيلول الأسود» «سيئ الذكر المحفور منذ عام 1971 فى الذاكرة الفلسطينية. بل واستدعيت أجواء «نكسة» عام 67 التى صدمت كل المصريين وأصابتهم بالحزن والانكسار، رغم أننى أزعم أن الكارثة لم تقع بعد.

هذا الحزن النبيل أفهمه وأحترمه. وأعتبره دليلا على حجم الآمال الكبار التى علقها الشعب المصرى بكل شرائحه على الثورة التى اعتقته من استبداد وفساد النظام السابق، وهى الجماهير التى ارتفع عاليا سقف أحلامها منذ نجحت فى إسقاط صرح النظام والتخلص من جبروته. وقد عصف بهم الحزن حين تبين أن أحد أعوان النظام السابق دخل السباق وبدا فى الأفق أن ثمة احتمالا لنجاحه، حينذاك أدرك كثيرون أن شبح الكابوس الذى تخلصوا منه عاد يطل عليهم بوجهه الكئيب من جديد. (جريدة «الشروق» نشرت فى 30/5 ان 60% من المصريين أصيبوا بالاكتئاب).

أدرى أن هناك من بكى، وهناك من انطوى على نفسه وانعقد لسانه من الحسرة، لكن ما أزعجنى حقا أننى سمعت أصواتا قررت الانسحاب من المشهد، وقرأت للبعض أن المقاطعة هى الحل. واعتبرت أن هذا الموقف لا يختلف كثيرا عن ترك ميدان التحرير فى عز الثورة، بعدما تصدع النظام وأصبح آيلا للسقوط. وكان رأيى ولايزال أن الجموع التى أسقطت رأس النظام الذى مثل التحدى الأكبر قادرة على إسقاط ذيوله، وانه يتعذر إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء حقا، لكن الأهم من ذلك أن الشعب الذى صبر على مبارك طيلة ثلاثين عاما، تغير، ولم يعد مستعدا لأن يحتمل شيئا منسوبا إلى ذلك العهد المظلم، وأن الذين كسروا قيودهم لن يسمحوا بتكبيلهم مرة أخرى. ولا يقولن أحد أن ذيول مبارك لابد سيختلفون عنه، على الأقل من حيث إنهم لن يكرروا أخطاءه. ولا أستبعد أن يحلف ممثل الذيول بالثلاثة على أنه يشكل طبعة جديدة تماما منفتحة ومتطورة من أدران وخطايا النظام السابق. لكننا نخدع أنفسنا إذا صدقنا هذا الكلام، ليس فقط لأن غاية ما يفعله الورثة ــ إذا وقعت الواقعة ــ أن يقدموا مبارك معدلا، ولكن أيضا لأننا نرى الآن أن أركان مبارك وأبوابه قد خرجوا من مكامنهم، كما نرى أن ماكينة النظام القديم عادت مرة أخرى للعمل فى عديد من المحافظات مزودة بقدرات مالية استثنائية. كما ان أذرع ذلك النظام المنتشرة فى أجهزة الأمن والإدارة ظهرت على السطح، وباتت تعمل بجرأة فى أوساط عوام الناس.

لست ضد مبدأ المقاطعة، الذى دعوت إليها فى بعض الحالات. لكننى أفهم أنه فى عالم السياسة فإن المواقف والسياسات تتحدد فى ضوء الموازنة بين المصالح والمفاسد، بل أحيانا تضيق الخيارات فتصبح موازنة بين المفاسد ذاتها، بحيث ترجح المفسدة الصغرى على المفسدة الكبرى. وقد تكون بين مفسدة كبرى وأخرى أكبر وأخطر. وفى الموقف الذى نحن بصدده فاننى لست مع الذين اسودت الدنيا فى أعينهم واعتبروا اننا أمام كارثتين متساويتين. وهو ما عبر عنه أحد زملائنا الفنانين حينما صور ما هو مطروح علينا بحسبانه خيارا بأن واحد يشنقنا بحبل وآخر يقتلنا بالرصاص، بما يعنى أننا مقتولين فى الحالتين، الأمر الذى يمثل دعوة صريحة ليس لليأس والإحباط فحسب، وإنما للهجرة من البلد كلها للنجاة من ذلك المصير البائس. وذلك تصوير مغرق فى التشاؤم، فضلا عن أنه مغلوط من أساسه. ذلك أنه ليس من الإنصاف أن يوضع المرشحان على قدم المساواة، وقد سبق أن قلت إن أحدهما يقودنا إلى مستقبل مجهول يحتمل الإيجاب والسلب، والثانى يستدعى ماضيا كئيبا قامت الثورة للقطيعة معه. الأمر الذى يعنى أننا بصدد اختيار بين مفسدة محتملة وأخرى أكيدة. ثم أنه ليس من الإنصاف ولا وجه للمقارنة بين الدكتور مرسى الذى وضع فى السجن بسبب الثورة (تم اعتقاله فى 27 يناير) وبين الفريق شفيق الذى كان نديما لمبارك ورئيس وزرائه الذى أراد به أن ينقذ النظام ويحتال على الثورة.

إن التحدى الكبير والأول الذى نواجهه الآن هو كيف يمكن إسقاط مرشح النظام القديم الذى استهدفت الثورة أحداث القطيعة معه، الأمر الذى يستدعى استنفارا واستدعاء لكل عناصر الجماعة الوطنية، لمواجهة احتشاد الفلول المدعومين ببعض عناصر الإدارة والأمن. أما التحدى الثانى فيتمثل فى الزام المرشح الآخر بطمأنة الخائفين والمتوجسين بما يقتع الجميع بأن اختياره يفتح الباب للاستقرار والأمن الحقيقيين.

إن المقاطعة فى الظرف الراهن تمثل إضعافا لصف الجماعة الوطنية، وتصويتا غير مباشر لنظام مبارك، الذى حقق الاستقرار بمصادرة الحريات وإماتة السياسة، وحقق الأمن بوضع كل المعارضين فى السجون، وفى ظله بلغت الفتنة الطائفية ذروتها، ونهبت ثروة مصر، وتحولت «أم الدنيا» إلى بلد من الدرجة الثالثة. يدور فى فلك الولايات المتحدة وإسرائيل. من هذه الزاوية فإن المقاطعة لا تعد حلا وإنما هى الخطوة الأولى فى السير على طريق الندامة الذى ينتهى بانتحار الثورة.

جريدة الشروق المصرية
السبت 12 رجب 1433
2 يونيو 2012

mohamed5175
03-06-2012, 12:43 PM
عقب الأصداء التى تركتها تصريحات المسئولين الإسرائيليين التى عبرت عن الترحيب والحفاوة بصعود الفريق أحمد شفيق فى سباق الانتخابات الرئاسية فى مصر، أصدر بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلى تعليمات صارمة لوزرائه بعدم كيل المديح لشفيق بشكل علنى، خشية أن يتسرب ذلك إلى الرأى العام المصرى، ومن ثم يؤثر على حظوظه فى الفوز. هذا الخبر بثته الإذاعة العبرية مساء الثلاثاء الماضى 29/5، وهو أمر مفهوم ولا مفاجأة فيه. إلا أن المفاجأة جاءت بعد ذلك فى إشارة الإذاعة إلى أن قرار نتنياهو بإسكات الوزراء صدر إثر طلب من جهات مصرية لم تحدد (صدق أو لا تصدق!).

قرار رئيس الوزراء الإسرائيلى لم يلزم سوى وزرائه فقط والمنتمين إلى الائتلاف الحاكم، فى حين لم يتردد الآخرون فى التعبير عن فرحتهم باحتمال عودة رجل مبارك إلى السلطة، منتخبا هذه المرة. أما القيادات الإسرائيلية من خارج الحكومة فقد كان تعبيرها أكثر وضوحا وصراحة. آية ذلك مثلا أن شلومو بن عامى وزير خارجية إسرائيل الأسبق، قال فى حوار أجرته معه الإذاعة العبرية صباح الإثنين الماضى (28/5) إنه إذا انتخب الفريق شفيق رئيسا للجمهورية فإنه سيكون ذخرا استراتيجيا لإسرائيل، أهم وأجدى من مبارك (لأن شرعيته فى هذه الحالة ستكون أجدر وأقوى).

بنيامين بن اليعازر النائب الحالى والوزير السابق الذى كان مهندس العلاقات المصرية - الإسرائيلية (صاحب العبارة الشهيرة التى وصف فيها مبارك بأنه كنز استراتيجى لإسرائيل)، قال فى حوار نشرته له صحيفة «ذى ماركير» فى 27/4 ما يلى:

●خروج اللواء عمر سليمان أو الفريق أحمد شفيق من المشهد السياسى، وإضعاف مكانة القادة العسكريين فى مصر بشكل عام، ثم نقل صلاحياتهم إلى جهة مدنية ثورية يضر بمصالح إسرائيل.

● إذا ما خسرت إسرائيل مصر، فلن يكون بوسعها أن تعوض هذه الخسارة على الإطلاق، الأمر الذى يحتم علينا الإبقاء على تلك العلاقات بكل السبل ومهما كان الثمن.

● كنت أتواصل مع مبارك بشكل يومى. وكان عمر سليمان هو المسئول عن حل أية مشاكل تعيق تدفق الغاز إلى إسرائيل.

وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان قال إنه: فى حال صعد لكرسى الرئاسة من هو محسوب على الجهات المعادية لإسرائيل، فإن مصر بعدها ستصبح مصدر خطر يفوق الخطر الذى يمثله البرنامج النووى الإيرانى، لذا يتوجب تشكيل أربع فرق عسكرية جديدة على الأقل والزج بها على الحدود مع مصر إذا ما تحقق هذا السيناريو. (معاريف 22/4/2012).

أما المعلق الإسرائيلى أمنون أبراموفيتش فقد قال إن الفزع من نتائج انتخابات الرئاسةالمصرية جعل إسرائيل تتدخل بشكل غبى وبصورة أضرت بفرص حلفائها فى القاهرة (قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية 17/4/2012).

التليفزيون الإسرائيلى ذكر صراحة أنه رغم ضبط النفس الظاهرى، فإن حكومة نتنياهو قلقة من نتائج الانتخابات المصرية أكبر من البرنامج النووى الإيرانى (19/4/2012).

فى دراسة للجنرال والدكتور رون تيرا، بعنوان: «اهتزاز الفضاء الاستراتيجى لإسرائيل»، نشرتها مجلة «عدكون استراتيجى»، فى 3 أكتوبر 2011، جاء ما يلى:

من الأهمية بمكان أن يحرص العالم على أن تواصل الإدارة المصرية بعد مبارك الالتزام بالخطوط العامة لسياساته لذلك يجب توظيف الدعم المالى الذى تقدمه الدول العربية الغنية لمصر فى المساعدة على تحقيق هذا الهدف. ذلك أن مصلحة إسرائيل والغرب تقتضى أن يضمن أى رئيس مصرى قادم تحقيق هدفين أساسيين هما:

أولا: الحفاظ على اتفاقية السلام مع إسرائيل التى أخرجت مصر من دائرة العداء، ومكنت إسرائىل بالتالى من التفرغ لمواجهة الأطراف العربية الأخرى.

ثانيا: تواصل الشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل، ذلك أن الشراكة التى وفرها نظام مبارك منحت إسرائيل القدرة على شن حربى لبنان 2006 وحملة «الرصاص المصبوب» على غزة أواخر عام 2008 فى ظروف مثالية.

أضاف الرجل قائلا: «لا يحتاج أى رئيس مصرى منتخب أن يعلن الحرب على إسرائيل لكى يسبب لها الأذى. بل يكفى أن تصدر عنه مواقف سياسية وإجراءات دبلوماسية بإمكانها أن تقلب البيئة الاستراتيجية لإسرائىل رأسا على عقب، سيما عقب تراجع وضعف مكانة الولايات المتحدة». فى هذا السياق أكد الجنرال تيرا على أن صعود رئيس لا يتبنى أولويات مبارك وخياراته الإقليمية يعنى بشكل واضح تآكل قدرة إسرائيل على توجيه ضربات لأعدائها فى غزة ولبنان وفى المناطق الأخرى.

فى ذات السياق، أصدر مركز دراسات الأمن القومى الإسرائيلى فى مارس الماضى دراسة للجنرال المتقاعد والباحث الاستراتيجى جابى سيبونى، بعنوان: «ثورات العالم العربى ومغزاها للجيش الإسرائيلى» جاء فيها ما يلى:

«كان نظام الرئيس مبارك، يمثل حجر الزاوية الأهم فى النظام الإقليمى بالنسبة لإسرائيل، وكان أهم ضمانة لإفلاتها من أى عزلة إقليمية، علاوة على أن ذلك النظام لعب دورا مركزيا فى مواجهة التحديات الاستراتيجية التى تواجه إسرائيل، سيما إيران، كما أنه حال بشكل غير مباشر دون إفساح المجال أمام تركيا لتهديد الفضاء الاستراتيجى لإسرائيل. إن سيناريو الرعب الذى ينتظرنا أن تسفر الانتخابات المصرية عن فوز رئيس لا يتبنى هذه المواقف».

لقد استبقت إسرائيل وصوتت لمن اعتبرته كنزا استراتيجيا أهم وأجدى من مبارك ــ لذا لزم التنويه.

جريدة الشروق المصرية
الاحد 13 رجب 1433
3 يونيو 2012

mohamed5175
04-06-2012, 11:21 AM
حين تظاهرت الجموع فى ميدان التحرير مساء أمس الأول، احتجاجا على الأحكام الصادرة بحق مبارك وأعوانه، فإن بعض المرشحين للرئاسة ذهبوا إلى الميدان وانضموا إلى المتظاهرين الذين استقبلوهم بدرجات مختلفة من الحفاوة. واحد فقط من المرشحين لم يفكر فى الذهاب ولم يحاول أن ينضم إلى المتظاهرين أو يقترب من الميدان، وإنما حرص على أن يقف عند أبعد نقطة منه. ذلك أن له تجربتين سابقتين عبرت خلالهما الجماهير عن رأيها فيه برشقه على نحو جعل كثيرين يعودون إلى بيوتهم حفاة فى نهاية المطاف، ولابد أن هذه الصورة لم تغب عن باله، ذلك أن ما جرى له فى السابق كان قد حدث فى مناسبة عادية كالتصويت فى الانتخابات، فى حين كان الغضب على مبارك ونظامه محبوسا فى الأعماق، أما هذه المرة فالمشهد أكثر إثارة، والقلق من مواجهة الجماهير لابد أن يكون مضاعفا، ذلك أن حكم المحكمة كان طازجا، كما أن الذين تجمعوا فى الميدان كانوا من الثائرين الذين استفزهم الحكم، وقد انضم إليهم عدد من أهالى الشهداء، وآخرون ممن ضاقوا ذرعا بالأحداث الجارية، حتى ساورهم القلق على الثورة وأهدافها.

من الخبرة السابقة نستطيع أن نتصور ما يمكن أن يحدث للفريق أحمد شفيق لو أنه لم يحسبها جيدا، وظهر وسط تلك الجموع ماشيا على قدميه، أو محاطا ببعض حراسه وعناصر الأمن الموالية له. فى حين لم ينس له الثوار أنه كان رئيسا للوزراء يوم واقعة الجمل، ولن أستغرب إذا تخيله بعض المتظاهرين ممتطيا صهوة أحد الخيول أو راكبا فوق ظهر جمل يركض وسط الجموع، قد تتعدد السيناريوهات فى هذه الحالة، إلا أننى أزعم أن نهايتها ستكون واحدة، حيث ستجهد الأجهزة المعنية نفسها فى البحث عن أثر له. وأغلب الظن أنهم سيجدونه مختبئا وسط كومة الأحذية التى تحولت إلى هرم مرتفع وسط الميدان، بعدما انفض المتظاهرون وعادوا إلى بيوتهم حفاة، بينما ابتسامات الراحة والرضا مرتسمة على وجوههم. أما أصداء الحدث على مواقع التواصل الاجتماعى فسأترك لخيالك العنان لتصور ما حفلت به من تندر وشماتة.

ليس كل ما تحدثت به محض خيال. ذلك أننا لابد أن نعترف بأننا بإزاء مرشح لرئاسة الجمهورية لا يستطيع أن يواجه الجماهير العريضة، حتى إذا طلب من كل واحد أن يخلع حذاءه قبل الدخول إلى مكان اللقاء. نعم بوسعه أن يذهب مطمئنا لمخاطبة رجال الأعمال وأثرياء القوم، كما حدث فى لقائه مع غرفة التجارة المصرية الأمريكية، بمقدوره أيضا أن يشهد اجتماعا لأنصاره من أهل قريته أو ممن شايعوه من عناصر الطرق الصوفية. ولست أشك أنه سيشعر أنه فى بيته إذا ما رتب له لقاء مع عناصر الحزب الوطنى ومن لف لفهم من فلول النظام السابق ــ لكن الذى لا شك فيه أن مواجهته للجماهير المصرية ستعد مغامرة بالنسبة له ــ أغلب الظن أنه لن يخرج منها سالما.

الأقدار هى التى رتبت المشهد وكشفت الحقيقة. ومن ثم وضعت الرجل فى ذلك الموقف المحرج. إذ ما كان له أن يؤيد المتظاهرين فى يوم قضت المحكمة على «مثله الأعلى» بالسجن المؤبد، ناهيك أنه من البداية استخف بهم وعرض أن يرسل إليهم بعض الحلوى لكى يتسلوا بها فى الميدان، كما أنه أعرب عن أسفه لنجاح ثورتهم «المزعومة».

انعقد لسان الرجل أمام المشهد. فتجاهل الغاضبين فى الميدان، واكتفى بتعليق محايد على حكم المحكمة قال فيه إنه طوى صفحة المرحلة الماضية (التى هو جزء منها!) ــ وأنه لم يعد ممكنا إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فلا أيد ولا تحفظ أو استنكر. وإنما وجه بيانا من تحت «الضرس» أقرب إلى «الكلام الساكت»، الذى يتطاير فى الهواء دون أن يوصل شيئا، فلا يغنى ولا يشبع.

إذا أضفت هذه اللقطة الأخيرة إلى سجل «الفريق» فسوف تكتشف أن ثمة فجوة واسعة وعميقة تفصل بينه وبين عموم المصريين ناهيك عن الذين صنعوا الثورة وعلقوا عليها آمالهم. وستلاحظ أن الرجل الذى لم يجرؤ على الاقتراب من ميدان التحرير يعرف نفسه وقدره جيدا، ويعرف أيضا أن عليه أن يرتدى أكثر من قناع كما أن عليه أن يتقمص شخصية أخرى مختلفة تماما إذا ما أراد أن يتصدى لمخاطبة الشعب المصرى فضلا عن قيادته.

لقد ساقت إلينا الأقدار هذه الواقعة قبل أسبوعين من إجراء انتخابات الإعادة. لكى يعرف الجميع أين يقف كل مرشح للرئاسة، ولنكتشف أن أحدهما ــ برغم كل ما نأخذه عليه ــ لم يتردد فى أن يذهب إلى ميدان التحرير ليخاطب جماهيره ويلتقيها وأن الآخر اعتكف بعيدا فى بيته عاجزا عن لقاء الجماهير، أو الحوار معها. أما المثقفون والمسيسون الذين عزفوا عن الاختيار وقرروا أن يقفوا متفرجين على المشهد، فقد تبين لنا أنهم وقفوا من حيث لا يشعرون ولا يريدون إلى جانب الفريق شفيق، وظنوا أنهم بذلك يغسلون أيديهم من إثم التصويت للمرشحين الاثنين، وفى اللحظة الفاصلة اكتشفنا أنهم أرادوا أن يتجنبوا حفرة فوقعوا فى بئر، كما أنهم قدموا لنا تعريفا جديدا للشجاعة ينحاز المرء بمقتضاه إلى جانب الإحجام وليس الأقدام.


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 14 رجب 1433
4 يونيو 2012

mohamed5175
05-06-2012, 03:04 PM
ثمة خطاب عالى الصوت يملأ فضاء مصر الآن مشغول بتكريس كراهية الإخوان بأكثر من انشغاله بالاصطفاف دفاعا عن محبة الوطن.


(1)

لدينا مشكلة كبرى فى تكييف المشهد، أربكت كثيرين وضللتهم. إذ لدينا فى انتخابات الإعادة رمزان أحدهما يمثل جماعة الإخوان والثانى يمثل نظام مبارك. وإذا كان هناك مشترك بين الاثنين فهو أنهما لا يمثلان أفضل ما تمنيناه. لكن الخطأ الكبير الذى يؤدى إلى الالتباس والتضليل يكمن فى طمس الفروق بينهما ومن ثم وضعهما معا على قدم المساواة. وقد قلت من قبل إن الأول ينبغى أن تفكر جيدا قبل أن ترفضه، فى حين أن الثانى نرفضه دون أن نفكر. كما أن الأول يعدنا بمستقبل غامض أما الثانى فيستعيد ماضيا كئيبا. والأول يقف منحازا إلى الثورة (23 شخصا من الإخوان قتلوا فى أثناء الثورة) والثانى كان شريكا فى محاولة إجهاض الثورة، فى هذا السياق تلقيت رسالة من الشيخ جمال قطب مسئول الإفتاء السابق بالأزهر قارن فيها بين الرجلين، قائلا إن خيارنا صار بين تعاطى دواء لم تستطع الشركة المنتجة الترويج له أو إقناع الناس بفاعليته وجدواه، وبين دواء مسرطن يفتك بكل من يتعاطاه ولا أمل فى نجاة من يبتلعه.

هذه الفروق لم يتغاضَ عنها البعض فحسب. وإنما وجدنا من عمد إلى قلبها رأسا على عقب فقرأنا لمن قال إن الفرق بين الرجلين كالفرق بين الكوليرا والتيفود، إذ كلاهما قاتل. وذهب آخرون فى التدليس إلى حد القول بأن «الفريق» أحمد شفيق يمثل الدولة المدنية. أما الدكتور محمد مرسى فيمثل الدولة الدينية، الفاشية عند البعض.


(2)

لأن مبارك أمات السياسة فى مصر فإن التنافس والتجاذب بين الجماعات والتيارات المختلفة ظل يدور فى ساحة الإعلام بالدرجة الأولى. وهى الساحة التى يهيمن عليها تاريخيا خصوم الإخوان من علمانيين وليبراليين وماركسيين، يضاف إليهم عناصر وأذرع أجهزة الإدارة والأمن، وهؤلاء ظلوا طوال العقود الماضية يروجون لفكرة «الفزاعة» التى غدت عنوانا ثابتا للعلاقة بين السلطة والإخوان منذ نحو ستين عاما.

حين دخل إلى المرحلة الأخيرة من سباق التنافس على الرئاسة مرشح الإخوان فإن كل تلك المنابر تحولت إلى منصات لإطلاق ما لا حصر له من زخات النقد والتجريح والترويع التى استهدفت اغتيال الجماعة وتخويف المجتمع من مشروعها. وكان أخف ما قيل فى حقهم ما ذكره أحد الكتاب المحترمين فى مقال نشر يوم الجمعة 1/6 من أن الإخوان «يريدون أن يطردوا البهجة من حياتنا. يريدون حياة قوامها الجنس وأكل اللحمة والفتة. (لذلك) فإن المستقبل فى حكم الإخوان أسود من قرن الخروب». وإذا كان ذلك هو الكلام المخفف الذى صدر عن كاتب محترم فلك أن تتصور ما يمكن أن يصدر عن أنصاف المحترمين وغير المحترمين.

لست أدعى أن الإخوان فوق النقد. وكنت أحد الذين مارسوا ذلك النقد فى حينه. وليس عندى أى دفاع عن اخطائهم الجسيمة التى وقعوا فيها خلال الأشهر الأخيرة، والتى أدت إلى خسرانهم خمسة ملايين صوت فى الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة. لكنى فقط أسجل تحفظى على ثلاثة أمور، أولها استخدام النقد سبيلا إلى التجريح والاغتيال والإقصاء. واللجوء إلى أساليب غير شريفة فى ذلك. الأمر الثانى تعميم ذلك النقد على مجمل الحالة الإسلامية والتطاول من خلاله على مقاصد الإسلام وقيمه. أما الأمر الثالث فهو الغلو فى النقد إلى الحد الذى يعبر عن الاستعداد لاستمرار حكم العسكر أو لتسليم البلد إلى نظام مبارك مرة أخرى، مقابل إسقاط مرشح الإخوان، يمر عن ذلك عنوان نشرته إحدى الصحف، يقول: «نار العسكر ولا جنة الإخوان». تجسد ذلك أيضا فى قول أحدهم إنه يقبل بأى طرف غير الإخوان، ويقبل بأى رجعية إلا مرجعية الإسلام.

حتى لا يلتبس الأمر على أحد فإننى أقرر أنه منذ بدأت الحملة الانتخابية لم أكن مشغولا كثيرا بمن سينجح فى الانتخابات، لكننى لم أكف عن الدعوة إلى إسقاط كل من كانت له صلة بمبارك ونظامه. إذ اعتبرت أن إنقاذ الثورة واستمرارها هو مسئولية الجماعة الوطنية المصرية بكل فصائلها، وأن أى اختراق من جانب رموز عصر مبارك لأى موقع متقدم فى مدارج السلطة العليا يمثل تهديدا مباشرا للثورة. لذلك لا أستطيع أن أخفى دهشة إزاء موقف قطاع عريض من العلمانيين والليبراليين الذين انساقوا وراء مشاعرهم المخاضمة للإخوان، إلى الحد الذى جعلهم يقفون تلقائيا فى صف الفريق شفيق. وبالتالى فإنهم شغلوا أنفسهم بتصفية حساباتهم مع الإخوان وبإسقاط الدكتور مرسى. ولم يكترثوا بإنقاذ الوطن من براثن نظام مبارك. الأمر الذى يسوغ لى أن أقول إن كراهيتهم لإخوان تلبستهم حتى أعمتهم عن محبة الوطن والغيرة عليه.


(3)

منذ تبين أن الإعادة فى انتخابات الرئاسة بين مرشح الإخوان ومرشح نظام مبارك، انطلقت ماكينة الإعلام والدعاية التى أعادت إنتاج خطاب الفزاعة، بصورة أكثر شراسة وكثافة. إذ فوجئنا بتدفق سيل الكتابات التى خوف الناس من أن الإخوان سيسارعون إلى إعلان الخلافة، وسيفرضون الحجاب على كل الإناث، وسيحرمون السياحة وسيغلقون البنوك الربوية وسيمنعون السينما والمسرح وسيحاربون مختلف صور التفكير والإبداع. سيختتنون الفتيات وسيفرضون الجزية على الأقباط.. إلى آخر العناوين التى تبشر باستنساخ طالبان فى أفغانستان وتخوف من ميليشيا يعدها الإخوان ويدربونها على السلاح لمقاومة الجيش المصرى.

ليس ذلك فحسب، وإنما استهدفت حملة التشويه والتخويف مجلس الشعب أيضا لمجرد أن الإسلاميين حازوا الأغلبية فيه، الأمر الذى استفز قاضيا مخضرما هو المستشار محمود الخضيرى الذى يرأس اللجنة التشريعية بالمجلس، ودفعه إلى كتابة مقالة نشرتها «المصرى اليوم» فى 27/5، وقال فيها إنه لم ير فى حياته هجوما على مجلس شعب مصر مثلما رأى فى المجلس الحالى. وفهمنا من المقالة أن الرجل فقد أعصابه حين سأله أحد الصحفيين عن مشروع قانون يبيح مضاجعة الموتى (وهى شائعة مدسوسة وكاذبة)، فى حين لم يهتم الصحفى بحزمة التشريعات المهمة التى تبنتها اللجنة التشريعية، وفى مقدمتها ما تعلق بمنع محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. وتثبيت العمالة المؤقتة الذى يفيد عشرات الآلاف من العمال، وتقرير الحد الأدنى والأقصى للأجور.. إلخ.

ما يثير الانتباه فى هذه الحملات التى تصب كلها فى مجرى التيئيس والترويع والتخويف من انقضاض الإخوان على الدولة تفترض أن الخمسة وثمانين مليون مصرى تحولوا إلى قطيع من الماشية لا حول لهم ولا قوة، وان الملايين الجسورة التى انتفضت لإسقاط مبارك ونظامه، سوف تسلب إرادتها وتركن إلى الاستسلام والخنوع فى ظل الحكم الذى يتصدره الإخوان. وإذ أفهم أسباب تراجع الثقة فى الإخوان إلا أننى لا أفهم ولا أجد مبررا لفقدان الثقة فى وعى الجماهير المصرية، وفى قدرة الجماعة الوطنية على وقف أى تغول أو انحراف من جانب الإخوان أو غيرهم.

إن محاسبة الإخوان ومطالبتهم بتصحيح أخطائهم وطمأنة الناس واجب فى كل وقت. ولكن تأكيد القطيعة مع النظام السابق هو واجب الوقت. والمعركة الأولى مرحلية بوسعنا أن نكسبها، أما المعركة الثانية فاستراتيجية لا ينبغى أن نتراخى أو تهمل فى التصدى لها. ذلك أننا نستطيع أن نسحب الثقة من الإخوان فى ظل الثورة، لكننا لن نستطيع أن نكسب المعركة الثانية إلا بثورة جديدة.


(4)

ثمة جانب مسكوت عليه فى المشهد الذى نحن بصدده، يتعلق ببرنامج الفريق أحمد شفيق على الصعيدين الداخلى والخارجى. وقد أخذ الرجل راحته فى الحديث عن سياسته الداخلية أمام غرفة التجارة الأمريكية المصرية، فى حين حدثتنا تصريحات المسئولين الإسرائيليين عن سياسته الخارجية، التى سكت عنها وتجاهلها.

فى 24/5 نشرت صحيفة نيويورك تايمز خلاصة لكلامه أمام غرفة التجارة، عرضه مراسلها فى القاهرة دافيد كيرك باتريك. ولم يفت المحرر أن ينوه فى البداية إلى أن الفريق شفيق ذكر لسامعيه أنه ليس آسفا لأنه اعتبر مبارك مثله الأعلى، وأنه خاض الانتخابات الرئاسية مراهنا على أمرين، أولهما الخوف من الإخوان، وثانيهما الوعد بوقف التسيب الأمنى. أضاف صاحبنا أن المرشح الرئاسى أعلن أمام سامعيه أنه سوف يستخدم القوة المفرطة ولن يتردد فى اللجوء إلى تطبيق عقوبة الإعدام لإعادة الأمن إلى البلاد خلال شهر، ووسط تصفيق النخبة التى رحبت بكلامه سخر الفريق من البرلمان الذى تم انتخابه بعد الثورة، وقال إن الإسلاميين فيه لديهم ميليشيات مسلحة مستعدة لخوض الحرب الأهلية، ولبننة الوضع فى مصر.

فى حديثه عن علاقة المجلس العسكرى بالسياسة نقل المحرر الأمريكى عنه قوله إنه يؤيد قيام الجيش بدور الحامى للشرعية الدستورية فى مصر، كما أنه يؤيد استمرار الإمبراطورية الاقتصادية للجيش، معتبرا أن استمرارها يعد «ضرورة استراتيجية». وذكر اعتقاده أن الفريق شفيق يؤيد أيضا فرض الأحكام العرفية فى حالة الطوارئ، دون حاجة للرجوع إلى البرلمان، وفيما خص اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات السابق، قال صاحبنا إنه إذا أمكن الاستفادة من خبراته فى أى موقع، فينبغى ألا نتردد فى ذلك. وهى المقولة التى قال الصحفى الأمريكى إنها استقبلت بعاصفة من التصفيق.

أما فى الشق المتعلق بالسياسة الخارجية المسكوت عليها بدورها، فإن حفاوة الإسرائيليين به كافية فى إلقاء الضوء على موقفه، حتى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو طلب من وزرائه أن يكتموا فرحتهم، حتى لا تنكشف حقيقة الرجل أمام الرأى العام المصرى ويؤثر ذلك على التصويت لصالحه. وهو ما ذكرته الإذاعة العبرية صراحة مساء يوم 29/5. أما الذين تكلموا من المسئولين الإسرائيليين فقد قال أحدهم إن شفيق سيكون ذخرا لإسرائيل أهم من مبارك، لأنه إذا انتخب فسيكون قد جاء بطريقة ديمقراطية، وقال آخر إنه إذا تحقق ذلك فسيعود ضخ الغاز لإسرائيل. وستعود العلاقة بين القاهرة وتل أبيب إلى «الصفاء» الذى كانت عليه قبل الثورة.

ما يدهشنى فى الأمر أنه فى حين يلوح شبح مبارك ونظامه فى الأفق بقوة، أجد بعض السياسيين والمثقفين فى مصر يتحدثون عن مقاطعة الانتخابات الرئاسية. بدعوى أنهم غير مقتنعين بالمرشحين الاثنين. وهو موقف غريب لأنه يقدم هدية مجانية إلى مرشح مبارك، باعتبار أنهم بذلك يضعفون مركز منافسه. إننى إذ أفهم سبب تحفظهم على الإخوان أو كراهية بعضهم لهم، فإننى لا أتصور أن يكون ذلك سببا كافيا لإفساح الطريق لفوز مرشح مبارك برئاسة مصر.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 15 رجب 1433
5 يونيو 2012

mohamed5175
06-06-2012, 11:42 AM
مبارك فى السجن، صدق أو لا تصدق. من كان يتصور ان تكون هذه نهاية آخر الفراعين المصريين. هو ذاته لم يصدق، حين نقلوه بالطائرة إلى محسبه فى سجن طرة، صدم الرجل وثار وسب الذين حملوه بألفاظ نابية (جريدة «التحرير» ذكرت فى 4/6 انه سب الدين ثلاث مرات لطاقم الأمن المرافق له). استسلم فى النهاية، بعدما رفضت طلباته التى أراد بها ان يستثنى من اللوائح، سواء فى الإقامة أو الرعاية الطبية أو التمريض، أو حتى الهاتف النقال، وحسبما ذكرت صحف الاثنين فإنه عومل كسجين محترم. أعطى الثياب الزرقاء المخصصة للمحكوم عليهم، كما تم تصويره واعطى رقما. بعدما نزعت عنه هالة التقديس التى أحاطت به طوال ثلاثين عاما، بعد ذلك سمح له بزيارة استثنائية شأن غيره من المساجين فى إطار الاحتفال بعيد العمال. ما عاد الزعيم الملهم الذى ولدت مصر يوم ولد، ولم يشفع له ادعاؤه انه بطل الضربة الجوية التى بدأت بها حرب أكتوبر، ولم يأس عليه سوى الإسرائيليين الذين افتقدوا «كنزهم الاستراتيجى». لكنه حوكم أمام القضاء المدنى، الذى وفر له كل ضمانات الدفاع. وحكم عليه بالسجن المؤبد، اشفاقا على عمره الثمانينى، وهو الذى لم يرحم أحدا من خصومه ومعارضيه طيلة سنوات حكمه، ولم يتردد فى احالتهم إلى المحاكم العسكرية لتصدر بحقهم أقسى الأحكام. ظل أسدا علينا طوال سنوات حكمه الثلاثين. فاعتقل نحو 200 ألف شخص (100 ألف من الإخوان و50 ألفا من الجماعة الإسلامية)، وهؤلاء غير الذين تم إعدامهم والذين قتلوا تحت التعذيب، والذين اختفوا ولم يظهر لهم أثر. لكنه فى مواجهة الأمريكيين والإسرائيليين ظل لينا وطيعا فى طيبة الحملان ووداعتهم، الأمر الذى كان محل حفاوة بالغة من جانبهم. لِمَ لا وقد قبل بتعذيب الذين أرادت المخابرات الأمريكية ألا تتحمل وزرهم، وأهدى الإسرائيليين غاز مصر بسعر التراب لمدة خمسة عشر عاما. وتلك صفحة واحدة فى سجل الرجل، الذى يملأ فساد نظامه على الصعيدين السياسى والاقتصادى العديد من صفحاته الأخرى.

لقد أذل مبارك شعب مصر وأهان البلد ودمر سمعته، ومع ذلك لم ينتقم المجتمع منه، رغم ما خلفه من مرارات وجراح، وقدم إلى العدالة لكى تقتص منه، رغم انه أسقط رغما عنه بعد الثورة التى انفجرت ضده، وحاول قمعها بكل السبل، وكان القنص والقتل العمد أحد أكثر تلك السبل شيوعا وأكثرها قسوة وفظاظة.

أجرم مبارك فى حق مصر وأهدر كرامة الشعب والوطن، لكن مصر عاملته بأخلاقها وليس بأساليبه. ظلمها فعدلت معه، وأهانها فاحترمته. وساق الجميع إلى المحاكم العسكرية، فقدمته إلى محكمة مدنية. وليس ذلك جديدا على شعب مصر، الذى ظلم كثيرا وصبر طويلا واختزن تلالا من المرارات والأحزان، لكنه حين فاض به الكيل فإنه لم يعدم أحدا ولم يقتل ولم يسحل. وفى حالات القتل النادرة التى حدثت فإنها نسبت إلى جماعات بذاتها ولم تحسب على المجتمع ككل (حادث قتل النقراشى باشا رئيس الوزراء فى سنة 1948 وقتل السادات فى سنة 1981).

حين قامت الثورة ضد الملك فاروق فى عام 1952، فإنها طلبت منه التنحى والرحيل عن البلد، وقام رئيس مجلس الثورة آنذاك اللواء محمد نجيب بتوديعه قبل سفره، وكان معه السفير الأمريكى. وحين أدى له التحية العسكرية لاحظ الملك أن اللواء نجيب يحمل معه «عصا المارشالية»، فطلب منه انزالها التزاما بالتقاليد، فما كان من اللواء نجيب إلا أن استجاب له. ورحل يخت الملك (المحروسة) بعد إطلاق المدفعية 21 طلقة تحية له.

وحتى حين دب الخلاف بين جمال بعدالناصر واللواء نجيب، وتقرر اقصاء الأخير، فإن غاية ما فعله ضباط الثورة انهم حددوا إقامته فى فيللا بإحدى ضواحى القاهرة. أدرى أن الرجل اسيئت معاملته، لكن حقه فى الحياة لم يمس. وقد كان من اليسير للغاية أن يصفى اللواء نجيب وتطوى صفحته بمضى الزمن، كما هى التقاليد المتبعة فى دول أخرى.

أدرى أن جمال عبدالناصر وأجهزته تعاملوا مع المعارضين بقسوة نالنى وأسرتى جانبا منها، إلا أن النقطة التى أقف عندها هى كيفية تعامل المجتمع مع حكامه، حتى الذين ظلموه منهم.

ذلك كان واضحا للغاية مع الرئيس السابق حسنى مبارك. ولست مع الذين يقولون إن المجلس العسكرى الذى تولى السلطة بعد الثورة جامله كثيرا إلى حد تدليله، سواء حين حدد إقامته فى شرم الشيخ أو حين تم نقله إلى المركز الطبى العالمى فى أطراف القاهرة. ذلك أن المجلس العسكرى بمسلكه ذاك كان ملتزما بقيم المجتمع المتحضر التى ترفض التشفى أو الانتقام، وتؤثر الالتزام بما تقتضيه المروءة ويفرضه الاحترام والعدل.

ما فعله مبارك بمصر اسوأ كثيرا مما فعله الملك فاروق بالبلد وشعبه، ومع ذلك فإن مصر كانت أكرم وأكثر مروءة وشهامة، واحتكمت إلى العقل والعدل، ولم تستسلم للانفعال والغضب. إن الطغاة لا يعتبرون لأنهم لا يرون إلا أهواءهم وبطانتهم أنفسهم، ولابد أن نحمد الله ونشكره على أن شعبنا لم يتعلم شيئا من طغاته.

جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 16 رجب 1433
6 يونيو 2012

mohamed5175
07-06-2012, 11:51 AM
مساء الثلاثاء الماضى (5/6) كنت ضيفا على أحد برامج محطة تليفزيون (بى.بى.سى)، التى كانت فكرته تدور حول تحليل الوضع الراهن فى مصر من خلال تعليقات المواطنين ورسومات الفنانين.

التى تظهر على شبكة التواصل الاجتماعى أو تنشر على صفحات الصحف. وكان بين الحضور ثلاثة من الناشطين والفنانين الذى قدموا بحسبانهم «خبراء» إضافة إلى جمهور كانوا خليطا من الشبان والفتيات من مختلف الأعمار.

قبل بدء التسجيل جلسنا نتحدث عن محاكمة مبارك والانتخابات الرئاسية فى غرفة جانبية، ولاحظت أن شخصا ممتلئ الجسم انضم إلينا، وظل صامتا طول الوقت، فى حين كان يتصبب عرقا وهو يتابع الحديث. وبينما كنا نتكلم رغب أحد الفنانين فى التعرف عليه، فتمتم بكلام غير مفهوم. ويبدو أن صاحبنا شك فى أمره فسأله مباشرة عن رأيه فى محاكمة مبارك، فكان رده أنه متعاطف معه. ثم عاد إلى صمته والعرق يتصبب منه.

لم أكن أعرف أن أحد الناشطين الثلاثة من المتعاطفين أيضا مع مبارك، لكنى اكتشفت ذلك حين طلب منه التعليق على رسم كاريكاتورى صور فلاحة اعتبرها الرسام رمزا لمصر، استوقفت سيارة أجرة وطلبت من السائق أن يحملها إلى ميدان التحرير. وكان الرسم يصور الحالة المصرية وغضب الناس بعد إعلان الحكم على مبارك وتبرئة أعوانه فى وزارة الداخلية،

فى تعليق صاحبنا ــ وهو شاب نحيف بدا متوترا وعصبى المزاج ــ أن التى استوقفت سيارة الأجرة ليست مصر، ولكنها سيدة ترتدى الزى «الإخوانى»، وكأنه أراد أن يقول إن الذين تظاهروا فى ميدان التحرير هم الإخوان المسلمون فقط، وأن الشعب المصرى لم يكن طرفا فى التظاهرة الحاشدة. فى اجترار للشائعة التى تحرص بعض الأبواق على الترويج لها هذه الأيام، التى يراد بها إيهام الرأى العام بأن الصراع الحاصل ليس بين الثورة والثورة المضادة ولكنه ــ كما كان طوال الستين سنة الماضية ــ بين السلطة والإخوان. وهى ذات اللغة التى تحدث بها اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات السابق، فى الحوار الذى نشرته له جريدة الحياة اللندنية، أن ادعى أن الذين عارضوا ترشحه للرئاسة كان الإخوان المسلمون وحدهم، وليس الجماعة الوطنية المصرية.

تدخلت فى الحوار قائلا ذلك تشخيص مغلوط، لأن السيدة التى ظهرت فى الصورة ترمز للفلاحة المصرية العادية، والزى الذى ترتديه شائع فى كل أنحاء مصر، وفى القرى فإن المسلمات والقبطيات يرتدين نفس الزى، (وهو شهد به إدورد لين فى كتابه الشهير «المصريون المحدثون»). سكت صاحبنا ولم يرد، لكنه انفعل حين ظهرت صورة كاريكاتورية أخرى لمبارك فى أشكال متعددة، حيث بدا هو الرئيس وهو المحقق وهو القاضى، فى إشارة إلى أن أصابعه لا تزال تتحرك فى مصر. إذ قاطع الرجل زميلنا خالد عز العرب مقدم البرنامج وهو يتحدث قائلا إنه لا يجوز السخرية من مبارك فما كان منه إلا أن دعاه لأن يلتزم الهدوء أثناء التسجيل لأنه هو الذى يدير الحلقة، وإلا اضطر إلى مطالبته بمغادرة الاستوديو. حينئذ انفعل صاحبنا وهب واقفا واتجه إلى باب الخروج. ولم تكن هى المفاجأة الوحيدة التى أدت إلى إيقاف التسجيل، لأننى فوجئت أيضا بنحو عشرين شخصا كانوا يحتلون ركنا جانبيا (أغلبهم من السيدات والفتيات) نهضوا بدورهم وساروا وراءه، ولاحظت أن فى هذه المقدمة منهم الرجل ممتلئ الجسم الذى كان يتصبب عرقا، وفى خروجهم كانوا يهتفون بما اعتبروه أفضال مبارك علينا، فرد عليهم بقية الجالسين مطالبين بإخراجهم، وظلوا يهتفون «برَّه.. برَّه».

ما حدث خارج الاستوديو لم نعرف به إلا بعد انتهاء التسجيل، إذ قال لنا الفنيون والعمال أن المجموعة كانت تقودهم سيدة بدينة عالية الصوت وبذيئة اللسان ظلت تسب وتشتم وتحاول الاشتباك مع بعض العاملات فى المكان. ووسط الهتافات والهرج حاول بعضهم اقتحام الغرف المجاورة وتعطيل التصوير، إلا أن العاملين احتشدوا وحالوا بينهم وبين ما يريدون. ثم اكتشفوا أن بعض البلطجية والنسوة الأخريات كانوا يقفون بالباب الخارجى، ومعهم لفافات تحمل صور الرئيس السابق. وكانوا قد جاءوا بعد بدء التسجيل ولكن عناصر الأمن منعوهم من الدخول. وظلوا إلى جوار سيارات كانت تنتظرهم فى الخارج.

قيل لى إن ما أنقذ الموقف أن أحد العاملين قال لزملائه بصوت مسموع أن سيارات الشرطة قادمة فى الطريق، الأمر الذى دفع المجموعة إلى المسارعة بالابتعاد واللحاق بالسيارات المنتظرة.

المشهد الذى رأيته كان استنساخا لموقعة فض البلطجية للمؤتمر الصحفى الذى عقد فى نقابة الصحفيين لكشف مخالفات الفريق أحمد شفيق فى وزارة الطيران.. الأهم من ذلك أنه جاء دالا على أن شبكة النظام، القديم لا تزال تعمل. وأن هناك من سرب خبر البرنامج التليفزيونى إلى مسئول فى الشبكة، فرتب بقية التفاصيل. الحشد والبلطجية والنسوة اللاتى كان الأمن يطلقهن على المشاركات فى المظاهرات، إضافة إلى صور مبارك وسيارات الركوب ووجبات الطعام والمثلجات التى وزعت على الجميع. وحين تتم كل تلك الترتيبات للتعامل مع برنامج تليفزيونى، فلنا أن نتصور ما يتم ترتيبه للانتخابات الرئاسية، ليس لصالح الدكتور محمد مرسى بطبيعة الحال.

جريدة الشروق المصرية
الخميس 17 رجب 1433
7 يونيو 2012

mohamed5175
10-06-2012, 09:00 AM
هذا أسبوع الحيرة والبلبلة بامتياز. إذ تعين على كل المصريين وغيرهم ممن تعلقت أبصارهم بالشأن المصرى فى كل مكان أن يحبسوا أنفاسهم طوال الأسبوع انتظارا لما يمكن أن تعلنه المحكمة الدستورية العليا يوم الخميس المقبل، ولو أنه مجرد قلق تعلق بما سيصدر فى ذلك اليوم لهان الأمر، لكنه قلق يثير العديد من الأسئلة حول مستقبل الثورة ومن ثم مستقبل مصر، وقد لا أبالغ إذا قلت إن مستقبل العالم العربى بأسره أصبح بدوره على المحك.

خلال الأشهر السابقة كنا مطمئنين نسبيا دون أن نعرف الكثير عما يجرى وراء الكواليس. وكان مبعث اطمئنانا النسبى أن الأمور كانت تمضى فى مسارها الصحيح. وأنه رغم العثرات والمطبات فإن خطوات تأسيس النظام الجديد ظلت مستمرة، وكانت هناك ثقة فى أن المجلس العسكرى سوف يسلم السلطة فى الموعد الذى أعلنه، وهو 30 يونيو الحالى، خصوصا أنه أوفى بالكثير مما وعد به فى التوجه صوب ذلك الهدف.

هذا الوضع اهتز الآن واختلف. إذ ارتبك الجميع حين فوجئوا بالإعلان عن أن المحكمة الدستورية ستقول كلمتها يوم الخميس القادم 14/6 فى الطعن على قانون الانتخابات وفى دستورية تعديل قانون إفساد الحياة السياسية (العزل)، لم أكن وحدى الذى كان ضحية هذا الارتباك، لأننى ما لقيت أحدا ممن يفترض أنهم يعرفون أكثر منى، إلا ووجدته يسبقنى ويردد ذات الأسئلة التى حِرت فى الإجابة عليها: لماذا الجمع بين القضيتين فى جلسة واحدة؟ ولماذا تذكرت المحكمة الدستورية أخيرا الطعن فى قانون انتخابات مجلس الشعب، بعد مضى أكثر من شهرين على ذلك الطعن الذى قدم فى ظروف مريبة، وقد سبق التلويح به من جانب رئيس الوزراء فى الضغط على مجلس الشعب حين اتجه إلى سحب الثقة من الحكومة؟ وهل هى مصادفة أن يعلن الحكم فى القضيتين قبل 48 ساعة من إجراء الانتخابات الرئاسية؟ وما هى السيناريوهات المطروحة بعد ذلك؟ وهل يمكن أن ينتهى الأمر إلى حل مجلس الشعب وإعادة الانتخابات الرئاسية من جديد؟ وفى هذه الحالة هل يؤدى ذلك الاحتمال إلى تأجيل تسليم السلطة للمدنيين فى 30 يونيو، بما قد يستصحبه ذلك من بقاء المجلس العسكرى فى السلطة إلى أجل قد يطول أو يقصر؟

ما اهتز ليس فقط قدرتنا على الفهم والتفسير، ولكن الأخطر والأسوأ أن ثقتنا فيما يحدث اهتزت وتأثرت. ورغم أننى طول الوقت كنت أحد الذين يرجعون بعض النوازل إلى حسن النية وسوء التقدير، ومازلت حريصا على ذلك، إلا أننى لم أجد فيما يحدث ما يساعدنى على الاستمرار فى الالتزام بذلك الموقف. وإزاء الصمت الرسمى الذى لم يقدم لنا إجابة عن أى من تلك الأسئلة، فإننى لم أعد قادرا على الاستمرار فى إحسان الظن، ولا أريد أن أقطع بإساءة الظن ــ رغم أن أغلب الشواهد ترجح هذه الكفة ــ فإننى لا أملك سوى الإقرار بأننى أشم فيما يجرى روائح غير مريحة وغير مطمئنة، تبعث على التوجس والقلق.

لقد قيل لى إن المحكمة الدستورية حرة فى تحديد مواعيد الفصل فى القضايا المعروضة عليها. وبالتالى لا ينبغى أن يحمل تحديد تاريخ 14/6 للفصل فى القضيتين الحساستين المعروضتين عليها بأكثر مما يحتمل، وإذ احترم هذا الرأى إلا أننى لا أراه مقنعا بما فيه الكفاية، من ناحية لأن تحديد مواعيد النطق بالأحكام حق للمحكمة لا ريب، ولكن ما هو مصيرى وسياسى منها يتأثر بملاءمات الأجواء العامة. إذ كما أنه لا يتصور أن تصدر المحكمة قرارا بالفصل فى شرعية ترشيح أى شخص لرئاسة الجمهورية بعد انتخابه وحلفه اليمين، فإنه يظل من غير الملائم أن يصدر ذلك الحكم قبل 48 ساعة من التصويت. وقد ذكرنى النائب عصام سلطان بأن ثمة طعنا فى دستورية المادة السادسة من قانون الأحكام العسكرية التى تبيح إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية، قدم عام ١٩٩٥، لكن ذلك الطعن ينتظر دوره أمام المحكمة الدستورية منذ 17 عاما، ولم يبت فيه حتى الآن!



مشكلة الشك الذى يتولد عن أزمة الثقة أن بذرته لا تنبت شجرة واحدة، ولكنها تصنع غابة فى نهاية المطاف، أعنى أن القرائن التى بين أيدينا هذه الأيام لا تدعونا فقط لإساءة الظن بترتيب إعلان الحكم فى جلسة الخميس، لكنها أيضا تحرضنا على إعادة قراءة السجل من أوله. بدءا من قتلة الثوار الذين لا يزالون مجهولين إلى الآن ومرورا بتبرئة مساعدى وزير الداخلية، وانتهاء بإقصاء بعض المرشحين للرئاسة، وإعلان ذلك فى الصباح ثم تقديم أحدهم طعنا فى القرار عند الظهر، الأمر الذى أدى إلى إعادته إلى السباق فى المساء. ثم الإسراع بمساندته ودفعه إلى مقدمة السباق الرئاسى فى وقت لاحق.

الحاصل الآن يبرر الحيرة لا ريب، لكنه لا يسوغ اليأس بأى حال، لأنه أيا كان اللغط أو الالتباس والعبث، فالثابت أن هذا البلد شهد ثورة عظيمة دفع الشعب فيها ثمنا غاليا ليحطم قيوده ويخرج من «القمقم»، الأمر الذى يستحيل معه إعادته إلى محبسه مرة أخرى، وأهم ما ينبغى أن نستخلصه من الأزمة التى تمر بها أن الجميع باتوا مدعوين للاستنفار والاحتشاد دفاعا عن الثورة وعن الحلم الذى صار فى متناول أيديهم، فى حين تجمعت الغربان فى الأفق متأهبة لاختطافه منهم.


جريدة الشروق المصرية
السبت 19 رجب 1433
9 يونيو 2012

mohamed5175
10-06-2012, 09:06 AM
من مفارقات هذا الزمان أن ثورة 25 يناير جعلت العالم العربى أكثر اهتماما بالحاصل فى مصر، فى حين أنها جعلت الشعب المصرى أكثر ابتعادا عن العالم العربى وانصرافا إلى شأنه الخاص. وهو ما قد يغتبط له دعاة مصر المصرية، لكنه يحزن أنصار مصر العربية الذين انتسب إليهم.


لقد أثار انتباهى ودهشتى خلال زياراتى لبعض الدول العربية واتصالاتى المستمرة مع الأصدقاء والأشقاء العرب أنهم أصبحوا يتابعون بدقة أدق التفاصيل فى مصر، لدرجة أننى شهدت جلسة فى مدينة جدة امتدت إلى منتصف الليل كان الموضوع الأساسى فيها هو المادة 28 من الإعلان الدستورى الذى حصنت قرارات اللجنة العليا للانتخابات. كنت المصرى الوحيد بين تسعة من السعوديين والعاشر كان سوريا، وخلال الحديث اكتشفت أنهم لا يملّون من مطالعة الصحف المصرية فى الصباح، ويتابعون البرامج الحوارية والتليفزيونية كل مساء، ويحفظون أسماء المشاركين ويتداولون أفكارهم ويحاكمونها.

ولم يكن ذلك أمرا استثنائيا، لأن المشهد تكرر فى بيروت ودبى وتونس والمغرب. وحينما تابعت فى بغداد مؤتمر القمة العربى الأخير، استغربت حين وجدت من لقيتهم مهمومين بالحاصل فى العراق حقا، لكن متابعتهم للشأن المصرى مستمرة ودقيقة.

فى مقابل ذلك لاحظت أن الإعلام المصرى مستغرق إلى حد كبير فى الشأن الداخلى، وغير مكترث بما يحدث فى العالم العربى، أدرى أن الأحداث المحلية مثيرة ولها إيقاعها المتسارع، الذى لا يتيح للآلة الإعلامية المصرية أن تعطى الشأن العربى أو الأحداث الخارجية حقها، لكننى أزعم أن ثمة أحداثا مهمة فى العالم العربى لا ينبغى أن تغيب عن إدراك القارئ المصرى، وإذ أقر بأن الحاصل فى مصر يفرض نفسه على وسائل الإعلام بحيث يحتل أولوية اهتماماتها، لكنى أفهم أنه فى هذه الحالة فإن الشأن العربى ينبغى أن يحتل المرتبة التالية مباشرة، لا أن يرحل إلى الصحفات الداخلية، حيث الأخبار الأقل أهمية. لقد دققت فى الصحف المصرية خلال الأسبوعين الأخيرين، ولاحظت أن الخبر العربى اختفى من الصفحات الأولى، فى حين احتلت الصدارة أخبار محلية بسيطة، بعضها عن أنشطة أحزاب ورقية لا وجود لها فى الشارع المصرى.

هذه الظاهرة ليست جديدة تماما على الإعلام المصرى، لأن لها جذورا ممتدة إلى مرحلة غيبوبة السياسة الخارجية المصرية، والخروج من الصف العربى منذ توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل فى عام 1979. وهى الأجواء التى علا فيها صوت دعاة الانعزال وغيرهم من المطبّعين والمتغربين، الذى روجوا لشعار «مصر أولا»، وجيلنا لا ينسى كيف قوبل الغضب العربى إزاء توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، بهجوم مضاد من إعلام السادات على العرب والعروبة، وكيف أن ارتماء الرئيس السابق فى أحضان الولايات المتحدة وإسرائيل أضعف وشائج مصر العربية، ومن ثم كرس سياسة الانكفاء التى اقترنت بالتغريب، وقيل لنا آنذاك أن مصر بهذه المواصفات صارت أحد أركان محور «الاعتدال» فى المنطقة!

هذه الخلفية رتبت ثلاث نتائج سلبية، الأولى أنها أضعفت متابعة الإعلام المصرى للساحة العربية، والثانية أنها شكلت لدى القارئ إدراكا محليا أفقده الحماس للشأن العربى. النتيجة الثالثة تحولت إلى عنصر ضاغط على أمثالى من المهتمين بأحداث العالم العربى، إذ صار الواحد منا مخيرا بين أن يستجيب لرغبة قارئه ويتجاوب مع اهتمامه الداخلى، وبين أن يدعو القارئ إلى الاهتمام بالدائرة العربية الأوسع وبجذبه خارج نطاق الدائرة المحلية. إن شئت فقل إنه خيار بين ما يقبل القارئ على معرفته، وبين ما يجب عليه أن يعرفه.

إن القارئ المصرى لم يعد مستوعبا تماما لما يحدث فى سوريا من مجازر بشعة وما يحيط بالمشهد من تعقيدات فى الداخل، أو تداعيات له فى لبنان بل وفى المنطقة بأسرها، سواء بالنسبة للعراق أو الأردن وتركيا المجاورة. ولا أظنه على إدراك كاف بالحاصل فى العراق، بدءا بالتغول الإيرانى، أو الخلاف السنى الشيعى، أو الشيعى الشيعى، أو العربى الكردى. ورغم كثرة الحديث عن الربيع العربى الذى فتن به الجميع وتفاءلوا، إلا أن الساحة العربية لا تزال تموج بعوامل القلق والاضطراب فى ليبيا واليمن والسودان والجزائر وفلسطين وموريتانيا وتونس. ولعلى لا أبالغ إذا قلت إن الخبر العربى الوحيد المفرح الذى وقعت عليه فى الأسبوع الماضى كان دعوة رجال الأعمال المصريين إلى إقامة منطقتى تجارة حرة وصناعة على الحدود الليبية، مع تدشين خط للسكة الحديد فائق السرعة بين مصر وليبيا وتونس. وقد تمت المبادرة فى إطار المنظمة العربية للتنمية الصناعية، وقدمت على هامش مؤتمر التعاون الصناعى المصرى التركى الذى انعقد فى بنغازى. وهى الفكرة التى طالما تمنيت أن تنفذ أيضا مع السودان، لإحياء المثلث الذهبى الذى كان ولا يزال حلما يراود دعاة التكامل العربى، الذى يبدأ بمصر وجيرانها.

إن الحلم المصرى سيظل منقوصًا إذا لم يصبح جزءًا من الحلم العربى الكبير.


جريدة الشروق المصرية
الاحد 20 رجب 1433
10يونيو 2012

mohamed5175
11-06-2012, 10:25 AM
حين تتزامن الدعوة إلى مقاطعة التصويت على الانتخابات الرئاسية المصرية مع تصعيد الحملة على المرشح الدكتور محمد مرسى، فإن ذلك لا يدع مجالا للشك فى أن المقاطعة تخدم منافسه الفريق أحمد شفيق. لم يصرح أحد بذلك بطبيعة الحال، ولكن أى تحليل منطقى يوصل إلى تلك النتيجة. خصوصا إذا وضعنا فى الاعتبار طبيعة وحجم القوى التى تقف وراء كل منهما. وهو ما نبهت إليه التغريدة (التويته) التى نشرتها صحيفة «التحرير» أمس (10/6) وسخر فيها صاحبها (أحمد منعم) من الدعايات التى تروج هذه الأيام قائلا (بالعامية التى توليت صياغتها بالفصحى): لو انتخبنا مرسى فلن نستطيع ان نخلعه لأن وراءه جماعة، أما إذا انتخبنا الفريق شفيق فإن ذلك سيكون سهلا للغاية، لأن الذين وراءه ليسوا سوى الجيش والشرطة وأمن الدولة والحزب الوطنى والمخابرات: (لم يذكر جهاز الإدارة ولا الإسرائيليين والأمريكان أو دول «الاعتدال» العربى التى تحالفت مع مبارك).

سلط الشاب صاحب التغريدة الضوء على نقطة إما غابت عن كثيرين أو أن البعض تكتمها وحرص على ألا يلفت الانتباه إليها. ذلك أن الصراع فى الحملة الانتخابية الراهنة يدور فى حقيقة الأمر بين الماكينة الدعائية والإعلامية إضافة إلى الجموع الموالية لكل من المرشحين. وهذا الصراع يستهدف الملايين الواقعة فى الوسط، ولم تصوت لهذا المرشح أو ذاك. وهناك وسيلتان لجذب أو إبعاد تلك الملايين. واحدة تدعو إلى المقاطعة وإبطال الصوت، والثانية تعمّد تشويه أحدهما للآخر.. وهو ما لم يقصر فيه الفريق شفيق.

فكرة المقاطعة تنطلق من رفض المرشحين الاثنين بعد وضعهما فى كفة واحدة، واعتبار أن كلا منهما أسوأ من الآخر. وذلك تصور مغلوط معرفيا وقاصر سياسيا. وكنت قد ذكرت من قبل أنه حين قامت الثورة فإن الدكتور مرسى كان فى السجن، بينما كان الفريق شفيق على رأس الحكومة. من ثم فإن المساواة بينهما لا تفرق بين السجين والسجان، ثم إن الأول كان واقفا فى مربع الثورة، فى حين كان الثانى منخرطا فى قمع الثورة. ناهيك عن أن تغريدة الشاب التى ذكرتها كافية فى التدليل على القوى التى تقف وراء كل منهما.

من الناحية السياسية، فإننى استغرب موقف بعض المثقفين والرموز السياسية الذين قاموا بتبسيط المسألة وقرروا الإضراب عن التصويت، واختاروا الجلوس فى صفوف المتفرجين بحجة أنهم لا يريدون المشاركة فى «إثم» التصويت لأى منهما. وهو أمر لا يستقيم ولا يفهم حين يتعلق الأمر بمصير الوطن ومستقبله، بل ومصير الثورة ذاتها. ذلك ان الاختبار الحقيقى للسياسى لا يكون بتخييره بين الجيد والردىء أو بين الأبيض والأسود. حيث ذلك أمر بمقدور كل أحد. ولكن كفاءته تقاس بقدرته على التميز بين ما هو سىء وأسوأ، والقبول بالسىء مؤقتا لتجنب مضار الأسوأ.

إننى لا أتصور سياسيا فى موقع المسئولية يواجه موقفا من ذلك القبيل، فيؤثر الانسحاب ويغادر الساحة لكى يقعد فى بيته. وهو إذا فعلها فإنه بذلك يعلن عن قصور خياله السياسى وعجزه عن اتخاذ القرار فى المواقف الصعبة.

إن النتيجة الطبيعية للمقاطعة أو إبطال الصوت هى إضعاف الطرف المنتسب إلى الثورة، وترجيح كفة الطرف الممثل للثورة المضادة. ليس ذلك فحسب وإنما إذا استمرت الأمور على ذلك النحو، فإننا سوف نعيد إنتاج معادلة الصراع بين السلطة والإخوان المستمرة منذ أكثر من 60 عاما. وسنجد أن أغلب عناصر العلمانيين والليبراليين واليساريين قد عادوا إلى موقفهم التقليدى الذى انحاز إلى صف الاستبداد للسلطة، مدفوعين فى ذلك بكراهيتهم للإخوان، ومسقطين من حسابهم أية مصلحة وطنية عليا. بل وغاضين الطرف عن الممارسات البائسة للسلطة على صعيد السياسة الخارجية، وقد تابعنا إرهاصات تلك السياسة فى خطاب الفريق شفيق، الذى بدأ مشتبكا مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ومهادنا لإسرائيل، التى لم تخف حفاوتها البالغة باحتمالات انتخابه رئيسا لمصر لتستعيد بوجوده «كنزها الاستراتيجى».

إذا أطل الناظر على الساحة السياسية المصرية الآن فسيجد فيها ثلاث قوى هى: الحزب الوطنى الذى لاتزال له امتداداته فى أرجاء مصر ــ والإخوان ــ وقوى الثورة. وإذا جاز لنا أن نمد بصرنا إلى ما بعد السنوات الأربع الأولى التى هى مدة الرئاسة، فسوف يتراءى لنا مشهدان، إذا انتخب الدكتور محمد مرسى فستكون القوى الموجودة فى الساحة هى الإخوان وقوى الثورة. أما إذا انتخب الفريق شفيق فإن ذلك سيؤدى إلى تنشيط مختلف عناصر الرفض وأركان الثورة المضادة، مستغلة فى ذلك إمكانات الدولة لتثبيت أقدامها وتصفية أو قمع قوى الثورة المضادة، الأمر الذى سيسفر بعد السنوات الأربع عن مشهد تختفى فيه قوى الثورة، وتتم استعادة المواجهة بين الإخوان والحزب الوطنى ــ وكأنك يا أبوزيد ما غزيت!


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 21 رجب 1433
11 يونيو 2012

mohamed5175
12-06-2012, 11:22 AM
لأن الكثير مما يحدث في مصر الآن يتعذر افتراض البراءة في تفسيره، فإن ذلك يستدعي أكثر من سؤال حول مدى إسهام «الدولة العميقة» فيه.




(1)




سبقني إلى طرح السؤال الصحفي البريطاني البارز روبرت فيسك، حين نشرت له صحيفة «الإندبندنت» في الخامس من الشهر الحالي تحليلا استهله بقوله:

هل ظهرت الدولة العميقة على مسرح الأحداث في مصر؟

ــ كان الرجل قد جاء إلى القاهرة وانتابته الحيرة التي عصفت بنا، بحيث لم يجد مفرا من استبعاد احتمال المصادفة في تتابع وقوع العديد من الأحداث. ومن ثم وجد نفسه مدفوعا إلى التساؤل عن وجود دور الدولة «العميقة» فيما جرى ويجري.




ربما كان المصطلح جديدا على قاموس السياسة في مصر لأن النظام المستبد الذي ظل قابضا على السلطة طوال الثلاثين سنة الأخيرة على الأقل لم يكن بحاجة إلى دولة عميقة تحمي مصالح الأطراف المستفيدة منه وتشاغب على الدولة القائمة. ذلك أن سياسة الدولة كانت تخدم تلك المصالح وترعاها.

وهو الوضع الذي اختلف بعد الثورة التي تحاول تأسيس نظام جديد يتعارض مع تلك المصالح.

الدولة العميقة ليست اكتشافا جديدا، لأن المصطلح متداول في دول عدة، بعضها في أمريكا اللاتينية، ثم أنه مشهور وله رنينه الخاص في تركيا بوجه أخص منذ أكثر من نصف قرن.

ويقصد به شبكة العملاء الذين ينتمون إلى تنظيم غير رسمي، له مصالحه الواسعة وامتداداته في الداخل والخارج.

ونقطة القوة فيه أن عناصره الأساسية لها وجودها في مختلف مؤسسات ومفاصل الدولة، المدنية والعسكرية والسياسية والإعلامية والأمنية. الأمر الذي يوفر لتلك العناصر فرصة توجيه أنشطة مؤسسات الدولة الرسمية والتأثير في القرار السياسي.




وللدولة العميقة وجهان،

أحدهما معلن وظاهر يتمثل في رجالها الذين يتبوأون مواقع متقدمة في مؤسسات الدولة والجيش والبرلمان والنقابات إلى جانب مؤسسات الإعلام ونجوم الفن والرياضة.

الوجه الآخر خفي غير معلن يتولى تحريك الأطراف المعنية في مؤسسات الدولة لتنفيذ المخططات المرسومة.




المتواتر في أوساط الباحثين أن المخابرات المركزية الأمريكية هي من غرس بذرة الدولة العميقة في تركيا عام 1952.

واستهدفت من ذلك ضمان التحكم في قرارات قيادات الجيش وصناع القرار وغيرهم من السياسيين الكبار في مختلف مواقع وأجهزة السلطة.

وبمضي الوقت استشرت الدولة العميقة وتطورت، حتى أصبحت كيانا موازيا للدولة الرسمية، وقادرا على الضغط على الدولة الأخيرة وابتزازها.




يطلقون عليها في تركيا اسم «ارجنكون». وللكلمة رنينها الخاص في الذاكرة الشعبية.

إذ تقول الأسطورة إن الصينيين حين هاجموا القبائل التركية أثناء وجودها في وسط آسيا، موطنها الأصلي، فإنهم هزموهم وطاردوهم، بحيث لم يبق من الجنس التركي سوى قلة من الناس احتموا بواد عميق باسم ارجنكون، فتحصنوا فيه وظلوا مختفين بين جنباته سنين عددا.




وبمضي الوقت تكاثروا وضاق بهم المكان ولم يعرفوا كيف يخرجون منه، وحين ظهر في حياتهم الذئب الأغبر فإنه دلهم على طريق الخروج من الوادي،

ومن ثم أتيح لهم أن ينفتحوا على العالم ويقيموا دولتهم الكبرى.

لذلك أصبح الذئب الأغبر رمزا للقوميين الأتراك، وغدت كلمة ارجنكون رمزا للحفاظ على الهوية وبقاء الجنس، إذ لولاه لاندثر الأتراك ولم يعد لهم وجود.

وحين حملت المنظمة ذلك الاسم فإنها أرادت أن توحي للجميع بأن رسالتها هي الدفاع عن تركيا ضد كل ما يهددها.




(2)




منذ تأسيسها ظلت منظمة ارجنكون على خصومة مستمرة مع الهوية الإسلامية في البلد الذي يمثل المسلمون 99٪ من سكانه.

صحيح أن المنظمة مارست أنشطة عدة، مثل غسل الأموال والإتجار في السلاح والمخدرات، لكن تلك الخصومة احتلت المرتبة الأولى، لأنها تذرعت بالدفاع عن العلمانية، التي يعتبرها الكماليون قدس الأقداس في تركيا.




يوما ما نشرت صحيفة «اكيب» صورة لسيدة ترتدي خمارا وإلى جوارها صور لثلاثة أشخاص وكان ذلك ضمن تقرير تحدث عن ممارسة السيدة لأعمال منافية للآداب، اعترف بها الأشخاص الثلاثة.




وتصادف أن وقعت الصحيفة بين يدي أحد الصحفيين الأتراك الذين درسوا في مصر وله متابعته للمجلات العربية.

وما إن وقعت عيناه على الصور المنشورة حتى تعرف على صاحبة الصورة، التي كانت الممثلة المصرية السيدة آثار الحكيم، وانتبه إلى أنها كانت على غلاف مجلة «سيدتي» (عدد 18 يناير سنة 1997).

وحين رجع إلى المجلة وجد أن صور الأشخاص الثلاثة هي لمصريين نشرت صورهم في العدد ذاته، في سياق مختلف تماما.




لم يفاجأ زميلنا الصحفي التركي ــ سفر توران الذي يعمل الآن مستشارا للشؤون العربية بمكتب رئيس الوزراء ــ فما كان منه إلا أن ظهر على شاشة التليفزيون وفضح الصحيفة، حين أظهر للمشاهدين التقرير الذي نشرته، ووضع إلى جواره غلاف صحيفة «سيدتي»،




ولم يكن ذلك هو التلفيق الوحيد، لأن وسائل الإعلام التركية وثيقة الصلة بمنظمة ارجنكون حفلت بالقصص المماثلة التي ما برحت تشوِّه صورة المتدينين وتحاول إقناع الناس بأنهم ليسوا منحرفين سياسيا فحسب، ولكنهم منحطون أخلاقيا أيضا،

حتى أن إحدى الصحف نشرت صورة للسيدة زينب الغزالي، الشخصية الإسلامية المعروفة في مصر وإلى جوارها صورة شبه عارية لفتاة وسط تقرير ادعت الصحيفة فيه أن الفتاة زوجة ابنها وأنها تبيع جسدها للراغبين.




أما المشايخ فقد كان حظهم أوفر من التشهير الذي تعمد تقديمهم بحسبانهم أفاقين وشهوانيين ولا هم لهم سوى ممارسة الجنس والإتجار في الأعراض.

وإذا كانت الصحافة الصفراء قد لجأت إلى ما فعلته بحق السيدة آثار الحكيم والحاجة زينب الغزالي، رحمها الله، فلك أن تتصور مدى الجرأة على الاختلاق والتلفيق الذي بلغته في هذا الصدد.




هذا التشويه الأخلاقي يظل نقطة في بحر إذا ما قورن بحملات التشويه التي ما برحت تخوف الأتراك من عودة الخلافة، ومن «شبح» الشريعة، ومعها إرهاصات التطرف والإرهاب.




وهذه الحملات الأخيرة لا تزال مستمرة حتى الآن، حيث لم تكف الأحزاب المعارضة، القومية واليسارية، عن توجيه الاتهام إلى رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وفريقه بأن لديهم أجندتهم الخفية التي تستهدف إعادة الخلافة وتطبيق الشريعة.

إلا أن الخصومة بلغت ذروتها في عام 1996، حين شكل نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه الإسلامي حكومة ائتلافية، لأول مرة في تاريخ الجمهورية.

وهو ما استنفر المنظمة واستفز عناصر التطرف العلماني. فظهرت تلك التقارير تباعا في بعض الصحف، وأطلقت مظاهرات الدفاع عن العلمانية،

وألقيت قنبلتان على فناء صحيفة الجمهورية العلمانية المتطرفة (مدير تحريرها اتهم بعضوية منظمة ارجنكون)

وقتل أحد المحامين قاضيا في المحكمة العليا،

وفي التحقيق قال المحامي إن القاضي كان يعارض السماح للمحجبات بالدراسة في الجامعات.




هذه المقدمات لم تكن كلها مصادفات، ولكنها كانت من قبيل التسخين وتهيئة الأجواء لنزول الجيش إلى الشوارع، ودعوة مجلس الأمن القومي لاجتماع استمر تسع ساعات في 28 فبراير عام 1997، وإصداره قائمة من القرارات التي استهدفت كلها قمع الإسلاميين وإقصاءهم من أجهزة الدولة وحصار التدين في كل مظانه، الأمر الذي انتهى باستقالة أربكان من منصبه وبإغلاق حزب الرفاه الذي يرأسه.




(3)




حين تولى حزب العدالة والتنمية السلطة بعد أن فاز بالأغلبية في عام 2002، كان طبيعيا أن يفتح ملف الدولة العميقة، حيث كان مفهوما أن الصدام قادم لا محالة على منظمة ارجنكون،

وقد سارع بفتح الملف أن أجهزة الأمن كانت تراقب شقة سكنية بإحدى ضواحي إسطنبول. وحين اقتحمتها عثرت فيها على مخزن للأسلحة وعدة وثائق بالغة الأهمية.

إذ وجدت بها قنابل من نفس الطراز الذي ألقى على صحيفة الجمهورية، كما عثرت على صورة للمحامي قاتل القاضي مع أحد الجنرالات المتقاعدين.

وصورة أخرى لقائد الشرطة العسكرية السابق، الذي يعد أحد أهم خمس قيادات عسكرية في البلاد،

وصورة لجنرال ثالث مع مؤسس جمعية الدفاع عن الأفكار الأتاتوركية.

وكانت تلك الوثائق بين الخيوط المهمة التي تتبعتها أجهزة الأمن والتحقيق التي توصلت إلى ملفات أخرى في تنظيم أرجنكون الجهنمي.




في الرابع من شهر مايو الماضي نشرت صحيفة «حريث» التركية أن 19٪ من جنرالات الجيش أصبحوا خلف القضبان بعدما أدت التحقيقات الجارية في قضية أرجنكون إلى اعتقال 68 جنرالا منهم.




وقد اتهموا بتنفيذ مخطط سياسي وإعلامي للإطاحة بحكومة أربكان في عام 1997، من خلال الضغط على بعض النواب والساسة ووسائل الإعلام للتحريض ضد الحكومة وإسقاطها، إضافة إلى تصفية مؤسسات اقتصادية وجمعيات إسلامية، وتقديم كشوفات بأسماء حوالي 6 ملايين شخص فصلوا من عملهم بأجهزة الدولة أو روقبوا أو منعوا من العمل أو التقدم في أي نشاط سياسي أو اقتصادي.




في 17/4 نشرت صحيفة الحياة اللندنية أن قرارا صدر باعتقال الجنرال المتقاعد والنائب السابق لرئيس الأركان شفيق بيير وتسعة من رفاقه، بعد اتهامهم بتنفيذ الانقلاب على حكومة أربكان.




وأضافت أن الجنرال بيير خضع لتحقيق مطول تطرق إلى سؤال عن دور إسرائيلي أو أمريكي في الترتيب للانقلاب.

كما سئل عن تعاون فنانين وممثلين معه لإنتاج مسلسلات درامية تحدثت عن خطر الإسلاميين وعمدت إلى إشاعة الخوف من تأسيس جماعات إسلامية متطرفة، للإيحاء بأن ثمة خطرا يهدد البلاد.




(4)




حين يستعرض المرء على مهل تفاصيل أنشطة منظمة أرجنكون، فإن مسلسل الأحداث التي شهدتها مصر منذ بداية الثورة في 25 يناير من العام الماضي وحتى الآن، يظل ماثلا أمام عينيه طول الوقت.




سيجد أن طرفا مجهولا رتب موقعة الجمل،

وفتح السجون وهاجم أقسام الشرطة،

وأطلق الرصاص على المتظاهرين،

وآثار الإضرابات والاعتصامات،

وأجج الفتنة الطائفية،

ورتب خطف السيارات واقتحام البنوك،

وحرض على حصار مجلس الوزراء،

واقتحام وزارة الداخلية وتهديد وزارة الدفاع،

كما أقدم على إحراق المجمع العلمي

واقتحام المتحف المصري

ودبر مذبحة إستاد بورسعيد،




وسوف تستوقفك في السياق حكايات المرشحين للرئاسة الذين استبعدوا فجأة والذين أعيدوا فجأة،




كما لابد أن تثير انتباهك تلك الحملة الشرسة التي تستهدف تخويف المجتمع بكل فئاته من الإسلاميين، وترويعهم من مغبَّة اقترابهم من مواقع السلطة أو جهات إصدار القرار.




قد لا يخلو الأمر من التعسف إذا ربطنا بين كل تلك الوقائع ووضعناها في سياق واحد، لكنك لن تخطئ إذا ما وجدت تشابها كبيرا بين الذي يجري في مصر وبين ما فعلته ومازالت تفعله منظمة أرجنكون، خصوصا فيما تعلق بإثارة الفوضى في البلاد، والتخويف من الإسلاميين وتلطيخ صورتهم بالأوحال والأوساخ.




الفرق الأساسي بيننا وبينهم أنهم هناك عرفوا من المدبر والفاعل، أما نحن فمازلنا نضرب أخماسا في أسداس، وتتراوح بين العبط والاستعباط، لكن أحدا لا يستطيع أن ينكر مع ذلك أن في مصر دولة عميقة تعمل في صمت وتقبع في الظل، وإن لم نعرف لها اسما بعد.
جريدة الشرق القطرية
الثلاثاء 22 رجب 1433
12 يونيو 2012

mohamed5175
13-06-2012, 10:34 AM
تجربة تشكيل لجنة المائة التى يفترض أن تضع الدستور المصرى الجديد جاءت كاشفة لجوانب مهمة للمشهد السياسى بعد ثورة 25 يناير، من ذلك مثلا أنها سلطت الضوء على مفهوم القوى المدنية، وكيف أعادت تشكيله بعض عناصر النخبة المصرية التى فرغت المصطلح من مضمونه واعتبرت نفسها الوكيل الحصرى له، ومن ثم أعطت نفسها الحق فى تصنيف الآخرين بإجازتهم أو إقصائهم.

فنحن حتى عهد قريب كنا نعرف أن القوى المدنية هى تلك التى تحترم القانون وتتحرك فى إطاره، فى حين تسعى إلى إقامة دولة المؤسسات التى تؤمن بالديمقراطية وتداول السلطة. والمدنية بهذا المعنى ليست مقابلا للعسكرية.

ولكنها صيغة تخرج من حكم الفرد وهواه إلى حكم المؤسسة والقانون. وهذه هى الخلفية المتعارف عليها لدى علماء الاجتماع السياسى. وقد استندت إليها وانحزت إلى صفها حين كتبت قبل نحو عشر سنوات مقالا كان عنوانه: دفاع عن المجتمع المدنى. وكان ظنى ولايزال أن المدنية بهذا المفهوم بمثابة قيمة سياسية واجتماعية لا علاقة لها بالأيديولوجية، سواء كانت مرجعية دينية أو علمانية، إذ كما أن الحضارة الإسلامية أسهمت فيها بدور بارز مؤسسة «الوقف» الذى نقلته عنها التجربة الغربية، فقد استقرت الصيغة المؤسسية فى المجتمعات العلمانية.

وإذا كانت تلك الصيغة قد أصابها الخلل فى بعض الأقطار الإسلامية، فإنها واجهت المصير ذاته فى بعض المجتمعات العلمانية. أعنى أن ذلك إذا كان قد حدث فى أفغانستان طالبان، فإنه تكرر بصورة أسوأ وأتعس فى ظل حكم الأسد بسوريا وبن على فى تونس، وهما ينتسبان إلى الأصولية العلمانية.

فى حالة لجنة الدستور وبعدما انتقد كثيرون هيمنة أغلبية الإخوان والسلفيين على تشكيلها الأول، الذى أبطلته المحكمة الإدارية العليا، فإن عملية إعادة التشكيل التى استمرت خلال الأيام العشرة الأخيرة استهدفت تمثيل مختلف شرائح المجتمع الأوسع.

وتخليص اللجنة من هيمنة الحزبين الإسلاميين. وهى العملية التى مرت بأطوار عدة تتعدد فى شأنها التفاصيل والروايات، لكن أهم ما فيها أن بعض أحزاب الأقلية نحت جانبا المضمون المتعارف عليه فى شأن القوى المدنية، فلم تعد مهتمة بفكرة المؤسسية أو احترام القانون ولا المصالح العليا المرجوة منهما، ولكنها اعتبرت المدنية نقيضا للدينية، فى تعريف شوه المصطلح وأفرغه من مضمونه العلمى والتاريخى. وبتلك الصيغة المبتدعة فإنهم أحدثوا قطيعة بين الدينى والمدنى. بالتالى لم يعد مستساغا لديهم القبول بمدنية أية جهة منتسبة إلى الواجهة أو المرجعية الإسلامية. كانت نتيجة ذلك أن مؤسسة مثل الأزهر جرى تصنيفها ضمن قوى الإسلام السياسى، كما أن حزب الوسط الذى قدم نفسه منذ نحو 15 عاما بحسبانه حزبا مدنيا ديمقراطيا له مرجعيته الإسلامية، رفض ضمه إلى القوى المدنية. وعند مناقشة ترشيحات الأعضاء فإن حزب غد الثورة رشح أحد الأشخاص ليكون ضمن حصة القوى المدنية.

ولكن ترشيحه قوبل بالرفض، وحين أثار ذلك دهشة البعض، قيل لواحد منهم همسا إن الشخص المرشح مشكوك فى مدنيته، لماذا؟ ــ لأن آثار السجود فى الصلاة كانت ظاهرة على جبهته.
!
هذا الموقف المستغرب بالإضافة إلى قرائن أخرى مماثلة جاء كاشفا عن حقيقة بات من الضرورى الالتفات إليها، وهى أن وصف المدنية فى الحوار الجارى بمصر لم تعد له علاقة بما نعرفه عن مضمونها، وإنما هو فى حقيقة الأمر مجرد قناع يخفى وجها آخر مختلفا تماما. ذلك أننا لسنا بصدد صراع بين ما هو مدنى ودينى، وانما هو فى جوهره حلقة فى الصراع الممتد بين القوى العلمانية والمهيمنة منذ الاستقلال وبين القوى الإسلامية الصاعدة. إن شئت فقل إن هدف الاشتباك الراهن ليس الدفاع عن مدنية الدولة بالمفهوم المتعارف عليه، ولكنه إقصاء أو إضعاف التيار الإسلامى الذى يحاول أن يثبت حضورا ويكتسب شرعية فى ظل الوضع السياسى المستجد.

ليس عندى دفاع عن مواقف أو أخطاء المنتسبين إلى ذلك التيار الأخير، فذلك ملف آخر له كلام آخر، إنما أكثر ما يعنينى هو إزالة ذلك الالتباس الذى ظلم المدنية حين اختزلها فى العلمانية واعتبرها قناعا لها. أدرى أن ذلك ليس موقفا جديدا.

وأن العلمانيين أدركوا خلال السنوات الأخيرة أن المصطلح سيئ السمعة فى مصر، ولذلك سعوا إلى اخفائه فى ثنايا المدنية، ولو أنهم أسقطوا القناع وصارحوا الناس بالحقيقة لكانوا أكثر صدقا وشجاعة، خصوصا أن العلمانية ليست شرا كلها، علما بأن النموذج التركى دال على إمكانية المصالحة بين العلمانية من ناحية وبين الإسلام والديمقراطية من ناحية ثانية. إلا أن ذلك طور فى الممارسة الديمقراطية لم نبلغه بعد فى مصر، لأنه يتطلب تسلحا بدرجة من التسامح والثقة لم تتوافر بعد لمختلف القوى السياسية.





جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 23 رجب 1433
13 يونيو 2012

mohamed5175
17-06-2012, 01:06 PM
«التوافق» سلاح بحدين، إذ قد يكون مفتاحا للتصالح والوئام، وقد يكون حزمة ألغام لا تتوقف عن الانفجار طول الوقت. حتى أزعم أنه يعد أحد العناوين الأكثر التباسا وغموضا فى الحياة السياسية. ذلك ان أحدا لا يستطيع أن يجهر بأنه ضد «التوافق»، ولكن الخلاف يمكن أن يظهر والاشتباك يمكن أن ينطلق إذا حاولنا الإجابة على السؤال: التوافق مع من وحول ماذا؟. الأمر الذى يذكرنا بشعار «الحوار» الذى تردد فى الفضاء السياسى يوما ما، ولم يستطع أحد أن يرفضه فى حينه، إلا أننا اكتشفنا لاحقا أن باسمه أريد أن نساق إلى التطبيع مع إسرائيل من خلال الجلوس حول مائدة «الحوار». وأذكر أننى تعرضت لموقف من ذلك القبيل، فما كان ممن دعانى إلا أن قال: هل أنت ضد الحوار؟ ــ وتطلب الأمر منى شرحا مطولا لكى أقنعه بأن الحوار مع الغاصب والمحتل له أساليب عدة، ليس من بينها الجلوس حول طاولة الحوار إبان احتدام المواجهة.

ما أفهمه أنه يستحيل التوافق مع كل أحد، لسبب جوهرى هو أنه يستحيل إرضاء الجميع، لكنى أزعم أن الحوار الايجابى هو ذلك الذى تتوفر له ثلاثة شروط. الأول أن يتم بين القوى الرئيسية التى تمثل الأغلبية فى المجتمع، والثانى أن يتم على أرضية الثقة المتبادلة بين تلك القوى. أما الشرط الثالث فهو أن يسفر التوافق عن طمأنة الرأى العام واستقرار السلم الأهلى. إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة فى مصر على الأقل، ذلك أن تعريف القوى الرئيسية ليس متفقا عليه، لأن الفضاء السياسى فى مرحلة ما بعد الثورة بات حافلا بالعناوين واللافتات الجذابة والرنانة، التى لا علاقة لها بالأوزان على الأرض. وحين اختبرت تلك العناوين فى الانتخابات التشريعية، فإن ذلك لم يوقف اللغط والحيرة والضجيج. خصوصا بعدما فازت الفصائل الإسلامية بأكثر من 70٪ من مقاعد مجلس الشعب. ورفع وتيرة اللغط والحيرة أن تلك الفصائل ــ الإخوان المسلمون تحديدا ــ خسرت فى المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية نصف الأصوات التى حصدتها فى التشريعية. وبدا أن الجماعة فى موقف أضعف نسبيا مما كانت عليه قبل أربعة أشهر. وذلك مما رفع من أسهم أحزاب الأقلية التى نازلتها وتحدَّتها فى تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، مستثمرة فى ذلك الخطأ الذى حدث فى التشكيل الأول للجنة، حين أرادت أحزاب الأغلبية فى البرلمان أن تحتفظ بأغلبيتها داخل لجنة الدستور. وهو ما لم يكن مقبولا ولا مفهوما.

فى هذه الأجواء برز شعار «التوافق» الذى بدا مخرجا منطقيا وضروريا من الأزمة. وحين قطعت المشاورات بين القوى السياسية شوطا بعيدا باتجاه الاتفاق حول تشكيل لجنة الدستور، فان أحزاب الأقلية ذات الوزن الانتخابى المتواضع نجحت فى التشويش على عملية التوافق وحاولت تعطيلها، مستندة فى ذلك إلى أحد عناصر القوة المؤثرة فى المشهد السياسى، وهو الإعلام. ذلك أن الذين تابعوا الاجتماعات التى سبقت الإعلان عن تشكيل لجة الدستور لاحظوا أن الإعلام تحول إلى قوة ثالثة فى التجاذب الحاصل بشأن التشكيل، والذى كان فى جوهره من تجليات الاشتباك بين قطبى المواجهة الحاصلة فى الساحة السياسية المصرية، وهما الإسلاميون من جانب والعلمانيون من جانب آخر.

ولعلى لا أبالغ إذا قلت إنه إزاء تنامى قوة الإعلام فإن قيمة الجماعات السياسية خصوصا فى مجتمعات العالم الثالث، التى ترتفع فيها معدلات الأميِّة، لم تعد تقاس بالضرورة بمعيار حضور تلك الجماعات على أرض الواقع، ولكنها باتت تقاس أيضا بمدى انتشارها فى وسائل الإعلام، لذلك شاع القول بأنه لم يعد مهما كثيرا ما إذا كنت قويا أو ضعيفا فى الشارع، بل لا يهم ما إذا كنت مصيبا أم مخطئا، لأن الأهم دائما هو ما يقوله عنك الإعلام، والصورة التى يرسمها لك فى أذهان الناس.

قوة الإعلام وضعتنا أمام تحد جديد. ذلك انها باتت تقدم لنا أحزابا وهمية وزعامات وهمية، الأمر الذى يؤدى إلى استقوائها، بما يدفعها إلى ابتزاز القوى الحقيقية وإضعاف مكانتها، ومن ثم إقامة العقبات أمام مساعى التوافق المرجو.

أغلب الظن أن ذلك الخلل وثيق الصلة بمرحلة الفراغ السياسى التى تعانى منها مصر بعد سقوط النظام السابق، الذى لم يصادر السياسة فحسب ولكنه أيضا أفسد المناخ السياسى، وظل معتمدا على الأحزاب الصورية والوهمية طول الوقت. يشهد بذلك ان الانتخابات التشريعية الأخيرة بينت لنا أن كل الأحزاب التى كانت «شرعية» طوال الثلاثين سنة الماضية، اختفت ولم يعد لها وجود، فى حين كان الفائز الأكبر فى تلك الانتخابات هو «الجماعة المحظورة».

هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إن ابتذال التوافق فى الوقت الراهن وثيق الصلة بالمرحلة الانتقالية التى تمر بها، وان تقدم مصر على طريق الديمقراطية الحقيقية كفيل بضخ دماء جديدة فى الحياة السياسية، تسمح بإقامة توافق حقيقى يقوم على الثقة المتبادلة، المطلوبة لتحقيق الانطلاق نحو المستقبل.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 24 رجب 1433
14 يونيو 2012

mohamed5175
17-06-2012, 01:09 PM
نشرة أخبار يوم الخميس 14/6 عرضت علينا قائمة بإنجازات وأنشطة الدولة العميقة فى مصر. فى الصباح صدرت التعليمات لقوات الشرطة والجيش بأن تحيط بمبنى مجلس الشعب. عند الظهر أعلن قرار المحكمة الدستورية العليا بحل مجلس الشعب وإبطال قانون العزل، الأمر الذى ورط البلد فى فراغ دستورى لم يكن فى الحسبان. قبل ذلك بساعات كان قرار المحكمة قد طبع سرا فى المطبعة الأميرية لكى ينفذ على الفور. فى ذات الوقت صدرت التعليمات للقوات التى توجهت إلى مقر مجلس الشعب بمنع دخول الأعضاء إليه لأنهم فقدوا صفتهم. اكتشفنا فى ذات اليوم أن وزير العدل فوض الشرطة العسكرية وعناصر المخابرات العامة فى ممارسة الضبطية القضائية، فى إعلان جزئى عن عودة قانون الطوارئ. هذا الانقلاب الناعم إذا لم يكن مرتبا من قبل الدولة العميقة، فهل يصدق عاقل أنها مجرد مصادفات؟

المؤشرات تبعث على الحيرة وتثير القلق والشك، فالقضية التى تنظرها المحكمة الدستورية وتستغرق عدة سنوات قد تصل إلى خمس أو عشر، وجدناها تحسم فى أسبوعين بعد مرافعة شفوية متعجلة. ونشر الحكم بالجريدة الرسمية الذى يفترض أن يتم خلال 15 يوما على الأقل.. خلال ساعات. والشرطة التى كانت تؤدى التحية لرئيس مجلس الشعب وأعضائه، أصبحت مطالبة بمنعهم من الدخول إلى مكاتبهم. وما حسبناه شَدَّة أذن من جانب رئيس الحكومة، الذى لوح أمام رئيس مجلس الشعب بقضية حله، اكتشفنا أنها طعنة فى القلب. والتعبئة الإعلامية الشرسة التى استهدفت إثارة النفور والكراهية للإسلاميين، ولم نأخذها على محمل الجد فى حينها، تبين أنها جزء تمهيدى لسيناريو فيلم الخميس. وهى الخلفية التى تشير بوضوح إلى أن ما جرى كان انقلابا يضعنا أمام منعطف جديد وخطر فى مسيرة الثورة. ولئن بدا لأول وهلة أنه مصادفات تثير التساؤل، وبعضها يتعذر أخذه على محمل الجد. تبين أنه سيناريو محكم الإخراج وقد يخدع المواطن العادى. ذلك أنه يعطى لأول وهلة انطباعا بأن هذه الإجراءات استهدفت الخلاص من وجود الإخوان والسلفيين فى مجلس الشعب، وربما كان ذلك صحيحا نسبيا. لكننا إذا دققنا فى الوقائع جيدا، فسنكتشف أن المستهدف أبعد من ذلك بكثير، وأن السهم الحقيقى مصوب نحو الثورة، لفتح الطريق أمام تقدم الثورة المضادة.

المشهد يستدعى إلى الذاكرة ثلاثة سيناريوهات هى:

السيناريو الجزائرى، وبداياته كانت فى آخر عام 1991 حين طبق نظام التعددية الحزبية فى عهد الرئيس الأسبق الشاذلى بن جديد، وخاضت جبهة الإنقاذ الإسلامية الانتخابات التشريعية منافسا لحزب جبهة التحرير المحتكر للسلطة. وتبين أن جبهة الإنقاذ اكتسحت الدور الأول من الانتخابات. فسرت فى أوساطها النشوة، وتصرف بعض أعضائها فى بعض الولايات وكأنهم حكام جدد سيقلبون نظام البلد رأسا على عقب. وهى التصرفات التى أزعجت البعض، فى حين وجدها قادة الجيش المهيمن على البلد فرصة لإجهاض التجربة وإفساد العرس.

فضغطوا على الرئيس الشاذلى بن جديد لإلغاء الانتخابات، ولكنه رفض فأجبروه على الاستقالة فى عام 1992، ثم شكلوا مجلسا رئاسيا كان وزير الدفاع الجنرال خالد نزار هو الشخصية الأبرز فيه. ثم استدعوا أحد المناضلين القدامى محمد بوضياف وعينوه رئيسا، لكنه ما لبث أن قتل فى ظروف غامضة. ولقمع قوة الإسلاميين الصاعدة، فإن الأجهزة الأمنية ألقت القبض على نحو 30 ألف شخص منهم، الأمر الذى استنفر زملاءهم ودفعهم إلى مقاومة القمع بالعنف. وهو ما أدخل البلد فى حرب شبه أهلية يسمونها هناك «العشرية السوداء»، التى استمر فيها القتال طول عشر سنوات، وأسفر عن قتل أكثر من 300 ألف مواطن جزائرى. وهى الصفحة الدامية التى لم تطو إلا فى سنة 2000، بعد تولى الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة السلطة، وأطلق ما سمى بميثاق السلم والمصالحة، الذى فى ظله ألقت الجبهة الإسلامية سلاحها بالكامل وأطلق سراح قادتها.

السناريو الرومانى، وخلاصته أن فصيلا منشقا عن الحزب الشيوعى يحمل اسم «جبهة الإنقاذ» ـ أيضا ـ شكل حزبا سياسيا خاض به أول انتخابات ديمقراطية جرت بعد سقوط الرئيس شاوشيسكو. ومن خلال كوادر الحزب الشيوعى وأذرعه التى كانت منتشرة فى القرى فاز الحزب بالأغلبية، واستطاع رئيس الحزب ايون اليسكو أن يتقلد الرئاسة فى سنة 1992، الأمر الذى أعاد رومانيا إلى قبضة كوادر الحزب الشيوعى مرة ثانية.

السيناريو الأوكرانى، الذى فى ظله فشلت قوى الثورة فى التوصل إلى توافق فيما بينها يطمئن الجماهير ويستجيب إلى طموحاتها، فضاقت بها واعتبرت الثورة التى قامت سنة 2004 عبئا عليها. من ثم ازداد حنينها إلى النظام القديم مرة أخرى. وفى أول انتخابات حرة جرت فى عام 2010 اختارت الجماهير العودة إلى النظام القديم، حين فاز فيكتور يانكوفيتش بالرئاسة فى تلك الانتخابات، وهو من أسقطته الثورة البرتقالية قبل ست سنوات. وكان السبب أن النظام البديل الذى قاده فيكتور يوشينكو فشل فى عملية الإصلاح، حتى اعتبره الناس أسوأ من سابقه.

رغم تشابه الخلفيات فإننى أستبعد السيناريو الجزائرى المجلل بالدم، ليس فقط لأن الإخوان هجروا العنف منذ عدة عقود، ولكن لأن الجماعة المقاتلة فى مصر راجعت موقفها وانتقدته وتجاوزته، إلا أن الباب لا يزال مفتوحا على مصراعيه أمام الاحتمالين الأخيرين، الرومانى والأوكرانى، اللذين يطل منهما الماضى بقوة. هذا إذا لم يفتح الله علينا بحل من عنده ينقذ الثورة من إرهاصات تصفيتها التى تلوح فى الأفق.

جريدة الشروق المصرية
السبت 26 رجب 1433
16 يونيو 2012

mohamed5175
17-06-2012, 01:11 PM
أكبر غلط أن يقول قائل إن ما بين المرشحين للرئاسة فى مصر هو صراع بين ممثل الدولة الدينية ومرشح الدولة المدنية. وهو كلام يمكن أن يؤخذ باعتباره نكتة اعتمادا على أن الدكتور محمد مرسى له لحية فى حين أن كل صلة الفريق شفيق بالمدنية ينحصر فى كونه ظل وزيرا للطيران «المدنى» لمدة تسع سنوات تقريبا، خلع خلالها ثيابه العسكرية وظل يرتدى الثياب «المدنية». لكنك إذا انطلقت فى ذلك من كون الدكتور مرسى ينتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين التى لها «مرشد» يمكن أن يؤثر على قراراته، فإن المقارنة عندئذ لن تكون فى صالح الفريق شفيق الذى رشحته مشيخة الطرق الصوفية وأيده فصيل منسوب إلى جماعة «الجهاد». ذلك أن مرشد الجماعة ــ إذا صح أن له كلمة فى الموضوع ــ فكل ما يصدر عنه يؤخذ من كلامه ويرد. أما عند الصوفية فعلاقة المريد بالشيخ تصفها أدبياتهم بأنها كالميت بين يدى مغسله، بمعنى أنها حالة استسلام كامل. ولا أعرف رأى الفريق فى مجموعة تنظيم الجهاد التى أيدته، والتى لا ترى غير العنف والسلاح سبيلا للتغيير فى المجتمع. الأمر الذى يضطرنا إلى إعادة النظر فى تعريف «المدنية» التى يرمز إليها الفريق. أما إذا أردنا أن نأخذ الأمر على محمل الجد، فسوف نكتشف أننا بصدد صراع موهوم بين مشروعين افتراضيين، لا علاقة بالرجلين بهما. فموضوع الدولة الدينية ليس واردا فى مصر، كما أن الفريق شفيق لا علاقة له من قريب أو بعيد بالدولة المدنية. إلا فى الحدود «المدنية» التى سبق ذكرها.

إننى أستغرب ما يتحدث به البعض عن احتمالات إقامة الدولة الدينية فى مصر. وأرجح أنهم يلوحون بذلك لمجرد التشهير والتخويف لا أكثر، حيث لا يخطر على بال أى أحد أن عاقلا فى هذا الزمان يمكن أن يدعى أنه ظل الله فى الأرض وأن كلامه تعبير عن المشيئة الإلهية. وإذا اختل عقله وفعلها تحت أى ظرف، فإن أحدا لا يتصور أن المجتمع يمكن أن يقبل منه ذلك. وأغلب الظن أنه سيتحول إلى مادة للتندر والسخرية. هذا إذا لم يطالب البعض بإيداعه فى أحد مستشفيات الأمراض العقلية.

صحيح أن الدين ظل العامود الفقرى وحجر الأساس فى الدولة الإسلامية على مدى تاريخها، لكن ذلك لم ينشئ دولة دينية بالمفهوم السائد فى التجربة الغربية. حيث لم يمنح الحاكم ولا السلطة قداسة من أى نوع، الأمر الذى شجع أحد المسلمين على أن يقول فى وجه الخليفة الثانى أبوبكر الصديق: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا. وهى ذات الحقيقة التى جعلت تكليف الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يستهدف أهل السلطة بالدرجة الأولى. وهى ذاتها التى قننت وحرضت المسلمين على مقاومة الظلم، وأنتجت ما يعرف بفقه الخروج على الحاكم الجائز، الذى يستأثر بالسلطة والمال، إلى غير ذلك من الأدلة والقرائن التى تجعل الترويج لفكرة الدولة الدينية بمثابة شائعة خبيثة سيئة النية، أو مزحة ثقيلة تبعث على الاستياء والامتعاض.

المروجون لفكرة الدولة الدينية لم يكتفوا بذلك، وإنما انتقوا من كل بلد له علاقة بالإسلام أسوأ ما فيه وخوفوا الناس من اقتباسه فى مصر. من فرض الحجاب فى إيران، إلى محاربة الفنون وإغلاق البنوك فى أفغانستان طالبان، إلى منع النساء من قيادة السيارات فى السعودية، إلى مهاجمة الحانات فى تونس، وصولا إلى انفصال الجنوب فى السودان ــ ولأسباب مفهومة لم يخطر على بال أحد منهم أن يكون حظ مصر أفضل، بحيث تمضى فى الطريق الذى سلكته تركيا أو ماليزيا أو حتى إندونيسيا.

التدليس فى مسألة الدولة الدينية قابله كذب صُراح فى ادعاء تمثيل الدولة المدنية من جانب المرشح الآخر. ناهيك عن التغليط غير البرىء فى وضع المدنى نقيضا للدينى، بعد العبث بالمصطلح وتفريغه من مضمونه، ومن ثم تحويله إلى أداة فى الصراع السياسى بدلا من استثمار الفكرة الأصلية لصالح المصلحة الوطنية العليا. ذلك أن المرشح الذى يريد إقناعنا بأنه رمز للدولة المدنية، فى حين يعتبر مبارك مثلا أعلى له، وتعتبره إسرائيل كنزا استراتيجيا أكثر أهمية من رئيسه السابق، لا يخدعنا فحسب، وإنما يهين الدولة المدنية ويشوه صورتها.

حتى إذا أدخل بعض التعديلات وركَّب بعض الأقنعة على نظام مبارك الذى يمثله فإن ذلك لا يمكنه أن يطمس حقيقة الدولة البوليسية الكامنة فى تلافيف النظام. وقد أفصح الرجل عن ذلك فى حديثه إلى غرفة التجارة المصرية الأمريكية، الذى فضحته صحيفة «نيويورك تايمز»، وقوبل بتصفيق حاد من قبل رجال الأعمال الحاضرين، حسبما ذكرت الصحيفة الأمريكية.

حين قرأت قول المرشح المحترم الذى كان رئيس وزراء مبارك «إننا صنعنا ثورة ناجحة» مراهنا على بلاهة وغباء الشعب المصرى، الذى لم ينس أنه كان رئيس الوزراء المسئول سياسيا عن معركة الجمل، فإننى لم استغرب اجتراءه على الادعاء بأنه يمثل الدولة المدنية. لقد صرنا بإزاء صراع مفتعل بين أكذوبتين، واحدة تخوفنا من الدولة الدينية، والأخرى تخدعنا باسم الدولة المدنية، والأولى مجرد وهم أطلق فى الفضاء الإعلامى والثانية تحولت إلى ورقة توت لستر عورة نظام مبارك ــ لذا لزم التنويه.

جريدة الشروق المصرية
الاحد 27 رجب 1433
17 يونيو 2012

mohamed5175
18-06-2012, 12:13 PM
إذا ألقينا نظرة سريعة إلى الوراء، قبل أن تخطف أبصارنا نتائج الانتخابات الرئاسية، سنكتشف أن من بين ما تم ابتذاله خلال الأسابيع الماضية مصطلح «المسافة الواحدة». ذلك أنه ما من مسئول فى موقع حساس إلا وتحدث عن التزامه بالمسافة الواحدة بين المرشحين، واعتبر أن التصريح بذلك يشكل غطاء كافيا لتحيزاته على أرض الواقع. فالمجلس العسكرى أعلن مرارا أنه يقف على مسافة واحدة، فى حين أن ممارسته التى تجلت أمامنا أخيرا شككتنا فى دقة تلك المقولة. واللواء حمدى بدين قائد الشرطة العسكرية قالها بمنتهى الثقة والقطع، فى الوقت الذى كان رجاله يحرسون تحركات أحد المرشحين. والمفتى الدكتور على جمعة لم يقصر فى إثبات وقوفه على مسافة واحدة من المرشحين، لكنه حذر من التلاعب بالدين فى الانتخابات. والأنبا باخوميوس قائم مقام بطريرك الكنيسة الأرثوذوكسية أكد حكاية الالتزام بالمسافة الواحدة، فى حين نشرت الصحف مرارا، آخرها أمس، أن الكنيسة حشدت أنصارها لصالح الفريق أحمد شفيق. والدكتور كمال الجنزورى انضم بدوره إلى جانب فريق المسافة الواحدة، فى حين أن جهاز الإدارة له انحيازه المعروف... إلخ.

الإعلام «القومى» وأغلب قنوات التليفزيون وبرامجه لم تستخدم المصطلح صراحة ولكنها لم تكف عن الحديث عن الموضوعية والنزاهة، وكانت حقا تستضيف الجميع مع ترجيح واضح لكفة مرشح دون آخر، الأمر الذى ذكرنى بالحوارات التى تجرى فى بعض المحافل، وتدعى إليها كل الأطراف. ولكن يمثل الطرف الليبرالى والعلمانى عشرة أشخاص، فى حين يدعى واحد فقط أو اثنان من الطرف الإسلامى. ويقال للملأ إن الجميع موجودون. ثم لا يعطى الواحد أو الاثنين فرصة للحديث. وتكون النتيجة أن ينقض العشرة عليها من كل صوب ويعلن انتصار الأولين «واكتساحهم» للآخرين.

بمضى الوقت فقد مصطلح المسافة الواحدة رنينه وتم تفريغه من مضمونه. وتحولت اللغة فى هذه الحالة إلى أداة ستر وتضليل وليس إبانة وتوصيل. الأمر الذى أدى إلى طمس معالم خريطة المواقف والتحيزات الثقافية والسياسية، وجعلنا نستحضر فى العديد من المواقف المثل الشائع الذى يقول: أسمع كلامك أصدقك، أتابع أمورك أستعجب.

إزاء ذلك فلا مفر من التعامل مع المصطلحات التى تستخدم فى الاشتباك أو التجاذب السياسى بحذر. إذ ليس يكفى أن يعلن الرمز أو المسئول موقفا إيجابيا حتى نصدقه ونطمئن إليه، وإنما يتعين أن نؤجل حفاوتنا به حتى نتثبت من أن الممارسات على أرض الواقع تؤيد ذلك الموقف وتجسده. بكلام آخر فإننا لا ينبغى أن نصدر حكما لمجرد استماعنا إلى إجابة السؤال ماذا، وإنما نتعين أن نتوصل أيضا إلى الإجابة الصحيحة على السؤال «كيف».

الحقيقة التى يتعين الاعتراف بها ــ خصوصا بعد خبرة الأشهر الأخيرة ــ أن حكاية المسافة الواحدة فى الفضاء المصرى كانت ــ ومازالت ــ أكذوبة كبرى.. إذ لم يلتزم بها أغلب الذين تفرض عليهم مسئولياتهم الوظيفية والمهنية أن يحافظوا على تلك المسافة. ليس فقط من قبيل المسئولية الأخلاقية والأمانة المهنية، ولكن أيضا حفاظا على صدقيتهم وتعزيزا للثقة فيهم.

إذا وسعنا الدائرة قليلا وحاولنا أن نسبر أغوار الظاهرة، فسنجد أن المسألة أعمق من كونها مجرد تلاعب بالألفاظ أو إهدارا للمعانى. ذلك أن استعمال اللغة فى التضليل والتمويه من تجليات افتقاد المجتمع إلى الشفافية. إن شئت فقل إنه من علامات النفاق والرياء، التى يعتبرها عبدالرحمن الكواكبى فى كتابه «طبائع الاستبداد». حيث لا يملك أحد جرأة مواجهة الآخر بوضوح وشجاعة. فالسلطة المستبدة تنافق المجتمع وتستر قبح ممارساتها بخطاب تتجمل به وتدغدغ مشاعر الناس، ورجالها ورموز الدولة المستبدة يسيرون على ذات الدرب، وتصبح الحقيقة هى الضحية فى نهاية المطاف.

فى الحالة المصرية لا مفر من الاعتراف بأن مؤسسات الدولة وجهاز الإدارة وأبواق الإعلام لها تحيزاتها الثابتة التى لم تتغير منذ أكثر من ستين عاما استمر خلالها الصراع بين السلطة والإسلاميين، وأن ما نحن بصدده الآن ليس سوى استمرار ذلك الصراع، ربما بوسائل أخرى. وهو وضع لن يتغير إلا إذا نجحنا فى إقامة المجتمع الديمقراطى الذى ننشده. الذى تترسخ فيه قيمة احترام الآخر، ويتسلح الجميع بالشفافية التى تطهر الفضاء السياسى والثقافى من الكذب والنفاق، وتلك لعمرى رحلة طويلة، مازلنا نتعثر فى خطواتها الأولى.

جريدة الشروق المصرية
الاثنين 28 رجب 1433
18 يونيو 2012

mohamed5175
19-06-2012, 12:01 PM
إلى ظهر الخميس الماضى 16/4، كنت أعرف إلى أين نحن ذاهبون. إلا أنه منذ ذلك الحين وبعد إعلان الانقلاب الذى هز الساحة السياسية فى مصر، صرت عاجزا عن الإجابة على السؤال، لأننى لم أعد أرى إلا نفقا مظلما وأسئلة مؤرقة.


(1)

لى صديق لم يكن مطمئنا إلى ما يجرى فى مصر منذ سقوط النظام السابق. وظللت أتلقى منه رسائل على هاتفى المحمول بين الحين والآخر، يردد فيها عبارة واحدة تشير إلى أن ما يحدث يفتقد إلى البراءة، وأنه بمثابة «فيلم هندى». وطوال الأشهر الماضية كنت أقاوم فكرته تلك. مرجحا احتمال سوء التقدير فيما حل بنا من نوازل، ومستبعدا سوء النية. لكنى بعد صدمة الخميس ما عاد بمقدورى أن أرد به على ملاحظته، وإنما صار السؤال الذى يشغلنى هو: هل هو حقا فيلم هندى، أم أمريكى؟! ــ ذلك أن ما جرى يفتح الباب واسعا لإساءة الظن بالأطراف التى تقف وراءه. فضلا على أنه يهدى أنصار فكرة المؤامرة نقطة ثمينة لصالحهم، ناهيك عن أنه يكشف لنا عن أن ثمة خطرا حقيقيا يهدد الثورة المصرية، الأمر الذى لا أشك فى أنه سيكون له صداه السلبى على مختلف تجليات الربيع العربى.

فى ذلك اليوم الحزين ــ الخميس ــ حلت بمصر أربع كوارث لم تخطر على البال. هذا الكلام ليس لى، ولكنه رأى المستشار سمير حافظ رئيس محكمة الاستئناف السابق، الذى عرض تلك الكوارث على النحو التالى:

● الأولى تمثلت فى قرار وزير العدل اعطاء ضباط الجيش سلطة الضبطية القضائية، بالمخالفة لصريح القانون. ذلك أن نص قانون الإجراءات الجنائية (المادة 23) يخول وزير العدال حق التفويض لممارسة تلك السلطة بالنسبة لبعض الموظفين فى حالة الجرائم التى تدخل فى اختصاصهم وتتعلق بأعمال وظائفهم. بمعنى أن التفويض مقيد بشرط وقوع الجرائم فى دائرة اختصاص الموظف، كما هو الحال بالنسبة لمفتشى العمل ومفتشى الأغذية ومأمورى الجمارك. ولما كان ضباط الجيش لهم وظيفة أصلية لا علاقة بها بما يجرى فى الشوارع والميادين، فإن الاستثناء لا يشملهم. وبالتالى فإن قرار وزير العدل يصبح باطلا لمخالفته النص الصريح فى هذا الصدد.

● الكارثة الثانية إن المستشار حاتم بجاتو عضو لجنة الانتخابات رفض تسليم بيانات الناخبين لمرشحى الرئاسة بحجة أن ذلك يشكل مساسا بالأمن القومى للبلاد، فضلا على أن قانون انتخابات الرئاسة لا ينص على ذلك. وذكر أن تلك البيانات توزع على مرشحى الانتخابات البرلمانية لأن القانون يسمح بذلك. وهو منطق معوج، لأن البيانات اعتبرت من قبيل الأمن القومى فى الانتخابات الرئاسية حين لم ينص عليها القانون. فى حين انها ذاتها لم تعد كذلك حين نص عليها القانون فى الانتخابات البرلمانية.

● الثالثة أن حكم المحكمة الدستورية العليا أبطل فى المنطوق انتخاب ثلث أعضاء مجلس الشعب، لكنه وسع الدائرة فى الأسباب، وقرر بطلان كل المجلس. فى تميز وتعسف ظاهرين. علما بأن الحجية فى الحكم للمنطوق وحده، ولا حجية لما يترتب عليه من نتائج ترد فى الأسباب. خصوصا أن الأحكام القضائية تقوم على اليقين القانونى ولا تقوم على الاحتمالات الواقعية.

● الكارثة الرابعة تتصل بقانون العزل، لأن ثمة خطأ قانونيا جسيما فى احالته إلى المحكمة الدستورية. ذلك أن القضية الأصلية التى كانت طعنا من جانب أحد المرشحين المستقلين أمام محكمة ابتدائية، كان ينبغى أن تحال إلى دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا، ولكنها أحيلت لسبب غامض ومريب إلى المحكمة الدستورية العليا، واتخذت ذريعة لتهديد مجلس الشعب بالحل، ثم أصبحت ذريعة لحله كما رأينا.

(ملحوظة: هذا الكلام قيل قبل ظهور الكارثة الخامسة المتمثلة فيما سمى بالإعلان الدستورى المكمل الذى كرس سلطة المجلس العسكرى حتى مع وجود رئيس منتخب للجمهورية).


(2)

فى رأى المستشار أحمد مكى نائب رئيس محكمة النقض السابق أن كل ما أعلن يوم الخميس من قرارات وأحكام مجرحة قانونا، وباب المنازعة فيها أمام المحاكم مفتوح على مصراعيه، وأن مرجعية السياسة وتأثيرها عليها أقوى من مرجعية القانون. الأمر الذى لا يثير فقط علامات استفهام كبيرة حول الهدف من كل ذلك فى التوقيت الراهن، وإنما أيضا يستدعى فتح ملف استقلال السلطة القضائية وتحصينها ضد مظان الغواية والاختراق من جانب السلطة التنفيذية.

أضاف المستشار مكى أن قرار المحكمة الدستورية الذى أبطل مجلس الشعب دون حاجة إلى إجراء آخر، لا مثل له فى تاريخ القضاء المصرى. وهو يفتح الباب لتداعيات سلبية كثيرة. لأن المجلس الذى انتخبه الشعب لا تحله المحكمة الدستورية أو أية جهة قضائية أو تنفيذية أخرى. وحين تم ذلك فى السابق، فى عامى 84 و87، فإن حل المجلس تم بعد الاستفتاء على ذلك، بمعنى الشعب الذى انتخب المجلس هو الذى تم الرجوع إليه فى حله. وقد نص دستور عام 1971 فى المادة 136 على أن الحل لا يكون إلا عند الضرورة، ويجب أن يشمل قرار الحل دعوة الناخبين لإجراء انتخابات جديدة لمجلس الشعب فى موعد لا يتجاوز ستين يوما، وهو ما لم يحدث.

إزاء ذلك فإن منطوق الحكم حين أعفى المجلس العسكرى من اتخاذ أى إجراء لحل المجلس اكتفاء بما ورد فى المنطوق فإنه ترك الأمر معلقا وقادنا إلى مستقبل مجهول حافل بجميع الاحتمالات والشرور.


(3)

الوضع كله مرتبك من الناحيتين القانونية والسياسية، الأمر الذى يضع مصير الثورة فى مهب الريح. فالمؤسسة الشرعية الوحيدة التى تم انتخابها فى ظل النظام الجديد (مجلس الشعب) أطاح به حكم الدستورية. وليس معروفا مصير الطعن فى طريقة تنفيذه، وهل سيشمل الحل ثلث المجلس فقط، كما قال منطوق الحكم أم أنه سيشمل المجلس كله. كما ذكرت الحيثيات. وفى رأى المستشار طارق البشرى أن المجلس العسكرى لا يملك سلطة حل المجلس. كما أنه لا يملك حق إصدار إعلان دستورى مكمل. فضلا على أنه لا يستطيع أن يدعى استرداد سلطة التشريع فى غياب مجلس الشعب، لأنه لم يكن أصيلا فى ممارسة تلك السلطة، التى انتقلت إلى البرلمان بمجرد انتخابه، وصار هو الطرف الأصيل فى الموضوع.

لا أعرف إلى أى مدى ستؤثر نتائج الانتخابات الرئاسية على ذلك الوضع المرتبك (لاحظ أن المقال كتب قبل الإعلان الرسمى للنتائج). لكن هناك عدة أمور جديدة بالملاحظة فى هذا الصدد فى مقدمتها ما يلى:

● إن ثمة علامات استفهام حائرة ومحيرة يثيرها تتابع تلك العواصف قبل 48 ساعة من انتخابات الرئاسة، وقبل نحو أسبوعين من تسليم السلطة للمدنيين، الذى يفرض أن يتم يوم 30 يونيو، حسب الوعد الذى أعلنه المشير طنطاوى. فإذا كان النظر فى قانون العزل مفهوما لتحديد موقف أحد المرشحين قبل التصويت، فليس مفهوما أن يحل مجلس الشعب فى نفس الوقت، بما يرتبه ذلك من ارتباك وفراغ تشريعى.

● إن هناك انطباعات متواترة تذهب إلى أن الأمر كان مرتبا من جانب الدولة العميقة التى استثمرت إلى مدى بعيد أخطاء الإخوان ورصيدهم المتراجع، كما استثمرت حالة الضيق بالثورة التى أعربت عنها بعض الدوائر التى تأثرت مصالحها بالمليونيات والاعتصامات والإضرابات.

● إن حل مجلس الشعب قبل إجراء الانتخابات الرئاسية استهدف تعزيز موقف المجلس العسكرى فى مواجهة الرئيس الجديد. فإذا كان الفريق شفيق فإنه سيصبح جزءا متجانسا مع المجلس الحاكم، لن يستطع أن يقاوم ضعوطه أو يرفض طلباته. أما إذا كان الدكتور مرسى فإنه سيصبح رئيسا ضعيفا. لا يتكئ على أى قوة برلمانية أو سياسية. وإذا سارت الأمور كما يشتهر آخرون، وتم حل جماعة الإخوان والحزب المتفرع عنها، استجابة للدعوى التى يفترض أن ينظرها القضاء اليوم (الثلاثاء) فإن ذلك سيحول الدكتور مرسى فى هذه الحالة إلى موظف لدى المجلس العسكرى بدرجة رئيس.

● إن العصف بالجمعية التأسيسية للدستور بعد حل البرلمان، الذى دعا إليه البعض، سوف يسترضى بقية القوى السياسية الأخرى المعارضة للإخوان، ويمكنها من صياغة الدستور على النحو الذى تشتهيه، دون أى مقاومة أو إزعاج من جانب ممثلى التيار الإسلامى. ولأن التشكيل الحالى للجمعية ينبغى ألا يتأثر بحل المجلس، على فرض استمراره، باعتبار أن التشكيل كان صحيحا وصدر به قرار من المجلس حسب الإعلان الدستورى، فضلا على أن الحكم ببطلان المجلس لا يستصحب بطلان ما صدر عنه من أعمال، فالمعلومات المتوافرة تقول إن ثمة التفافا ماكرا يجرى لحل الجمعية التأسيسية. ويتمثل ذلك الالتفاف فى تكثيف الضغوط على الأعضاء لتوسيع نطاق الانسحاب من الجمعية، بحيث يؤدى ذلك إلى انحلالها بما يجنب اللجوء إلى حلها.



(4)

أهم ما ينبغى أن تلاحظه أن أهداف الثورة ومصيرها ليست واردة فى السياق، كما أن القطيعة مع النظام السابق لم تعد مطروحة، ولكن المطروح بقوة هو استمرار دور المجلس العسكرى واستنساخ النظام القديم مع إدخال بعض التعديلات التجميلية عليه، أما محور الصراع الدائر فلم يكن سوى حصص المتصارعين من السطة والنفوذ، الأمر الذى يعنى أن ملف الثورة جرى تنحيته من على الطاولة. وأن الكلام عنها ــ إذا صار ــ فإنه لم يعد يتجاوز صرف تعويضات أسر الشهداء وعلاج المصابين، كأننا بصدد الدخول فى مرحلة إزالة آثار الثورة. (لاحظ أن أحد أهم وعود الفريق شفيق إعادة انضباط المرور فى القاهرة، الذى أفسدته المليونيات).

المسألة لم تعد نفقا مظلما دخلته الثورة وسط حفاوة نفر من محترفى السياسة والثقافة وأعوان النظام السابق، لكنها نقطة تحول فى مسار الربيع العربى كله. وأحسب أننى لست الوحيد الذى تلقى تعليقات الدهشة والقلق التى انتابت أوساط النشطاء العرب حين صدمتهم أخبار الانقلاب الذى حدث فى مصر يوم الخميس.

ومن المصادفات ذات الدلالة فى هذا السياق أنه فى اليوم الذى بدا فيه التصويت بين مرشحى الرئاسة فى مصر، أعلن فى تونس عن تشكيل حزب جديد لفلول النظام السابق باسم «حركة نداء تونس»، وقد أسسه الباجى قائد السيسى (85 سنة) الذى كان بدوره رئيسا سابقا للوزراء(!!) ــ فى حين أطلق النشطاء مظاهرة مضادة له ظلت تهتف: لا رجوع.. لا رجوع لعصابة المخلوع.

سأدع التعليق لك. لكنى تلقيت رسالة على هاتفى من صديق تونسى يقول: كنا روادا فى الثورة ولا نريد لمصر أن تكون رائدة فى انتكاستها. وإذا وضعت هذه الخلفية جنبا إلى جنب مع التزوير الفاضح الذى تم فى انتخابات الجزائر التشريعية، الذى باركته الدوائر الغربية، والاضطرابات التى تحدث فى ليبيا والقلق المتنامى على ثورة اليمن، فلعلك تتفق معى أن الربيع العربى تجاوز مرحلة المد ويُراد له أن يدخل فى مرحلة الجزر. وهى نبوءة سوداء أتمنى أن تكذبها الأيام.

جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 29 رجب 1433
19 يونيو 2012

mohamed5175
20-06-2012, 11:25 AM
لم ينتبه كثيرون إلى أصداء الانتخابات الرئاسية المصرية فى إسرائيل، أو فى العالم العربى، وقد أشرت قبلا إلى بعض هذه الأصداء الأخيرة، فى حين لاحظت أن صحفنا عنيت بإبراز ما نشرته الصحافة العالمية حول الحدث الكبير. إلا أن أغلب الظن أن المصريين الذين سهروا يتابعون النتائج حتى فجر أمس الأول (الاثنين 18/6) لم يخطر على بالهم أن بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل لم يغمض له جفن فى تلك الليلة، وإنما ظل ساهرا يتابع النتائج حتى أدرك مع طلوع شمس الاثنين أن الفوز كان من نصيب الدكتور محمد مرسى، وأن الفريق أحمد شفيق، خياره الذى تمناه، لم يحالفه التوفيق فى المعركة.

ليس ذلك استنتاجا من عندى، ولكنه خبر بثه التليفزيون الإسرائيلى فى نشرة أخبار الساعة السابعة صباح الإثنين، إذ ذكر أن نتنياهو ظل إلى ساعة الفجر الأولى يتابع نتائج الانتخابات المصرية، وأنه أجرى مشاورات عاجلة مع مستشاريه بعد إعلان فوز الدكتور مرسى.

لم يكن ذلك هو الصدى الوحيد، لأن وسائل الإعلام الإسرائيلية أبرزت الحدث فى اليوم ذاته (الإثنين) على صدر صفحاتها الأولى وفى مقدمة عناوينها. ومما قالته قناة التلفزة الثانية فى نشرة أخبار السابعة صباحا أن نتنياهو كان قد حث الرئيس الأمريكى أوباما على قيادة حملة دولية تشارك فيها بعض الدول العربية لمساندة الفريق شفيق وإنجاحه فى مهمته إذا فاز فى الانتخابات. وكان مراسل التليفزيون الإسرائىلى فى واشنطن قد ذكر أن العديد من الدول بذلت جهودا هائلة من وراء الكواليس لإنجاح الفريق شفيق فى الانتخابات. (هل يستدعى ذلك العديد من الأسئلة المثارة حول حملته الانتخابية الباذخة، والتفاف عدد من شخصيات النظام السابق حوله).

فى نشرة الساعة السابعة صباحا من ذات اليوم (الإثنين) ذكرت الإذاعة العبرية أن الأوساط السياسية الإسرائيلية أصيبت بصدمة كبيرة، بعدما توالت الأنباء التى رجحت فوز الدكتور مرسى، خصوصا أن التقييمات المسبقة التى نقلتها واشنطن إلى تل أبيب كانت تؤكد أن فوز الفريق شفيق حتمى، وأنه سيصبح رئيس مصر المنتخب.

معلق الإذاعة العبرية ذكر صبيحة اليوم ذاته (18/6) أنه يجب رفع القبعة تقديرا للشعب المصرى، لإصراره على التحول الديمقراطى، «رغم شعورنا بالمرارة لاختياره مرسى تحديدا». إلا أن إذاعة الجيش الإسرائيلى نقلت فى نشرة الثانية عشرة ظهرا تصريحا لوزير الخارجية أفيجدور ليبرمان قال فيه إن: «مصر أصبحت أخطر مئات المرات من إيران، ويجب على إسرائيل أن تستعد لمواجهة الواقع الجديد».

الوزير الإسرائيلى الأسبق بنيامين بن أليعازر (مهندس العلاقات مع مبارك) قال للإذاعة العبرية، فى تصريح بثته فى الساعة الحادية عشرة صباحا إن: مصالح إسرائيل والغرب باتت متعلقة بمدى قدرة المجلس العسكرى فى مصر على الحفاظ على صلاحياته، لذلك فإن احتفاظ المجلس بمعظم الصلاحيات يمثل مصلحة قومية لنا، وإضعافهم يضر بنا. وأضاف قوله إن فوز الدكتور مرسى يعنى تغيير البيئة الاستراتيجية بشكل كارثى لإسرائيل، وعليها الاستعداد لمواجهة أسوأ السيناريوهات.

رئيس مجلس الأمن القومى الإسرائيلى السابق جيورا ايلاند صرح للإذاعة العبرية فى نشرة الساعة الثانية بعد ظهر الإثنين بأن فوز مرسى سيفاقم المخاطر الاستراتيجية على إسرائيل، خصوصا فى حال سقوط نظام الأسد فى المستقبل.

وسط هذه الأجواء التى خيمت على إسرائىل، تناقلت وكالات الأنباء فى نفس اليوم (18/6) أن مواطنا إسرائيليا قتل جراء إطلاق النار عليه فى منطقة نيتسانا فى النقب الغربى، على امتداد الحدود الإسرائيلية المصرية، وعلى الفور خرج وزير الدفاع إيهود باراك ليصرح من خلال راديو «صوت إسرائيل» بأن الحادث «مؤشر على تصعيد خطير وتدهور فى السيطرة المصرية على الأوضاع الأمنية فى سيناء» ثم استطرد موجها حديثه إلى الرئيس المصرى الذى أسفرت نتائج الانتخابات عن نجاحه قائلا إنه يتعين «العمل على استعادة السيطرة الأمنية على شبه جزيرة سيناء لوضع حد للهجمات الموجهة ضد إسرائيل. «وفى الوقت ذاته دعاه إلى الالتزام بجميع التعهدات الدولية بما فيها اتفاقية السلام المبرمة بين البلدين والترتيبات الأمنية المترتبة عليها».

الرسالة واضحة. فإسرائيل التى صدمت بإسقاط مبارك كانت مطمئنة إلى فوز الفريق شفيق وثقتها كبيرة فى أنه سيعود بمصر إلى سياسة حليفها وكنزها الاستراتيجى السابق. وحين خاب أملها فإنها لجأت إلى الابتزاز وبدأت التلويح بضعف السيطرة الأمنية على سيناء، بما يهدد أمن إسرائيل، ولوحت بالضغط على الرئيس المصرى الجديد لكى يقوم بدور الحارس لأمنها والمدافع عنها، بصرف النظر عما تفعله هى، من جرائم يومية ترتكب بحق الفلسطينيين تستهدف تصفية القضية وتهدد الأمن القومى المصرى.

لقد كنت ومازلت أدعو إلى ترحيل ملف العلاقات المصرية الإسرائيلية فى الوقت الراهن. والتركيز على استعادة عافية الوضع الداخلى أولا، لكننا أحيانا نصادف موقفا نصبر فيه على الهم لكنه يصر على أن يلاحقنا ويفرض نفسه علينا. ولست أدعو فى هذه الحالة إلى الاستسلام إلى هذه الملاحقة الخبيثة، لكننى أدعو فقط إلى فهم ما يجرى والانشغال باستعادة العافية المصرية، وليس بالأمن الإسرائيلى. وفى الوقت نفسه، أرجو أن ينتبه الذين أيدوا الفريق شفيق إلى حقيقة المعسكر الذى انضموا إليه والصف الذى التحقوا به.


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 30 رجب 1433
20 يونيو 2012

mohamed5175
21-06-2012, 11:39 AM
البعض يريد تصوير الأزمة الراهنة التى تمر بها مصر الآن باعتبارها اشتباكا بين المجلس العسكرى والإخوان، وكأنه حلقة فى الصراع الدائر منذ نحو ستين عاما بين السلطة و«الجماعة المحظورة». وهو تصوير مضلل يراد به التعتيم على حقيقة الانقلاب الذى شهدته مصر فى «خميس النكوص» الفائت (14/6)، الذى كان فى حقيقته تعطيلا لمسيرة الثورة، وتنصيبا لولاية العسكر وتحقيقا للتوريث بإخراج جديد. إذ بدلا من أن يتم التوريث فى إطار الأسرة، أريد له أن يتم فى إطار القبيلة.



وقبل أى استطراد فى الموضوع، أذكر بأن ما قلته ينسحب على البعض وليس الكل، ذلك أنه إذا كان هناك من وقع فى المحظور ورحب بالانقلاب لسبب أو آخر، ففى المقابل هناك آخرون كانوا أكثر وعيا وبراءة، فلم تخدعهم الإشارات المضللة وكان بمقدورهم أن يدركوا الحقيقة كما هى، ومن ثم فإنهم رأوا فى الانقلاب خطرا على الثورة، وأعطوا الاشتباك مع الإخوان حجمه الطبيعى، باعتباره عرضا جانبيا وليس محركا أساسيا.



إذا أردنا أن نتصارح أكثر، فمن جانبى أقرر أن ما حدث فى خميس النكوص سيئ الذكر لم يشوه حلم الذين تعلقت آمالهم بالثورة فحسب، ولكنه أفقدنا الثقة فيما يصدر من قرارات، بحيث ما عاد بمقدورنا أن نفترض فيها البراءة التى غلبت على تقدير كثيرين منا خلال الشهور التى مضت. ولما حدث ذلك، فإن هذا الشعور دفعنا إلى إعادة قراءة الأحداث التى وقعت أثناء تلك الفترة من منظور جديد، لنخرج منها بقراءة وانطباعات مغايرة. وهو ما يكاد يقنعنا الآن بأن المجلس العسكرى قرر أن يحكم، ولم يعد مكتفيا بإدارة المرحلة الانتقالية. التى بدا أجلها مفتوحا إلى مدى لا يعلمه إلا الله. تجلى ذلك فى موقفه الذى لم يتغير إزاء السلطة المدنية التى نصَّبها من البداية إذ ظلت مجرد أداة للمجلس العسكرى، لا تبادر ولا تقرر ولكنها تنفذ ما يريد المجلس، فى استنساخ لأسلوب مبارك فى الحكم، الذى ظل طول الوقت يعتبر الوزراء سكرتارية له، ورئيس الوزراء ليس سوى السكرتير الأول. ولم يعد سرا أن الحكومات التى تشكلت بعد الثورة لم تختلف عن سابقاتها من هذه الزاوية.



لقد سقطت الأقنعة ورفعت الأستار يوم خميس النكوص، الذى وجه فيه المجلس العسكرى سلسلة من الضربات الموجعة التى عصفت بالآمال المعلقة على استمرار المسيرة وتسليم إدارة البلد إلى السلطة المدنية المنتخبة فى الثلاثين من شهر يونيو الحالى. وكانت خلاصة الرسالة أو مجموعة الرسائل التى تلقيناها منذ ذلك الحين تقول إن المجلس العسكرى فوق السلطة وليس جزءا منها، ولأنه انتخب نفسه فليس لأحد عليه ولاية، ثم إن هناك فرقا بين وجاهة السلطة وممارستها. والوجاهة من نصيب المدنيين المنتخبين. أما إصدار القرار، فإن لم يكن بيد المجلس العسكرى فللأخير حق الاعتراض عليه. ومن لا يعجبه ذلك فالمحكمة الدستورية ــ التى صارت إحدى أدوات المجلس العسكرى ــ هى الحل.



المشكلة الآن أن النظام الديمقراطى الذى قامت الثورة لتحقيقه أصبح فى حده الأدنى مشروعا مؤجلا، وحلما معلقا فى الفضاء. كما اننا اكتشفنا بعد ستة عشر شهرا من الثورة أن نظام مبارك أصبح يطل علينا من جديد، بشخوصه حينا وأدواته وقيمه فى أحيان عدة، ولا مفر من أن نقرر أن العراك الذى ظل يدور بين القوى السياسية طوال الأشهر التى خلت ودخل فى طور العبث حين قسم البلد إلى قوى مدنية وأخرى دينية، كان فخا كبيرا وقع فيه الجميع. ذلك أنه شغلهم واستهلك طاقاتهم فى الوقت الذى كانت تنسج فيه من وراء خيوط الدولة البوليسية، التى لا هى مدنية أو دينية.



للأسف فإن تلك الغيبوبة مازالت مستمرة عند البعض، ممن لم يفيقوا بعد من صدمة الإجراءات الأخيرة. وهؤلاء هم الذين لايزالون يتوهمون أنها أزمة بين المجلس العسكرى والإخوان، ويروجون لمزاعم انتهاء شهر العسل بين الطرفين، غير مدركين أن الثورة وأهدافها والقطيعة مع النظام السابق، هى جوهر الخلاف، وكل ما عدا ذلك فروع ونوافل.



أدرى أن ثمة أناسا آخرين مهمومون بإقصاء الإخوان وتصفية الحساب معهم بأى ثمن، ولأجل ذلك فإنهم لا يبالون بهزيمة الثورة وانتكاسها. وليس لنا كلام مع هؤلاء، لأن لهم معركة لا شأن لها بالوطن ومصيره. ذلك أن خطابنا موجه فقط للذين لايزال لديهم بقية من بصر أو بصيرة جعلتهم يحبون الوطن بأكثر مما يكرهون الإخوان.


جريدة الشروق المصرية
الخميس غرة شعبان 1433
21 يونيو 2012

طالبة الجنة
22-06-2012, 02:05 AM
مقال رائع صراحه بستغرب جداً من كتاب ومثقفون لازالوا يقعوا فى نفس الخطأ كنا نظنهم كبار ولا يبيعون الوطن من أجل عداوة الاخوان ولكنهم سقطوا فى اعينينا لانهم شتروا العسكرى ورضاة وباعوا الثورة والثوار

mohamed5175
23-06-2012, 12:54 PM
الخبر السيئ أن مصر تتعرض هذه الأيام لما يمكن أن نسميه «تسونامى الشائعات» التى تغذى التوتر والبلبلة. أما الخبر الأسوأ فهو أن ممارسات السلطة وتسريبات دوائرها ضالعة فى ذلك، الأمر الذى يضيف الشكوك إلى التوتر. ويشيع الخوف من المجهول القادم.

فهمنا الشائعات التى تخوف من الإخوان وتروع من السلفيين، سواء ما تعلق منها بإلزام شعب مصر بارتداء الطُّرح ــ الحجاب للنساء و«الغُطرة» للرجال ــ وتلك التى ادعت أن الأقباط سيرغمون على دفع الجزية. وسيطردون من الجيش والوظائف العليا للدولة. أما الفنانون والمبدعون، فسوف يساقون إلى مزرعة طرة واحدا تلو الآخر، فى حين سيضم التليفزيون والإذاعة إلى محطة القرآن الكريم، وسيتم تغيير أسماء المدن والشوارع، حتى الطريق الدائرى سيصبح «الطريق المستقيم». إلى غير ذلك من الخرافات والسخافات التى بات كثيرون مستعدين لتصديقها فى أجواء «الإسلاموفوبيا» الراهنة فى البلد.

ذلك كله فهمناه لكثرة ما اعتدنا عليه. إنما الذى لم أفهمه وأستغربه هو ذلك الحديث المتواتر عن احتمالات وقوع حرب أهلية فى مصر، لقد سمعت أحد الخبراء الاستراتيجيين وثيقى الصلة بالمجلس العسكرى الحاكم يلوح بذلك الاحتمال. ومحذرا من أن فى مصر الآن نحو عشرة ملايين قطعة سلاح، ومؤكدا على أن الجيش مفتوح الأعين وأنه جاهز لحماية البلد مما يتهددها جراء ذلك.

حين سمعت هذا الكلام قلت على الفور إن ذلك اتهام لأجهزة الدولة بالتقاعس أو التواطؤ. فإذا صح أن فى البلد هذا الكم الكبير من الأسلحة، فلماذا تتركه تلك الأجهزة بين أيدى الناس. وما هو الجهد الذى تبذله سواء لمصادرة الأسلحة أو تشديد عقوبة حيازتها ما لم يتم ذلك بتصريح. أم أن أجهزة التحرى والضبط والتحقيق تقف منها موقف المتفرج؟

لقد تحدثت تقارير عن تهريب أسلحة من ليبيا، وهو ما لا أستبعده لأن القذافى فتح مخازن السلاح لأنصاره أثناء الثورة عليه، فأغرق البلد بها، فضلا عن الحدود المفتوحة مع الجزائر وتشاد والنيجر، تمكن جماعات العنف وعصابات تهريب السلاح من الانتقال بحرية فى تلك المنطقة الشاسعة.

العملية كلها غير قانونية لاشك فى ذلك. إلا أن أكثر ما يهمنا فى الموضوع أن ذلك السلاح ليس موجها ضد مصر وأن هناك محاولات لتهريبه إلى قطاع غزة. إلا أننا وجدنا أن بعض دوائر السلطة استخدمت المعلومة فى اتجاهين، أولهما للإيهام بأن مصر مقبلة على حرب أهلية، وثانيهما الإدعاء بأن حركة حماس لها صلة بالموضوع، وأن بعض عناصرها دخلوا إلى البلاد عبر الأنفاق لكى يؤججوا الصراع المفترض. كأن الذين يحرصون على إشاعة هذه المعلومات أرادوا أن يضربوا عصفورين بحجر واحد. أحدهما تعزيز سيناريو الحرب الأهلية. والثانى تلبيس حماس تهمة تهديد الأمن المصرى والمشاركة فى إحداث الاضطرابات فى البلد. ولا يغيب عن بالك أن أركان النظام السابق وأبواقه دأبوا على إقحام حماس فى العديد من الأحداث التى شهدتها مصر بعد الثورة، من فتح السجون إلى قتل المتظاهرين، لتبرئة ساحة الأجهزة الأمنية المسئول الحقيقى عن كل ذلك.

لا نستطيع أن نتجاهل دور الأبواق الهابطة والصحف الصفراء، التى أبدت استعدادا مدهشا لإشعال حريق فى البلد، وهى تسعى للإثارة وجذب المشاهدين أو القراء، بين أيدينا نموذج فادح لذلك صادفناه فى الأسبوع الماضى، حين نشرت إحدى الصحف عنوانا رئيسيا على صدر صفحتها الأولى يتحدث عن «مجزرة القرن فى مصر» ــ وتحته حديث مزعوم عن محضر سرى لاجتماع اشترك فيه قادة حزب الحرية والعدالة تقررت فيه خطة تحرك جماعة الإخوان فى حالتى سقوط أو فوز المرشح الرئاسى الدكتور محمد مرسى. وحسب الكلام المنشور فإن الخطة تقضى بما يلى: فى حالة سقوط الدكتور مرسى ستقوم مجموعات مدربة من جماعة الإخوان باستدراج الشباب للخروج فى مظاهرات ضد الفريق شفيق. يتم خلالها إطلاق النار عن طريق قناصة وخلايا نائمة من فوق أسطح العمارات فى العباسية وميدان مصطفى محمود وميدان التحرير وحى الدقى. إلى جانب ذلك تحرك المجموعات البدوية الموكل إليها ضرب نقاط التفتيش فى سيناء لتسهيل دخول مجموعات حماس والحرس الثورى(؟!) للمساعدة فى الانقلاب العسكرى المسلح ضد الرئيس والجيش.

أما فى حالة فوز الدكتور محمد مرسى فتوجد قائمة تضم 300 من الشخصيات العامة فى عدة محافظات سيتم تصفيتهم فى توقيت واحد!! وذلك لبث الهلع والرعب لإخضاع الشعب وتهيئته لتنفيذ مشروع الإخوان القهرى، وهو دولتهم الكبرى التى عاصمتها القدس.

فهمت أن بلاغا قدم للنيابة ضد الجريدة التى نشرت هذا الكلام، لكن الأهم من ذلك أن الصراع الحاصل فى مصر بدا وكأنه أصبح بلا سقف ولا عقل. وهو ما لا ينطبق على مثل تلك الفرقعات فحسب، ولكنه ينسحب أيضا على الإعلان الدستورى الذى صدر يوم الخميس الماضى، الأمر الذى يدعونى إلى القول بأن إعلانا صادما من ذلك القبيل، لا تكون أصداؤه إلا من هذا النوع الهابط.


جريدة الشروق المصرية
السبت 3 شعبان 1433
23 يونيو 2012

mohamed5175
24-06-2012, 11:53 AM
أخيرا ظهر لنا ضوء فى نهاية النفق المظلم. أتحدث عن اتفاق القوى الوطنية أمس الأول على تشكيل جبهة موحدة تواجه عسكرة مصر وتعارض انقلاب الخميس 14/6. وهو الاتفاق الذى أخرجنا من حالة الإحباط التى خيمت على الفضاء المصرى طوال الأسبوع المنصرم. وأعاد إلينا الأمل فى إمكانية استئناف مسيرة الثورة، خصوصا بعدما أفقنا على الحقيقة الصادمة. التى كشفت لنا عن أن أعوان النظام السابق و«فلوله» لايزالون يتطلعون إلى استعادة مواقعهم. شجعتهم على ذلك عوامل عدة على رأسها تشتت قوى الثورة وانشغالها بتناقضاتها الثانوية عن التناقض الرئيسى الذى يهددهم جميعا، المتمثل فى قوى الثورة المضادة. ولم يعد سرا أنه إلى جانب ذلك العنصر الرئيسى فهناك عوامل أخرى ساعدت الفلول على العودة إلى ساحة العمل السياسى، بعضها محلية والبعض الآخر له مصادره الإقليمية والدولية. يشهد بذلك ما تحدثت عنه وسائل الإعلام الإسرائيلية فى هذا الصدد (اتصالات نتنياهو مع الإدارة الأمريكية لإنجاح الفريق شفيق).

شىء جيد لا ريب. أن تدرك قوى الجبهة الوطنية أن هذا أوان الالتحام والاصطفاف لمواجهة تهديد الثورة المضادة، وأن يقتنع الجميع ــ والإخوان فى المقدمة منهم ــ أن مصر لن تقوم لها قائمة وأن الثورة لن تحقق أهدافها ما لم تتكاتف أيدى كل الوطنيين المخلصين لكى يعملوا معا، دون أن يضطر أى فصيل لأن يتنازل عن مبادئه أو مشروعه. حيث ليس مطلوبا من أى أحد سوى شىء واحد هو أن يقدم مساهمته فى إنقاذ البلد من «العسكرة»، تمهيدا لتحريره وإطلاق طاقات البناء والتقدم لدى كل ابنائه باختلاف تمايزاتهم وأطيافهم.

ليس لدى علم بالمشاورات التى سبقت ذلك الاتفاق، لكننى أتصور أن إنجازه ما كان له أن يتم إلا إذا قام الجميع بتقييم مرحلة التجاذب والتراشق التى استمرت خلال الأشهر الأخيرة، ثم اتفقوا إما على تجميد الملفات القديمة أو ترحيلها إلى المستقبل، بعد ذلك توقفوا عند إدراك المخاطر التى تتهدد الثورة والوطن، جراء احتمالات عودة شبح نظام مبارك، مقنعا ومعدلا. وقرروا أن واجب الوقت هو مواجهة ذلك التحدى وضرورة الانتصار عليه.

الآن، اتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ولم يعد هناك مكان للبين بين، بل صار من الخطورة بمكان أن يقف أى أحد فى الوسط، ببساطة لأن الحياد بين الحق والباطل، يصب فى كفة إضعاف الحق وتعزيز موقف الباطل. وهذا الوضوح لا يصحح مسار الحركة الوطنية المصرية فحسب، ولكنه يعيد صياغة معادلة التحدى وأطرافه، ويفضح محاولات طمس معالم تلك المعادلة والتستر على أطرافها الحقيقيين. إذ عندما سقطت الأقنعة وازيح الستار، تبين للجميع أننا لسنا بصدد تنازع على السلطة بين المجلس العسكرى والإخوان، ولا هو مواجهة بين أنصار الدولة المدنية وأنصار الدولة الدينية، ولكننا بصدد معركة كسر عظم بين الثورة والثورة المضادة. هدفها استكمال إسقاط النظام السابق تمهيدا لطى صفحته والتحلل من أثقال الماضى وأدرانه، للتفرغ لبناء المستقبل المنشود.

إذا كنت فى شك من أنها معركة كسر عظم، بالمعنى الحقيقى وليس المجازى، فتابع ما تبثه وسائل الإعلام التى يعشش فيها الفلول، وكيف تخوض المعركة بشراسة، أهدرت خلالها مختلف الأعراف المهنية والأخلاقية، واستخدمت فى تحقيق مرادها كل الأساليب الهابطة والمرذولة لاغتيال أركان معسكر الثورة أدبيا ومعنويا.

حين طالعت الصور التى نشرت أمس لإعلان تشكيل الجبهة الوطنية، كان السؤال الذى خطر لى كالتالى: أما وقد رأينا رموز معسكر الثورة يصطفون معا فى ميدان التحرير، فما هى الرموز التى يتوقع أن نراها إذا ما التقطت صورة لرموز المعسكر الآخر؟ دعك من نزلاء مزرعة سجن طرة، فهؤلاء مفروغ منهم ومكانهم محفوظ، لكن سؤالى ينصب على أقرانهم الذين يعيشون بيننا، خصوصا أولئك النفر من السياسيين المحترفين وأقرانهم الذين يتصدرون بعض المنابر الإعلامية، الصحفية والتليفزيونية، ممن يصطنعون البراءة هذه الأيام، ويزايدون على الجميع فى محبة الوطن والدفاع عن مصالحه العليا.

سأترك لك مهمة ملء فراغ الصورة وانتقل إلى سؤال آخر خطر لى هو: أين مكان المجلس العسكرى بين الصورتين؟ ــ لقد قرأت فى البيان الذى أصدره المجلس يوم الجمعة 22/6 أنه يقف على مسافة واحدة من الطرفين، لكننى لم آخذ الكلام على محمل الجد، ليس فقط لأن تعبير المسافة الواحدة جرى ابتذاله جراء تواتر استخدامه فى التمويه والتدليس، ولكن أيضا لأن رسالة البيان كانت فى مجملها تحذيرا وتهديدا لطرف دون آخر، ولأننى لا أظن أن فى الأمر خطأ مطبعيا. فربما كانت الحجة فيه أنها مسافة واحدة حقا ولكن كل طرف له مقام مختلف عن الآخر. بالتالى فنحن بإزاء اختلاف مقامات وليس اختلاف مسافات.!

لقد نجحت القوى الوطنية فى اختبار إقامة الجبهة والتعالى فوق الأخطاء والمرارات، لكن جهدا كبيرا ينبغى أن يبذل لكى تواصل التقدم نحو تحقيق الهدف الذى شكلت من أجله ــ طوبى للوطنيين الذين تناسوا جراحهم وهبوا لإنقاذ الوطن من جرحه الكبير.


جريدة الشروق المصرية
الاحد 4 شعبان 1433
24 يونيو 2012

mohamed5175
25-06-2012, 12:09 PM
القصف المتبادل بين الفرقاء المتعاركين فى مصر ليس سياسيا فقط، ولكنه لغوى أيضا، اعنى اننا لسنا بصدد صراع حول الأفكار ولكنه فى ذات الوقت صراع على العناوين والأوصاف، الأمر الذى أدى إلى ابتذال مصطلحات كثيرة، وانتهى بتمييع المعانى أو اغتيالها، فحين نقرأ فى العناوين الرئيسية للصفحة الأولى من جريدة الأهرام امس 24/6 أن الاعتصامات استمرت بميدان التحرير وأن «الأغلبية» الصامتة تظاهرت أمام المنصة فى مدينة نصر فأول ما يتبادر إلى الذهن أن الذين فى ميدان التحرير يعبرون عن الأقلية، وأن الأغلبية هى تلك التى تظاهرت أمام المنصة.

وإذا انتبهت إلى أن الذين خرجوا إلى ميدان التحرير ينتمون إلى مختلف القوى الوطنية التى تعارض الإعلان الدستورى المكمل وتعتبره انقلابا على الثورة، وأغلبهم يؤيدون الدكتور محمد مرسى، فى حين أن الذين تظاهروا أمام المنصة من مؤيدى مبارك والفريق شفيق والمجلس العسكرى والمتحمسين للإعلان الدستورى وحل مجلس الشعب، حينذاك ستكتشف انك وقعت فى كمين منصوب صنعته اللغة بمنتهى اللطافة والمكر، ذلك أن الرسالة التى يتلقاها المواطن البرىء فى هذه الحالة، هى أن الاغلبية الصامتة فى مصر هى التى تقف إلى جانب مبارك وشفيق والمجلس العسكرى وتؤيد الانقلاب الذى حدث. الأمر الذى يعنى اننا بصدد رأى متحيز وليس خبرا محايدا. إن شئت فقل إنه خبر «مفخخ» ظاهره برىء وحقيقته غير ذلك.

خذ أيضا التقرير الذى ابرزته صحيفة «المصرى اليوم» تحت عنوان عريض باللون الأحمر يقول: قوى ليبرالية تؤسس جبهة مدنية لحماية مصر من الحكم باسم الدين أو عودة النظام السابق، ربما لاحظت أن العنوان استخدم بعض المصطلحات الرنانة التى تداولتها الألسنة هذه الأيام. إذ يتحدث عن قوى «ليبرالية» وان الجبهة «مدنية» هدفها معارضة الحكم باسم الدين أو عودة النظام السابق. وإن دققت فى ملابسات التقرير وتحريت خلفياته ستلاحظ ما يلى:

* إن الصحيفة ذكرت أن الذين شاركوا فى اللقاء يمثلون جميع القوى والرموز الليبرالية ورؤساء الأحزاب» فى حين انه كان منبرا لحزب المصريين الاحرار ومؤسسه المهندس نجيب ساويرس وقد تحدث فيه أحد القياديين فى حزب التجمع المتحالف مع المصريين الأحرار والرئيس الشرفى لحزب الجبهة الديمقراطية وثلاثة من النشطاء. واعتبرت الصحيفة أن هؤلاء يمثلون «جميع القوى والرموز السياسية ورؤساء الأحزاب».

* إن اللقاء كان له هدفان، الأول هو الرد على الإعلان الذى تم فى اليوم السابق عن تشكيل جبهة وطنية لإدارة الأزمة وقفت إلى جانب الدكتور محمد مرسى فى مواجهة اجراءات وقرارات المجلس العسكرى، خصوصا بعدما قدم المرشح الرئاسى عدة تعهدات استجابت لمطالب بقية القوى الوطنية، الهدف الثانى كان تشديد الهجوم على جماعة الإخوان لترجيح كفة منافسة الفريق شفيق، فى حين كان مصطلح الجبهة المدنية غطاء لستر ذلك الموقف.

* إن القيادى «الليبرالى» المهندس نجيب ساويرس مارس حقه المشروع فى الاختيار وأعلن انحيازه واصطفاف حزبه إلى جانب الفريق شفيق، لكن ليبراليته لم تحتمل الرأى الآخر فى برامج قناة «او تى فى» التى يملكها. الأمر الذى دفع بعض مقدمى البرامج اللامعين إلى الاحتجاب والتوقف عن العمل «يسرى فودة مثلا». كما أن تعليماته قضت بمنع أى أصوات ناقدة للمجلس العسكرى أو الفريق شفيق من الظهور على شاشات القناة، وهو ما تجلى فى منع ظهور النائب والمحامى عصام سلطان وزميلنا الصحفى أيمن الصياد، حيث دعا كل منهما إلى المشاركة فى بعض البرامج، ثم تم الاعتذار لهما قبل ساعة من الموعد بحجج مفتعلة.

الخلاصة اننا فى هذا النموذج نجد أن الصحيفة التى يشارك فى اسهمها المهندس ساويرس تحدثت عن اجتماع متواضع دعا اليه الرجل وجرى النفخ فيه من خلال اللغة للإيحاء بأنه يمثل جميع القوى والأحزاب. ومن قبيل التدليس اللغوى قيل لنا انها قوى «ليبرالية» فى حين أن ممارسات بعض شخوصها فى حقيقة الأمر اقصائية واستئصالية، ناهيك عن أن وصفهما بأنها «قوى» فيه قدر كبير من المبالغة، إلا إذا كان المقصود فى هذه الحالة هو القوة المالية للمهندس نجيب ساويرس وعائلته.

أكاد اسمع صوت قارئ خبيث يسأل: لماذ ذكرت هذين المثلين وتجاهلت بيانات المجلس العسكرى التى حفلت بالنماذج المماثلة التى تم فيها ابتذال المصطلحات واغتيال المعانى، وردى على السؤال أن البيانات أخذت حقها من النقد والفضح، حين دعت إلى احترام القانون وانتهكته وحين تحدثت عن احترام مؤسسات الدولة واهانتها بالدبابة التى وضعت امام مجلس الشعب، وحين تعهد المجلس بتسليم السلطة إلى المدنيين فى 30 يونيو ثم فاجأنا بإجهاض ذلك الحلم.

عندى سبب آخر لعدم الاستطراد فى رصد ثغرات الإعلان الدستورى، هو اننى استنفدت الحيز المتاح، ولذا تعين التوقف عن الكلام المباح!




جريدة الشروق المصرية
الاثنين 5 شعبان 1433
25 يونيو 2012

mohamed5175
26-06-2012, 12:14 PM
كأن المجلس العسكرى اخطأ فى العنوان حين أراد أن يستفيد من الخبرة التركية. إذ بدلا من أن يعتبر أعضاؤه مما فعله الطيب أردوغان فإنهم استلهموا تجربة كمال أتاتورك، فأعرضوا عن سكة السلامة وطرقوا أبواب سكة الندامة.


(1)

رغم ارتياحنا النسبى لنتائج الانتخابات الرئاسية فالموقف فى مصر الآن كما يلى: مع قرب نهاية الفترة الانتقالية التى تحددت فى الثلاثين من شهر يونيو الحالى، حدثت مفاجأة لم تكن فى الحسبان. إذ بعدما قطعنا شوطا لا بأس به باتجاه تأسيس النظام الجديد (أجريت انتخابات مجلسى الشعب والشورى وتشكلت لجنة وضع الدستور «فإننا استيقظنا ذات صباح على إعلان دستورى يعصف بما تم بناؤه، حتى الطوارئ التى ألغيت اطلت علينا من باب جديد، بعد إعطاء ضباط الجيش والمخابرات صفة الضبطية القضائية بالمخالفة للقانون».

بعد الذى جرى، لم يعد فى بر مصر صوت يعلو فوق صوت المجلس العسكرى، فهو الذى بات يملك سلطة التشريع، وهو الآمر الناهى فيما خص التنفيذ، ثم إن سلطة المجلس فوق القانون وفوق الدستور، وهو دولة داخل الدولة ولا شأن للأخيرة به، وحتى فى وجود رئيس الجمهورية فإن قراراته خاضعة لوصاية المجلس المذكور، وإذا حدثت اضطرابات فى البلد استوجبت تدخل القوات المسلحة فإن موافقة المجلس العسكرى شرط لتنفيذ قرار رئيس الجمهورية فى هذا الصدد. ولرئيس المجلس العسكرى، ضمن جهات أخرى، أن يعترض على اى مادة فى مشروع الدستور لا تعجبه وإلى أن يتم الاستفتاء على الدستور، فإن من حق المجلس العسكرى أن يصدر ما يشاء من قوانين، وليس لأحد أن يطعن عليها أمام أية جهة قضائية.

أما الجمعية التأسيسية الحالية التى تتولى كتابة الدستور فإن الإعلان المذكور، اعطى المجلس العسكرى سلطة إعادة تشكيلها إذا ما تعثرت فى مهمتها دون تحديد أية معايير فى هذا الصدد، وفى هذه الحالة فإن لجنة الدستور الجديدة ستكون معينة، من قبل المجلس العسكرى، وليست منتخبة من الشعب، وفى هذه الحالة لن نفاجأ إذا ما قامت اللجنة «بتفصيل» الدستور بحيث يتجاوب مع رغبات المجلس وضغوطه.

الخلاصة أننا ظللنا طوال الأشهر التى خلت ننتظر موعد الثلاثين من يونيو الذى قيل لنا انه سيتم فيه انتقال السلطة من العسكر إلى المدنيين، لكننا فوجئنا بذلك الانقضاض الذى نقلنا من حكم العسكر إلى تحكمه كما قيل بحق.




(2)

الخائفون على الثورة لم يختلفوا على وصف ما جرى بأنه انقلاب، والخائفون منها اعتبروه منعطفا وحركة تصحيحية. وكنت ضمن من وصفوه بأنه «انقلاب ناعم»، لكنى استثقلت الوصف لاحقا واعتبرته تجميلا لفعل قبيح. صحيح أنه انقلاب لم تطلق فيه رصاصة وتم بالحيل القانونية والألاعيب السياسية إلا أن احدا لا يستطيع ان ينسى ان شعب مصر دفع ثمنا غاليا من أرواح ابنائه ودمائهم لإنجاح هذه الثورة، الأمر الذى لا يستقيم معه وصف الانقلاب عليها بأى صورة بأنه «ناعم». ذلك ان تشويه حلم شعب يظل جريمة فى كل الأحوال بصرف النظر عن الاسلوب الذى اتبع فى ذلك.

حين قرأت لبعض الباحثين وصفهم للانقلاب بأنه «ما بعد حداثى» بمعنى انه تفكيكى ومناهض للفعل الحداثى المتمثل فى الثورة، وجدت ان المصطلح الأول اطلقه نظراؤهم على انقلاب الجيش التركى «السلمى» على حكومة السيد نجم الدين اربكان فى عام 1997، حيث مورست عليه ضغوط لم يحتملها مما اضطره إلى الاستقالة من منصبه كرئيس للوزراء، وانتهى الأمر بالحكم عليه بالسجن وبحل حزب «الرفاة» الذى يقوده، وهو ما تم دون اطلاق اية رصاصة، وبقرار اصدرته المحكمة الدستورية العليا (أيضا!).

ليس من الانصاف ان نقارن حصيلة الانقلاب الراهن فى مصر بما حدث فى تركيا فى تسعينيات القرن الماضى، لأننى أجد الشبه اكبر بين الإجراءات التى اتخذها المجلس العسكرى وبين ما أقدم عليه العسكريون الأتراك منذ أكثر من سبعين عاما، وهى المرحلة التى زرعت فيها بذرة تنصيب القوات المسلحة وصية على المجتمع وليست مجرد حامية لأمنه وحدوده، وهى مسألة تحتاج إلى ثقة وقراءة متأنية.


(3)

ثمة خلفية واجبة الاستدعاء عند التطرق إلى دور الجيش فى كل من مصر وتركيا. فالجندية عند الاتراك لها مرتبتها الرفيعة فى الوجدان العام، حتى يقال ان كل تركى يولد جنديا، وتحدثت كتب التاريخ عن النزعة القتالية التى تمتع بها الاتراك منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد حتى ان قبائلهم التى عاشت فى وسط آسيا دأبت على مهاجمة الصين، مما اضطر حكامها إلى بناء السور العظيم لصدهم، وظلت تلك الصفة ملازمة لهم بعد تأسيس الامبراطورية العثمانية التى وصفت بأنها «عسكرية جهادية»، وفى مرحلة افول الامبراطورية التى تحولت فيها إلى رجل أوروبا المريض (القرن الثامن عشر) تكالبت عليها دول الحلفاء فى الحرب العالمية الأولى، وأنزلت بها هزيمة منكرة، الأمر الذى ادى إلى احتلال استانبول ذاتها فى عام 1918، إلا ان ذلك استنفر المقاومة التركية التى قادها مصطفى كمال باشا (اتاتورك) لاحقا، واستطاعت ان تحرر البلاد من الغزاة فى الفترة بين عامى 1920 و1922، وهو ما مهد له الطريق لتولى السلطة وإعلان الجمهورية وإلغاء الخلافة العثمانية فى عام 1923، ولأن الجيش هو الذى انقذ تركيا ورعى تأسيس الجمهورية فقد سوغ ذلك لقادته ان يعتبروا انفسهم مسئولين عن «إعادة تشكيل الأمة». وهو المعنى الذى رسخه مصطفى كمال باشا خلال سنوات حكمه التى استمرت من عام 1927 إلى عام 1938.

منذ ذلك الحين اعتبر الجيش نفسه حارس الوطن والجمهورية معا، وصار مؤسسة مستقلة عن الدولة، ولها موازنتها التى تعدها رئاسة الاركان وليس وزارة الدفاع، وترسل إلى البرلمان للموافقة عليها فقط وليس لمناقشتها.

منذ عام 1935 نص القانون على تلك الوظيفة للجيش، لكن الفكرة جرى النص عليها فى الدستور عام 1960، فى اعقاب اول انقلاب قام به قادة الجيش باسم الدفاع عن النظام الجمهورى وقيم العلمانية التى اعتبرت اساسا أبديا له، لا يقبل التعديل او المناقشة.

استنادا إلى هذا الدور قام الجيش بثلاثة انقلابات عسكرية سافرة خلال السنوات 1960 و1971 و1980 وذلك غير الانقلاب «الناعم» الذى تم فى عام 1997 وسبقت الاشارة اليه.

هذه الخلفية تبرز الفرق بين وضع الجيش فى تركيا عنه فى مصر، صحيح انه فى مصر نقل البلد من الملكية إلى الجمهورية بصورة هادئة نسبيا فى عام 1952 إلا أن ذلك تم فى ظروف مغايرة لتلك التى شهدتها تركيا وقاد فيها الجيش المقاومة التى انقذت البلاد من اجتياح الحلفاء، ثم إن الجيش هناك اسس الجمهورية وبقى فى قلب السياسة، فى حين انه فى مصر خرج من السياسة وظل على هامشها بعد عام 1952. حتى فى 25 يناير عام 2011 فإن الجيش المصرى كان حارسا للثورة ولم يكن صانعا لها.

الفرق الآخر المهم ان الجيش فى تركيا كان يتدخل فى السياسة من منطلق ايديولوجى متذرعا بالدفاع عن العلمانية الكمالية، أما فى مصر فلم يكن للأيديدلوجية اى دور فى تحرك الجيش الذى ظل ملتزما بحسابات المصلحة الوطنية فقط.


(4)

قصة الجيش التركى والسياسة رصدتها بالتفصيل رسالة دكتوراه قدمت إلى كلية آداب عين شمس فى عام 2008 وحصل بها الدكتور طارق عبدالجليل على شهادته مع مرتبة الشرف وقد استفدت من تلك الرسالة غير المنشورة فى اغلب ما ذكرت، إلا اننى استكملت صورة تجربة العسكر هناك بالرجوع إلى كتاب «تركيا الأمة الغاضبة» الذى ألفه الباحث التركى كرم اوكتم وترجمه إلى العربية الاستاذ مصطفى مجدى الجمال. ومن أهم ما وقعت عليه فى هذا الكتاب إبرازه لدور الدولة العميقة فى صناعة المشهد التركى خلال الثمانين سنة التى خلت، والمؤلف يطلق عليها «الدولة الحارسة» التى قامت على تحالف الجيش مع القضاء والبيروقراطية ذلك ان الجيش فى الانقلابات التى تمت كان يقوم بالمهة السياسية والدور العسكرى، لكن ذلك لم يكن يكتمل ويحقق مراده بدون اسهام القضاء وتجاوب أجهزة الإدارة البيروقراطية، إن شئت فقل إن القضاء والبيروقراطية ظلا طوال العقود الخالية من الأدوات التى استخدمها الجيش فى تسويغ ممارساته وبسط سلطاته. ويسجل المؤلف انه فى تسع حالات استخدم الجيش المحكمة الدستورية فى حل 9 أحزاب إسلامية وكردية فى الفترة ما بين عامى 1971 و2009. (هل يذكرك ذلك بالوضع الراهن فى مصر)؟

لم تنتقل تركيا من الجمهورية الكمالية الى مشارف الجمهورية الديمقراطية الا بعد عام 2003 حين تولى السلطة حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان، الذى ساعدته ظروف مواتية على اخراج الجيش من قلب السياسة وفك تحالف القضاء والبيروقراطية. إذ مكنته الأغلبية التى حصل عليها حزبه من الحصول على أغلبية البرلمان وتشكيل حكومة متماسكة وليست ائتلافية، وساعده ذلك على الاستجابة لدعوة الاتحاد الأوروبى الى ضرورة اضفاء الصفة المدنية على مجلس الأمن القومى الذى يقرر السياسة العامة للدولة، باعتبار ذلك من شروط قبول تركيا ضمن عضوية الاتحاد (المجلس كان يضم 12 عضوا بينهم سبعة من العسكر، أى الأغلبية لهم» وقد تم تغيير التركيبة بحيث اصبحت الأغلبية للمدنيين، كما ان دور المجلس اصبح استشاريا فقط، ولا وجه للإلزام فيه، وحين تم تصحيح ذلك الوضع صار بمقدور الحكومة ان تمارس سلطتها متحررة من القيود والضغوط وقوى ذلك مركزها فى التصدى لأركان الدولة العميقة ممثلة فى منظمة «آرجنكون» التى تحدثت عنها فى مرة سابقة.

أذكر بأن مجلس الدفاع الوطنى الذى أعلن المجلس العسكرى عن تشكيلة فى مصر خلال الاسبوع الماضى ضم 16 عضوا بينهم 11 من العسكريين «اغلبية» وإذا أضفت الى هذه المعلومة خلاصة الاعلان الدستورى الذى صدر فى 17/6 التى عرضتها فى بداية هذا النص، فسوف تكتشف ان المجلس العسكرى أعادنا إلى أجواء الستينيات فى تركيا، وهو الوضع الذى لم تتحرر منه هناك إلا بعد مضى اربعين عاما.

لست متأكدا من ان ما فعله المجلس العسكرى كان مجرد خطأ فى العنوان أو خطأ فى قراءة التاريخ، ومع ذلك فإن اكثر ما يهمنى هو اجابة السؤال: كم عدد السنوات التى سنحتاجها لكى نتحلل من وصاية العسكر، لنتمكن من بناء مصر الديمقراطية التى من أجلها قامت الثورة؟


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 6 شعبان 1433
26 يونيو 2012

mohamed5175
27-06-2012, 11:28 AM
أحذر من رفع سقف التوقعات فى مخاطبة الدكتور محمد مرسى، حتى أكاد ألمح فى بعض الكتابات والمطالبات ما يعطى انطباعا بأننا خرجنا من مرحلة مصر مبارك وأننا دخلنا فى مرحلة مصر مرسى، ناسين أن الدنيا تغيرت بسقوط الرئيس الإله الذى كانت تدعمه وتسانده الدولة العميقة ويؤيده الإسرائيليون والأمريكيون ومن أطلقوا على أنفسهم المعتدلين العرب. ذلك أن الرئيس الجديد لم يفقد قدسيته فحسب، وإنما جاء مكبلا ومحدود الصلاحيات، وأن له رئيسا آخر يقبع فى الظل يتمثل فى المجلس العسكرى. ثم إن الرجل يقف فى جانب فى حين أن الدولة العميقة بأسرها تقف فى جانب آخر، أقصد بتلك الدولة كل الأجهزة والمؤسسات التى أعاد تشكيلها النظام السابق على مدى ثلاثين عاما. وهى الأجهزة الأمنية التى اخترقت القضاء وطوعته.. فضلا عن المؤسسة البيروقراطية. وتنضاف إلى الجميع شبكة المصالح الاقتصادية التى انتفعت وانتفخت خلال تلك المرحلة. ولست أشك فى أن القوى الخارجية والإقليمية التى ارتبط بها ودللها الرئيس السابق تقف بدورها فى معسكر الضد للرئيس الجديد.

خارج إطار الدولة العميقة، أو قل فى الجزء الظاهر منها، هناك المنابر الإعلامية المتربصة والمعادية، والجاهزة دائما للاصطياد ولممارسة مختلف أساليب الترويع والاغتيال المعنوى، والتى لن ترحم الرئيس الجديد إذا صدرت عنه أى هفوة، وحتى إذا لم تصدر.

الخلاصة أن الرجل تم تكبيله بالإعلان الدستورى الذى صدر إبان انقلاب 17/6، وبعد فوزه فتحت له أبواب القصر الجمهورى، ولكن الطريق إليه تم تلغيمه، الأمر الذى يعنى أن الرجل مقدم على عملية استشهادية، النجاة منها مشكوك فيها، وربما كانت حظوظه فى الآخرة مضمونة فى هذه الحالة، إلا أن حظوظه فى الدنيا محل نظر.

من المفارقات أن ذلك الرئيس المكبل هو المسئول الوحيد المنتخب شعبيا فى مصر الآن. الأمر الذى وفر له شرعية حقيقية لا تتمتع بها أى مؤسسة أخرى فى البلد، بما فى ذلك المجلس العسكرى ذاته، وقد كان انتخاب مجلسى الشعب والشورى من بشارات تأسيس النظام الديمقراطى الجديد، ولكن مجلس الشعب جرى التخلص منه بحيلة قانونية معروفة. أما مجلس الشورى فهو فى مهب الريح الآن.

الخلاصة أن الذى يدير البلد فعليا الآن هو المجلس العسكرى بقيادة المشير طنطاوى الذى هو عمليا رئيس الرئيس. وفى هذه الحالة فإن سيل الكتابات والمطالبات التى توجه الآن إلى الدكتور محمد مرسى تحمله بما لا يستطيع الوفاء به. بل أزعم أن برنامجه الذى خاض به المعركة الانتخابية سيظل من قبيل الأمنيات التى عبر عنها الرجل، طالما أنه ظل فى وضعه الراهن.

إذا صح ذلك التحليل فهو يعنى أن الدكتور محمد مرسى لديه مشكلات فى غاية التعقيد يصعب حلها فى الأجل المنظور، فلديه مشكلة صلاحيات مع المجلس العسكرى، الذى لن يكون بعيدا عن اختيار رئيس الوزراء أو تشكيل الحكومة القادمة. ولديه مشكلة أخرى مع الفراغ الذى ترتب على التعسف فى حل مجلس الشعب، الذى أدى إلى انتقال السلطة التشريعية إلى المجلس العسكرى، وهو ما يسوغ لنا أن نتساءل عما تبقى لـ«الرئيس» محمد مرسى من هامش للحركة، بعدما أصبح المجلس العسكرى هو سلطة التشريع، وهو أيضا بحكم الأمر الواقع المسئول عن التنفيذ، وله مشكله ثالثة مع ملف جمعية وضع الدستور، التى بدأت عملها بالفعل فى حين تبذل جهود أخرى لحلها وإعادة تشكيلها بواسطة المجلس العسكرى دون أن يكون للرئيس المنتخب رأى فيها. وطبقا للإعلان الدستورى فإن كتابة الدستور ذاتها لن تتم بسهولة، لأنه بوسع عدة جهات ــ منها المجلس العسكرى ــ أن تعترض على ما لا يعجبها من مواد مقترحة للدستور، الأمر الذى من شأنه إطالة أمد فترة كتابة الدستور، ومن ثم إطالة استمرار وجود ونفوذ المجلس العسكرى.

لدى الرجل مشكلة رابعة مع الذين صوتوا له لأنه لن يستطيع أن يفى بما وعد به. أهم من ذلك أن لديه مشكلة خامسة مع الدولة العميقة التى لن تسمح له بالنجاح، هذا إذا لم تسع إلى إفشال مهمته. أما مشكلته مع إعلام الدولة العميقة، إضافة إلى أبواق المتربصين والمتصيدين فلا حل لها فيما يبدو. تبقى بعد ذلك مشكلة انتمائه إلى جماعة الإخوان، التى ستظل عند البعض «لعنة» تطارده و«وصمة» لن يستطيع التخلص منها. إذ سيصر هؤلاء على أن الرجل لايزال مكبلا بـ«البيعة» التى فى عنقه لمرشد الجماعة، رغم إعلانه الاستقالة منها والتزامه بالقانون والدستور دون الجماعة. وقد وجدنا أن البعض وجه إليه التهمة ذاتها لمجرد أنه استخدم بعض آيات القرآن فى خطبته بعد إعلان الفوز، وكأن القرآن صار كتاب الجماعة. وتلك تهمة لن يبرأ منها ربما إلا إذا استشهد فى خطبته بمقاطع من أغانى تامر حسنى ونانسى عجرم!

إن الرئيس الجديد يستحق منا أن نواسيه ونتعاطف معه بأكثر مما نغبطه ونهنئه.

جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 7 شعبان 1433
27 يونيو 2012

mohamed5175
28-06-2012, 11:44 AM
المذكورة أعلاه هى السيدة نجلاء على، زوجة رئيس الجمهورية الدكتور محمد مرسى وأحمد هو ابنه الأكبر. والتسمية ليست من عندى، ولكننى وقعت عليها ضمن عناوين الصفحة الأولى لإحدى الصحف التى صدرت صباح الخميس الماضى 21/6 (قبل إعلان نتيجة فرز الأصوات). وكان العنوان الذى أبرز على أرضية حمراء كالتالى: ماذا ستفعل الست أم أحمد فى القصر الجمهورى؟ ــ فى الإجابة على السؤال ذكر التقرير المنشور على إحدى الصفحات الداخلية ما يلى: قريبا قد تدخل السيدة الأولى الجديدة إلى قصر الرئاسة وهى ترتدى الخمار. وربما ترفض مصافحة رؤساء الدول الأجنبية مكتفية بإيماءة برأسها أو بانحناءة قصيرة، دون أن تطيل النظر إلى الضيوف. وتظل طوال المراسم وهى تنظر أسفل قدميها. وبالطبع «وقتها» سيتلقى الرئيس الضيف قبلها قصاصة ورقية من موظف كبير فى إدارة المراسم، ترسم له خطوط التعامل مع السيدة الأولى «لا تنظر إليها، ولا تقترب منها لتهمس فى أذنها، ولا تصافحها». وفى التعليق على هذه الصورة ذكرت الصحفية صاحبة التقرير ان أكثر المتشائمين فى طول مصر وعرضها لم يكن يتوقع حدوث هذا السيناريو الكوميدى.

سؤال الصفحة الأولى ليس بريئا ولكنه مسكون بالتحقير والازدراء، كأن صاحبه أراد أن يقول لماذا تدخل أمثال السيدة أم أحمد إلى القصر الجمهورى (لاحظ أنه استنكف عن ذكر اسمها الأصلى)، فى تعبير ليس فقط عن العجرفة والاستعلاء الطبقيين وإنما أيضا عن تدنى الأداء المهنى، الذى لا يعرف حدودا للنقد والهجاء، ويبدى استعدادا مدهشا لاستباحة، الآخر المختلف، لمجرد انه مختلف ولا يعجبنا.

النموذج الذى بين أيدينا ليس حالة فردية، ولكنه يشكل ظاهرة فى الخطاب الإعلامى المصرى، الذى ترتفع فيه بعض الأصوات منادية باحترام الآخر، لكن عند الاختبار الحقيقى نفاجأ بمثل ذلك الاستعلاء والاحتقار الذى يحط من شأن الآخر ولا يرى بديلا عن اقصائه ومحوه من الوجود إذا أمكن.

فى الكلام نبرة استشراقية متعالية، تتعامل مع المتدينين بقرف شديد، وكأنهم من قبيل «الجَرَب» السياسى والاجتماعى الذى يتعين العلاج منه، ولا تعتبر أن مظهرهم ومسلكهم فقط هو المشكلة، وانما ترى أن المشكلة الحقيقية فى أنهم موجودون على ظهر البسيطة.

حين ظهرت صورة السيدة نجلاء على بخمارها أو حجابها فى بعض الصحف، لم ترحمها بعض تعليقات شبكة التواصل الاجتماعى. التى ترددت فيها لغة الاستشراق والاستعلاء الطبقى. وقالت إحداها عن قرينة الرئيس أنها لا تشبه نساء مصر ــ وبدا التعليق مضحكا ومحزنا ــ لأن صاحبته لم تدرك أن مظهر كل الأمهات المصريات يكاد لا يختلف فى شىء عن الصورة التى ظهرت بها السيدة نجلاء فى وسائل الإعلام المصرية.

ليس الأمر مقصورا على التعالى الطبقى، ولكن الأسوأ منه هو الكراهية الدفينة التى تعتبر المتدينين خصوما أبديين لا سبيل إلى الالتقاء معهم فى أى نقطة. فهم عند البعض ولدوا أشرارا مشوهين عقليا ونفسيا، وسيظلون كذلك إلى يوم الدين، ولا أمل يرجى منهم إلا إذا تخلصوا من «عاهة التدين» التى ابتلوا بها.

نشرت إحدى المجلات الثقافية (فى 20/5) حوارا مع إحدى الأديبات سئلت فيه عن إمكانية «التوافق» مع التيارات الإسلامية، فردت قائلة: أنا ضد التوافق مع ما هو ضد العقل، ولا استطيع التوافق مع فكرة مثل جماع الوداع الذى اخترعوه ــ وحين أغلقت الباب فانها اعتبرت التدين ضد العقل، وسخرت من المتدينين بالترويج لكذبة خائبة، الأمر الذى أرجو ألا يبرر لبعض المتعصبين من المتدينين أن يرموا الليبراليين واليساريين بالكفر وتقنين الدعارة والشذوذ الجنسى!

استطيع أن أفهم خلفيات تلك الظواهر المرضية التى عبأت النفوس بالمرارات، وجعلت كل طرف لا يرى فى الآخر إلا أسوأ ما فيه. لكننى أزعم أن الجميع أصبحوا مطالبين الآن بتجاوز تلك المرحلة البائسة بعدما استرد الشعب وطنه من غاصبيه، وتعين عليهم أن يصطفوا معا للنهوض بالبلد وإعادة بنائه من جديد.

إن ممارسة الاستعلاء الطبقى أو الفكرى والاستسلام للمرارات والاحقاد الدفينة لا يعد جريمة فى حق الآخر فحسب، ولكنه بالدرجة الأولى جريمة فى حق الوطن الذى هو أحوج ما يكون الان لطاقات كل ابنائه بلا استثناء. فى هذا الصدد فليس مطلوبا من أحد أن يتنازل عن رأيه أو موقفه، ولكن المطلوب أمران، أولهما احترام الآخر، وثانيهما إدارة الخلاف على قاعدة من النزاهة والشرف. ذلك أن الأمم تبنى بأخلاق الفرسان، وعزائم المخلصين، ولا تبنيها تخرصات المتقولين أو مرارات الكارهين.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 8 شعبان 1433
28 يونيو 2012

mohamed5175
30-06-2012, 12:05 PM
هل يجوز لرئيس جمهورية مصر أن يحلف اليمين أمام أحد من موظفى الدولة؟ السؤال من وحى المشهد الذى يفترض أن يتم اليوم (السبت) حين يؤدى الرئيس محمد مرسى اليمين أمام الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا، التى تضم جمعا من القضاة الأجلاء ذوى المرتبة الرفيعة، لا كلام لدى عن مقام الجمعية المذكورة، فهو محفوظ وعلى العين والرأس من حيث المبدأ. واستقلال أعضائها لا ينفى حقيقة أنهم من كبار موظفى الدولة. أما سؤالى فينصب على الملاءمة والمغزى فى توجيه الرئيس المنتخب لكى يحلف اليمين أمام أولئك الكبار الموقرين، كما ذكر الإعلان الدستورى الأخير (الصادر فى 17/6) ذلك أننى أفهم أن الرئيس المنتخب من الشعب ينبغى أن يحلف اليمين أمام ممثلى الشعب، وليس أمام أى سلطة أخرى معينة، حتى إذا كان ممثلوها من أكابر القوم أو أعلى الرتب. ومع كل الاحترام للآخرين، سواء كانوا مجلسا عسكريا أو أعلى أو محكمة دستورية عليا، فإن ممثلى الشعب هم فى مرتبة أعلا من الاثنين.

حتى أوضح فكرتى فإننى أضع بين يديك ثلاث معلومات أحسبها مفيدة فى هذا السياق الذى نحن بصدده. المعلومة الأولى ان بعض القانونيين عندنا (وكلهم صاروا فقهاء كما تعلم) أفتوا بامكانية حلف اليمين أمام المحكمة الدستورية العليا. وهو ما نص عليه الإعلان الدستورى الأخير، فى التعديل الذى أدخله على المادة 30 من إعلان 30 مارس الذى تم الاستفتاء عليه، وذلك قياسا على التجربة الأمريكية فى هذا المضمار، حيث يؤدى الرئيس القسم أمام رئيس المحكمة الاتحادية العليا. وإذا تغاضينا عن الخطأ الجسيم المتمثل فى إصدار المجلس العسكرى من جانبه تعديلا على إعلان إجازته الإرادة الشعبية، فان فقهاءنا المحترمين نسوا أو تناسوا أن أعضاء المحكمة العليا ورئيسها لا يعينون فى مناصبهم إلا بعد تصويت مجلس الشيوخ لصالحهم، بمعنى أن الإرادة الشعبية هى التى انتخبتهم وسمحت لهم بتبوُّءِ مناصبهم. الأمر الذى يعنى أن القياس على النموذج الأمريكى أغفل جوانب مهمة لم تكن فى صالح الحالة المصرية.

المعلومة الثانية ان الأرادة الشعبية فى الدول الديمقراطية تمثل خطا أحمر يضفى عليها هالة أقرب إلى القدسية، حتى إن ملكة إنجلترا ــ بجلالة قدرها ــ يمنع عليها الدخول إلى مجلس العموم لأنه بيت الشعب الذى لا ينبغى أن يعلو فيه صوت غير صوت الشعب. فى حين أن لها أن تذهب إلى مجلس اللوردات لان الأخيرين ليسوا منتخبين من الشعب، ولكنهم معينون بتوصية من الحكومة. وهى لقطة تبين لك مدى فداحة الجرم الذى تمثل فى منع نواب مجلس الشعب فى مصر من دخوله بعد إعلان حله، كما تمثل فى وضع دبابة أمام باب المجلس، كانت رمزا لتحدى صندوق الانتخاب والحط من قدره.

المعلومة الثالثة لا تخلو من مفارقة، وخلاصتها أن العهد الملكى كان أكثر احتراما لإرادة الشعب من النظام الجمهورى، الذى يفترض أن ترتفع فيه أسهم الإرادة الشعبية إلى عنان السماء. آية ذلك أن دستور عام 1923 نص فى مادته رقم 54 على أنه فى حالة خلو العرش لأى سبب يتعين اجتماع المجلسين (النواب والشيوخ) لاختيار الملك الجديد. و«إذا كان مجلس النواب منحلا وقت خلو العرش فإنه يعود للعمل حتى يجتمع المجلس الذى يخلفه». وهو نص يعتبر شرعية الملك الجديد منقوصة إذا لم تستند إلى إرادة شعبية ممثلة فى مجلس النواب.

حين يتأمل المرء هذه المعلومة الأخيرة ويقارنها بمضمون الإعلان الدستورى الأخير ينتابه خليط من مشاعر الاستياء والحزن، خصوصا إذا لاحظ أن «الترزية» الذين صاغوا الإعلان (اعتذر عن استخدام الوصف لكننى لم أجد بديلا عنه) قاموا بتفصيل الإعلان الدستورى على المجلس العسكرى، بحيث حولوه إلى كيان مستقل عن الدولة المصرية له مقره القاهرة حقا، لكن لا شأن له بالسلطة الشرعية فى مصر، وإنما للأخيرة ان تستأذنه فى بعض الأمور المشتركة بحكم علاقات التساكن والجوار.

هؤلاء الترزية الذين بذلوا غاية جهدهم لإعلان استقلال المجلس العسكرى وتأكيد مقامه الرفيع، لم يعتنوا حتى بالرمز فى الدفاع عن الإرادة الشعبية. ولم يخطر على بالهم ان يستفيدوا من نص دستور 1923 الذى دعا إلى عودة المجلس المنحل (دعك من الرأى القانونى فى سبب الحل) لكى يقسم الرئيس الذى انتخبه الشعب أمام برلمان الشعب.

أدرى أنها مسألة رمزية وشكلية. ذلك أننا ما كنا نحلم بانتخاب رئيس يوما ما، ولا بأن يتم ذلك بحرية ونزاهة. ولكن أما وقد حدث ذلك، فلماذا نفسد «الطبخة» ونشوه الفرحة بمطالبة الرئيس المنتخب بحلف اليمين أمام جهة غير منتخبة.

ربما بدا اقتراح حلف اليمين فى ميدان التحرير بحضور الجميع بمن فيهم أعضاء مجلس الشعب حلا ثوريا، لكنه يصعد المواجهة مع المجلس العسكرى. كما انه ليس يسيرا ان يقسم الرئيس أمام ثلثى أعضاء المجلس فقط، إلا إذا قبلت المحكمة المختصة الطعن فى قرار الحل، وأيدت إسقاط عضوية ثلثه فقط. لذلك أجدنى أميل إلى رأى المستشار طارق البشرى الذى قرر فيه أن حلف اليمين غير لازم لممارسة الرئيس سلطته، إلى أن يأتى الله بفرج من عنده، ويصبح فى مصر مجلس للشعب يعزز شرعية الرئيس المنتخب من الشعب. إن تأجيل القسم أفضل من أدائه فى المكان الغلط.


جريدة الشروق المصرية
السبت 10 شعبان 1433
30 يونيو 2012

mohamed5175
01-07-2012, 11:27 AM
أدعو إلى التفكير جيدا فى كيفية «ذبح القطة» للدكتور مرسى. وحتى لا يلتبس الأمر على أحد من رجال الأمن الوطنى ويظن أننى بصدد الدعوة إلى تنظيم إرهابى جديد، فإننى أذكر بأننى استعرت الفكرة الشائعة فى الأوساط الشعبية المصرية التى تتحدث عن إقدام الرجل فى ليلة الدخلة على ذبح قطة أمام زوجته لكى تدرك أنه شديد البأس ومرهوب الجانب وعلى استعداد لأن يريق الدماء فى سبيل إنفاذ كلمته. إن شئت فقل إنها تمثيلية لاستعراض الشجاعة وتأكيد الفتوة فى بداية المرحلة الزوجية لتظل الكلمة العليا للرجل، بغض النظر عن قدراته الحقيقية. وفيما نحن بصدده الآن فإننا نريد أن نفتعل تمثيلية، مماثلة، فنتصرف باعتبارنا إعلاما محترما مصِرّا على الالتزام بأصول المهنة وتقاليدها، لذلك فالقارئ عندنا أهم من الرئيس.

من خبرة عمل بالمهنة تجاوزت نصف قرن، وجدت أن الرؤساء الذين تعاقبوا على السلطة فى مصر خلال تلك المدة كانوا يبدأون بشرا وينتهون آلهة. وقد سئل الدكتور كمال أبوالمجد ذات مرة عن رأيه فى الرئيس الأسبق أنور السادات، بعدما عمل معه أكثر من خمس سنوات، فرد السؤال على السائل قائلا أى سادات تعنى، لأن شخصيته تغيرت عدة مرات خلال تلك الفترة. وزملاؤنا الصحفيون يذكرون أن الرئس السابق حسنى مبارك كان فى زيارة إحدى محافظات الدلتا فى بداية عهده. ورأوه وهو يدون بعض الملاحظات مما سمعه من المحافظ، وبعد عدة سنوات زار المحافظة ذاتها والتقى المحافظ ذاته، وحين أراد الرجل أن يبدى أمامه بعض الملاحظات فإن مبارك نهره قائلا هل تريد أن تعلمنى؟. لأن مبارك استمر فى السلطة ثلاثين عاما، اتيحت له فرص ممارسة الألوهية بصور شتى. ولا ننسى فى هذا الصدد قصة المصرى الذى التقاه حول الكعبة فى أثناء أدائه للعمرة فقال له بحسن نية اتق الله فى شعب مصر. ولم تغفر له هذه «السقطة»، فكان جزاؤه أن قضى بعد عودته 15 عاما فى السجن. وخلال تلك السنوات الثلاثين صدّق مبارك أنه منبع الحكمة فى هذا الزمان، وأن رحلاته إلى الخارج منعطفات فى تاريخ المنطقة والعالم المحيط. أما قراراته فهى من نماذج عمق التفكير ونفاذ البصيرة، فى حين أن كل واحدة من خطبه خطة عمل لكل مؤسسات الدولة. وما تصريحاته إلا منارات هادية للمثقفين والمبدعين ومصدر إلهام للمنشدين والفنانين...إلخ.

منذ فاز الدكتور محمد مرسى فى انتخابات الرئاسة دأب الكتّاب والمعلقون على توجيه النصح له ومطالبته بأن يفعل كذا وأن يمتنع عن فعل كذا وكذا. وهو شىء طيب لا ريب، أن تظل الأعين مفتوحة عليه طول الوقت، وألا يكف الناصحون والناقدون له عن محاولة تبصيره وتقويم مسيرته. لكن ثمة جانبا مسكوتا عليه فى المشهد يتمثل فيما يتعين على الإعلام أن يفعله حتى يقطع الطريق على احتمالات إفساد الرئيس الجديد وتأليهه. صحيح أن البيروقراطية والبطانة لها دورها الذى لا ينكر فى عملية التأليه. لكن الإعلام له دوره الأهم والأخطر. ولأننى أشك فى أن البيروقراطية والبطانة يمكن أن تغير سلوكها بسبب الموروث التاريخى. فالأمل معقود على دور الإعلام فى تثبيت أنسنة الرئيس ومعارضة تأليهه. لقد قال لى زميلنا الأستاذ حمدى قنديل ــ الإعلامى القدير ــ إن أحد خلافاته مع وزير الإعلام السابق صفوت الشريف سببها أنه كان يستخدم لفظة «الرئيس» مجردة، ولم يكن يشير إليه باعتباره «السيد الرئيس»، وهو ما أثار استياء الشريف عدة مرات، وأظن أنه آن الأوان لكى نتعامل بحزم مع جميع صور التأليه. فنعرض أخبار الرئيس وخطبه وتصريحاته بقيمتها عند الناس، وليس استنادا إلى أهمية مصدرها. فما يهم الناس له الأولوية، وما يهم الرئيس وحده فهو شأنه الخاص الذى قد يهم الرئاسة والأسرة. بالتالى علينا أن نطوى صفحة مقولة كلام الرئيس رئيس الكلام. فالأخبار ينبغى أن تكتب حسب أهمية مضمونها ولا علاقة لها بأهمية المصدر وترتيبه فى البروتوكول. ومن الاستخفاف بالناس أن تظل أخبار الرئيس على رأس كل النشرات دون اعتبار لقيمتها. ولا محل لإهدار صفحات الصحف وتضييع أوقات مشاهدى التليفزيون، لاستعراض نصوص خطبه أو أحاديثه المطولة، وكأنها قرآن منزل.

إن الرئيس الإنسان لا ينبغى أن تعلق صوره فوق الرءوس فى جميع الموسسات الحكومية. ولا ينبغى أن يتحرك حيثما ذهب فى موكب امبراطورى يعطل مصالح الخلق. ولا محل لأن يصطحب فى سفراته جيشا من المرافقين الذين ينتمون له والصحفيين الذين يصفقون له.

لقد سبقنا الدكتور مرسى حين طلب منع نشر تهانيه بالفوز على صفحات الصحف، التى تتكلف مئات الألوف من الجنيهات، وليته وجه بإيداعها ضمن موازنة أسر شهداء الثورة وعلاج مصابيها. ومازالت أمامنا فرصة لكى تحتفظ بالإنسان فيه، من خلال مبادرات من قبيل ما ذكرت، حيث لا أخفى أننى قلق عليه من غوايات الإعلام وقدرته على الإفساد. ناهيك عن أنه من الصعب أن يتحول الإعلام من دور القط الأليف إلى دور ذابح القطة!


جريدة الشروق المصرية
الاحد 11 شعبان 1433
1 يوليو 2012

mohamed5175
02-07-2012, 11:33 AM
قبل أن نلوم قائد شرطة دبى على ما صدر عنه، ينبغى أن نتوجه باللوم إلى الذين أهانوا مصر وصغَّروها حتى اجترأ عليها من لا يعرفون قيمتها وقدرها، أدرى أن لنا عليه حق العتاب، لكننا مطالبون بأمرين أولهما أن نعطى الكلام حجمه بغير مبالغة، وثانيهما أن نفكر جيدا فى تفسير التداعيات التى أوصلت الأمور إلی ما وصلت إليه.

ما صدر عن الرجل اللواء ضاحى خلفان، كان رأيا أبداه عبر حسابه الشخصى على تويتر، وبدا فيه أنه لم يكن سعيدا بفوز الدكتور محمد مرسى الذى اعتبره تراجعا لمصر، حيث لم يعجبه أن ينتخب عضو فى الإخوان المسلمين لرئاسة مصر، وذهب إلى أن الثورة المصرية تمت بمساندة إيرانية، وأن فوز الدكتور مرسى مقدمة لدخول المنطقة العربية فى سايكس ـ بيكو جديدة، وهى الاتفاقية التى جرى فيها تقسيم العالم العربى وشرذمته بعد الحرب العالمية الأولى. لكن أسوأ ما قاله إن الرئيس المصرى لن يفرش له السجاد الأحمر إذا جاء إلى الإمارات وأنه سيأتى إلى الخليج حبوا.

هاجم الفريق خلفان حركة الإخوان المسلمين، وكلامه بحقهم ليس جديدا، لأنه سبق أن ردده حين انتقد الدكتور يوسف القرضاوى سحب السلطات الإماراتية للجنسية التى أعطيت لبعض العناصر الإخوانية فى ظروف سابقة، ومطالبتهم بمغادرة البلاد، وقد أيدت حركة الإخوان موقف الدكتور القرضاوى، الأمر الذى دعا الفريق خلفان لأن يفتح النار عليها ويكيل إليها العديد من الاتهامات.

معركته مع الإخوان شأن خاص بالجماعة، وانتقاده لفوز الدكتور مرسى ودفاعه فى منافسه الفريق أحمد شفيق هو حر فيه، رغم أن كلامه يمكن أن يعد تدخلا غير مرحب به فى الشأن الداخلى المصرى.

لكننى أفهمه وأمرره لأن رئاسة مصر تعد رئاسة لكل العرب. ومن ثم فلكل عربى فيها نصيب وحق، ناهيك عن أن الذى قيل بحق الرئيس المنتخب فى داخل مصر أضعاف ما قاله قائد شرطة دبى. لكن الذى بدا جارحا ومحزنا كان قوله إن الرئيس المصرى سيأتى إلى الخليج زاحفا ليطلب العون المادى، وهو الشق الذى استفز الرأى العام المصرى وأغضبه، وربما كان ذلك هو السبب فى إعلان الرئيس مرسى مرتين يوم السبت الماضى أن مصر لا تتدخل فى شئون أحد، وأنها ترفض مساس أى أحد بكرامتها أو كرامة رئيسها.

إذا حاولنا أن نضع الكلام فى إطاره، فسنجد أن الرجل عبَّر عن انفعالاته الشخصية فى موقعه على شبكة التواصل الاجتماعى، وأنه قال كلامه اعتمادا على ما توافر لديه من معلومات، بحكم العلاقة التى تربطه بالفريق شفيق والأجهزة الأمنية المصرية، ثم إن له اشتباكا سابقا مع الإخوان الذين خرج الدكتور مرسى من عباءتهم، علما بأن الرجل كان قد اتهم فى السابق بمحاباتهم. إضافة إلى ذلك يتعين الانتباه إلى أنه ليس مسئولا سياسيا فى الإمارات، وقد قيل لى إن كلامه أحرج قيادة الدولة هناك. وأن المبعوث الإماراتى الذى أمضى يوما فى القاهرة هذا الأسبوع، تم إيفاده لتصحيح الصورة وتبديد الانطباعات السلبية التى خلفها كلام الفريق خلفان.

ليس سرا أن القيادة فى دولة الإمارات كانت تربطها علاقات خاصة مع الرئيس السابق ونظامه. لذلك فإنها لم تكن سعيدة بالثورة، وربما فسَّر ذلك نزوح بعض عناصر النظام السابق إلى دبى بعد الثورة، واستضافة الدولة أخيرا لاثنين من رجال مبارك البارزين مع أفراد أسرتيهما. لكن ذلك لا ينبغى أن يثير أى حساسية أو استياء فى مصر، إلا بالقدر الذى تؤثر فيه تلك الخلفية على الجالية المصرية المقيمة فى دولة الإمارات، وهو تأثير لايزال طفيفا حتى الآن.

فى ضوء هذا. فلست أجد فى مجمل الملابسات التى ذكرتها ما يمكن أن يشكل سببا كافيا لتعكير العلاقة بين البلدين، وما دامت تلك العلاقة قائمة على الاحترام المتبادل لاختيار الشعب، فإن ذلك الاحترام يوفر مناخا مواتيا لاحتمال الهنَّات والأخطاء الصغيرة، التى يدخل ضمنها كلام الفريق ضاحى خلفان. ذلك أن الحفاظ على العلاقة الإيجابية بين الأشقاء العرب من موجبات الرؤية الاستراتيجية الصائبة، وحين يكون طرفا العلاقة هما دولة كبرى مثل مصر، وشقيقة صغرى مثل الإمارات فإن الحرص على إيجابية تلك العلاقة يصبح أوجب.

أكثر ما يهمنى فى المشهد هو ما أصاب مصر من هوان قلَّل من شأنها، وشجع البعض على التطاول عليها. لذلك فإننى أزعم أن المشكلة الحقيقية ليست فيمن تطاول ولكنها فيمن هان أمره وتصاغر.

الأمر الذى يجعل من استعادة مصر لقيمتها وقامتها أولوية عاجلة. وهذه الاستعادة لا تتم من خلال الخطب الرنانة والنفخة الكاذبة. ولكنها تتحقق بتعافى البلد سياسيا واقتصاديا وبإصراره على الاعتماد على طاقات شعبه وإبداعه الذى يغنيه عن سؤال الآخرين، مع انتهاج سياسة مستقلة تليق بوزن ذلك البلد وكبريائه وعطائه التاريخى والحضارى. ذلك أن احترام البلد لنفسه وحده الذى يفرض على الآخرين أن يبادلوه الاحترام.


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 12 شعبان 1433
2 يوليو 2012

mohamed5175
03-07-2012, 11:40 AM
لا نملك ترف الاستسلام طويلا لنشوة السكرة التى استشعرها كثيرون بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية فى مصر، حيث لا مفر من مواجهة الفكرة، التى هى أكثر تعقيدا وتلغيما مما يتصوره البعض، وفى المقدمة منهم الرئيس محمد مرسى.


(1)

يوم الأحد الماضى (1/7) نشرت صحيفة الأهرام رسما كاريكاتوريا صور الرئيس مرسى وهو يفكر فيما عليه أن يفعله خلال المائة يوم الأولى من توليه السلطة، وفى الفضاء المحيط برأسه ظهرت عناوين تحدثت عن الأجور والبطالة والتعليم والسياحة والحريات والفن والمرور والأمن. كأنما عليه أن يتعامل مع مشكلات كل تلك القطاعات خلال المائة يوم القادمة. كما نشرت صحيفة «الشروق» تقريرا فى اليوم ذاته طالب الرئيس بحل مشكلات الغزل والنسيج خلال تلك الفترة أيضا. وقرأت تعليقا لزميلنا الأستاذ عماد الدين حسين نشر فى عدد الشروق قال فيه إن الرئيس مرسى لو نفذ نصف ما وعد به لتحولت مصر خلال فترة قصيرة إلى سنغافورة أو ماليزيا.

هذه الانطباعات من وحى الوعود التى أطلقها الدكتور مرسى بعد فوزه وإعلان تسلمه السلطة رسميا. وكلها تتحدث عن أمنيات الرجل وما يحلم بتحقيقه فى عهده. الأمر الذى رفع سقف توقعات الناس بقدر ما رفع من أسهم شعبيته التى كان بحاجة إليها، بعد حملات التشهير القاسية التى تعرض لها منذ ترشحه للرئاسة. وإذ أتفهم جيدا حقه فى أن يحلم بعدما فوجئ هو وفوجئت مصر كلها بأن الرجل الذى كان فى السجن يوم 28 يناير أصبح رئيسا للجمهورية وجلس على مكتب فرعون مصر، فى حين أن الأخير صار سجينا وأودع المستشفى للعلاج، إلا أننى أزعم أن ذلك الخطاب بحدين. فإذا حدثت المعجزة وحقق الرجل ما وعد به فقد دخل التاريخ من أوسع أبوابه. أما إذا لم يستطع فإنه سيخسر الكثير، ولن يرحمه ناقدوه ناهيك عن المتربصين به والمتصيدين له.

ربما لاحظت أننى استخدمت كلمة «المعجزة» فى وصف نجاحه فى تحقيق ما وعد به. وقد تعمدت ذلك لأننى أزعم أن نواياه الطيبة وشوقه إلى إحداث نقلة تؤسس لانطلاق ونجاح النظام الجديد دفعاه إلى أن يسرف فى التمنى. حتى حمل نفسه بما لا يقوى على حمله، إلا إذا جاء مدد من حيث لا نحتسب وهبطت عليه المعجزة المرجوة. وتلك مراهنة إذا كانت مقبولة عند الدعاة والحالمين، فإن السياسيين يعتبرونها فخا يحذرون من الوقوع فيه.


(2)

ربما يذكر البعض أن لدى موقفا معلنا ومنشورا فى 21 فبراير الماضى حذرت فيه من إقدام الإخوان على تشكيل الحكومة، وقت إن كان ذلك خيارا مطروحا من جانبهم، وقلت آنذاك إن المجتمع ليس جاهزا لاحتمال حكومة يشكلها الإخوان، كما أن الإخوان ليسوا جاهزين لتشكيل الحكومة، حيث يصعب فى بلد بحجم مصر أن تظل الجماعة خارج المنظومة طوال أكثر من ثمانين عاما، ثم تصبح فجأة على رأس المنظومة. وقد تراجع ذلك التحفظ نسبيا حين تنافس مرشح الإخوان على الرئاسة، ثم فاز الدكتور مرسى ووعد بتشكيل حكومة ائتلافية ترأسها كفاءة وطنية من غير الإخوان. وكان تقديرى ولايزال أن الحكومة هى التى ستتحمل المسئولية التى ستكون موزعة على الجميع، بما يسمح لرئيس الجمهورية بأن ينشغل بالسياسات العليا وبتوجيه الجهاز التنفيذى دون الاستغراق فى تفصيلاته. ولذلك اعتبرت أن حمل الرئاسة فى هذه الحالة سيكون أخف، وأن نقص الخبرة السياسية أو الإدارية يمكن تعويضه بحكومة ائتلافية قوية.

ما لم أقله آنذاك أن لى رأيا متواضعا فى اشتغال أصحاب الرسالات بالعمل السياسى من خلال تشكيل الأحزاب. ذلك أن هدف الحزب هو تبنى مشروع يستهدف الوصول إلى السلطة، الذى به يتحقق المراد وبه يقاس نجاحه أو فشله. فى حين أن أصحاب الرسالات يستهدفون تغييرا للمجتمع يتجاوز كثيرا حدود السلطة. وفى حالات كثيرة فإن انخراطهم فى لعبة السلطة يفسد عليهم مشروعهم الرسالى، من حيث إنه يفتح أمامهم مجال الافتتان بالمناصب والتنافس عليها، الأمر الذى يصرفهم عن أهدافهم الدعوية والتربوية.

الخطر يصبح أشد حين تتولى الجماعة الرسالية المسئولية لكى تنفذ مشروعها الإصلاحى وهى فى قمة السلطة، فى حين أن التجارب أثبتت أهمية أن تنطلق حكومة الجماعة الرسالية من القاع إلى القمة وليس العكس. وخبرة الناشطين الإسلاميين مع هذا النهج الأخير لم تكن مبشرة أو مطمئنة. على الأقل فذلك ما تعلموه من فشل محاولات إصلاح المجتمع من القمة فى كل من إيران والسودان، وفى تجربة حركة حماس فى قطاع غزة.


(3)

طريق الرئيس محمد مرسى ليس مفروشا بالصعاب فقط، ولكنه مسكون بالألغام أيضا. ذلك أننى أزعم أن أمامه ثلاثة أنواع من المشكلات. مشكلات من داخل الساحة الإسلامية ــ ومشكلات مصدرها الطبقة السياسية ــ ومشكلات ثالثة مزمنة ومعقدة فى الواقع المصرى.

فيمات خص مشكلات الساحة الإسلامية، فإن بعضها مصدره جماعة الإخوان ذاتها. التى لم يستقر لديها بعد مبدأ الفصل بين الحزب الذى يباشر النشاط السياسى والجماعة التى تركز على المهام التربوية والدعوية. ذلك أن التداخل بين الطرفين حاصل بشكل لافت للنظر، حيث لا يكف المسئولون عن المهام الدعوية والتربوية عن الخوض فى الشأن السياسى الذى هو صلب مهمة الحزب. ورغم أن الأولين يقومون بالدور الأهم ويؤدون دور الصناعة الثقيلة عميقة التأثير وبعيدة المدى، إلا أن الدعاة لم يستطيعوا مقاومة الإغراء التليفزيونى والحضور الإعلامى. فتكلموا فيما ينبغى أن يتصدى له الآخرون، وبعضهم أضر بأكثر مما نفع وأفسد بأكثر مما أصلح.

فى الساحة تيارات أخرى يمكن أن تشكل مصادر مختلفة للضغط الذى قد لا يحتمله الرئيس مرسى. فالدائرة السلفية تتعدد فيها الأصوات التى يجتمع أغلبها حول فكرة تطبيق الشريعة بمفهومها الضيق الذى يصعب على المجتمع هضمه واحتماله فى الوقت الراهن، والعقلاء فى الدعوة السلفية أو فى حزب البناء والتنمية «الجماعة الإسلامية» يتعرضون لضغوط المزايدين الذين يمكن أن يؤدوا إلى إرباك الساحة وتعويق أى تقدم فى الاتجاه الصحيح. وذلك كله فى كفة وما تفعله عناصر حزب التحرير فى كفة أخرى. ورغم قلة أعداد هؤلاء إلا أن كلامهم عن إحياء الخلافة مثلا يمثل نوعا من السلوك العبثى الذى يصب فى مجرى الضجيج والإرباك، ناهيك عن أنه يقدم مادة مجانية للراغبين فى التشهير والتخويف والاصطياد.

مشكلات الطبقة السياسية متعددة بدورها. فأزمة الثقة بينها وبين الإخوان قائمة وبينها وبين الجماعات الإسلامية الأخرى أشد وأعمق. والمجموعات العلمانية الناشطة فى هذا الجانب التى أصرت على احتكار الصفة المدنية وضعت نفسها فى موضع التقاطع مع الإخوان، ولم تفتح بابا للتلاقى. فى ميل واضح لتكريس الاستقطاب وإشاعة الحرب الأهلية الباردة فى الساحة السياسية. وفى ظل ذلك الاستقطاب جرى تعميق الفجوة بين الطرفين من خلال الإلحاح على تكريس فكرة الإسلاموفوبيا، إضافة إلى تحريض الأقباط واستمرار الوقيعة بينهم وبين الإسلاميين، وهذه التعبئة أصابت فكرة الوفاق الوطنى فى مقتل فى مرحلة دقيقة يشكل فيها ذلك الوفاق رافعة لا غنى عنها لدفع مسيرة الثورة.

مشكلات المجتمع، التى هى الأهم والأساس، بلا حصر. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن النظام السابق عمل طوال ثلاثين عاما على تدمير خلايا العافية فيه، وتشويه جميع مؤسساته ومرافقه. حتى بدا وكأنه تحول إلى تل شاهق من الأنقاض. فخدمات التعليم والإسكان والصحة دمرت، وثروته العقارية نهبت وأرضه الزراعية لم تسلم من العدوان المستمر، وصناعته وضعت أمامها العراقيل التى كبلتها وأخرجتها من سوق المنافسة، إلى غير ذلك من التشوهات التى تتطلب سنين لإزالتها. وهو ما يعنى أن أمامنا شوطا طويلا لتحقيق أهداف الثورة، من تحقيق العدالة الاجتماعية إلى تأسيس النظام الديمقراطى الجديد.

ثمة عنصر رابع ولا أستطيع أن أسميه مشكلة فى الوقت الراهن، لكن أعتبره تحديا حتى إشعار آخر، يتمثل فى حدود وطبيعة الدور الذى سيقوم به المجلس العسكرى فى المرحلة المقبلة وإلى أى مدى سيكون ذلك الدور عبئا على رئيس الجمهورية أو عونا له. خصوصا فى ظل الظروف التى تضغط للإبقاء على دور المجلس فى الحياة السياسية، ومعروف أن بعض دعاة «الدولة المدنية» يسهمون فى تلك الضغوط!


(4)

إذا جاز لى أن ألخص ما سبق فلعلى أقول إن الهم ثقيل والرحلة شاقة وطويلة، والعبء أكبر من الرئيس محمد مرسى وأكبر من أى شخص أو فصيل بل ومن أى حكومة أيضا.

من ثم فإن التبصير بالتحديات أهم وأولى من التعلق بالأمنيات أو الإسراف فى الوعود المنوط تنفيذها بمؤسسات وأجهزة أخرى فى الدولة. لذلك تمنيت على الرئيس أن يصارح المجتمع بطبيعة وحقيقة تلك التحديات، لكى يتأهب لتحمل مسئوليته ويصبح مستعدا لدفع ضريبة التقدم المنشود، من جهده وعرق أبنائه.

ترن فى إذنى دائما كلمات الخطبة التى أعلنها رئيس الوزراء البريطانى الأسبق ونستون تشرشل، حين كلف بتشكيل الحكومة أثناء الحرب العالمية الثانية (14 مايو عام 1940)، وقال فيها إننى أعدكم بالدم والدموع والشقاء والعرق. وهى الرسالة التى كررها فى اجتماع مجلس الوزراء وفى مجلس العموم، بعد أن شكل حكومة من خمسة أشخاص، قادت مقاومة الشعب البريطانى حتى النصر.

صحيح أن التحدى فى مصر أقل جسامة، لكنه يستحق أن يصارح الشعب بمسئولياته إزاءه، ولذا تمنيت أن يقول الرئيس للشعب صراحة إنه إذا أردتم العيش والحرية والعدالة الاجتماعية حقا، فأنتم مطالبون بنبذ الخلافات والتوحد والتقشف وشد الأحزمة على البطون وبمضاعفة الإنتاج وبالتشدد فى احترام القانون. ومن جانبى فإننى أضمن لكم الدفاع عن استقلال البلد وكرامته، واحترام الحريات الخاصة والعامة، والحفاظ بمنتهى الحزم على حق المواطنة، وأن تقدم رئاسة الجمهورية النموذج فى التقشف الذى يطالب به الجميع.

إننا نريد من الرئيس أن يستنفرنا ويستنهض همتنا لا أن يدغدغ مشاعرنا، وأن يصدمنا بصراحته وبجرأته فى مواجهة التحديات لا أن يأسرنا بطيبته ورسائله العاطفية.

هذا كله عن هم الداخل، أما الخارج فلهمومه حديث آخر.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 13 شعبان 1433
3 يوليو 2012

mohamed5175
04-07-2012, 10:59 AM
الترحيب واجب بكل خطوة تتم باتجاه تخفيف الأعباء عن موظفى الدولة وأصحاب المعاشات فى مصر. وهو ما ينسحب على القرار الذى اتخذته الحكومة فى أول اجتماع لها برئاسة الدكتور محمد مرسى يوم الأحد الماضى (2/7)، وقضى بصرف علاوة بنسبة 15٪ للعاملين فى الدولة وأصحاب المعاشات ورفع معاش الضمان الاجتماعى بنسبة 50٪ (من مائتى جنيه إلى ثلاثمائة). ولا أعرف إلى أى مدى يمكن أن تسهم تلك الخطوة فى تحريك قضية العدالة الاجتماعية التى دعت إليها الثورة، ولكنها فى حدها الأدنى تبعث برسالة دالة على أن ثمة سعيا فى ذلك الاتجاه. لكنى لا أخفى أنه ترحيب مسكون بالقلق والخوف من عدة أوجه، أوجزها فيما يلى:

ــ أكرر ما سبق أن قلته عن خشيتى من إشاعة ثقافة تحصيل الحقوق والسكوت على مسئولية أداء الواجبات، وقد لاحظت فى هذا الصدد أن صحف الاثنين نقلت عن المتحدث باسم رئاسة الجمهورية قوله إن قرار الزيادة استهدف السعى لرفع الأعباء عن كاهل المواطنين دون أية إشارة إلى ما يتعين أن يفعله المواطنون بالتوازى مع ذلك.

ــ إن أهل الاقتصاد يعرفون جيدا أن الغلاء لا يعالج بزيادة المرتبات، التى يمكن أن تكون عنصرا يسهم فى زيادة وطأة الغلاء. لأن من شأن ضخ الفلوس فى الأسواق مع ثبات معدلات المعروض من السلع أن يحدث نوعا من التضخم يزيد فيه الطلب على العرض، وبالتالى ترتفع أسعار السلع تلقائيا. كما يعرف أهل الاقتصاد أن زيادة الإنتاج، وحدها التى تؤدى إلى زيادة الدخول وتسهم بصورة مباشرة فى زيادة المعروض من السلع ومن ثم خفض أسعارها.

ــ إن زيادة الدخول مع ثبات المعروض من السلع كما هو يعطى انطباعا وهميا بالوفرة المالية النسبية، فى حين أن الشخص الذى زاد دخله سيكتشف بمضى الوقت أن الزيادة لم تدخل جيبه وإنما ابتلعتها السوق على الفور. وهو ما يعنى أنه لا معنى ولا جدوى من زيادة الدخول ما لم تقترن بزيادة الإنتاج.

ــ ليس واضحا كيف دبرت الحكومة الملايين التى ستصرف لتنفيذ القرارات التى اتخذت. وربما كان الأمر أكثر إقناعا وادعى إلى الاطمئنان إذا أعلنت الحكومة عن حجم العبء الجديد، والمصدر الذى اعتمدت عليه فى توفير متطلباته. ولأن الأمر غامض من هذه الناحية فأخشى ما أخشاه أن يؤدى ذلك العبء الجديد إلى زيادة العجز الكبير فى موازنة الدولة، ما لم تنجح الحكومة فى تدبير مصادر للدخل تغطى المبلغ المطلوب.

ــ إننى لم أفهم بعد لماذا لا تلجأ الحكومة إلى مصارحة الناس بالحقيقة وأن تطالبهم بتحمل مسئوليتهم إزاءها. أعنى لماذا لا يشرح أى مسئول للمجتمع تفاصيل الوضع الاقتصادى الراهن ويعلن على الملأ أن إنقاذ ذلك الوضع ليس مسئولية الحكومة وحدها، ولكنها مسئولية الشعب أيضا. وبعدما دفع الشعب ثمنا باهظا لإسقاط النظام السابق، فيتعين على الجميع أن يثبتوا على موقفهم الشجاع، وأن يكونوا على استعدادا لاحتمال بعض التضحيات وبذل مزيد من الجهد لتأسيس وبناء النظام الجديد، وليس مطلوبا من أحد أن يتنازل عن حقه فى تحسين دخله، ولكن المطلوب من كل أحد قليل الصبر على ذلك. وكثير من الجهد والعرق لكى يصبح تحسين الدخل حقيقيا وليس وهميا.

ــ إننى ألمح فى خطاب الحكومة جنوحا نحو سياسة المسايرة والمجاملة، وليس المكاشفة والمصارحة. ذلك أننى قرأت قبل أيام قليلة خبرا عن زيادة ياميش رمضان المعروف فى الأسواق بنسبة 57٪ بالمقارنة بالعام الماضى. ورغم أن الخبر المنشور لم يتحدث عن العبء الذى تحملته موازنة الدولة جراء ذلك. إلا أننى لم أفهم لماذا تقدم الحكومة على هذه الخطوة فى الظروف الاقتصادية الصعبة التى تمر بها البلاد. بل أجد فى هذا الموقف سلوكا لا يشجع على الاستهلاك فحسب، وإنما لا يعبر عن التعامل بجدية وشجاعة مع المسألة، حيث تمنيت أن يدعى الناس إلى تحمل مسئوليتهم فى مواجهة الوضع الاقتصادى الصعب بحيث يطالبون بالاستغناء عن الياميش هذا العام. وهذا الموقف الشجاع من شأنه أن يخفف من أعباء الموازنة من ناحية، كما أنه يسهم فى تأسيس ثقافة المشاركة والمسئولية المجتمعية التى نحن فى أشد الحاجة عليها بعد الثورة.

أكاد أرى فى بعض السياسات المتبعة الآن أصداء النظام القديم، الذى عمد إلى تغييب المجتمع وممارسة السلطة الأبوية إزاءه، فلا اعترف بحق الناس فى المعرفة أو حقهم فى المشاركة، وعمد إلى التظاهر بتدليلهم فى الوقت الذى كان البلد كله مخطوفا وثروته وأرضه منهوبة.

إننا نريد أن نبنى مجتمعا مسئولا عن صناعة حاضره وبناء مستقبله، وواعيا بواجباته جنبا إلى جنب مع حقوقه، كما نريد أن ننتقل من ترديد الشعار الشعب يريد إلى تثبيت شعار الشعب يشارك لكى ننتقل من ميدان التحرير إلى ميدان الإنتاج والإبداع.

جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 14 شعبان 1433
4 يوليو 2012

mohamed5175
05-07-2012, 11:56 AM
صادرت سلطات الجمارك فى تونس شحنة من اللحى الصناعية كانت مستوردة من الخارج، بعدما اكتشفت أجهزة الأمن أن أعدادا من الملتحين المزيفين أصبحوا يندسون وسط المتظاهرين ويقومون ببعض الأعمال التخريبية، من قبيل مهاجمة دور السينما والحانات إلى جانب الاعتداء على غير المحجبات. وتحول ذلك الحضور إلى ظاهرة، منذ رأس الحكومة أحد القياديين البارزين فى حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية. وكان واضحا أن هدف الملتحين المزيفين هو إرباك حكومة الحزب وإشاعة الخوف منها على الحريات الشخصية والعامة، إلى جانب إشاعة الفوضى فى البلاد وإثارة حنين الناس إلى العهد السابق.

فى التحقيقات والتحريات التى جرت تبين أن الملتحين المزيفين خليط من عناصر أجهزة الأمن السابقين إلى جانب بعض المعتصبين والعاطلين، والأخيرون وجدوا فى التظاهرات التى تخرج بين الحين والآخر «عملا» انخرطوا منه، وفرصة لتصريف مشاعر النقمة على الحكومة والمجتمع.

ما حدث فى تونس قليل ومتواضع إلى جانب ما شهدته تركيا خلال العقود الماضية، حيث تخصصت منظمة «أرجنكون» التى كان رمزا وتجسيدا للدولة العميقة فى إثارة الاضطرابات والتخويف من نمو الظاهرة الإسلامية. واستخدمت فى ذلك كل ما يخطر على البال من وسائل الدس والتشهير إلى جانب عمليات التفجير والاغتيال، التى ظلت تمارسها وإلصاقها بالناشطين الإسلاميين حيثما وجدوا.

هذه الخلفية واجبة الاستحضار فى الأجواء المصرية حيث كان التخويف من الإسلاميين محورا ثابتا فى السياسة المتبعة منذ خمسينيات القرن الماضى. وظلت المنابر الإعلامية تقوم بهذه المهمة طول الوقت، فى حين لم تقصر أجهزة الدولة فى اتخاذ اللازم من خلال الملاحقات والاعتقالات والمحاكمات العسكرية. وكانت الجماعات التى انتهجت سبيل العنف فى الثمانينيات قد وفرت ذريعة لتبرير تلك الحملات والإجراءات، وحين قامت الثورة وأطلق سراح المجتمع تغيرت أشياء كثيرة، لكن شيئا واحدا لم يتغير هو التخويف من التيارات الإسلامية وتكريس فكرة الخطر الذى تمثله على المجتمع. وحين بدا أن تلك التيارات أثبتت حضورا قويا فى الاستفتاء والانتخابات التشريعية والرئاسية، فإن ذلك استنفر أطراف وأبواق التخويف والترويع. وإلى جانب الحملات الإعلامية الفجة والشرسة التى استهدفت الإسلاميين، ظهرت فى الأفق ممارسات أخرى غير مألوفة تمثلت فى حوادث التحرش بالأقباط ومراقبة السلوك الاجتماعى للناس من خلال ما سمى بهيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وقرأنا أخيرا عن قتل اثنين من الموسيقيين وقتل شاب كان يسير مع فتاة (والعياذ بالله، كما قال بيان نشر بهذا الخصوص)، كما قرأنا أخبارا عن هدم بعض القبور وإحراق تمثال لأحد الفنانين، وشاهدنا أحدهم يؤذن لصلاة العصر فى افتتاح مجلس الشعب، ورأينا صور البعض وهم يرفضون الوقوف احتراما للسلام الجمهورى أثناء عزفه، إلى غير ذلك من السلوكيات والمظاهر الغريبة على المجتمع المصرى، والتى هى محل استهجان واستنكار فى المجتمع.

وليس هناك شك فى أن ممارسات بعض السلفيين الذين لم يألفوا الخروج إلى المجال العام أثارت خليطا من الدهشة والاستياء من جانب كثيرين. وبدا أن أحدا لم يكن مستعدا لإعذارهم أو الصبر على تطوير ثقافتهم التى عاشوا فى ظلها سنين طويلة. وكانت النتيجة أن المتربصين انقضوا عليهم ولم يرحموهم. ليس ذلك فحسب وإنما عمدوا إلى الخلط بين الصالح منهم والطالح، ثم وضعوهم مع غيرهم فى سلة واحدة، وجرى تعميم الاتهام على الجميع، فى دعوة مبطنة للعودة إلى إقصاء الإسلاميين أو إبادتهم إذا أمكن، ولم يحمد لهم أحد أنهم لم يمارسوا أى نوع من أنواع العنف ضد المجتمع، مثلما فعل أقرانهم فى تونس والمغرب والجزائر.

لكن ما هو أسوأ من ذلك وأخطر كان تلك الممارسات المريبة التى شكلت اعتداء على الحياة الخاصة للناس وعلى الفنانين بدعوى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وهى الدعوة المريبة التى ظهرت فى الأفق منذ أشهر قليلة، ومارس أصحابها المجهولون سلوكيات غير مألوفة فى المجتمع المصرى من قبيل بعض ما ذكرت. ولأننى أرجح أن هؤلاء جميعا لا علاقة لهم بالجماعات الإسلامية الموجودة على الساحة. فإن ذلك يدعونى إلى القول بأنهم أقران أولئك الذين استوردوا اللحى الصناعية فى تونس. وسيظل مستغربا ومريبا أن تفشل الأجهزة الأمنية فى التعرف عليهم، كما حدث مع القناصة الذين قتلوا الثوار ثم ابتلعتهم الأرض، ثم لم نعثر لهم على أثر بعد ذلك.

لم تصدمنا تلك الممارسات الفجة فحسب، لكن ما يصدمنا أيضا هو تلك «المناحة» التى نصبها نفر من المثقفين، الذين لم ينتظروا أى تحقيق وسارعوا إلى الولولة والصراخ، بعدما استبقوا وتصيَّدوا الحوادث الفردية ثم عمموها على الجميع، مدعين أن «ملاعين» الإسلام السياسى هم الذين فعلوا كل ذلك. رغم أنهم لم يقترفوا طوال الخمسين سنة الأخيرة شيئا مما ينسب إليهم الآن.

بسبب تسرعهم فى إدانة الجمع واتهامهم، ولشدة انفعالهم وكثرة صراخهم فإننى بدأت أشك فى أنهم طرف فيما جرى ويجرى خصوصا أننا نعرف الآن أن الدولة العميقة ليست كلها غاطسة فى الخفاء، ولكن بعض أذرعها موجودة فى أوساط المثقفين والإعلاميين أيضا.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 15 شعبان 1433
5 يوليو 2012

mohamed5175
07-07-2012, 01:03 PM
انتظرنا طويلا أن يقوم ضباط الشرطة بدورهم فى إعادة الأمن والانضباط إلى الشارع المصرى لكننا فوجئنا بأن بعضهم مشغولون بإطلاق لحاهم. كأننا صُمنا ثم أفطرنا على بصلة. كما يقول المثل الشائع. وفى حين ظللنا مهجوسين بأمن البلد وإعمار مصر، فإن أصحابنا هؤلاء كانوا مهمومين بزيادة حظوظهم من الحسنات وتبييض صفحتهم فى الآخرة، وغير مقتنعين فيما يبدو بأن إشاعة الأمن فى البلد يحقق لهم ما يريدون وأكثر. لأنهم بما دعوا إليه ربما نفعوا أنفسهم ولكنهم بأدائهم لواجبهم يقدمون خدمة جليلة لمجتمعهم. وفى الحديث النبوى أن خير الناس أنفعهم للناس.

ليس معروفا على وجه الدقة عدد الراغبين فى إطلاق لحاهم من ضباط الشرطة والأمناء. لكن الثابت أن قضيتهم أصبحت حاضرة بصورة شبه يومية فى الإعلام المصرى، سواء باعتبارها مادة للإثارة، أو لإشاعة الاستياء والبلبلة. وأخشى أن يستمر النفخ فى المسألة بما يجعلها تحتل مكانها ضمن ملفات المرحلة وأولوياتها، الأمر الذى يجعلنا بإزاء مشهد يختلط فيه العبث بالكوميديا والدراما فى نفس الوقت.

لست أخفى أنه لم يخطر ببالى يوما ما أن اشترك فى مناقشة موضوع لحى ضباط الشرطة، الذى لم آخذه فى البداية على محمل الجد. إذ لم أتوقع أن تصبح المسألة محلا للمناقشة أصلا. لكن يبدو أن الأجواء الراهنة خلطت الأوراق وأعادت ترتيب الأولويات، فى قطاعات كثيرة، بما فى ذلك قطاع الشرطة (قرأت أن الموضوع أثير فى اجتماع المشير طنطاوى مع ضباط القوات المسلحة). وقد سئلت فى الموضوع ذات مرة فقلت إن فتح الملف فى طور تأسيس النظام الديمقراطى الجديد يعد نوعا من العبث. وأن الاشتراك فى مناقشته من قبيل الاستدراج للإسهام فى العبث. لكنى لاحظت أن الموضوع كبر فى رأس البعض، ربما بسبب الإلحاح الإعلامى المشهود. وهو ما دفعنى إلى تغيير رأيى فى الدعوة إلى تجاهله، ومن ثم اعتبرت إثم الحديث فيه أخف وطأة من إثم استدعاء الملف وإشاعة البلبلة فى مصر بسببه. وعند الاختيار بين الاثمين أو المفسدتين جاز لى أن أقبل مؤقتا بالمفسدة الصغرى لتجنب وقوع المفسدة الأكبر، إعمالا للقاعدة التى قررها الأصوليون فى فقه الموازنات.

ما عندى فى الموضوع لا يتجاوز كلمتين، واحدة فى التأصيل الشرعى للمسألة، والثانية فى تنزيلها على حالة رجال الشرطة فى مصر. فى الأولى سألت الدكتور على جمعة مفتى مصر، فعلمت منه أنه أصدر فتوى فى الموضوع، ردا على رسالة تلقاها فى شهر فبراير الماضى من مساعد وزير الداخلية اللواء محمد نجيب حسن، وجاء فى نص الفتوى «إن الفقهاء اختلفوا فى حكم إطلاق اللحية قديما وحديثا. فذهب فريق إلى أنها من سنن العادات وليس من الأمور العبادية، وأن الأمر الوارد بإطلاقها «فى الأحاديث النبوية» هو أمر إرشاد لا أمر وجوب أو استحباب». وهو ما ذهب إليه بعض العلماء المتأخرين، وفى المقدمة منهم الشيخ محمود شلتوت، الإمام الأكبر، والشيخ محمد أبوزهرة، وآخرون من علماء الأزهر.

فهمت من الفتوى أن أغلب القائلين بهذا الرأى من الأحناف، أما القائلون بأن إطلاق اللحية سنة مستحبة فأغلبهم من المالكية والشافعية، أما الحنابلة فقد حرموا حلق اللحية وأفتوا بوجوب إطلاقها.

أشارت الفتوى إلى أن عادة العسكر من شرطة وجيش جرت منذ مئات السنين على حلق لحاهم. فلم تتحول المسألة إلى قضية تثير ضجة حول مدى الطاعة والخروج عن التعليمات. وكانت لاختلاف العلماء فيها مندرجة دائما تحت قاعدة «لا ينكر المختلف فيه وإنما ينكر المتفق عليه»، كما ذكر الإمام السيوطى.

خلاصة رأى دار الإفتاء كانت كما يلى: من ارتضى أن يدخل إلى كليات الشرطة يكون قد اختار ما اختارته إدارة الشرطة فى هذا الأمر. لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا. واختيار ما اختارته إدارة الشرطة فى هذا الأمر جائز.

هذا الرأى سمعته أيضا من الدكتور حسن الشافعى كبير مستشارى شيخ الأزهر ورئيس مجمع اللغة العربية، والشيخ جمال قطب مسئول الإفتاء السابق بالأزهر. وعند الاثنين فالوجوب لا محل له، وأن الاستحباب وثيق الصلة بالعرف، الذى يختلف من بلد إلى آخر. وقد جرى العمل فى دول الخليج على السماح للعسكريين بإطلاق لحاهم، إلا أن العكس هو الذى استقر فى مصر، (الدكتور الشافعى قال إن المسألة يمكن أن تفتح بابا للفتنة فى البلد جراء تعامل الضباط الملتحين مع الأقباط).

فى تنزيل الأمر على الواقع المصرى الراهن فإننى أزعم أن استعادة الأمن فى مصر هو واجب الوقت والفريضة التى يتعين الوفاء بها، وكل ما عدا ذلك من مهام الشرطة أو التزاماتهم نوافل تالية فى الأهمية والترتيب، والإثم الحقيقى هو أن تقدم النافلة على الفريضة، الذى هو فى هذه الحالة خطأ فى حق الدنيا والدين فى ذات الوقت.

يتداول الأزهريون فيما بينهم قصة الشيخ الكفيف الذى مد يده ليربت على رأس أحد تلاميذه فما كان من الأخير إلا أن قال له إن تلك لحيته وليست رأسه. فنهره الشيخ قائلا بدلا من أن تربى ذقنك، ليتك فعلت شيئا مفيدا فربيت بعض الدجاج لتنفق من عائدها على نفسك بدلا من أن تترك أبوك يكد ويكدح لكى ينفق على تربيتك!


جريدة الشروق المصرية
السبت 17 شعبان 1433
7 يوليو 2012

mohamed5175
08-07-2012, 11:50 AM
البعض فى مصر يتصورون أننا بصدد تأسيس دولة الخلافة الإسلامية، وبيننا آخرون يصرون على أن تكون دولة علمانية نافرة من الدين ومخاصمة له. والأولون غير قادرين على استيعاب حقيقة أن الخلافة تجربة تاريخية ليست واردة فى زماننا، والآخرون غير مستعدين للاقنتاع باستحالة تطبيق مشروعهم فى بلد يغلب عليه التدين كمصر. بالتالى فلا معنى للتجاذب الحاصل بين الطرفين سوى أنه عراك يمثل عبثا يستهدف إهدار الوقت واستهلاك الطاقات وتبديدها، ومن ثم تعطيل التقدم باتجاه إقامة الدولة الوطنية الديمقراطية.

لا أتحدث فى الشريحة الأولى عن جماعة التحرير الذين يزايدون على الجميع بالدعوة إلى إحياء الخلافة الإسلامية، ومن ثم يعفون أنفسهم من أى نضال على الأرض يتحرى مصالح الناس أو يدافع عن حقوقهم، فى طرح ساذج يتصور أن تغيير مسمى النظام كفيل تلقائيا بحل كل مشاكله. وإنما أتحدث عن تمسك بعض السلفيين بإعادة صياغة المادة الثانية من الدستور بحيث تنص على مرجعية أحكام الشريعة وليس مبادئها فقط كما هو حاصل الآن.

هذا الموقف من مسألة المرجعية برز فى مصر بعد أسابيع قليلة من تناول الموضوع فى تونس، وجاء كاشفا عن منهجين مختلفين من الإدراك والتفكير. ذلك أنهم فى تونس قرروا الاكتفاء بالنص فى الدستور على أن الإسلام دين الدولة، واستبعدوا مسألة الشريعة من الصياغة. وفى تفسير ذلك قال الشيخ راشد الغنوشى رئيس حركة النهضة إن النص على أن الإسلام دين الدولة يكفى فى تحديد هويتها وانتمائها الدينى. وأضاف أن الحركة حين وجدت أن النخب حساسة إزاء مسألة الشريعة، فإنها قررت استبعاد الإشارة إليها تجنبا للشقاق وحفاظا على وحدة الجماعة الوطنية.

الغنوشى حين اختار هذا الموقف فإنه فكر بعقل السياسى المسئول الذى يحسن قراءة الواقع ويضع وحدة الوطن نصب عينيه. أما إخواننا الذين يصرون على استبعاد مصطلح المبادئ وإحلال كلمة الأحكام محلها، فإنهم فكروا بعقلية الدعاة الذين يعيشون فى التاريخ ولا علاقة لهم بالواقع ولا بالوطن. والفرق بين المنهجين يعكس الفرق بين عقل مفتوح وبصيرة نافذة وبين عقل ضيق ومغلق وعينين مغمضتين.

من الناحية الموضوعية فإن المبادئ بمعنى المقاصد العليا أهم من الأحكام التى تتجلى فى التفاصيل. ذلك أنه يفترض فى التفاصيل أنها وسائل تؤدى إلى تحقيق الأهداف. أدرى أن الالتزام بالاثنين هو المطلب الأمثل والحد الأقصى. أما إذا طرح الاختيار بينهما فإن الانحياز إلى الأهداف أولى. ذلك أن الاكتفاء بالوسائل أو الأحكام يمكن أن يهدر المبادئ ويفرغها من مضمونها. وفى العالم العربى حاليا أقطار يعرفها الجميع التزمت بالأحكام وتشددت فى تطبيقها فى حين لم تلتزم بشىء من الأهداف. ومنها من طبق الحدود الشرعية مثلا، ثم ضرب عرض الحائط بمبادئ الحرية والمساواة والعدالة وحرمة وكرامة الإنسان. وفى هذه الحالة فإن تطبيق الأحكام يبدو وكأنه صيغة مراوغة لإخفاء انتهاك المبادئ، خصوصا أن تطبيق الأحكام يجرى تنزيله على الناس العاديين. أما الالتزام بالمبادئ فهو مسئولية أهل القرار والسلطان. بكلام آخر فإن الدعوة إلى تطبيق الأحكام فى الظروف الراهنة تفتح الباب لإعفاء أهل القرار من مسئولية الدفاع عن القيم الأساسية التى يقوم عليها المجتمع، وإطلاق أيديهم فى العبث بها وانتهاكها.

العقل العلمانى المغلق لا يختلف كثيرا عن نظيره فى الساحة الإسلامية. والطرفان يشتركان فى الإصرار على فرض أجندتيهما على المجتمع. وفى فشلهما فى قراءة الواقع. والاثنان ينشغلان بالهويات لا بالسياسيات. ولا فرق فى هذه الحالة بين الذى يصر على فرض أحكام الشريعة على المجتمع. وبين ذلك الذى يصر على شطب الهوية الإسلامية من المجتمع.

قرأت مقالة لأستاذ جامعى محترم امتدح خطبة الرئيس محمد مرسى لسبب واحد أنه لم يأت على ذكر الشريعة الإسلامية فيها. وانتقد مؤرخ معتبر قرار الرئيس تشكيل «ديوان المظالم» بدعوى أن التسمية تراثية ومحملة بإيحاءات إسلامية تتعارض مع التزامه بالدولة المدنية (فى موسوعة ويكيبيديا أن ديوان المظالم هو أقرب الترجمات لمطلح «امبودزمان» أو المفوض الشعبى والبرلمانى المعمول به فى السويد وطبقته دول أخرى). وهى ملاحظة غريبة للغاية. لأن الأكاديمى المحترم لم ينشغل بمظالم الناس، ولكنه استنكر فقط الإيحاءات الإسلامية فى المصطلح. وربما غفر له ذلك «الذنب» لو أن الرئيس استخدم المصطلح المتداول فى اللغة السويدية.

تحفل الصحف بالكثير من هذه النماذج كل يوم، التى يضيق المجال عن ذكرها، إلا أن أسوأ ما فى هذا التجاذب أنه بمثابة صراع بين نخب المتعصبين وضيقى العقول المهجوسين بحساباتهم وأجنداتهم الخاصة، والذين لا تشغلهم هموم الناس من قريب أو بعيد. وللأسف فإن قوة التأثير الإعلامى تنقل ذلك الصراع إلى الرأى العام فتقسمه وتشوهه وتصرفه عما هو نافع فى مرحلة يحتاج الوطن فيها إلى عزائم المخلصين الجادين وليس إلى نزق المتعصبين وهرج العابثين.


جريدة الشروق المصرية
الاحد 18 شعبان 1433
8 يوليو 2012

mohamed5175
09-07-2012, 11:26 AM
على شاشة التليفزيون قال السيناريست الشهير إنه يريد من الرئيس محمد مرسى أن يحدد موقفا واضحا من أمرين هما مسألة بيع قناة السويس والتنازل عن بعض أرض سيناء للفلسطينيين. كان الرجل يتكلم بثقة موحية بأن الأمر جد ولا هزل فيه. حتى خيل إلىَّ أنه سوف يسترسل فى التساؤل عن احتمالات بيع أهرامات الجيزة. واحتكار إحدى شركات المياه الغازية لمياه نهر النيل، وتأجير دلتا النيل مفروشة للمستثمرين والسياح العرب والأجانب!

المشكلة بالنسبة لى لم تكن فى الإجابة عن التساؤل، ولكنها كانت فى الحالة العقلية والنفسية التى جعلت صاحبنا مستعدا لتصديق إمكانية بيع قناة السويس أو التنازل عن جزء من سيناء. وهى الفكرة التى لا يصدقها أى أبله أو معتوه فى مصر.

لست أشك فى أن الرجل يدرك استحالة حدوث ما استفسر عنه، ويعرف أن الإجابة عن السؤالين بالنفى قطعا، بالتالى فإنه لم يكن ينتظر الإجابة بقدر ما أراد أن يُحدث نوعا من البلبلة تجعل السؤال واردا. وهو ما تعلمناه فى الصنعة ضمن فنون الغمز واللمز. التى يكون السؤال فيها أهم وأخطر من الإجابة، لأنه يستدعى إلى ذهن المتلقى ما لا يخطر على البال.

كنت قد سمعت هذه التساؤلات على لسان الفريق أحمد شفيق أثناء حملته الانتخابية، ورغم أنه بدا صادما آنذاك، إلا أننى اعتبرته من تجليات الصراع الشرس الذى دار بين المتنافسين على الرئاسة، والذى بدا فيه أن ما ليس معقولا صار مقبولا ومعقولا (ترشيح الفريق أحمد شفيق وقبله اللواء عمر سليمان نموذج لهذه الحالة). ولم يخطر على بالى أن يستمر القصف باستخدام ذات الأساليب والأسلحة بعد انتهاء المعركة، لكن كلام السيناريست المحترم خيَّب ذلك الظن. وحين توازى إطلاق كلامه مع بث بعض البرامج التليفزيونية التى شنت هجوما عنيفا وجارحا ضد الدكتور محمد مرسى، بدأت أنظر إلى الحملة من زاوية مختلفة، ذلك أن بعض مقدمى تلك البرامج مارسوا بحق الرجل مستوى من «الردح» المتدنى غير مسبوق وغير مألوف. حينئذ تراجع عتابى نسبيا على السيناريست. وقلت إن سؤاله كان خبيثا وسمجا حقا، لكنه كان مؤدبا فى طرحه، فى حين أن البرامج التى أعنيها لم تكن أبعد ما تكون عن أدب الحوار بمفهومه المهنى فحسب، ولكنها كانت بعيدة عن الأدب بمفهومه الأخلاقى والتربوى، الذى يتلقاه الأبناء فى البيوت منذ نعومة أظافرهم.

وسائل الإعلام شاركت فى الحملة على نحو يثير الدهشة ويصعب تصديقه. إذ بات مألوفا أن تنشر بعض الصحف الصفراء عناوين تتصدر صفحاتها الأولى من قبيل: الرئيس الفضيحة ــ الرئيس عاجز ــ الفاشى فى قصر الرئاسة ــ الرئيس الخادم ــ رئيس فى خدمة الأمريكان ــ وفى خدمة قطر ــ وصنع (الرئيس) فى أمن الدولة ــ عضو بالكونجرس يقول أمريكا اشترت مرسى بـ50 مليون دولار ــ محمد مرسى الأسطورة الكاذبة ــ مرسى يدير مصر بلعبة الثلاث ورقات...إلخ.

هذا قليل من كثير نشر خلال الأيام العشرة التى أعقبت أداء الرئيس لليمين القانونية. وهو من قبيل اللا معقول الذى تحفل به الصحف المصرية هذه الأيام، ويوجه إليه بجرأة غير عادية إهانات يومية وسبابا يقع أغلبها تحت طائلة القانون، الأمر الذى يعيد إلى أذهاننا ما جرى فى ستينيات القرن الماضى، حين سافر الرئيس عبدالناصر فى رحلة إلى باكستان، وفى يوم وصوله نجحت أجهزة الأمن من اصطياد سفاح مطارد وقتله. حينذاك خرجت صحيفة الأخبار بعنوان على صفحتها الأولى يقول «مصرع السفاح»، وتحته عنوان آخر تحدث عن «عبدالناصر فى باكستان». واتهمت الجريدة بسوء القصد فى ذلك الحين، لأن قراءة العنوانين فى جملة واحدة أعطت انطباعا أغضب الرئيس بشدة. وكانت تلك ذريعة استخدمت لتأميم كل الصحف المصرية فى شهر مايو عام 1960.

وليس بعيدة فى أذهاننا قصة جريدة الدستور ــ الأولى ــ التى نشرت فى عام 2007 تقريرا تحدثت فيه عن مرض الرئيس السابق حسنى مبارك، وبسببه قدم رئيس تحريرها الزميل إبراهيم عيسى للمحاكمة، وصدر ضده حكم بالحبس ستة أشهر خفضت إلى شهرين، لكن الرئيس عفا عنه بعد ذلك.

الخلاصة أننا لم نعرف فى التاريخ المصرى المعاصر جرأة على كرامة رئىس الدولة مماثلة لتلك التى تمارس فى وسائل الإعلام هذه الأيام. ولا أستطيع أن أفترض البراءة فيما يجرى، لأننا إذا فهمنا حدوثه أثناء المعركة الانتخابية، فإن الأمر لابد أن يختلف بعد انتخاب الرئيس. ولا مفر من الاقرار بأن استمرار الحملة بنفس الشراسة وبذات اللغة الهابطة والتطاول المعيب لا علاقة له بحرية التعبير، التى نعلم أن لها ضوابط وآدابا وسقفا. ولست مشغولا بما سيفعله الرئيس فى هذه الحالة، فذلك شأنه هو وفريقه. لكنى أكثر ما يهمنى هو تفسير الحملة التى يراد بها تدمير صورة الرئىس والحط من قدره وكرامته. لأننى أشم فيما يجرى رائحة اغتياله بواسطة الإعلام بعد فشل إسقاطه من خلال الانتخابات. وتصبح تلك الرائحة أقوى وأشد إذا وضعت الحملة الإعلامية التى يقودها عناصر ليست بعيدة عن الدولة العميقة جنبا إلى جنب مع محاولات إثارة الفوضى وتوسيع نطاق المطالبات والإضرابات الفئوية. لذلك فالسؤال المطروح هو: هل المراد إفشال الرئيس بعدما خاب أمل إسقاطه؟ ولحساب من يحدث ذلك؟


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 19 شعبان 1433
9 يوليو 2012

mohamed5175
10-07-2012, 11:07 AM
لا ينافس هموم مصر الداخلية فى الجسامة وشدة الوطأة سوى هم الخارج. ذلك أن الاستبداد الذى تسلط على البلد لم يكتف بإهانة المواطنين، وإنما أهان الوطن أيضا. وحين أهينت مصر فإن العرب أصبحوا بلا وزن وبلا كرامة.


(1)

حين وقعت مصر اتفاقيات السلام مع إسرائيل فى عام 1979 فإن ذلك كان إشهارا لانكسارها وبداية لانكفائها. وحين انكفأت فإنها دخلت فى طور الانحسار والصَّغار الذى حول رئيسها فى نهاية المطاف إلى كنز استراتيجى لإسرائيل وليس لوطنه أو أمته، وكانت تلك ذروة المهانة التى أخرجت مصر والعرب أجمعين من المعادلة الدولية، وأخضعتهم لوصاية الدول الكبرى من الناحية العملية. وترتب على ذلك أن صار العالم العربى سفينة بلا ربان وجسما بلا رأس. وحينئذ تمت استباحته، حتى أصبح ساحة مفتوحة للعربدة والغارات والفوضى.

فجرى اجتياح لبنان وضرب المفاعل العراقى واحتلال الكويت ثم غزو العراق والانقضاض على غزة وانفصال جنوب السودان والاستفراد باليمن، ذلك بخلاف انطلاق عمليات التهويد والاستيطان فى فلسطين.. إلخ. ولم يكن الانقلاب مقصورا على الخرائط السياسية فحسب، وإنما شمل الانقلاب منظومة القيم السائدة أيضا. فتراجعت قيم الاستقلال الوطنى والمقاومة والتنمية الذاتية والانتماء للأمة العربية، فى حين صار «الاعتدال» المغشوش نقيضا لكل ذلك، وعنوانا لكل ما من شأنه الارتماء فى أحضان السياسة الأمريكية والتطبيع ــ التواطؤ إن شئت الدقة ــ العلنى والسرى مع إسرائيل، إلى جانب. تكريس القطرية وإعلاء شأن القيم الاستهلاكية من خلال الانفتاح الذى لا ضابط له أو رابط.

الخلاصة أن مصر دفعت ثمنا باهظا جراء انكفائها، ودفع العرب ثمنا غاليا جراء غيابها. وهو ما يؤكد المعنى الذى تحدث عنه الدكتور جمال حمدان فى مؤلفه الكبير «شخصية مصر»، حين قال إن مصر ظلت «مفتاح العالم العربى، إن سقطت سقط وإذا فتحت فتح. لذا كان الاستعمار دائما يركز ضربته الأولى والقصوى على مصر، ثم ما بعدها فسهل أمره. هذا ما أدركته وفشلتا فيه الصليبيات (الحرب الصليبية) وتعلمه الاستعمار الحديث. فكان وقوع مصر سنة 1882 (تحت الاحتلال البريطانى) بداية النهاية لاستقلال العالم العربى. بينما جاء تحرر مصر الثورة بداية النهاية للاستعمار الغربى فى المنطقة بل فى العالم الثالث جميعا». ولأنه انتهى من الكتاب قبل توقيع اتفاقية السلام، فلست أشك فى أنه كان سوف يستشهد أيضا بما جرى لمصر والعالم العربى من انكسار وتراجع بعد توقيع الاتفاقية، التى شكلت منعطفا فارقا فى تاريخ المنطقة.


(2)

حين استردت مصر كرامتها ووعيها بعد ثورة 25 يناير كان طبيعيا أن تسعى لكى تسترد أيضا مكانتها وموقعها الذى غابت عنه طويلا. وذلك ليس أمرا هينا لأنه يعنى محاولة تغيير الخرائط التى صممت والاستراتيجيات التى رسمت منطلقة من التسليم بأن مصر الكبيرة كبلت وتقزمت، وجرى ترويضها وحبسها فى قفص «الاعتدال». ومن يطالع الصحف الإسرائيلية وبعض الأمريكية طوال الأشهر التى خلت يدرك مدى الحيرة التى انتبات دوائر صنع القرار فى البلدين جراء عودة الروح إلى مصر من حيث لا يحتسبون.

إن استعادة مصر لموقعها الذى ظل شاغرا طوال الأربعين سنة الأخيرة هى المعركة التالية التى على الثورة أن تخوضها. بكل ما تملك من كبرياء وجسارة. وغنى عن البيان أن ذلك يظل مشروطا بكسب معركة ترتيب البيت من الداخل وتثبيت أركانه، التى هى فى حقيقة الأمر «أم المعارك» بامتياز. إن شئت الدقة فقل إن استعادة المكانة معركة مؤجلة إلى حين الانتهاء من لملمة الصفوف وتحقيق التوافق الوطنى واستعادة مصر لبعض عافيتها المجهضة والمهدورة. وذلك لا يلغى أهمية أن تكون لمصر سياسة خارجية مستقلة وواضحة المعالم. ولست واثقا من إدراك اللاعبين فى الداخل لأهمية الإسراع باستيفاء تلك الشروط، لكننى على يقين من أن المراقبين والمخططين فى الخارج يعرفون جيدا أن عودة الروح إلى مصر بمثابة بداية النهاية لنفوذهم فيها، الأمر الذى يهدد مستقبلهم فى العالم العربى بأسره. ذلك أن مصر المغيَّبة والمنبطحة فى نظرهم هى مصر النموذجية التى تضمن مصالحهم وتؤمن تطلعاتهم.

إذا قلنا إن تماسك الجبهة الداخلية وتعافيها شرط يجب توفره قبل فتح ملفات الخارج. إلا أن ذلك وحده لا يكفى. وإنما ينبغى أيضا توفير شرطين آخرين مهمين للغاية هما استقلال الإرادة الوطنية. ووضوح الرؤية الاستراتيجية التى تحدد دوائر الحركة وتتحرى المصالح العليا للوطن والأمة. وهو المثلث الذى جرى تقويضه بالكامل فى ظل النظام السابق. فالجبهة الداخلية لم تكن فى الحسبان، والقرار السياسى ظل مرتهنا ولم يكن مستقلا. أما الرؤية الاستراتيجية فقد ظلت حبيسة الارتباط بالولايات المتحدة والتحالف مع إسرائيل.


(3)

أذكِّر بأن السياسة الخارجية تعد امتدادا للسياسة الداخلية، وأشدد على أننا لن نستطيع أن نفتح ملف العلاقات الخارجية الشائكة والمعقدة إلا إذا اطمأننا على استقرار وضع الداخل، وبغير ذلك فإن مصر ستظل الطرف الأضعف فى أى تعامل مع الخارج. علما بأن الكلام عن فتح الملف لا يعنى بالضرورة اشتباكا ولا عراكا من أى نوع. ولكنه يعنى عند الحد الأدنى التصرف بكرامة والاهتداء بالمصلحة الوطنية العليا فى رسم السياسات وتحديد المواقف، وإقامة العلاقة مع الآخرين من موقع النَّدية وعلى أساس من الاحترام المتبادل.

الملف متخم بالعناوين، التى يتعلق بعضها بأولويات السياسة الخارجية، والدوائر التى تتحرك فى إطارها (العربية والأفريقية والإسلامية). والتحالفات والقوى التى يتعين الاتكاء عليها، لكننى سوف أركز على بعض العناوين التى يختبر فيها استقلال الإرادة الوطنية ووضوح الرؤية الاستراتيجية، وفى مقدمة تلك العناوين علاقات مصر بالولايات المتحدة وإسرائيل وعلاقاتها مع العالم العربى ومع كل من تركيا وإيران.

أزعم أن العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل أحوج ما تكون إلى تحرير، للتعرف على حدودها وحقيقتها، لأن ثمة لغطا مثارا حول تعهدات واتفاقات بعضها معلن والبعض الآخر غاطس وغير معلن، الأمر الذى يثير أكثر من سؤال حول هامش الحركة المتاح أمام الإرادة المصرية.

فى هذا الصدد استوقفنى أمران هما:

● حديث الاستاذ محمد حسنين هيكل يوم 21/5 الماضى على شاشة تليفزيون «الحياة» الذى دعا فيه إلى إعادة النظر فى التنسيق الأمنى القائم بين مصر وإسرائيل، كما ذكر أنه ليس معقولا ولا مفهوما أن تكون مصر هى أهم مصدر يزود إسرائيل بمعلومات عن العالم العربى (!؟)

● التقرير الذى نشره فى 25 يونيو الماضى معهد دراسات الأمن القومى الإسرائيلى، للدكتور عوديد عيران وقال فيه إنه إزاء الغموض الذى يحيط بموقف الرئاسة المصرية إزاء الملحق الأمنى لاتفاقية السلام، فليس أمام إسرائيل سوى أن تجرى اتصالاتها مع الجيش المصرى فقط، دون أن تخاطب المستوى السياسى الذى ستتركه للأمريكيين.

المعلومتان من الخطورة بمكان، ذلك أن مسألة التنسيق الأمنى بين مصر وإسرائيل تحتاج إلى ضبط وإيضاح، ثم أن موضوع التنسيق وهدفه يجب أن يفهم جيدا للتعرف على مدى مساسه بالأمن القومى العربى. من ناحية أخرى يظل مدهشا ومستغربا للغاية أن تجرى إسرائيل اتصالات مباشرة مع قيادة الجيش المصرى دون المرور على المستوى السياسى (هل يدخل ذلك ضمن التنسيق الأمنى؟) ــ وكأن الجيش دولة أخرى منفصلة عن جمهورية مصر العربية.

تلك مجرد «عيَّنة» تسلط الضوء على جانب من الجزء الغاطس فى علاقات مصر بإسرائيل التى ترعاها واشنطن وتقف فى قلبها. الأمر الذى يدعونا إلى ضرورة التعرف على بقية جوانبه، حتى تكون على بينة من حقيقة الالتزامات التى ورطنا فيها الرئيسان السابقان وهما ينسجان خيوط العلاقة مع إسرائيل.

موضوع معاهدة السلام بالغ الدقة والحساسية، ويتعين التعامل معه بمنتهى اليقظة والحذر. ذلك أنه لا مجال للحديث فى ظل موازين القوى الحالية عن تعديل المعاهدة ناهيك عن إلغائها، رغم أنه لا توجد معاهدات أبدية تظل سارية كما هى فى ظل كل الظروف والمتغيرات. مع ذلك فلمصر أن تطلب إعادة النظر فى ترتيبات الأمن فى المناطق الحدودية، وهو ما تسمح به المعاهدة. كما أن لها أن تتساءل عن وفاء إسرائيل بالتزاماتها فيها. وبعد مضى أكثر من ثلاثين عاما على توقيعها من حقها أن تدرس ما إذا كانت المعاهدة قد ساعدت على إقامة السلام المنشود، أم أنها استخدمت كستار وقناع لمواصلة سياسة إسرائيل الاستيطانية والتوسعية. ولأن مصر ليست محايدة بين الإسرائيليين والفلسطينيين ولأسباب متعلقة بأمنها القومى، فلها أن نتساءل أيضا عن مصير واحتمالات إقامة الدولة الفلسطينية، كما أن لها تتحلل من إسهامها المشين فى حصار غزة.

إذا أخرجنا إسرائيل من سياق العلاقة مع الولايات المتحدة، وهو أمر صعب وربما كان مستحيلا فى الأجل المنظور، فإن العلاقة مع الولايات المتحدة لا يستطيع أحد أن يشك فى أهميتها، إلا أن عافية مصر بعد الثورة هى التى ستحدد بمضى الوقت ما إذا كان بمقدورها أن تحتفظ معها بصداقة بريئة قائمة على تبادل المنافع أم أنها ستتراجع وتقيم معها علاقة تحالف وشراكة أم ستبقى أسيرة الإلحاق والتبعية. علما بأننا نتوقع من مصر الجديدة أن توسع من دائرة تحالفاتها، وأن تمد بصرها صوب الشرق بحيث لا يظل الغرب وواشنطن على رأسه قبلتها الوحيدة.


(4)

إذا تحدثت عن المثلث الذهبى فى العالم العربى فسوف يتجه بصرك على الفور صوب مصر والسودان وليبيا. وإذا تحدثت عن مثلث القرار السياسى فستجده مشتركا بين مصر وسوريا والسعودية. وإذا نظرت إلى البيت العربى الكبير فستجد مصر حجر الأساس فيه. أما إذا بحثت عن مثلث القوة فى منطقة الشرق الأوسط بأسرها فستجده متمثلا فى مصر وتركيا وإيران.

هكذا فحيثما وليت وجهك ستجد مصر هناك. إذا حضرت اكتمل عقد مثلثات العافية والقوة واستقام أمر البيت الكبير، وإذا غابت انفرط كل عقد واهتزت قواعد البيت حتى صار آيلا للسقوط. إلا أن هذه الصورة تعكرها ثلاثة أمور هى: الوصاية الأمريكية الجاثمة على المنطقة ــ تعقيدات العلاقة مع إيران ــ التردد والالتباس فى العلاقة مع تركيا. وتلك عناوين مهمة تستحق أن نفصل فيها الأسبوع المقبل بإذن الله.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 20 شعبان 1433
10 يوليو 2012

mohamed5175
11-07-2012, 10:50 AM
لو كان لى من الأمر شىء لرجوت الرئيس محمد مرسى بأن يؤجل لبعض الوقت زيارته إلى السعودية، وان يكتفى بها فى الوقت الراهن، مستبعدا أية زيارات أخرى لدول الخليج. وقبل أن أشرح وجهة نظرى فى ذلك أذكر بأن دول الخليج لم ترحب بالثورة المصرية، وانها نظرت إليها منذ اللحظات الأولى بدرجات متفاوتة من الامتعاض والاستياء. وقد تضاعف عدم الترحيب بعد فوز الإخوان فى الانتخابات التشريعية. أما الانتخابات الرئاسية فقد اعتبرها بعض المسئولين الخليجيين صدمة لهم، ومنهم من عبر عن ذلك فى تصريحات نقلت على ألسنتهم.

هذا الاستياء له أربعة أسباب على الأقل. الأول ان بعض القادة الخليجيين احتفظوا بعلاقات شخصية ومصالح خاصة مع الرئيس السابق وأسرته. الثانى أن أغلبهم لم يستوعبوا فكرة أن ينتفض الشعب على حاكمه الذى قبض على السلطة طوال ثلاثين سنة، فيخلعه أو يسقطه ثم يودعه فى السجن ويقدمه إلى المحاكمة. الثالث ان أعدادا غير قليلة من رجال أمن الدولة المصريين الذين كانوا من أعوان النظام السابق منتشرون فى الأجهزة الأمنية الخليجية منذ التسعينيات، وقد انضافت إليهم أعداد أخرى من عناصر تلك الأجهزة التى استبعدت من مواقعها بعد الثورة. وهؤلاء لهم دورهم فى التخويف مما حدث فى مصر، خصوصا بعد الظهور القوى للإخوان فى الساحة. السبب الرابع ان ثمة توجسا فى بعض الدول الخليجية من أجواء الربيع العربى بوجه عام. ومن صعود الإخوان بوجه خاص، ذلك أن أصداء الربيع حركت الحياة الراكدة فى مختلف الدول العربية. ولم تكن دول الخليج استثناء على ذلك. ومن يتابع تلك الأصداء التى تظهر من خلال مواقع الشبكة العنكبوتية يلاحظ أن الصامتين رفعوا أصواتهم بالنقد وان القاعدين نهضوا وتشاوروا وقدموا مطالبهم فى عرائض متداولة. ومنهم من أقدم على إنشاء بعض المراكز الحقوقية فى منطقة الخليج وفى عدة عواصم أوروبية، وحين برز ذلك الحراك فى الأفق تفاوتت ردود الأفعال التى استهدفت احتواء ما يجرى، بالاغراءات والعطاءات المالية حينا، وبالقمع والاعتقال وإسقاط الجنسية والترحيل فى أحيان كثيرة.

ورغم أن أعدادا غير قليلة من الإخوان استقرت فى دول الخليج منذ ستينيات القرن الماضى، ولم يكن ذلك مصدرا لأى قلاقل، إلا أن نظام مبارك قام بدور مهم فى تأليب أغلب الأنظمة الخليجية عليهم. ولاح ذلك بوضوح بعد جولة خليجية قام بها الرئيس السابق فى عام 1994، وحين تلاحقت الأحداث بعد ذلك واطلقت حملة الحرب ضد الإرهاب بعد أحداث سبتمبر 2001 أصبح هؤلاء وغيرهم من النشطاء مصدرا للتوجس والارتياب. فقيدت أنشطتهم وحلت الجمعيات الإسلامية التى انخرطوا فيها، وتم ترحيل البعض فى حين ضيق على الناشطين من المواطنين فى وظائفهم ومنع ابناؤهم من التوظف فى الحكومة... الخ. وما يهمنا فى هذه الجزئية الأخيرة أن الأجهزة الأمنية التى أصبحت ذات كلمة مسموعة فى دوائر القرار تبنت مواقف الأجهزة الأمنية المصرية إزاء الإخوان. فشنت ضدهم حملة كانت سببا لاشتباك مشهود مع الدكتور يوسف القرضاوى الذى انتقدها، واتسع نطاق الحملة حتى دخلت فيها أطراف إخوانية فى مصر. وكان رد بعض المسئولين الخليجيين عليها خشنا وشديدا.

الخلاصة أن أنظمة الربيع العربى لم تكن محل ترحيب من جانب أغلب دول الخليج. وكان حظ مصر من إشارات عدم الترحيب أكبر من غيرها، ليس فقط نظرا لأهمية البلد، ولكن أيضا بسبب الحضور القوى للإخوان فى المشهد السياسى بعد الثورة. وبدا عدم الترحيب أوضح ما يكون فى احجام أغلب الدول الخليجية عن مساندة مصر فى أزمتها الاقتصادية. وكان من أخطاء حكومات ما بعد الثورة فى مصر انها تحدثت أو توقعت موقفا إيجابيا من «الأشقاء» إزاء هذه الأزمة، وتلقت ردا خجولا متحفظا من جانب البعض وصدَّا مهذبا من البعض الآخر.

لم يعد سرا أن البعض أساء فهم هذا الموقف، وهو ما تجلى فى إشارة المسئول الخليجى إلى أن الرئىس المصرى «سيأتى إلى الخليج حبوا». وهو تعليق سيبقى فى الذاكرة طويلا حتى إذا كان تعبيرا عن رأى شخصى لمسئول كبير. وقد ذكرت قبلا ان مصر أهانت نفسها فى عهد مبارك، الأمر الذى شجع البعض على التطاول عليها واهانتها. لذلك تمنيت لو أن الرئيس مرسى أجل زيارته حتى تستقر الأوضاع الداخلية فتشكل الحكومة وتدور عجلة الاقتصاد، ولكن اما وقد أعلن عن موعد الزيارة (اليوم الأربعاء 11/7)، فأرجو ان تظل مقصورة على التعبير عن مشاعر المودة والأخوة بين البلدين الكبيرين، وألا يأتى الرئيس أثناء زيارته على ذكر الوضع الاقتصادى من أى باب. أما الأزمة التى تمر بها مصر، فأمرها ينبغى أن يعالج بسواعد المصريين وعرقهم، بعد أن تتم مصارحة الشعب بحقائق الموقف لكى يستنفر ويتحمل مسئوليته فى الدفاع عن اقتصاد بلده وكرامته. وأتمنى ان يكتفى الرئيس مرسى بزيارة الدولة الخلجية الأكبر فقط، وان يؤجل أى تفكير فى زيارة غيرها من دول الخليج حتى توضع العلاقة فى إطارها الصحيح، بما يعطى لكل طرف قدره وحجمه ويتم التصالح بين المكان والمكانة.


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 21 شعبان 1433
11 يوليو 2012

mohamed5175
12-07-2012, 11:18 AM
أصبح المناخ السياسى مضطربا فى الأشهر الأولى من عام 1997، فقد تلاحقت احتجاجات المواطنين الأتراك. وشرعت البرامج الإخبارية والتقارير الخاصة فى وسائل الإعلام الرئيسية فى إثارة المخاوف من استيلاء وشيك للإسلاميين على الحكم. وسيطرت على العناوين الرئيسية أخبار وصور جماعة دينية سرية (طريقة أكزميندى) لم يسمع بها أحد من قبل. وأثار ذلك قلقا لأنهم ظهروا فى صورة أقرب إلى حركة طالبان الأفغانية.. وفى الثامن والعشرين من شهر فبراير تشاور أعضاء هيئة الأركان بالجيش، وتم إبلاغ رأسى الحكومة نجم الدين أربكان وطاتسو تشيللر بأن هناك قلقا من أن يختطف الإسلام الراديكالى الجمهورية. وأيد الجنرالات رأيهم بعرض قصاصات الصحف وصور لجماعة أكزميندى المخيفة. وفى نهاية الاجتماع قدم الجنرالات قائمة بالإجراءات المطلوب اتخاذها لقمع أنشطة جميع المؤسسات المنسوبة إلى الإسلام السياسى. ورغم أن رئيس الوزراء آنذاك نجم الدين أربكان أقر الخطة واستجاب لما أرادوه، إلا أنه لم يحتمل الاستمرار فى منصبه، واضطر لتقديم استقالته.

فضل الجنرالات تشكيل الحكومة بعد ذلك بطريق غير مباشر، أى بدون مباشرة السلطة بأنفسهم. فشكلوا مجموعة عمل تولت عملية إعادة تنظيم المشهد السياسى والثقافى والاقتصادى التركى، بهدف إضعاف نفوذ الدين والنزعة الإسلامية عموما. وكانت الجامعات من ضحايا تلك المرحلة، إذ حظر رئيس مجلس التعليم العالى كمال جوروز ارتداء الحجاب فى جميع الجامعات. وطلب من الشرطة منع دخول الطالبات المحجبات إلى الحرم الجامعى. وفى جامعة اسطنبول ابتكر نور سيرنز نائب العميد ما أطلق عليه «غرف الإقناع»، وفيها تقوم أستاذة مختارة بعناية بإقناع الطالبات بعدم ارتداء أى شكل من أشكال الحجاب. ومن ترفض منهن خلع الحجاب لا يسمح لها بالتسجيل فى الجامعة أو دخول الامتحانات.

كان تركيز العسكر فى تلك المرحلة على الجامعات والإعلام والقضاء. فألقوا على العاملين بهذه القطاعات محاضرات عن مخاطر الإسلام السياسى. وتحدثوا عن حزب «الرفاه» الذى يقوده السيد أربكان، وطالبوا من أولئك العاملين الانضمام إلى حملتهم ضد الرجعية الدينية. وحصل الجنرالات على كثير من التضييق من جانب بارونات الإعلام وعمداء الجامعات وقضاة المحكمة الدستورية. وبالفعل قامت المحكمة الدستورية بواجبها وحظرت حزب الرفاه فى 1989، أى أنها حلت أكبر أحزاب البرلمان.. ولعب العديد من وسائل الإعلام الرئيسية دورها فى مشروع الهندسية المجتمعية الذى يقوم به الجيش. بحيث لم يكن هناك أى نقد تقريبا لقادة الجيش، فى حين دعمت بشكل عام الحرب على «العدو» الإسلامى.

لاحقا، فى سنة 2003، حين فاز حزب العدالة والتنمية الذى يقوده السيد رجب طيب أردوغان بالأغلبية فى الانتخابات النيابية، كانت فترة الرئيس أحمد نجدت سيزار على وشك الانتهاء، وطرح الحزب الذى تمتع بأغلبية الثلثين فى البرلمان اسم السيد عبدالله جول الذى كان يشكل منصب وزير الخارجية رئيسا للبلاد. إلا أن رئيس الأركان الجديد ياشار بويوكانيت أعلن صراحة أن تركيا بحاجة إلى رئيس مخلص لمبادئ الجمهورية، ليس بالكلمات فقط وإنما من حيث الجوهر أيضا. وأشاعت وسائل الإعلام العلمانية أن حزب العدالة والتنمية يحاول جديا القضاء على النظام العلمانى التركى، بوضع رجل ترتدى زوجته غطاء الرأس (الحجاب) فى مقعد الرئاسة.. ثم قام رئيس الأركان بنشر مذكرة فظة على الإنترنت أعلن فيها أن التصويت لصالح انتخاب رئيس غير علمانى سيكون بمثابة تهيئة الظروف لوقوع تدخل عسكرى. وبعد ثلاثة أيام من صدورها اجتمع البرلمان لاختيار الرئيس الجديد. ولم يشارك حزب الشعب الجمهورى (العلمانى الذى أسسه كمال أتاتورك) فى الاقتراع الرئاسى كى يضعف من قانونية تصويت الأغلبية لصالح عبدالله جول. وجاءت الصدمة بالفعل من جانب المحكمة الدستورية التى قضت فى الدعوى المرفوعة من حزب المعارضة الرئيس ببطلان انتخاب جول بسبب عدم توافر نصاب الثلثين. وهو ما لم يسمع به من قبل أى من الفقهاء القانونيين. وكان من الواضح أن قرار المحكمة سياسى استجاب لما يريده الجيش. وبدا أن الحل الوحيد للخروج من المأزق هو إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، ومبادرة حزب العدالة والتنمية بتقديم تعديل تشريعى يجعل انتخاب الرئيس بالطريق المباشر وليس من خلال البرلمان، وهو ما مكن السيد عبدالله جول بالفوز بمنصب الرئيس فى نهاية المطاف.

هذه نُقُول من كتاب «تركيا الأمة الغاضبة» للباحث التركى كرم أوكتم، الذى ترجمه إلى العربية السيد مصطفى مجدى الجمال، وأصدرته دار «سطور» ــ هل يذكرك هذا الكلام بشىء مما يحدث فى مصر هذه الأيام؟ وهل توافق معى على أن المسلسلات التليفزيونية التركية ليست وحدها الرائجة فى مصر، ولكن المسلسلات السياسية محل حفاوة أيضا؟


جريدة الشروق المصرية
الخميس 22 شعبان 1433
12 يوليو 2012

mohamed5175
14-07-2012, 11:56 AM
من يقرأ الصحف المصرية والعربية هذه الأيام يلاحظ أن حفاوتها بتقدم الليبراليين على الإسلاميين فى الانتخابات الليبية، يفوق اهتمامها بالإنجاز الكبير المتمثل فى إجراء أول انتخابات حرة وديمقراطية فى ليبيا منذ أكثر من أربعين عاما، ورغم أن النتائج النهائية للانتخابات لم تعلن بعد، إلا أن التقارير الصحفية تكاد تجمع على أن تحالف القوى الوطنية (الليبرالية والعلمانية) تقدم فى الدوائر التى تم فرز الأصوات فيها متفوقا على حزب العدالة والبناء. الذى يفترض أنه بمثابة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين. وإذا صحت تلك التقارير فإن حزب الإخوان سيمثل المرتبة الثانية، وسوف يقود المعارضة فى المؤتمر الوطنى العام (البرلمان الذى يفترض أن ينعقد فى شهر أغسطس المقبل).

لم أستغرب حفاوة العديد من الأبواق والمنابر الإعلامية بتراجع الإسلاميين وإقصائهم عن المركز الأول فى الانتخابات الذى احتلوه فى مصر وتونس والمغرب، لكننى استغربت تجاهل أهمية الحدث الأكبر المتمثل فى إجراء الانتخابات الحرة، والذى أزعم أنه أحد مؤشرات عودة ليبيا إلى مجرى التاريخ، وانتقالها من طور الضيعة والمزرعة الخاصة إلى طور الدولة التى تعرف المؤسسات ويحكمها القانون.

هذا الخلل فى الرؤية لا يفاجئنا كثيرا فى مصر، لأننا صادفنا تجليات عدة له بعد الثورة، حيث وجدنا أن أغلب المنابر الإعلامية وعددا غير قليل من الليبراليين والعلمانيين ظل هاجسهم الأكبر هو كيفية حصار الإسلاميين وإقصائهم، حتى أصبح ذلك الهدف متقدما على مطلب تثبيت أقدام الثورة فى مواجهة تهديدات الثورة المضادة. وفى الآونة الأخيرة ارتفعت الأصوات عالية فى تلك الدوائر معربة عن الغضب لإعادة أول مجلس تشريعى منتخب بعد الثورة، وداعية إلى استمرار المجلس العسكرى فى الاستئثار بالسلطة التشريعية. ومن أغرب ما تردد فى هذا الصدد إعلان الأخيرين طول الوقت عن انحيازهم إلى الدولة المدنية!

إن الذين أتيح لهم أن يروا ليبيا بعد ثورة 17 فبراير يدركون أكثر من غيرهم كيف دمر العقيد معمر القذافى البلد تدميرا كاملا، وأعاده إلى عصر ما قبل الدولة. حيث لا حكومة ولا دستور ولا قانون ولا تعليم أو إدارة أو قضاء، بل ولا شرطة أو جيش. لم يعد فيها شىء غير القذافى الذى كانت أسرته هى شعبه وكلمته هى القانون والدستور وسياسته هى مزاجه الخاص.

وحين يحاول أن ينهض ذلك البلد الذى تصور القذافى أنه حوله إلى جثة هامدة استسلمت له، فإن القضية التى ينبغى أن تشغل الجميع فى داخل ليبيا وغيرها هى كيف يمكن أن تقدم له كل صور العون والتأييد لكى يستعيد حيويته وقوامه. وقد أثبتت ثورة الشعب الليبى أنه كان صابرا وكاظما للغيظ ولم يكن مستسلما أو ميتا، وحين انفجر غضبه فإنه صفى حسابه مع العقيد ونظامه. ورد إليه فظائعه التى أنزلها بهم، حتى كان جزاؤه من جنس عمله.

ان إقامة العرس الانتخابى فى ليبيا وإتمامه بحرية ونزاهة هى أكثر ما ينبغى أن تحتفى به. ولا يهم كثيرا فى هذه الحالة أى حزب نجح وأى حزب خسر، حيث الأهم أن الشعب الليبى كان الفائز فى النهاية. علما بأن ذلك الفوز بمثابة الخطوة الأولى على طريق تأسيس الدولة المنشودة التى لم يبق فيها القذافى على شىء. وهو طريق شاق وطويل، ليس فقط لأن البناء فيه يبدأ من الصفر، ولكن أيضا لأن الثورة لا تزال تواجه تحديات كثيرة، خصوصا من «فلول» النظام السابق، التى ما برحت تسعى إلى تفتيت ليبيا وإثارة النعرات القبلية والجهوية فيها.

قلت لمن سألنى فى الموضوع إن إجراء الانتخابات بحرية ونزاهة هو أكثر ما همنى، وان تقدم الليبراليين وفوز الإسلاميين بالمرتبة الثانية يريحنى إلى حد كبير ويقدم خدمة للأخيرين. وحين أستغرب ما قلت، اضفت ان القضية الملحَّة فى ليبيا هى إقامة الدولة الوطنية، فى حين ان الحديث عن هوية الدولة ترف لا محل له فى هذه المرحلة. ذلك انه ينبغى أن تكون دولة قبل ان تفتح ملف هوية تلك الدولة. وقد كنت أخشى قبل الانتخابات ان يفوز الإسلاميون فيطرحون الهوية قبل الدولة، ويدخلون البلد فى اشكالات كثيرة لا أول لها ولا آخر، لأنهم بذلك يضعون العربة أمام الحصان، لذلك فإن النتيجة خدمتهم بأكثر مما أخرتهم.

قلت أيضا إنه لا خوف على الإسلام فى ليبيا، فهو ثابت القدم وراسخ الجذور هناك. وقد أدرك ذلك تحالف القوى الوطنية فأعلن عن التزامه بالمرجعية الإسلامية، ولم يشر إلى الليبرالية أو العلمانية فى خطابه الانتخابى. وما دام الجميع متفقين على الهوية الإسلامية، فلا يهم بعد ذلك أن يتولى السلطة حزب ليبرالى أو إسلامى أو جامع بين الاثنين. خصوصا أن أحدا لم يتحدث عن إقامة الخلافة الإسلامية فى ليبيا. علما بأن الخبرة علمتنا أن أداء الإخوان فى المعارضة أفضل كثيرا من أدائهم فى السلطة، وهم بحاجة إلى وقت لكى يكتسبوا الخبرة الأخيرة. وإذا لم تصدق فتابع ما يجرى فى مصر وقارنه بما يحدث فى تونس. وادع لليبيين بالاعتبار والتسديد.


جريدة الشروق المصرية
السبت 24 شعبان 1433
14 يوليو 2012

mohamed5175
15-07-2012, 11:24 AM
شىء مؤسف أن تكون زَلَّة لسان، وشىء مقلق أن تكون متعمدة ومقصودة، تلك العبارة التى نقلت عن الرئيس محمد مرسى فى ختام زيارته لجدة، التى قال فيها إن «مصر والسعودية حاميتان للإسلام الوسطى السنى». وكانت جريدة الأهرام الوحيدة التى أبرزتها فى عدد الجمعة الماضى (13/7). استوقفتنى العبارة من عدة أوجه. فمن ناحية وجدتها نشازا على ما ألفناه فى البيانات والتصريحات التى تخص علاقات البلدين، حيث لم يسبق لهما الحديث عن دورهما المشترك فى حماية الإسلام السنى. ومن ناحية ثانية، فإن الإشارة تعطى انطباعا بأن مصر بصدد الدخول فى استقطاب مذهبى تتجمع فيه دول أهل السنة فى مواجهة الشيعة. وإذا كنا قد سمعنا قبل سنوات قليلة عن هلال شيعى يضم إيران والعراق وسوريا وحزب الله فى لبنان، فإن ما ذكره الدكتور مرسى قد يحمل باعتباره تمهيدا لتأسيس تحالف سنى مقابل. من ناحية ثالثة، فإننى أخشى أن يكون كلام الرئيس المصرى مقدمة للانخراط فى مخططات مواجهة إيران وحصارها، وأرجو ألا يكون للضائقة الاقتصادية التى تمر بها البلد دور فى إغواء الرجل للانضمام إلى ذلك المسار. وإذ أتمنى ألا يكون ذلك الانطباع صحيحا، إلا أن ثمة سابقة وقعت بعد الثورة لا تستبعده. وحسب معلوماتى فإن المسئولين الأمريكيين قدموا إلى مصر طلبات معينة بعد الثورة، وأبلغوا المسئولين فيها بأن الاستجابة لتلك الطلبات سيترتب عليها أن تفتح خزائن دول الخليج لإخراج مصر من أزمتها الاقتصادية.

الأمر الرابع الذى شغلنى يتعلق بموقف الشيعة العرب فى هذه الحالة، أعنى بعد أن تنصب السعودية ومصر نفسيهما ضمن حماة الإسلام الوسطى السنى. ذلك أننا نعلم أن فى المملكة العربية السعودية نحو 50 ألفا من الشيعة يعيشون فى المنطقة الشرقية. كما نعلم أن نسبة الشيعة فى العراق نحو 45٪ من السكان، ونسبتهم فى البحرين مماثلة تقريبا، وهم يمثلون 30٪ من سكان الكويت، وهم فى لبنان قوة كبرى يعمل لها ألف حساب. ناهيك عن أن العالم العربى يضم أخوة لنا ليسوا من الشيعة، مثل الأباضية فى سلطنة عمان والزيود فى اليمن والعلويين فى سوريا والدروز فى لبنان، ذلك بخلاف المسيحيين باختلاف طوائفهم.

أفهم أن للسعودية معركة مزدوجة مع الشيعة ومع إيران. فالمذهب الوهابى المهيمن هناك له خصومته الشديدة والمريرة مع الشيعة منذ القرن التاسع عشر. كما أن الرياض لها موقفها المشتبك مع طهران منذ قامت الثورة الإسلامية فى عام 1979. وهذا الاشتباك وثيق الصلة بالسياسات الأمريكية فى المنطقة، التى استهدفت حصار إيران وتطويقها. أما الموقف فى مصر فقد كان مختلفا خصوصا فى علاقة الأزهر بالمذهب الشيعى الاثنى عشرى. عند الحد الأدنى فلم تكن هناك خصومة معه من أى نوع. نعم ظل الاختلاف قائما، لكنه لم يتطور إلى عراك أو خصام. فالمذهب ظل يدرس فى الأزهر ضمن منهج الفقه المقارن. وشيخه الإمام الأكبر محمود شلتوت اعتبره من المذاهب التى يجوز التعبد بها شرعا. وفى مصر ظهرت الدعوة إلى التقريب بين المذاهب، وعبرت عنها مجلة رسالة الإسلام التى اشترك فى تحريرها علماء الجانبين. وحين أصدرت وزارة الأوقاف دائرة المعارف الإسلامية، فإنها لم تستثن الشيعة. وإنما عرضت أصول المذهب بكل موضوعية واحترام.

إذا كان ذلك رصيد مصر فى المسألة، التى ظلت وسطيتها فيه منفتحة على كل المذاهب، فإن حديث الدكتور محمد مرسى عن حماية مصر للوسطية السنية دون غيرها يعد نكوصا عن الموقف التقليدى للأزهر. وتفريطا فى تاريخه الثرى فى ذلك المضمار. الأمر الذى يعنى أن ما قاله الرئيس بذلك الخصوص يعد خطوة إلى الوراء وليس خطوة إلى الأمام.

ذلك على مستوى المذهب. أما فيما خص العلاقات السياسية بين القاهرة وطهران، فهى لاتزال أسيرة نظرة النظام السابق الذى أدار تلك العلاقة من منظور المصالح الأمريكية، الأمر الذى يفترض أن يتغير بعد سعى مصر الثورة إلى تحرير الإرادة المصرية من آثار الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية.

إن إيران الشيعية تعد أكبر داعم لحركة حماس السنية التى لا توصف بالتطرف إلا فى الإعلام الإسرائيلى والأمريكى، الأمر الذى يعد ضمن قرائن فساد فكرة استخدام الطرح المذهبى فى الخطاب السياسى. وللعلم فإن الوسطية ليست مقصورة على أهل السنة وحدهم، لأن بين الشيعة الاثنى عشرية وسطيين معتدلين، كما أن بينهم غلاة ومتطرفين.

إن القراءة البريئة تخطِّئ إقحام المسألة المذهبية فى الحديث عن نتائج زيارة الرئيس المصرى للسعودية، ومن جانبى تمنيت أن يتوافق البلدان الكبيران على ضرورة حماية حقوق الشعب الفلسطينى، لأن للوسطية الإسلامية ربا يحميها. ولست أخفى أننى أشم رائحة عدم البراءة فى الزج بالمسألة المذهبية فى السياق بغير مبرر، وهو ما يخيفنى، لأنه يفتح الباب لاستدراج مصر إلى مواجهة أبعد وأخطر من التى تورط فيها النظام السابق، الذى اشتبك مع السياسة الإيرانية وليس مع المذهب الشيعى. وإذا صح ذلك فإننى أضيف إلى ما عبَّرت عنه فى البداية السؤال التالى: هل وقع الرئيس مرسى فى الفخ برضاه أم رغما عنه؟


جريدة الشروق المصرية
الاحد 25 شعبان 1433
15 يوليو 2012

mohamed5175
16-07-2012, 11:09 AM
التصريحات التى نقلت على لسان الرئيس محمد مرسى بعد زيارته للسعودية جانبها التوفيق، وتبعث على القلق بأكثر مما تبعث على الارتياح. أمس الأول (السبت 14/7) نسبت إليه صحيفة الشرق الأوسط السعودية قوله إن مصر تقف على مسافة واحدة من الفصائل الفلسطينية، لاسيما فى الخلاف بين حركتى فتح وحماس. ولست أعرف مدى دقة التصريح، لكننى لاحظت أنه لم يكذب، الأمر الذى يدعونى إلى اعتماد صحته، حتى إشعار آخر على الأقل.

أصابنى الكلام بالاستياء لسببين، أحدهما أن الموقف المصرى التقليدى المستمر حتى الآن اعتاد على أن يتحدث عن «المسافة الواحدة» فى حين أنه كان منحازا بالكامل ضد حماس بل ومتآمرا على قطاع غزة الذى تديره الحركة. علما بأن أى طفل صغير حتى لو لم يكن فلسطينيا بوسعه أن يكذب حكاية المسافة الواحدة بمجرد أن يعرف أن الرئيس السابق كان كنزا استراتيجيا لإسرائيل. وهذا التكذيب تحفل به الكتابات الإسرائيلية، التى مازالت تتحسر على أيام الرئيس السابق ورجاله الذين كانوا شديدى الحماس للقضاء على حماس فى غزة، حتى أن وزير الداخلية الأسبق عوزى برعام نشر مقالة فى صحيفة «إسرائيل اليوم» (بتاريخ 2/2/2011) قال فيها إن ترحيب اللواء عمر سليمان، رئيس المخابرات وذراع مبارك اليمنى بالحرب على حركة حماس والإخوان المسلمين تفوق بكثير على الحماس الإسرائيلى والأمريكى. وكان يوسى ميلمان معلق الشئون الخارجية فى صحيفة هاآرتس نشر مقالة فى 19/12/2009 قبل سقوط نظام مبارك، تحدث فيها عن اللواء عمر سليمان ــ رجل المسافة الواحدة! ــ ووصفه بأنه الجنرال الذى لم يذرف دمعة واحدة خلال حملة الرصاص المصبوب (المقصود اجتياح قطاع غزة).

إننى أفهم أن يتحدث الرئيس عن أهمية المصالحة الوطنية، وضرورة الاحتشاد للدفاع عن حقوق الفلسطينيين التى تهدر كل يوم تحت وطأة التوسع الاستيطانى. لكننى لا أفهم كيف يتساوى القائمون بالتنسيق الأمنى مع إسرائيل مع ضحايا ذلك التنسيق، وتحتفظ مصر بمسافة واحدة مع الاثنين. واستغرب ألا تفرق مصر بين الذين يراهنون على المقاومة وأولئك الذين يراهنون على استرضاء إسرائيل وتملق الولايات المتحدة.

إن مصر الثورة لا ينبغى أن تكون محايدة بين الحق والباطل فى الملف الفلسطينى، ذلك أن الحياد فى هذه الحالة يعد انحيازا ضمنيا للباطل، فضلا عن أنه يصبح ابتذالا لمصطلح المسافة الواحدة، التى لا تكون إلا بين ندَّين يرفعان رايات الحق وتتفاوت اجتهاداتهما فى كيفية تحصيله.

يبرز قلقى من التصريح الذى نسب إلى الرئيس مرسى أننى قرأت مقالة نشرتها صحيفة الحياة اللندنية فى 4/7 الحالى لأحد الكتاب السعوديين كان عنوانها: ماذا يريد الخليجيون من مرسى الإخوان؟ (يقصد الرئيس مرسى). وفى المقالة تحدث الكاتب عن أربعة ملفات رئيسية، يطلب الخليجيون من حكومة الإخوان أن تتبنى موقفا إيجابيا منها (من وجهة النظر الخليجية) وكان الملف الرابع يتحدث عن ضرورة الحفاظ على «مسافة واحدة وعدم الانحياز لأحد طرفى الخلاف القائم فى الساحة الفلسطينية بين فتح وحماس.

لا أستبعد أن يكون الأمر محض مصادفة أن ينظر إلى كلام الأكاديمى السعودى فى 4/7، ثم يتردد مضمونه على لسان الرئيس المصرى فى 14/7 بعد زيارته للسعودية، لكن المصادفة لا تلغى الشعور بالتوجس والقلق من لغة الخطاب التى تمنينا أن تتغير بعد الثورة، بحيث تكون معبرة عن أشواق الشعوب ومنحازة إلى حقوقها، بأكثر من تعبيرها عن مصالح الأنظمة واستراتيجيات الدول الكبرى.

كنت قد انتقدت أمس كلام الرئيس محمد مرسى الذى تناقلته صحف الجمعة وتحدث فيه عن دور المملكة العربية السعودية ومصر فى حماية الإسلامى الوسطى السنى. إذ اعتبرته نكوصا وتراجعا عن الموقف التقليدى للأزهر، إزاء الشيعة الاثنى عشرية، ويفتح الباب لاحتمال الاصطفاف السنى فى مواجهة إيران التى تقود معسكر الشيعة، الأمر الذى يدخل المنطقة فى صراع مذهبى يطغى وينسينا الصراع الأصلى والتناقض الرئيسى بين العرب وإسرائيل.

لقد لاحظت فيما نشرته صحيفة الشرق الأوسط يوم السبت الفائت أنها نقلت على لسانه قوله إن ما صرح به فى هذا الصدد لا يوجه رسالة سلبية ضد أحد، لأن مصر ليس لديها أى عداوة أو ضغينة ضد أى دولة. وهو نفى غير مقنع لفكرة الاصطفاف السنى فى مواجهة الشيعة. لكنه مع ذلك يبرز أهمية الحذر الذى ينبغى أن يتوخاه الرئيس فى تصريحاته، لكى يكون أصدق تعبيرا عن مصر الجديدة التى هى بالأساس كنز استراتيجى للعرب أجمعين.


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 26 شعبان 1433
16 يوليو 2012

mohamed5175
17-07-2012, 11:36 AM
حين أعادت الثورة مصر إلى المصريين، فإن ذلك بدا تمهيدا لعودة مصر إلى العرب، الأمر الذى من شأنه إذا استقام واستقر أن يحدث تحولا استراتيجيا كبيرا فى خرائط الإقليم.


(1)

لا مفر من الاعتراف بأن مصر العائدة تعانى من التشوُّه والتكبيل، ليس ذلك فحسب ولكن العالم المحيط الذى خرجت منه صار مختلفا كثيرا عن العالم الذى عادت إليه. فقد أنهكتها وقزمتها سنوات الاستبداد والعزلة. الكل يعرف ما فعله الاستبداد بمصر، لكن العزلة هى التى تهمنا فى سياق الخارج الذى نحن بصدده. وكنت قد أشرت قبلا إلى أن عزلة مصر وانحسار دورها فى العالم العربى بدأ مع توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل فى عام 1979. ولم تكن تلك مجرد مصادفة، لأن الاتفاقية لم تكن إعلانا عن مغادرة الصف العربى والاصطفاف مع الولايات المتحدة وإسرائيل فحسب، ولكنها كانت أيضا انصياعات للإرادة الأمريكية الداعية إلى انكفاء مصر على ذاتها والتخلى عن دورها فى العالم العربى بل وعن ارتباطها بالقضية الفلسطينية. وليس ذلك مجرد استنتاج أو استقراء للأحداث، ولكنها معلومات صرح بها الذين تابعوا محادثات وزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسنجر مع الرئيس الأسبق أنور السادات فى أسوان (المشير عبدالغنى الجمسى والأستاذ محمد حسنين هكيل). وكان الدكتور جمال حمدان قد أشار إلى هذا المعنى فى الجزء الثانى من مؤلفه «شخصية مصر» حين قال ما نصه إن «عزلة مصر كانت دائما نتيجة لارتباطها بالغرب».

مصر العائدة تواجه تحديات استعادة العافية فى الداخل التى سبق الحديث عنها. لكنها تواجه تحديات مماثلة فى سياستها الخارجية، التى تتمثل فى استقلال قرارها السياسى، وفك ارتباطها بالاستراتيجية الأمريكية وبالتنسيق الأمنى مع إسرائيل.

العالم المحيط الذى تعود إليه مصر تغير بدوره. فقد سقط الظهير السوفياتى وانفردت الولايات المتحدة بإدارة العالم. لكنها مع ذلك تعانى من الضعف النسبى، هى وبقية الدول الأوروبية، جراء الأزمة الاقتصادية التى قصمت ظهر الجميع، وفى المنطقة المحيطة. فقد أصبحت إيران وتركيا أهم لاعبين سياسيين فى الشرق الأوسط، أما أفريقيا فقد خرجت منها مصر بدورها ثم خاصمتها بعد محاولة اغتيال الرئيس السابق حسنى مبارك حين ذهب لحضور القمة الأفريقية فى أديس أبابا عام 1995.

العالم العربى تغير بدوره كثيرا خلال سنوات الفراغ التى غابت فيها مصر واستقالت من موقع القيادة. فقد بسطت الهيمنة الأمريكية سلطانها عليه، حتى أصبحت واشنطن صاحبة القرار فى أهم قراراته السياسية. وفى غياب مصر أصبحت المملكة السعودية صاحبة الكلمة الأولى فى الجامعة العربية. وبرز الدور القطرى فى بعض الساحات. ولاحظنا حضورا لدولة الإمارات فى ساحات أخرى، فى حين غرقت العراق فى مشاكلها الداخلية وكذلك سوريا واليمن. أما السودان فقد انشطر نصفين بانفصال جنوبه. أما دول الشمال الأفريقى فلم تحدث فيها تحولات جوهرية باستثناء الثورتين التونسية والليبية.


(2)

لا تستطيع مصر أن تستعيد موقعها فى العالم العربى وفى الإقليم برمته إلا إذا استعادت قوامها وكرامتها. واستعادة القوام مرهونة باستقرار أوضاعها السياسية والاقتصادية والأمنية. واستعادة الكرامة مرهونة باستقلال إرادتها، وتخليها عن التعهيدات التى قيدتها وربطتها بالذين لا يريدون لها أو للعرب خيرا. وللدكتور جمال حمدان تشخيص جارح فى هذا الصدد، قال فيه إن هؤلاء لا يريدون لمصر دور القيادة، ولكنهم يفضلون استتباعها لتقوم بدور «القوادة»!

إذا قدمت مصر النموذج الذى يشرفها أولاً. فإن العالم العربى يتوقع منها سياسة رشيدة تتحرى مصالح الأمة، وحضورا فاعلا فى سياسات الإقليم، واحتراما للأشقاء يطمئنهم ويحول دون التدخل فى شئونهم من أى باب. إلا أن الصورة ليست بذات الدرجة من الوضوح فى بعض الدوائر العربية. التى من متغيرات الإقليم التى شهدتها المنطقة خلال الثلاثين سنة الماضية، إن الأشقاء الصغار كبروا وصاروا أكثر فتوة وثراء. ثم إنهم انخرطوا خلال تلك الفترة فى التحالفات وشبكات المصالح الإقليمية والدولية، الأمر الذى أحدث خللا فى موازين القوة بالعالم العربى. وفى ظل ذلك الخلل أصبح الدور المصرى غير مرحب به لدى البعض، ومحل منازعة من جانب البعض الآخر.

فى هذا الصدد وقعت على مقالة نشرتها صحيفة الحياة اللندنية (فى ٢/ ٧) لأحد الأكاديميين السعوديين، الأستاذ عبدالله ناصر العتيبى، كان عنوانها: «ماذا يريد الخليجيون من مرسى الإخوان» (الرئىس المصرى المنتخب). تحدث فيها عن أربعة ملفات اعتبرها رئيسية يطلب الخليجيون أن تحدد مصر موقفها منها هى:

● ملف العلاقات مع إيران، حيث لا يريد الخليجيون أن تكون مصر عونا لإيران عليهم.

● الملف الثانى يتمثل فى عدم التدخل الإخوانى فى الشئون الداخلية لدول الخليج.

● ملف العلاقات «التركية ـ الإخوانية». فالخليجيون يريدون أن يطمئنوا ــ والكلام له ــ إلى عدم تلاقى الرغبة فى إحياء الخلافة العثمانية مع الهوى الإخوانى. وذلك يتطلب وجود ضمانات تحترم وجود وبقاء الكيانات الموجودة على الخريطة العربية حاليا.

● الملف الرابع يتمثل فى انحياز مصر لأحد طرفى النزاع فى القضية الفلسطينية، إذ ارتأى أنه لا ينبغى للتوافق الأيديولوجى الإخوانى مع حركة حماس ان يدفع السلطة فى مصر إلى إقصاء حركة حماس من المشهد الفلسطينى.

أدرى أن صاحب المقال ليس مسئولا فى الدولة، وأنه يعبر عن اجتهاده الخاص الذى لا يلزم أحدا غيره، لكننى أزعم أنه يعبر عن نمط فى التفكير يسود بعض الدوائر الخليجية، التى أصبحت ترى أن بمقدورها أن توجه «النصائح» للشقيقة الكبرى أو تتحدث عن شروط لإقامة علاقات إيجابية مع مصر بعد الثورة. ومن الواضح أن هذه المطالبات تندرج ضمن الهواجس والمخاوف المثارة من صعود حركة الإخوان ووصول أحد أعضائها إلى منصب رئاسة الجمهورية.


(3)

النقطة الوحيدة التى تستحق أن تؤخذ على محمل الجد فيما سبق، هى تلك التى تتعلق بعلاقة مصر بإيران، التى يبدو أنها تحولت إلى خط أحمر غير مسموح لمصر بأن تقترب منه فضلا عن أن تتجاوزه. أما الملفات الثلاثة الأخرى فما يستحق أن يعتبر منها هو الدعوة إلى عدم التدخل فى الشئون الداخلية الخليجية. أما مسألة إحياء الخلافة العثمانية فهى أقرب إلى النكتة منها إلى أى شىء آخر، لأن هذا الموضوع ليس مطروحا فى تركيا أصلا، إلا فى حدود المنابر الإعلامية المعارضة التى دأبت على الغمز والتشهير بحكومة حزب العدالة والتنمية، إضافة إلى أنها من الدعايات التى تستهدف التخويف من الانفتاح التركى على الفضاء العربى، الذى هو اقتصادى بالدرجة الأولى. ليست بعيدة عن النكتة أيضا مطالبة مصر بالحياد فى الملف الفلسطينى، الذى يتصور الكاتب المحترم أنه موضوع ايديولوجى، فى حين أنه وثيق الصلة بأمن مصر والتزامها القومى، الذى تقدره السياسة المصرية فى ضوء حسابات المصلحة العليا للبلد والأمة العربية.

رغم أن فتح ملف إيران بكامله ربما كان مبكرا فى أولويات السياسة الخارجية المصرية، إلا أننى استغرب أن يفزع بعض العرب لإقامة علاقات مصرية مع إيران، فى حين لا يزعجهم أن يتم التطبيع بين مصر وإسرائيل. كما أننى استشعر خجلا من أن تكون لكل دول العالم علاقات دبلوماسية طبيعية مع إيران باستثناء ثلاث دول هى: الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ومصر. (المملكة المغربية لديها مشاكل مع طهران ولم تقطع العلاقات معها). استغرب أيضا أن تقيم كل دول الخليج علاقات دبلوماسية واقتصادية وطبيعية مع إيران، وتكون التجارة فى أعلى معدلاتها بين الطرفين (حجم التبادل التجارى مع إيران يتراوح بين 11 و13 مليار دولار) ــ يحدث ذلك مع الخليج لكنه يستكثر ويستنكر إذا حدث مع مصر.

أما ما يثير الدهشة حقا هو ذلك الادعاء بأن أية علاقات تقيمها مصر مع طهران لابد أن تكون عونا لإيران على الخليج، وهو كلام معيب لا يصح أن يقال بحق دولة مثل مصر، التى تدرك جيدا أن انتماءها العربى والوطنى مقدم على أى انتماء آخر.

فى هذا السياق، لا مفر من الاعتراف بأن دوائر عربية عدة لم تسلم من التشوه الذى أصاب البعض فى مصر، ممن أقنعتهم التعبئة الإعلامية الماكرة بأن الأعداء ثلاثة هم إيران وحزب الله وحماس، أما إسرائيل فهى خارج القائمة. ومن ثم علينا أن نقتتل فيما بيننا ولها أن تقف متفرجة على ما أصابنا من جنون وبلاهة.

ما أفهمه أن إقامة العلاقات بين الدول لا تعنى أن ثمة اتفاقا بينها فى القضايا السياسية، وفى حالة مصر وإيران فإننى لا أشك فى أن العلاقات السوية بين البلدين يمكن أن تكون تأمينا لدول الخليج ومفتاحا لحل خلافاتها أو هواجسها إزاء إيران. إلا أننى أخشى أن يكون أمن الخليج مجرد ورقة تستخدم للضغط على إيران ومحاولة إسقاط نظامها، لأن المشكلة الحقيقية ليست بين طهران ودول الخليج، ولكنها بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل. وللأسف فإن العالم العربى بأسره يستخدم كعنصر ضغط فى ذلك الصراع، الذى ليس للعرب فيه ناقة ولا جمل.


(4)

إحدى الخلاصات المهمة التى ينبغى الخروج من فتح ملف السياسة الخارجية لمصر ما بعد الثورة أنه إذا كانت عودة الروح إلى مصر الحقيقية إلى شعبها غير مرحب بها من جانب القوى الدولية وبعض قوى الإقليم، فإن عودة مصر العربية لابد أن تكون محل رفض ومقاومة. ليس لأنها ستسعى بالضرورة إلى خوض الصراع ضد تلك الدول، ولكن ببساطة لأن تلك العودة ستوقظ الأمة بأسرها، الأمر الذى يفتح الباب لنهوضها وينهى عصر هيمنة واستعلاء الذين تغولوا وتمكنوا وعربدوا فى داخل مصر وخارجها طوال الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية.

إزاء ذلك فلابد أن نتوقع من تلك القوى دفاعا عن مصالحها، لا يتحقق إلا بتحجيم مصر وحصارها لكى تعود إلى عزلتها وضعفها. وهذه هى الجولة التى ينبغى أن تكسبها مصر وهى تسعى إلى ترتيب أوضاعها فى الداخل.

إن العقلية الاستعمارية التقليدية تعتبر أن بلدا فى أهمية مصر له ثراؤه المشهود بأمر الجغرافيا وخبرة التاريخ لا يمكن أن يترك مستقلا. وهو ما أفاض فيه الدكتور جمال حمدان فى كتابه الذى استشهد فيه بآراء السياسيين الغربيين. لكن ذلك ليس قدرا مكتوبا، وانما هو جزء من التحدى الذى على مصر أن تواجهه وهى تدافع عن كبريائها واستقلالها. هم لا يريدون حقا لكن الشعب يريد. وحينئذ لابد أن يستجيب القدر.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 27 شعبان 1433
17 يوليو 2012

mohamed5175
18-07-2012, 10:41 AM
فى فيلم الأسبوع السياسى ظهر الشيطان الأكبر فى القاهرة فجأة. جاء مساعد وزير الخارجية الأمريكية فزمجر البعض وكشروا عن أنيابهم. وما إن وطئت قدما وزيرة الخارجية بر مصر حتى انطلقت الحناجر تهتف ضد رأس الأفعى وسفيرة جهنم. انهال السباب على السيدة كلينتون ورفعت اللافتات منددة بالمؤامرة الأمريكية الإخوانية. أحاطت التظاهرات بالسفارة الأمريكية وترددت الأصوات الهاتفة الغاضبة فى ساحة مدينة نصر. تناقلت وكالات الأنباء صور الهاتفين ولافتاتهم. فى الخارج ظن كثيرون أن المزاج الشعبى فى مصر ضاق ذرعا بالتوافق الأمريكى الإخوانى. فى الداخل تحدثت بعض وسائل الإعلام عن أن الأمريكيين جاءوا لمساندة الإخوان، وأن الأخيرين استقووا بهم فى مواجهة المجلس العسكرى. وشاعت الأخبار عبر الفيس بوك وتويتر متحدثة عن حملة مقاطعة الوزيرة الأمريكية احتجاجا على تدخل واشنطن فى الشأن الداخلى. وكتب بعضهم مسجلا موقف الرفض لمقابلة سفيرة الشيطان الأكبر لذات السبب.

الخبثاء استلقوا على أقفيتهم من الضحك. حين رأوا وجوه الذين قادوا الهتافات ضد «المؤامرة» الإخوانية الأمريكية، وحين قرأوا تغريدات أناس كانوا طول الوقت محل رعاية واشنطن وزبائن سفارتها فى القاهرة. وظهرت الرسوم والتعليقات التى أفاضت فى عرض مراحل المؤامرة وخلفياتها. وحفلت صفحاتها بعناوين وحكايات تحدثت عن سيناريو واشنطن لتدمير مصر وتخريب مصر فى قول آخر (هكذا مرة واحدة!) ــ قرأنا أيضا عناوين أخرى عن أن الإخوان أخذوا البركة من أمريكا وأن رسول أوباما أعطى مرسى (الرئيس) الضوء الأخضر للتخلص من المجلس العسكرى. ونقل قائلهم عن المخابرات الأمريكية قولها إن الإخوان شريك مهم لأمريكا. وإن عضوا فى الكونجرس الأمريكى ذكر أن واشنطن اشترت مرسى (الرئيس) بخمسين مليون دولار، وإن الرجل جاء ليخدم الأمريكان، ولذلك وصفته إحدى الصحف بأنه الرئيس الخادم، الذى توزعت خدماته على واشنطن والدوحة وكان قد «صنع فى جهاز أمن الدولة» المصرى.

هذه ليست خيالات ولكنها عبارات منقولة عن بعض الصحف المصرية، التى ظهرت فجأة معلنة عن انضمامها وقيادتها لحملة التخدير والاستنفار لمواجهة الغارة الكبرى التى ىشنها الشيطان الأكبر الذى تحالف مع الإخوان قرينه الأصغر.

زميلنا الأستاذ محمد المنشاوى مراسل صحيفة «الشروق» فى واشنطن لم يلاحظ أننا بصدد تمثيلية سياسية، وأخذ الكلام على محمل الجد. وأغلب الظن أن إقامته فى الولايات المتحدة أنسته أن ثمة فرقا بين كلام الجرايد والكلام الجاد، فكتب مقالة نشرتها «الشروق» فى 1/7 كان عنوانه: عن أى تدخل أمريكى تتحدثون؟، قال فيها إن ما تنشره الصحف المصرية عن صفقة سرية ومساندة أمريكية للدكتور محمد مرسى هو مجرد «خيالات من صنيع أصحابها». فى هذا الصدد ذكر الجميع بأن واشنطن كانت مؤيدة بشدة للرئيس السابق، ولم تغير موقفها إلا حينما أدركت أن جموع الشعب مصممة على إسقاطه. وقال إن صعود حركات الإسلام السياسى فى المنطقة العربية أثار مخاوف واشنطن ومختلف العواصم الغربية. ونقل عن دونالد ترامب المرشح السابق للرئاسة عن الحزب الجمهورى قوله إن أوباما «خسر مصر» بعد انتخاب الدكتور مرسى. أما قناة فوكس الإخبارية فقد تساءلت: ألم يكن من الأفضل لأمريكا أن يكون الفريق أحمد شفيق رئيسا لمصر؟ أضاف أن النظام السابق قدم إلى واشنطن خدمات جليلة لا تعوض. كما نقل عن الباحث إيرك تراجر من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى قوله إن رئاسة الدكتور مرسى ستشكل تحديا كبيرا لمصالح الولايات المتحدة الرئيسية فى الشرق الأوسط. واعتبر زميلنا أن الكونجرس يعد أكثر الجهات عداء لرئاسة الدكتور محمد مرسى، وقال إن تصريحات بعض قياداته تحدثت صراحة عن أنهم لن يوافقوا على منح مساعدات لمصر فى حالة وجود الإخوان فى الحكومة.

النقطة المهمة التى أشار إليها هى أن الاختبار الحقيقى للوضع المستجد فى مصر سوف يظهر فى الأفق فى مجال السياسة الخارجية وليس الداخلية. فواشنطن تريد مصر مستقرة فى الداخل، لاعتقادها أن ذلك يخدم مصالحها، لكنها تريد أيضا ــ وهذا هو الأهم ــ أن تبقى مصر على تحالفها الاستراتيجى معها كما تريد أن تستمر علاقتها مع إسرائيل كما كانت عليه فى عهد النظام السابق. بما يعنى أن كل التهدئة الحاصلة الآن بين البلدين يمكن أن تنقلب رأسا على عقب إذا أرادت مصر أن تنتهج خطا مستقلا فى سياستها الخارجية، يخرجها من قطار التبعية الذى التحقت به فى السابق.

الأمر الذى لم يلتفت إليه زميلنا وفات كثيرين ممن صدقوا فرقعة المظاهرات ضد الوزيرة الأمريكية، أن أغلب المتظاهرين وأعلاهم صوتا كانوا من أنصار الفريق شفيق وعناصر الحزب الوطنى السابق. وغضبتهم هذه ليست غيرة على الوطن واستقلال قراره، بقدر ما أنها احتجاج على واشنطن لأنها خاطبت الرئيس مرسى ولم تخاطبهم هم، ولأنهم يريدون إضعافه وحصاره فقد اعتبروا ان الولايات المتحدة «خانتهم»، وهو ما يدعونى إلى القول بأن مظاهراتهم كانت من قبيل عتاب المحبين وليس الكارهين.


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 28 شعبان 1433
18 يوليو 2012

mohamed5175
19-07-2012, 11:37 AM
ثلاث مشكلات تواجه القوى السياسية التى تصف نفسها بالمدنية فى مصر، الأولى أنها قائمة على مجموعة من الأكاديميين والهواة، الثانية أن حضور مؤسسيها على شاشات التليفزيون وفى الفضاء الثقافى والإعلامى أكثر من حضورهم على أرض الواقع. الثالثة أنهم يعرفون ما يخاصمونه ويرفضونه، لكنهم لا يعرفون ما الذى يقبلون به. أعنى أنهم يعرفون ما يريدون هدمه ولكن ليسوا على اتفاق على ما يريدون بناءه.

المشكلة الأولى تشترك معهم فيها التيارات الإسلامية، إذ الجميع حديثو عهد بالممارسة السياسية، صحيح أن التيارات الإسلامية لديها أعداد كبيرة من الدعاة الذين يعتلون منابر المساجد كل أسبوع، فضلا عن أن لهم حضورهم المشهود فى الكثير من المناسبات، لكن الدعاة غير السياسيين، وكل طرف له لغته وأساليبه وجهوده. مع ذلك فليس هناك شك فى ان الجماعات السياسية الأخرى التى برزت بعد الثورة كانت جاذبة لأعداد كبيرة من الأكاديميين من ذوى التوجه العلمانى واليسارى، إلى جانب العناصر العلمانية الأخرى بين المثقفين والفنانين. وهؤلاء وهؤلاء انخرطوا مع جموع الثوار واندفع بعضهم باتجاه الاصطفاف الذى أفرز الاستقطاب الحاصل. وكان الهواة فى الصف الأول منه. ولأنهم جدد فى الساحة فقد كانوا الأكثر تطرفا والأقل استعدادا للحوار أو التلاقى مع الآخرين. وذلك جانب فى الصورة يهدد بتعطيل الاجماع الوطنى.

المشكلة الثانية من مخلفات النظام السابق الذى قام بتجريف الساحة السياسية ولم يسمح لأى فصيل سياسى ان يعمل وسط الجماهير إلا بإذن منه. فى ذات الوقت فإنه كان يؤثر تحويل الأحزاب إلى مجرد «ديكور» يتم التجمل به، الأمر الذى أحدث فراغا هائلا بعد سقوط النظام، حيث اكتشفنا أن ذلك البلد الكبير لا توجد به أحزاب حقيقية، وحين دخلنا فى طور الترشح للانتخابات صارت شاشات التليفزيون هى الساحة الوحيدة التى يتنافس عليها السياسيون. وترتب على ذلك ان الناس شاهدوا صور اللاعبين السياسيين واستمعوا إلى كلامهم، لكنهم لم يختبروهم فى أى وقت. ولم يصادفوهم على أرض الواقع، فى الوقت الذى كانت التيارات الإسلامية لها معاقلها وفى مقدمتها المساجد، إضافة إلى الجمعيات الخيرية التى ظلت تديرها، غير ما تيسر من الأنشطة الخدمية الأخرى. وقد أثبتت التجربة أن الذين يعيشون مع الناس يظلون أقرب إلى قلوبهم عن أولئك الذين يرونهم على شاشات التليفزيون. وهو ما يفسر ضمن أسباب أخرى. حصول الإسلاميين من إخوان وسلفيين على أكثر من 70٪ من مقاعد مجلسى الشعب والشورى، فى حين كانت حصة المجموعات السياسية الأخرى متواضعة فى تمثيلها. وما يلفت النظر فى هذا السياق أن تلك الجماعات السياسية مازالت متحصنة ببقائها فى القاهرة، ومكتفية بالحضور فى الفضاء التليفزيونى. ولم تلحظ لها جهدا يذكر فى التلاحم مع الناس، علما بأن هؤلاء وغيرهم لاتزال أمامهم فرصة واسعة للنزول إلى الشارع وإعداد أنفسهم للمشاركة فى انتخابات المجالس المحلية، التى تمكنهم من إثبات جدارتهم بالتفاعل مع المجتمع، وهو الاختيار الذى إذا نجحوا فيه فإنه يمهد الطريق أمامهم لكسب ثقة الناس وإقناعهم بأنهم حقا «خير من يمثلهم». الأمر الذى يمكنهم من منافسة التيارات الإسلامية فى الساحة التى استأثروا بها طويلا.

المشكلة الثالثة معقدة لأنه من الواضح حتى الآن أن تلك الأحزاب المدنية لا يجمع بينها سوى معارضة التيار الإسلامى أو كراهيته من قبل البعض، وفيما عدا ذلك فقلوبهم شتى، إذا استخدمنا المصطلح القرآنى. وقد أبرز الدكتور سامر سليمان هذه النقطة فى مقاله الذى نشرته له جريدة «الشروق» يوم الأحد الماضى 8/7، إذ تحدث عن اصطفاف تلك المجموعات فيما سموه التيار الثالث، وذكر أن مؤسسيه مختلفون حول فكرته. فمن قائل إنه وسط بين الإخوان والعسكر وكأنه كيان يفصل بينهما فقط. وقائل إنه ضد الاثنين، وقال ثالث ان التكتل ليس ضد التيار الإسلامى فى حين أن ذلك وحده ما يجمع بين الشيوعيين والعلمانيين المشاركين فى التكتل. الرابع قال انه تحالف مدنى اجتماعى مع ان أحد أبرز أركانه اعتبره حزبا رأسماليا.. وهكذا. وقد علق الكاتب على هذه الصورة بقوله انها مجموعة «كسيحة» من الناحية السياسية.

الصورة ينبغى ألا تكون مصدرا للإحباط واليأس، لأنها تعكس حالة الارتباك المتوقعة فى بداية تأسيس النظام الديمقراطى. وفى مرحلة كهذه لا ينبغى أن تتوقع نشوء أحزاب جديدة كاملة الأوصاف. وإنما يتعين علينا أن نصبر بعض الوقت لكى تتيح لمختلف القوى السياسية ان تصوب مسارها بما يسمح للجماعة الوطنية بأن تنضج مشروعها وتتماسك لتسهم بشكل جاد فى تأسيس النظام الديمقراطى الجديد، ومن ثم تنشغل بمستقبل الوطن بدلا من الاستغراق فى التجاذبات الراهنة التى تعطل التقدم فى ذلك الاتجاه.

جريدة الشروق المصرية
الخميس 29 شعبان 1433
19 يوليو 2012

mohamed5175
21-07-2012, 11:40 AM
ما حدث فى دمشق فظيع، ما حدث فى الحولة أفظع. الأول حادث نادر تعرض له أركان النظام السورى الذين قتلوا فى أثناء اجتماع لهم. الثانى حلقة من مسلسل الدم النازف فى سوريا منذ أكثر من ستة عشر شهرا. الذين فعلوها فى دمشق معارضون يحلمون بالحرية، والذين فعلوها فى الحولة زبانية نظام يصر على تركيع الشعب وإذلاله. المجتمعون فى دمشق كانوا يخططون لقتل معارضيهم، فعاجلهم الأخيرون وتغدوا بهم قبل أن يتعشى بهم الزبانية، الذين قتلوا فى دمشق ماتوا بكرامة وشيعوا فى جنازة مهيبة. أما الذين قتلوا فى الحولة وفى غيرها من المدن السورية فقد تعرضوا للتعذيب والتشويه والاغتصاب وقضوا بلا كرامة، ولم يجرؤ أحد على أن ينقل جثثهم أو يدفنهم.



حين طالعت صور المغدورين من أركان النظام النياشين ترصع صدورهم تداعى أمام عينى شريط أشلاء آلاف السوريين الذين افترسهم الشبيحة وشممت رائحة الجثث المتعفنة والمحترقة فى حمص ودرعا وأدلب. ورأيت أرواح ضحايا القتل اليومى تسبح فى الفضاء، فى بحر من الدموع والدماء. وسمعت نشيج الثكالى وآهات المكلومين وصرخات المعذبين فى أقبية السجون.



لا مجال للتشف أو الشماتة. ولست أرى مروءة أو شهامة فى التكبير الذى سمعته من البعض حين تلقوا خبر مقتل أقرب المقربين من الرئيس السورى. حتى إذا كانوا يشكلون خلية القتل القمع خلية القتل والقمع. فالموت له جلاله، وحين يتم قتلا فالتدبر فيه أولى والاتعاظ أوجب. وإذا كانت قلوب الجبابرة من صخر، حتى أصبحت محصنة ضد التعلم والاعتبار، فإن ذلك لا يفاجئنا كثيرا. كأنما شاءت المقادير أن يدفع كل منهم ثمن جبروته. لم يعتبر القذافى من نهاية صدام حسين الذى كان أكثر رجولة منه، لكن ملك ملوك أفريقيا أصر على أن يتمادى فى غيّه، وقرر أن يسحق من جرؤ على معارضته. وقد أصابتنى قشعريرة حين علمت بما فعل فيه بعد القبض عليه، لكنى حين سمعت من الليبيين ما فعله الرجل بشعبه ووطنه أدركت أن جزاء الرجل كان من جنس عمله. وان نهايته البشعة لم تكن سوى صدى للبشاعات التى أنزلها بالليبيين. كما أننى أشك كثيرا فى أن الرئيس الأسد تلقى شيئا من رسائل نهاية القذافى.



لا أعرف كيف تلقى الرئىس بشار الأسد خبر مقتل رجاله، الذى يحمل أكثر من دلالة. فما عاد الأمر مؤامرة دبرتها جماعات إرهابية قادمة من خارج البلاد. ولكن القاصى والدانى صار مدركا أن ما فى سوريا هو انتفاضة شعب ضاق ذرعا بالاستبداد والفساد. وما عاد التمرد مقصورا على المحافظات النائية التى يسهل التسلل إليها من الجيران، لأن رياح الثورة طالت المدينتين الكبيرتين ــ دمشق وحلب ــ اللتين عول عليهما فى صموده. بل إن أصابع الثوار وصلت إلى قلب دوائر السلطة وجهة القرار. حتى بدا وكأنها تقف بباب الرئيس الأسد شخصيا. ثم ان تماسك النظام نفسه بات مهددا، بعدما تعددت الانشقاقات حتى بين قيادات الجيس، الأمر الذى أدى إلى تصدعه واقتراب نهايته.



بقيت حكاية المؤامرة على سوريا فى استهدافها. وهى صحيحة ولا أحد يستطيع أن ينكرها. لكن أحدا لا يستطيع أن ينكر أيضا أن إذلال النظام السورى للشعب هو الذى مكن لمخططات التآمر أن تنفذ إلى الساحة وتسهم فى زلزلة أركانه. حتى أزعم أن تآمر النظام على شعبه كان أقوى تأثيرا من تآمر الأخيرين عليه.



لا أحد ينكر أن للنظام مآثره التى مثلت فى إيوائه لعناصر المقاومة الفلسطينية أو مساندته للمقاومة اللبنانية. لكن جرائمه بحق الشعب السورى لا تنسى أيضا، وبوسع البعض ان يقول إن نظام دمشق تستر بانحيازه إلى جانب المقاومة الفلسطينية لكى يصرف الانتباه عن تلك الجرائم. حتى رأينا أن الجيش السورى استخدم فى الحرب ضد الشعب السورى بأكثر مما أسهم فى الحرب ضد أعداء سوريا.



لقد استمعت إلى خطاب السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، الذى ألقاه مساء الأربعاء الماضى (18/7) بعد التفجير الذى حدث فى دمشق، وقد ندد فيه بالمؤامرة على سوريا. وذكر أن تصفية قضية فلسطين هى الهدف من وراء كل ما يجرى. وكان محقا حين قال إن السيدة كلينتون وزيرة خارجية أمريكا حين زارت المنطقة أخيرا لم تشر بكلمة إلى الشعب الفلسطينى أو قضيته. لكنه وقع فى المحظور ذاته حين حكى فى كل شىء ولم يشر بكلمة إلى محنة الشعب السورى.



حين تستمر آلة القتل فى سوريا بصورة أكثر شراسة، وحين يواصل المستبدون فى العالم العربى نهجهم دون أن يستوعبوا شيئا من دروس ما يجرى، فإننا لا نستطيع أن تعذرهم أو تتعاطف معهم، وليس أمامنا إلا أن نترك كل واحد منهم لمصيره الذى يستحقه على أيدى شعبه.



إننى لم أذرف دمعة على أعوان الأسد الذين قتلوا فى دمشق، لأن ما حل بالشعب السورى جفف من مآقى، حتى ما عاد لدى بقية من دمع أذرفه على قاتليه.



جريدة الشروق المصرية
السبت 2 رمضان 1433
21 يوليو 2012

mohamed5175
22-07-2012, 11:31 AM
لا أجد مبررا للمبالغة فى الحديث عن دور اللواء عمر سليمان وتبييض صفحته بعد وفاته، ذلك أن الرجل كان أحد أركان نظام يسجل إحدى مراحل الانحطاط فى التاريخ المصرى. وأخشى أن تؤدى المبالغة الإعلامية فى الإشادة بدوره «الوطنى» إلى تزييف التاريخ، ومن ثم إثارة البلبلة والحيرة فى أوساط الأجيال الجديدة التى شوهت ذاكرتها، بحيث ما عاد البعض يميزون بين من خدم الوطن وخدم الحاكم وخدم نفسه أو خدم العدو.

للرجل فضائله الشخصية التي يشهد بها من عرفوه، لكنى معنى بمواقفه السياسية. والأخيرة هى «الموضوع» الذى يهمنى فى الوقت الراهن.

وهو فى السلطة، فى 19/12/2009 كتب يوسى ميلمان خبير الشئون الأمنية فى صحيفة «هاآرتس» تحليلا موسعا كان عنوانه: عمر سيمان الجنرال الذى لم يذرف دمعة خلال حملة الرصاص المصبوب. (يقصد اجتياح غزة) وفى تحليله الذى سبق أن أشرت إليه قال ما يلى:

منذ تولى اللواء عمر سليمان منصبه كرئيس لجهاز المخابرات المصرية عام 1993 فإنه أقام علاقات وثيقة مع معظم قادة الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية. وبعض هؤلاء سألوه عما إذا كانت حماس التى فازت فى الانتخابات التشريعية يمكن أن تكون عنصر استقرار إيجابيا فى الحكومة الفلسطينية، فإنه رد بسرعة قائلا: «لا بكل تأكيد. أنا أعرف هؤلاء «الإخوان» فهم كذابون، واللغة الوحيدة التى يفهمونها هى القوة» فى دعوة صريحة للإقصاء والسحق.

ذكر ميلمان أيضا أنه استنادا إلى معرفة الإسرائيليين به، فإنه لم يذرف دمعة واحدة على مئات الفلسطينيين الذين قتلوا خلال الحرب التى شنتها إسرائيل على غزة أواخر عام 2008، ثم نقل عن أحد قادة الاستخبارات الإسرائيليين قوله إنه التقاه فى بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية. وسمعه وهو يسب الرئيس الراحل ياسر عرفات بأقذع الشتائم لأنه لم يستمع لنصائحه بالعمل على وقف الانتفاضة. وأضاف ذلك القائد أن سليمان انتقم من عرفات أشد الانتقام لاحقا. ذلك أنه حين شنت إسرائيل حملة «السور الواقى» فى عام 2002، اتصل أبوعمار باللواء سليمان ورجاه أن تتدخل مصر وتقوم ولو بإجراء رمزى للتعبير عن رفضها للسلوك الإسرائيلى، لكن سليمان تجاهل عرفات ورفض الرد على اتصالاته، وسمح بتوافر الظروف التى أدت إلى حصار عرفات وانهيار السلطة فى ذلك الوقت.

نقل ميلمان عن قادة الاستخبارات الإسرائيليين قولهم إن عمر سليمان أسهم بشكل واضح فى الحرب الأمريكية على «الإرهاب»، حيث قام بتزويد المخابرات الأمريكية بمحققين مصريين لاستجواب عناصر تنظيم القاعدة، وهو ما جعل المجمع الاستخبارى الأمريكى يوجه إليه الشكر، ويعتبر المخابرات المصرية حليفا استراتيجيا شأنها فى ذلك شأن الموساد.

أكد ميلمان أيضا أن سليمان كان أحد الأشخاص الذين أسهموا فى عقد صفقة بيع الغاز المصرى بسعر بخس. وقد لجأ إليه رئيس الموساد الأسبق شفتاى شفيت (يمينى متطرف يصف العرب بالكلاب الضالة) لتسهيل التوصل إلى صفقة بين الحكومة المصرية وشركة إسرائيلية يملك شفيت جزءا كبيرا من أسهمها، وقد تحقق له ما أراد.

وفى مقال نشرته صحيفة «إسرائيل اليوم» لوزير الداخلية الإسرائيلى الأسبق عوزى برعام (بتاريخ 2/2/2011) ذكر الرجل فيه أنه خلال لقاءاته مع اللواء سليمان وجد أن كراهيته للمقاومة الإسلامية تفوق بكثير الحماس الإسرائيلى والأمريكى. ولاحظ أنه يحاول التودد للمسئولين الإسرائيليين من خلال التعبير عن حماسه الدائم لقمع الإخوان.

نقل الوزير الأسبق عن أحد قادة الاستخبارات الإسرائيلية قوله إنه شعر بالتقزز من حرص سليمان على إحاطة نفسه بمظاهر الأبهة والفخامة التى اتسم بها مكتبه الخاص. وأشار المسئول الإسرائيلى إلى أنه كان جالسا مع سليمان فى أحد الفنادق بحضور مسئول للمخابرات المركزية الأمريكية، وفجأة رفع الرجل أصبعه بعلامة «ڤى»، فإذا بأحد مساعديه يخرج من مكان ما ويضع بين أصبعيه سيجارا فاخرا.

صحيفة إسرائيل اليوم نشرت أيضا فى 31/1/2011 مقالة للدكتورة ميرا تسوريف المحاضرة من مركز «ديان» بجامعة تل أبيب قالت فيه إن تولى عمر سليمان مقاليد الأمور إذا قدر لها أن تتم فإنها تمثل بالنسبة لإسرائيل «استمرارية لمبارك»، مشيرة إلى أن طريقة حكم مصر حينئذ لن تتغير، وإنما ستصبح أكثر لينا ومرونة.

إدعو الله أن يغفر له ما قدمت يداه.

جريدة الشروق المصرية
الاحد 3 رمضان 1433
22 يوليو 2012

mohamed5175
24-07-2012, 11:36 AM
منذ شهر تقريبا يتعرض المسلمون فى ميانمار (بورما سابقا) لمذبحة مروعة يتجاهلها الجميع، بحيث لم تكترث بها المنظمات الدولية أو الأزهر الشريف. صحيح أن بعض التقارير أشارت إليها، كما سمعنا صوتا للأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامى دعا إلى وقف المذبحة لكن ذلك كله ظل بلا صدى. ووقف الكل متفرجين على ما يجرى لملايينهم الخمسة.

مأساتهم ليست جديدة، فمنذ إعلان استقلال «بورما» فى عام 1948، لم يعترف الدستور بأولئك المسلمين الذين يعيشون فى إقليم أراكان ويعرفون باسم «الروهينجا» بدعوى أن أجدادهم لم يكونوا من سكان البلد الأصليين، ومنذ ذلك الحين لم تتعامل معهم السلطة أو الأغلبية البوذية كمواطنين. وظلوا طول الوقت عرضة للاضطهاد والإقصاء ومهددين بالطرد إلى ما وراء الحدود. بوجه أخص فإن الحكم العسكرى الذى استولى على السلطة فى عام 1962 مارس بحقهم التطهير العرقى، وطرد منهم إلى الجارة بنجلاديش دفعات على فترات متفاوتة تراوحت بين 150 ألفا ونصف مليون مسلم. وشجعت تلك الحملات غلاة البوذيين على الاعتداء على ممتلكاتهم وإحراق بيوتهم وزراعاتهم، وممارسة مختلف صور العنف الجسدى بحقهم.

منذ استقلال بورما ومسلمو الروهينجا محرومون من مواصلة التعليم فى الجامعات، وممنوعون من التوظف فى الحكومة، وممنوع من السفر إلى الخارج، حتى إذا كان ذلك لأداء فريضة الحج. بل إنهم ممنوعون من الانتقال من قرية إلى أخرى، ومحظور عليهم دخول العاصمة رانجون. فقط هم مطلوبون كجنود فى الجيش توكل إليهم الأعمال الشاقة مثل شق الطرق وردم الأنهار وإقامة الجسور. أما تجارهم فيدفعون ضرائب باهظة والمزارعون منهم لا يجوز لهم بيع محاصيلهم إلا للجيش. ومن يخالف هذه التعليمات مصيره السجن. وعقوبته قد تصل إلى الإعدام.

ظل الأصل هو اضطهادهم والتنكيل بهم لمجرد أنهم مسلمون غير مرغوب فى وجودهم. وحين يرتكب بعضهم أى خطأ فإن الجميع يتعرضون لأقسى العقوبات. وهو ما حدث فى شهر مايو الماضى حين تم اغتصاب امرأة بوذية وقتلها، وقد اتهمت الشرطة ثلاثة مسلمين فى الجريمة، الأمر الذى أثار ثائرة الغوغاء والغلاة البوذيين الذين هاجموا بيوت الروهينجا وقتلوا عشرات منهم. وكما ذكرت منظمة هيومان رايتس ووتش فإن قوات الأمن أطلقت يدها فى اعتقال العشرات منهم وتدمير بيوتهم. وحين تجاسر نفر من الروهينجا وردوا العدوان الواقع عليهم وصفتهم وسائل الإعلام بأنهم إرهابيون وخونة وأعلنت الحكومة حالة الطوارئ بحجة وقف العنف. وفى الوقت نفسه، استخدمت قوات أمن الحدود لحرق المنازل وقتل الفارين الذين كانوا يحاولون الهروب إلى بنجلاديش. وأعلن أن الحكومة عرضت حل الإشكال عن طريق طرد كل السكان الروهينجا أو دفع الأمم المتحدة إلى إعادة توطينهم، وهو الاقتراح الذى رفضه مسئول الأمم المتحدة على الفور.

وسائل الإعلام الآسيوية سجلت مشاهد مروعة من قصص الطرد والملاحقة والقمع التى تعرض لها أولئك المسلمون، التى لم ترحم شيخا أو امرأة أو طفلا. وتناقل اليوتيوب صور بيوتهم المحترقة وجثث قتلاهم المشوهة ونسائهم اللاتى تعرضن لمختلف صور التعذيب فضلا عن الاغتصاب. وهى الممارسات التى قوبلت بالصمت واللامبالاة من جانب المنظمات الدولية وعواصم الدول الكبرى.

هذا الأسبوع أطلق أحد الأشخاص النار على رواد إحدى دور السينما فى ولاية كلورادو الأمريكية، وأدى ذلك إلى قتل 14 شخصا وإصابة خمسين آخرين. فعمم الخبر على العالم وظلت وكالات الأبناء تبث تفاصيله وأصداءه على مدى ثلاثة أيام متوالية، لكن تلك الوكالات لم تنقل شيئا من أخبار المذبحة البشعة الحاصلة فى ميانمار منذ أكثر من شهر.

السؤال الذى يشغلنى ليس موضوعه عدم اكتراث المنظمات الدولية بما يلقاه المسلمون الروهينجا من عذابات، حيث ذلك ليس مفاجئا تماما، ولكنه لماذا يصمت العالم الإسلامى ولا يرفع صوته مستنكرا أو داعيا إلى حماية أرواح أولئك المسلمين البؤساء. أيضا يحيرنى سكوت الأزهر الذى يعد أحد أهم المؤسسات الدينية فى العالم الإسلامى. الذى انضم إلى المتفرجين ولم تصدر أية إشارة تعبر عن الاستنكار أو الاستياء.

إننى أخشى على الأزهر من «تمصيره» واستغراقه فى الشئون الداخلية، بما يجعله يتجاهل هموم المسلمين فى الخارج، الأمر الذى يسحب من رصيده كمنارة للعالم الإسلامى لم تغب عنه طوال القرون التى خلت. وأستحى أن أقول إن الساحات التى يغيب عنها الأزهر فى ذلك العالم، تتقدم فيها على الفور المؤسسات الإغاثية الكاثوليكية لكى تثبت حضورها لأهداف وغايات أخرى بطبيعة الحال.

جريدة الشروق المصرية
الاثنين 4 رمضان 1433
23 يوليو 2012

mohamed5175
24-07-2012, 11:47 AM
ما يحدث في مصر الآن ليس مدهشا فقط ولكنه مريب أيضا، لذلك فنحن مدعوون لئلا نأخذ الأمور بظاهرها، وأن نفكر جيدا في هوية الأطراف التي تحركها وحقيقة الأهداف التي تتوخاها.



(1)



جبان وعميل للأمريكان. هذان الوصفان أطلقهما على الرئيس محمد مرسي، عضو في مجلس الشعب عن حزب المصريين الأحرار، الذي أسسه السيد نجيب ساويرس. وقد ورد الاتهام في ثنايا خطبة ألقاها العضو المذكور أمام مؤتمر أقيم بمركز مؤتمرات الأزهر بمدينة نصر. ودعا إليه تكوين جديد باسم «التحالف القبطي الصوفي». وقد نشرت صحيفة «المصري اليوم» عرضا لوقائعه في العدد الصادر يوم 18 يوليو الحالي. ولم يكذب الكلام، وإنما مر كأن الاتهام شيء عادي لا غضاضة فيه ولا مؤاخذة عليه.



الهجوم على الرئيس مرسي ليس جديدا، ولكن تصعيده إلى حد وصف الرجل بالجبن والعمالة يصيبنا بدهشة بالغة. قبل أيام قليلة وصف أداؤه بالبلطجة السياسية في عنوان صحفي، وأشار إليه عنوان صحفي آخر بأنه «الرئيس الفضيحة»، وحين تسلم السلطة نشر أن «الفاشي» وصل إلى قصر الرئاسة. وفي أحد الأعداد ذكر عنوان تصدر الصفحة الأولى باللون الأحمر أنه «رئيس تحت الصفر». كما أشارت صحيفة أخرى إلى أن عضوا بالكونجرس تحدث عن أن أمريكا اشترته بخمسين مليون دولار!



هذا قليل من كثير تحفل به الصحف المصرية الصفراء في الأغلب. وهو ليس نقدا للرجل مما ندعو إليه ونشجعه، ولكنه سب علني وقذف يعكس المدى الذي ذهب إليه البعض في التطاول والاجتراء بعدما رفع الإصر عن الإعلام المصري وعن كل مصر بعد الثورة. ولأول وهلة يبدو الأمر وكأنه من قبيل الانفلات الذي أصاب وسائل الإعلام بعد سقوط الرئيس المقدس والإله وانتخاب رئيس ليس مجرد مواطن عادي فحسب، ولكنه من الإخوان أيضا. والأول مهدور الحق، والثاني مستباح عرضه وكرامته.



ما يلفت النظر في حملة الحط من كرامة الرئيس أن الذين يشاركون فيها لم نعرف عنهم جرأة ولا شجاعة في مواجهة السلطان، وإنما عهدناهم حملانا وديعة لم يتجاوز حلمها حدود الانضمام إلى حاشية السلطان واستجلاب رضاه. من هؤلاء أيضا نفر من أهل القضاء تطاولوا حتى وجهوا إلى الرئيس إنذارا طالبوا فيه بالتراجع عن قرار له خلال 36 ساعة وراحوا يسخرون منه ويلمزون فيه، في حين سكتوا ولم نسمع لهم صوتا يحتج على تزوير الانتخابات في السابق. وكنا قد رأيناهم حينما تستروا على تسفير المتهمين الأمريكيين في قضية التمويل الأجنبي ولم يروا في تلك الصفعة العلنية أي إهانة للقانون أو القضاء.



هذا الاستقواء على رئيس الجمهورية إلى حد اتهامه بالجبن والعمالة ليس أمرا عاديا، ولكنه يثير سؤالا كبيرا حول أهدافه وسؤالا أكبر وأخطر حول هوية الجهات التي تقف وراءه.



(2)



الأمر جدير بالتوقف عنده، فإهانة رئيس الجمهورية والحط من كرامته يشكلان أحد أضلاع مثلث مريب يرتسم في الفضاء المصري ويستدعي سيلاً آخر من الأسئلة. الضلع الثاني يتمثل في تخويف الرأي العام من شبح مواجهة أهلية يعد لها في مصر. ليست جديدة فزاعة الإخوان التي ألفناها منذ أكثر من ستين عاما. ولكن الجديد هو تلك الرسائل التي تبث من خلال وسائل الإعلام ملوحة باحتمالات حدوث قلاقل في البلد. فهي تحدثنا حينا عن «ميليشيات» تتدرب في بعض الأماكن النائية. وعن «حرس للثورة على الطريقة الإيرانية يعده الإخوان وفي أحيان أخرى تتحدث عن عشرة ملايين قطعة سلاح تسربت إلى داخل مصر عبر الحدود الليبية. وخطورة مثل هذه الشائعات لا تتمثل فقط في مضمونها الذي يفترض أن يشيع التوتر والقلق، لكنها تكمن أيضا في صدورها عن أطراف يفترض أنها وثيقة الصلة بالأجهزة الأمنية في البلد. الأمر الذي يشكك في أن تلك الأجهزة. أو عناصر فيها على الأقل. لها مصلحة ما في الترويج لتلك المعلومات. ذلك أننا حين نسمعها مثلا من لواء سابق في الجيش يقال لنا إنه خبير إستراتيجي، فإن أول ما يخطر على بالنا مجموعة من الأسئلة منها على سبيل المثال: إذا صح هذا الذي يقال، فلماذا تقف الأجهزة الأمنية متفرجة عليه؟ لماذا لا تبادر إلى ضبط وإحضار تلك الميليشيات للتحقيق مع مسؤوليها وعناصرها. ولماذا لا تقرر شن حملة لمصادرة تلك الملايين من الأسلحة التي يدعون تسريبها إلى داخل البلاد. وهل يمكن أن نفترض البراءة في السكوت على ذلك والاكتفاء بإبلاغنا بشأنه من خلال التليفزيون؟!



الضلع الثالث في مثلث الاسترابة يتمثل في محاولة استفزاز الجيش واستثارته. ذلك أن لك أن تتصور رد فعل أي ضابط حين يقرأ عنوانا رئيسيا على الصفحة الأولى لإحدى الأسبوعيات يتحدث عن «تسريح الجيش المصري». وتحويله من تشكيلات مقاتلة إلى فرق لمكافحة الإرهاب الدولي. ثم نجد في العناوين أن الخطة تتفق مع رغبة الإخوان في اختراق القوات المسلحة لإضعافها وإعادة هيكلتها للسيطرة عليها. وحين نقرأ الكلام نجد أن هناك خطة بهذا المضمون أعدت منذ ثماني سنوات، ولكن المشير طنطاوي رفضها، (دون أي إشارة إلى موقف الرئيس السابق الذي لم نعرف أنه رفض للأمريكان طلبا). في ذات الوقت نقرأ عنوانا على الصفحة الأولى أيضا ينقل عن المخابرات المركزية الأمريكية ادعاءها بأن الجيش المصري سيتحول إلى جيش إسلامي خلال 5 سنوات. كما نقرأ في موضع آخر تلميحاً إلى أن الإخوان على استعداد للتنازل عن جزء من أرض سيناء لصالح حركة حماس أو غزة، لكي تتوسع فيها وتمدد «إمارتها» الإسلامية.



الترويج لمثل هذه الشائعات المكذوبة له هدف واحد هو استعداء القوات المسلحة ودفعها إلى الانخراط في الاصطفاف الذي تشهده البلاد، لكي تصبح جزءا من المعركة الدائرة حاليا لإفشال الرئيس المنتخب وإسقاطه.



(3)



هل هي مصادفة أن يجتمع ذلك كله في وقت واحد. أعني أن يهان الرئيس وتستباح كرامته في حين يشاع أن مصر يهددها شبح الحرب الأهلية، وأن جيشها يراد تسريحه وإحلال الميليشيات الإسلامية مكانه بدعوى الدفاع عن الأمة الإسلامية. سنقترب من الإجابة إذا تأملنا: الضلع الأول من مثلث الاسترابة الذي نتحدث عنه. إذ حين نجد أناسا لم نعرف عنهم لا شجاعة ولا سجلا نضاليا ولا استعدادا للتضحية، يرتدون فجأة مسرح الفرسان ويمتشقون سيوف المقاتلين الصناديد، فينبغي أن نتساءل عن سر ذلك التحول. وإذا استبعد خيالنا فكرة تلقيهم حبوب الشجاعة التي تحول الحملان إلى فرسان، فلن يبقى أمامنا سوى احتمال واحد هو أن يكون هؤلاء قد اتكأوا على أحد مصادر القوة التي ساندتهم وحفزتهم.



ستلاحقنا الشكوك أيضا إذا ما نظرنا إلى مصادر التلميحات التي تتحدث عن احتمالات الحرب الأهلية، والتسريبات التي تحذر من تسريح الجيش أو التفريط في أرض الوطن، وحينئذ سيبرز السؤال الكبير: من صاحب المصلحة في كل ذلك؟



لن أختلف مع من يشير إلى دور بعض المثقفين والسياسيين الهواة الذين دخلوا إلى الساحة بعد الثورة، وشغلوا بتصفية الحسابات وصراعات القوى، وحولتهم الفضائيات إلى «نجوم» وهميين استغرقتهم الحروب الصغيرة ولم يروا غيرها. إذ لست أشك في أن لهؤلاء إسهامهم في تسميم الأجواء وتعميق التناقضات. لكنني أزعم أن اللعبة أكبر من هؤلاء. وأن هناك أطرافا أخرى ذات بأس وقوة لها دورها في توتير الأجواء وتأزيم الموقف الداخلي. وسواء سميت تلك الأطراف بالدولة العميقة أو الدولة الحارسة أو مراكز القوى، فما يجمع بينها أنها موجودة داخل مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن، وأنها رافضة لما يجري وتستهدف تغييره على نحو يصفي حساباتها ويحمي مصالحها. وليس ذلك كله مجرد استنتاج، لأن المعلومات التي تسربت عن سيناريوهات معركة انتخابات الرئاسة، تدل على أن تلك الأطراف ساندت الفريق أحمد شفيق بكل ما تملك من إمكانات ونفوذ، وأنها خططت لتمكينه من الفوز. وللادعاء بحدوث اضطرابات بعد ذلك تتهم بالضلوع فيها خلايا قادمة من قطاع غزة، الأمر الذي يبرر إعلان الأحكام العرفية، ويؤدي إلى استعادة نظام مبارك بعد ذلك بصورة تدريجية.



(4)



إننا إذا تتبعنا المعارك التي شهدتها مصر منذ قامت الثورة في 25 يناير من العام الماضي، سنجد أنها تدور بين المثقفين والقوى السياسية من ناحية، وبين مؤسسات الدولة بعضها البعض من ناحية ثانية. ومن ثم سنلاحظ أن هذه المعارك بعيدة كل البعد عن الأهداف التي قامت من أجلها الثورة، خصوصا ما تعلق منها بإقامة الدولة الديمقراطية المستقلة، التي تتبنى قيم الحرية والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية. لا أخلي مسؤولية حزب الحرية والعدالة الذي يمثل الإخوان عن جانب من الارتباك الحاصل، ذلك أن الحزب لم ينجح في اختبار التوافق، كما أن حساباته أخطأت في قراءة الخريطة الإستراتيجية للواقع المصري. وموازين القوى فيه، إلا أن النخب والجماعات السياسية الأخرى ظلت طول الوقت مشغولة بحساباتها ومعاركها الخاصة المتعلقة بحضورها وحظوظها، ولم تعط معركة الوطن حقها من الأولوية أو الاعتبار، ولا يعفى المجلس العسكري من المسؤولية أيضا، لأنه حتى إصدار الإعلان الدستوري المكمل في 17 يوليو الماضي، كان بدوره مشغولا بسلطاته وحصته ولم نستشعر في التعديل اكتراثا بأهداف الثورة وتسليم السلطة إلى الشعب صاحب الثورة.



هذا الاستغراق في المعارك الصغيرة يمثل سحبا من رصيد الإعداد للمعركة الكبرى التي تدور رحاها حول أهداف الثورة وتأسيس النظام الديمقراطي الجديد. وحين يحدث ذلك فإن الأبواب تنفتح تدريجيا أمام المتربصين بالثورة الذين يوهموننا الآن بأنهم يصوبون سهامهم ضد الإخوان، في حين أن الهدف الحقيقي أبعد من ذلك وأكبر. إنهم يمهدون للانقلاب على الثورة - لذا لزم التنويه والتنبيه.

mohamed5175
25-07-2012, 11:51 AM
ماذا يكون الرد لو سأل سائل عن الكلمة المفتاح فى العالم العربى الآن؟ ــ أعنى الكلمة الأشد رنينا والأقوى تأثيرا والأكثر بلورة لأشواق الناس وطموحاتهم. السؤال من وحى تجربة فرنسية لاختيار كلمة السنة، التى لأجلها يعقد مهرجان يشترك فيه مجموعة من الخبراء واللغويين الذين يرشحون بعض الكلمات التى تنطبق عليها تلك المواصفات، ويستفتون الناس فى إياها يمكن أن تعد كلمة العام، أو الكلمة المفتاح التى تشكل مدخلا لفهم أبرز تفاعلات الواقع. المهرجان عقد هذا العام دورته الثامنة فى إحدى المدن الفرنسية. وتم الاستفتاء على اختيار كلمة العام من خلال الشبكة العنكبوتية وإذاعة فرنسا الدولية وقناة تى. فى خمسة. وهو ما مكن المواطنين فى 62 دولة من المشاركة فى التصويت على كلمة العام.



الكلمات التى رشحت للتصويت عليها عكست أجواء الأزمة الاقتصادية التى تعانيها أوروبا، وما أشاعته من مشاعر الإحباط والمرارة وخيبة الأمل مثل: استياء ــ تدخل ــ وعود ــ شعبوية ــ انفصال ــ قتال ــ غطرسة ــ تغيير ــ خسارة.. إلخ. لكن لجنة التحكيم التى استقبلت الردود لم تتقيد بالكلمات المرشحة، وارتأت أن تتجاوزها تجاوبا مع اتجاهات المصوتين وآرائهم. وبعد فحص الردود والمداولة بين أعضائها، توصلت اللجنة إلى اختيار كلمتين اعتبرتهما مفتاحا لقراءة أحوال سنة 1212، هما: تويتر وتغيير.



لم تكن «تويتر» من بين الكلمات المرشحة إلا أن لجنة التحكيم ارتأت أن فعل «التغريد» أصبح رمزا للثورة الرقمية التى أصبحت تمثل عنصرا مهما فى التواصل بين بنى البشر، وقد برز دورها بشكل مثير للانتباه خلال السنوات الأخيرة. وعبر عن ذلك رئيس اللجنة بقوله إن أعضاءها ضموا فعل «تويتر» إلى اللغة الفرنسية لإبراز نمط جديد للتواصل يحقق الإنجاز والسرعة وتقاسم المعلومة بين بنى البشر.



المصوتون عن طريق تى. فى خمسة وإذاعة فرنسا الحرة انحازوا إلى كلمة تغيير، التى كانت شعار اليسار الفرنسى أثناء حملة انتخاب رئيس الجمهورية. وهذا الاختيار مفهوم وله ما يبرره، ليس فقط لأنها تعبر عن التفاعلات الحاصلة فى العالم المحيط، ولكن أيضا لأنها تجسد مشاعر المواطن الأوروبى الذى ضاق ذرعا بالضغوط الاقتصادية التى باتت تثقل كاهله، وصار يتطلع إلى اليوم الذى يتحلل فيه من تلك الضغوط.



ثمة صلة وثيقة بين الكلمتين على الأقل من المنظور العربى، ذلك أن الثورة الرقمية باتت من مقدمات التغيير وإرهاصاته، ومن خلالها كان التفاعل وتبادل الخبرات بين شباب الثورة التونسية ونظرائهم فى مصر.



فى سنة 2011 اعتبر المحكمون أن كلمة «ارحل» التى رددها الثوار فى الفضاء العربى فى أكثر من قطر هى كلمة العام بامتياز. أما فى سنة 2010 فقد وقع اختيارهم على كلمة «ديْن»، ولم يتيسر لى الوقوف على مسوغ ذلك الاختيار.



إذا طرحنا على أنفسنا السؤال. فماذا تكون الكلمة المفتاح التى تعبر عن أحوالنا وأشواقنا فى مصر والعالم العربى خلال السنة الحالية؟ ــ لا أتوقع إجابة حاضرة فى مصر على الأقل، لأن مثقفيها مشغولون بالتنازع والعراك فيما بينهم. وإذا كان الخلاف بينهم مستعرا حول جميع عناوين المرحلة، فإن اتفاقهم على كملة ترمز للعام يغدو من رابع المستحيلات.



إزاء ذلك فقد عنَّ لى أن أرشح مجموعة من الكلمات التى استشعرت أنها يمكن أن تفى بالغرض، من حيث إنها إذا لم تعبر عن أشواقنا وطموحاتنا فربما كانت ترمز إلى بعض أوجاعنا المشتركة. هذه الكلمات، هى: الفلول ــ العسكر ــ الميدان ــ السلف ــ الوفاق ــ الجماعة ــ الدولة العميقة ــ ائتلاف ــ الاستقرار ــ الأطياف.



ليس ذلك نوعا من الترف، لكنه أسلوب غير مباشر لفهم الواقع وتشخيص طموحاته. ومشكلته أنه شأن يتطلب عقلا هادئا ورائقا ومتجردا من الهوى والغرض. وتلك مواصفات أصبح من الصعب تحققها فى أجواء الاستقطاب والانفعال والتجاذب الراهنة فى مصر. وإزاء استمرار ذلك الانفعال فأخشى أن نضطر فى نهاية المطاف إلى اللجوء إلى ذات الأسلوب المتبع فى المباريات الكروية الحاسمة، فنستعين بمحكمين أجانب لكى يختاروا لنا كلمة العام.


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 6 رمضان 1433
25 يوليو 2012

mohamed5175
26-07-2012, 11:33 AM
جيد أن يصبح لدينا فى مصر رئيس للوزراء بعد طول انتظار. الأجود أن نفهم مسوغات اختيار الرجل ليتبوأ المنصب فى هذه المرحلة، خصوصا أنه قدم إلينا حتى الآن باعتباره خبيرا فى الرى. لا أريد أن أقلل من شأن الرجل، لكنى أتصور أن خبرته فى الرى لم تكن هى التى رشحته للمنصب، ولابد أن تكون له مناقب أخرى زكـَّته ومن حق الرأى العام أن يحاط بها علما، لسبب جوهرى هو أن معايير اختيار رئيس وزراء مصر الثورة لابد أن تكون مختلفة عنها فى مصر مبارك. فحضور المجتمع فى مصر الثورة يرتب حقوقا مختلفة عن حال تغييبه فى ظل النظام السابق. إذ السياسة فى مصر الراهنة شأن مجتمعى، الكل مستغرق فيه ومشدود إليه. فى حين أنها فى ظل النظام السابق كانت شأنا سلطانيا لا يتجاوز حدود أسوار السلطان وأسرته وكهنته. لذلك تمنيت ألا تحاط عملية اختيار رئيس الوزراء بما شهدناه من غموض وتكتم، وإذا كان ذلك الأسلوب مفهوما ومبررا فى إطار الجماعة، لأسباب يطول شرحها، فإن استمراره فى إدارة الدولة ليس مرحبا به، خصوصا بعدما خرج الوطن من حظيرة السلطان إلى فضاء الديمقراطية.

أستطيع أن أتصور صعوبة العملية. فالنظام السابق حين أمات السياسة وعمد إلى تدمير الخلايا الحية فى المجتمع على مدى ثلاثين عاما على الأقل، فإنه حول الساحة السياسية إلى صحراء جرداء، أقيمت عليها بعض الكيانات الوهمية التى شغلتها أجيال من المهرجين والمنتفعين. وهو مناخ لم يسمح بقيام قوى سياسية حقيقية، ولا بتكوين رموز سياسية تحظى بالإجماع الوطنى. وكانت النتيجة أن الناس لم يروا خلال الثلاثين سنة سوى «نجم» واحد ملأ الفضاء وأمسك بكل الخيوط فى يده. سواء ما تعلق منها بمصير البلد وتعهداته، أو ما تعلق بمصير حارس المرمى الذى هرب من ناديه لكى ينضم إلى ناد آخر فى الخارج.

الجدب السياسى لم يكن المشكلة الوحيدة. لأن الضغوط السياسية ــ الداخلية على الأقل ــ عنصر آخر ضاعف من صعوبة الاختيار. ذلك أن أحدا لا يستطيع أن يلغى دور المجلس العسكرى فى العملية. ومن الطبيعى أن يكون للأجهزة الأمنية والرقابية رأى فى خلفيات كل مرشح. ثم لا ننسى دور الجماعات السياسية المترقب منها والمتصيد. أما دور الإعلام فى الضغط والتشويه والتحريض فحدث فيه ولا حرج. لا أتحدث عن الإعلام الخاص. لكننى أتحدث أيضا عن الإعلام الرسمى، الذى ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أنه يقف لأول مرة ضد الرئيس. (إحدى الصحف القومية رفضت نشر مقالة قارن فيها المحرر بين الرئيس محمد مرسى وبين رئيس جنوب أفريقيا السابق نيلسون مانديلا من زاوية أن كلا منهما خرج من السجن إلى الرئاسة).

فى ظل هذه الأجواء، كان على رئيس الجمهورية أن يعثر على رئيس للحكومة تتوافر فيه شروط عدة، أن يكون من غير الإخوان لأن المجتمع لا يحتمل رئيسا للدولة ورئيسا للحكومة وأغلبية برلمانية إخوانية فى ذات الوقت. وألا يكون حزبيا ليس فقط بسبب التنازع الراهن بين الأحزاب. ولكن أيضا لأن الأحزاب الأخرى من الضعف بحيث يتعذر عليها أن تفوز بثقة البرلمان. فى ذات الوقت يرجى فيه أن يكون من خارج نادى «العواجيز»، ومنتسبا إلى الثورة، بمعنى أن يكون متصلا بالسياسة وليس منخرطا فيها (منشغلا وليس مشتغلا) ــ وذلك كله بخلاف الكفاءة الشخصية والقدرة الإدارية والشخصية القيادية.

لأننا مازلنا فى «تمهيدية الديمقراطية» كما يقال، لست أشك فى أنه تعذر توافر شروط الحد الأقصى فى الشخصية المرشحة لرئاسة الحكومة، وأغلب الظن أن الأسابيع الثلاثة الأخيرة شهدت موازنة مستمرة بين الشروط التى يمكن التغاضى عنها وشروط الحد الأدنى التى لا يمكن النزول تحتها. وبسبب شح المعلومات فلست واثقا مما يهمس به البعض من أن ما عزز موقف رئيس الوزراء الدكتور هشام قنديل أنه كان مرشح الحد الأدنى، بمعنى أن قوته كانت فى ضعفه، لكن الصورة سوف تتضح أكثر من خلال أداء الرجل واختياره للفريق الوزارى المعاون له، الذى لا أشك فى أنه سيواجه صعوبات فى تشكيله بسبب التنازع حول حصص القوى السياسية المختلفة. وأرجو ألا يكرر الإخوان والسلفيون خطأهم الذى ارتكبوه فى تأسيسية الدستور، بحيث يظل المعيار فى تشكيل الحكومة هو الكفاءة والخبرة وليس الهوية والانتماء السياسى. علما بأن الحكومة الجديدة ستواجه تحديات أخرى من داخل الجهاز البيروقراطى ذاته، لأن بعضه على الأقل يقف فى معسكر الضد الذى لا يتمنى النجاح للتجربة ولا يتمنى الاستمرار للثورة ذاتها. لذلك فإن الجماعة الوطنية المصرية مطالبة بأن تساند الحكومة الجديدة، ليس فقط لكى تنجح فى مهمتها ولكن أيضا لكى تتقدم الثورة لتحقيق أهدافها.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 7 رمضان 1433
26 يوليو 2012

mohamed5175
26-07-2012, 11:33 AM
جيد أن يصبح لدينا فى مصر رئيس للوزراء بعد طول انتظار. الأجود أن نفهم مسوغات اختيار الرجل ليتبوأ المنصب فى هذه المرحلة، خصوصا أنه قدم إلينا حتى الآن باعتباره خبيرا فى الرى. لا أريد أن أقلل من شأن الرجل، لكنى أتصور أن خبرته فى الرى لم تكن هى التى رشحته للمنصب، ولابد أن تكون له مناقب أخرى زكـَّته ومن حق الرأى العام أن يحاط بها علما، لسبب جوهرى هو أن معايير اختيار رئيس وزراء مصر الثورة لابد أن تكون مختلفة عنها فى مصر مبارك. فحضور المجتمع فى مصر الثورة يرتب حقوقا مختلفة عن حال تغييبه فى ظل النظام السابق. إذ السياسة فى مصر الراهنة شأن مجتمعى، الكل مستغرق فيه ومشدود إليه. فى حين أنها فى ظل النظام السابق كانت شأنا سلطانيا لا يتجاوز حدود أسوار السلطان وأسرته وكهنته. لذلك تمنيت ألا تحاط عملية اختيار رئيس الوزراء بما شهدناه من غموض وتكتم، وإذا كان ذلك الأسلوب مفهوما ومبررا فى إطار الجماعة، لأسباب يطول شرحها، فإن استمراره فى إدارة الدولة ليس مرحبا به، خصوصا بعدما خرج الوطن من حظيرة السلطان إلى فضاء الديمقراطية.

أستطيع أن أتصور صعوبة العملية. فالنظام السابق حين أمات السياسة وعمد إلى تدمير الخلايا الحية فى المجتمع على مدى ثلاثين عاما على الأقل، فإنه حول الساحة السياسية إلى صحراء جرداء، أقيمت عليها بعض الكيانات الوهمية التى شغلتها أجيال من المهرجين والمنتفعين. وهو مناخ لم يسمح بقيام قوى سياسية حقيقية، ولا بتكوين رموز سياسية تحظى بالإجماع الوطنى. وكانت النتيجة أن الناس لم يروا خلال الثلاثين سنة سوى «نجم» واحد ملأ الفضاء وأمسك بكل الخيوط فى يده. سواء ما تعلق منها بمصير البلد وتعهداته، أو ما تعلق بمصير حارس المرمى الذى هرب من ناديه لكى ينضم إلى ناد آخر فى الخارج.

الجدب السياسى لم يكن المشكلة الوحيدة. لأن الضغوط السياسية ــ الداخلية على الأقل ــ عنصر آخر ضاعف من صعوبة الاختيار. ذلك أن أحدا لا يستطيع أن يلغى دور المجلس العسكرى فى العملية. ومن الطبيعى أن يكون للأجهزة الأمنية والرقابية رأى فى خلفيات كل مرشح. ثم لا ننسى دور الجماعات السياسية المترقب منها والمتصيد. أما دور الإعلام فى الضغط والتشويه والتحريض فحدث فيه ولا حرج. لا أتحدث عن الإعلام الخاص. لكننى أتحدث أيضا عن الإعلام الرسمى، الذى ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أنه يقف لأول مرة ضد الرئيس. (إحدى الصحف القومية رفضت نشر مقالة قارن فيها المحرر بين الرئيس محمد مرسى وبين رئيس جنوب أفريقيا السابق نيلسون مانديلا من زاوية أن كلا منهما خرج من السجن إلى الرئاسة).

فى ظل هذه الأجواء، كان على رئيس الجمهورية أن يعثر على رئيس للحكومة تتوافر فيه شروط عدة، أن يكون من غير الإخوان لأن المجتمع لا يحتمل رئيسا للدولة ورئيسا للحكومة وأغلبية برلمانية إخوانية فى ذات الوقت. وألا يكون حزبيا ليس فقط بسبب التنازع الراهن بين الأحزاب. ولكن أيضا لأن الأحزاب الأخرى من الضعف بحيث يتعذر عليها أن تفوز بثقة البرلمان. فى ذات الوقت يرجى فيه أن يكون من خارج نادى «العواجيز»، ومنتسبا إلى الثورة، بمعنى أن يكون متصلا بالسياسة وليس منخرطا فيها (منشغلا وليس مشتغلا) ــ وذلك كله بخلاف الكفاءة الشخصية والقدرة الإدارية والشخصية القيادية.

لأننا مازلنا فى «تمهيدية الديمقراطية» كما يقال، لست أشك فى أنه تعذر توافر شروط الحد الأقصى فى الشخصية المرشحة لرئاسة الحكومة، وأغلب الظن أن الأسابيع الثلاثة الأخيرة شهدت موازنة مستمرة بين الشروط التى يمكن التغاضى عنها وشروط الحد الأدنى التى لا يمكن النزول تحتها. وبسبب شح المعلومات فلست واثقا مما يهمس به البعض من أن ما عزز موقف رئيس الوزراء الدكتور هشام قنديل أنه كان مرشح الحد الأدنى، بمعنى أن قوته كانت فى ضعفه، لكن الصورة سوف تتضح أكثر من خلال أداء الرجل واختياره للفريق الوزارى المعاون له، الذى لا أشك فى أنه سيواجه صعوبات فى تشكيله بسبب التنازع حول حصص القوى السياسية المختلفة. وأرجو ألا يكرر الإخوان والسلفيون خطأهم الذى ارتكبوه فى تأسيسية الدستور، بحيث يظل المعيار فى تشكيل الحكومة هو الكفاءة والخبرة وليس الهوية والانتماء السياسى. علما بأن الحكومة الجديدة ستواجه تحديات أخرى من داخل الجهاز البيروقراطى ذاته، لأن بعضه على الأقل يقف فى معسكر الضد الذى لا يتمنى النجاح للتجربة ولا يتمنى الاستمرار للثورة ذاتها. لذلك فإن الجماعة الوطنية المصرية مطالبة بأن تساند الحكومة الجديدة، ليس فقط لكى تنجح فى مهمتها ولكن أيضا لكى تتقدم الثورة لتحقيق أهدافها.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 7 رمضان 1433
26 يوليو 2012

mohamed5175
28-07-2012, 11:25 AM
صباح الثلاثاء الماضى (24/7) كان العنوان الذى تصدر الصفحة الأولى لجريدة الصباح كالتالى: سلفيون: تطبيق الحدود بات قريبا. وتحت العنوان ذكرت الجريدة ما يلى: أكد عدد من قيادات التيار السلفى أن تطبيق حدود الشريعة الإسلامية بات قريبا، لأن الشعب يؤيد ذلك بقوة.. وقال الدكتور يونس مخيون عضو مجلس إدارة الدعوة السلفية، ومساعد مقرر لجنة المقومات فى الهيئة التأسيسية للدستور أن السلفيين يسعون لتطبيق «الحدود»، لأنهم على قناعة تامة بأن الشعب المصرى سيكون مهيئا لتطبيقها فى السنوات المقبلة.



حين يدقق المرء فى الكلام المنشور يلاحظ أنه منسوب إلى واحد من السلفيين، وليس إلى عدد من القيادات، وأن هذا الواحد الذى ذكر اسمه لم يقل إن تطبيق الحدود بات قريبا، كما أشار العنوان وكما جاء فى مقدمة الخبر، لأن ما نقل على لسانه أن السلفيين يسعون لتطبيق الحدود لأنهم على قناعة تامة بأن الشعب المصرى سيكون مهيئا لتطبيقها فى السنوات المقبلة. وهناك فرق بين أن يكون التطبيق قريبا، وبين أن يحدث ذلك بعد عدة سنوات. كما أن هناك فرقا بين أن يقول الكلام واحد من السلفيين، وبين أن ينسب إلى قيادات التيار السلفى.



من الناحية المهنية يعد نشر الكلام بهذه الطريقة نموذجا للتلاعب فى الصياغة الذى يستهدف استفزاز القارئ واستنفاره. لأن هناك كثيرين يقرأون العناوين فقط ولا يدققون فى التفاصيل، ومن ثم فإن هذه الفئة من القراء سوف تتلقى الرسالة الخطأ، وتصدق أن السلفيين أعلنوا أن تطبيق الحدود الشرعية سيتم فى وقت قريب. الأمر الذى يعنى أننا مقبلون «قريبا» على مرحلة تقطع فيها أيدى السارقين ويرجم الزناة ويجلد شاربو الخمر.. إلخ.



هل هذا خطأ مهنى فقط أم أنه تفخيخ مقصود ومنزوع البراءة؟ ــ أرجح الاحتمال الثانى بشدة، لأن ترويع الناس من كلمة الشريعة وتلغيم الآخبار المتعلقة بالتيار الإسلامى عموما بات أحد محاور الخطاب الإعلامى فى مصر. إذ لم يعد سرا أن خطاب «الفزاعة» الذى ظل مستمرا طوال نصف القرن المنصرم لم يتغير فيه شىء بعد الثورة. بل أن الحملة اشتدت بعدما حصل الإخوان والسلفيين على الأغلبية البرلمانية. حيث مازلنا نرى جيش المتربصين الذين لا يكادون يلمحون تصريحا لفرد أو تصرفا شاذا أو فرقعة من أى نوع إلا وأبرزوها وعمموها على التيار فى مجمله وحولوها إلى قضية رأى عام. فافتعال فرقعة عن تطبيق الحدود فى وقت قريب يصبح مقدمة لفتح الملف وتخويف الناس منه. وهو ما حدث مع فرقعات أخرى بعضها كذب صراح مثل مسألة هدم الهرم الأكبر باعتباره رمزا وثنيا، وبعضها سمج مثل شائعة مضاجعة الموتى (هل تذكر حكاية إرضاع الكبير؟) وبعضها لا محل له مثل مسألة الإماء وملك اليمين، وبعضها يداعب خيالات البعض مثل إقامة الخلافة. ينضم إلى قائمة الفرقعات حماقات بعض الأفراد التى تتم باسم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. أو مثل التى يمارسها البعض للفت الأنظار واكتساب الشهرة بلجوئهم إلى ملاحقة الفنانين أو تغطية التماثيل أو العبث ببعض اللوحات الفنية. إلى آخر الممارسات الفردية السخيفة التى يتصيدها المتربصون ويوظفونها لأجل التخويف وتصفية الحسابات السياسية وتسجيل النقاط فى الصراع الدائر بين الاتجاهين الإسلامى والعلمانى.



عقلاء القوم وأسوياؤهم يفرقون بين الأخطاء الفردية والظواهر الاجتماعية. والأولى تعطى حجمها وتنسب إلى فاعليها وتحسب عليهم. من ثم لا تصبح مصدرا للقلق أو الفزع. أما تلك الأخطاء إذا اتسع نطاقها وتحولت إلى ظواهر اجتماعية فهذه تستدعى استنفارا واحتشادا وتصديا من نوع مختلف من جانب السلطة والمجتمع. وللأمريكان تقدير يقول إن المجتمع يكون طبيعيا ومعافى طالما ظل حمقاه بحدود 5٪، أما إذا زاد عددهم على تلك النسبة فالأمر يتطلب نظرا مغايرا يتحرى الجذور والدوافع.



إن أحدا لم يتوقف عند بعض المصريين الذين ذهبوا إلى السفارة الأمريكية طالبين الاستجارة بهم وإغاثتهم. ولم يلتفت إلى صاحبنا الذى تحدث فى الإعلام الكندى مطالبا الحماية من الدول الغربية. ولم يكترث أحد بمن دعت المجلس العسكرى إلى عدم تسليم السلطة إلى المدنيين واقترحت أن يكون للمتعلم ضعف صوت الأمى. ولم يتم وصم الليبراليين جميعا لأن منهم من دعا إلى تدخل قادة الجيوش لمنع الرئيس من ممارسة سلطاته. ولا أدين الجميع حينما انحاز البعض إلى العسكر لإقامة المجتمع المدنى المنشود. ذلك كله تم تمريره على خطورته لأن الصائدين والمتربصين لهم حساباتهم مع الطرف الآخر، جعلتهم يعطون تلك الزلّات حجمها ويتجاهلونها. باعتبارها ممارسات فردية واستثنائية.



ثورة الاتصال لعبت دورها فى إنجاح حملات التخويف والترويع من خلال التمكين للفرقعات أن تحدث قدرا أكبر من التشويش والبلبلة. وفى مناقشة جرت حول هذه النقطة قلت إن وسائل الاتصال ومنابره سلاح بحدين، فإذا استخدمها البعض فى الترويع، فإن الحل لا يكون بإسكات تلك الأصوات، وهو أمر متعذر، وإنما يكون بتقديم أداء إيجابى أفضل يطمئن الناس ويستعيد ثقتهم، ويبدد آثار التخويف والترويع.

جريدة الشروق المصرية
السبت 9 رمضان 1433
28 يوليو 2012

mohamed5175
29-07-2012, 11:50 AM
فى صحف الخميس الماضى 26/7 مناشدة للرئيس محمد مرسى دعته إلى التدخل لانقاذ حديقة الحيوانات بالقاهرة. بعدما تدهورت أوضاعها، واستغاثة من العاملين بشركة قنا لصناعة الورق المهددة بالتوقف عن العمل. واجتماع له مع اتحاد نقابات عمال مصر نوقشت فيه أزمة قطاع الغزل والنسيج ومشكلات النقل البرى، وأوضاع العاملين فى اتحاد الإذاعة والتليفزيون. تحدثت الصحف أيضا عن ضرورة تدخل الرئيس لحل مشكلة انقطاع التيار الكهربائى وحسم أزمة نقص أنابيب البوتاجاز، ووضع حد لفوضى البناء فى الإسكندرية بعدما تتابع انهيار العمارات الجديدة بالمحافظة. ذلك كله إلى جانب الانشغال المفترض للرئيس بحل المشكلات الخمس التى وعد بعلاجها فى المائة يوم الأولى، أثناء حملته الانتخابية (الأمن والمرور والقمامة والخبز والوقود).



حين وضعت هذه المطالبات جنبا إلى جنب خطرت لى الأسئلة الثلاثة التالية: هل يستطيع الرئيس أن يتدخل لحل تلك المشكلات دفعة واحدة؟ وإذا انصرف لهذه المهمة فماذا سيتبقى لشغل الحكومة إذن؟ وإذا دخل فى المعمعة وشمر عن ساعديه وقرر أن يستجيب لما طلب منه وأن يفى بما وعد به، فهل سيتبقى لديه وقت للتفكير فى السياسات العليا للدولة؟



الخلاصة التى خرجت بها هى أن الرئىس إذا فعلها فإنه سيغرق فى بحر المشكلات التفصيلية، وسوف تبتلعه البيروقراطية المصرية العتيدة، ولن يستطيع أن يباشر عمله كرئيس للجمهورية، ولست أشك فى أن هناك من يسعى إلى ذلك ويتمناه شماتة فى الثورة أو شماتة فى الإخوان، وخصوم الاثنين يحيطون بنا من كل صوب.



لا أعرف ما إذا كان الدكتور محمد مرسى حين ترشح للرئاسة كان مدركا لجسامة ما هو مقدم عليه أم لا. لكنى لا أشك فى أنه صدم بالحقيقة حين بدأ فى مباشرة عمله، سواء فيما خص هموم الداخل أو تحديات الخارج. ذلك ان الدمار الذى أحدثته ممارسات العقود الأربعة الأخيرة على الأقل يفوق أى قدرة على التخيل، يكفى أن يكتشف ان البلد الكبير تم تقزيمه وتشويهه، وان مؤسسات المجتمع تحولت إلى انقاض، حتى منظومة القيم السائدة انقلبت رأسا على عقب. لذلك فلست أشك فى أن ولاية الرئيس سوف تمكنه من إزالة آثار كل ذلك العدوان، حتى ينتقل بعد ذلك إلى البدء فى تأسيس النظام الجديد المنشود.



لست أخفى أننى لم أسترح إلى الوعود التى أطلقها الدكتور مرسى فى المائة يوم الأولى من حكمه، أولا لان ليس ذلك شغله وثانيا لأن الأجهزة التى ستتولى تنفيذ تلك الوعود أغلبها ليست معه وبعضها ضده، ولذلك فلن تكون عونا له أو حريصة على انجاحه. وقد سبق ان تمنيت على الرئيس ان يخاطب المجتمع بلغة أخرى أكثر صراحة ومسئولية. واستشهدت فى ذلك بما قاله ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطانى حين كلف برئاسة الحكومة إبان الحرب العالمية الثانية (عام 1940) فقال للجميع إننى أعدكم بالدم والدموع والعرق قبل تحقيق النصر.



مثل هذه المصارحة لم تحدث، فعَلَا سقف الآمال والطموحات، وشغل الجميع بمن فيهم القوى السياسية، بما ينبغى أن يحصلوه وليس بما يتعين عليهم أن يشاركوا به فى حمل المسئولية. وكانت النتيجة إغراق الرئيس فى بحر المطالبات وتسابق كل صاحب هم فى رفع شكواه وانتزاع حقه ورفع مظلمته. ولأن الناس معذورون ومظلومون، ولأن الرئيس لا يستطيع أن ينصف كل مظلوم، فليس هناك من مخرج من المأزق إلا من خلال حلين، أولهما ان ترتب المشكلات حسب أولوياتها وثانيهما ان يطمئن كل صاحب مظلمة إلى أنه سيحصل على حقه يوما ما.



إن الرئيس مطالب بان يتفهم مشكلات المجتمع وان يكون مدركا لأولوياتها، وان تتوفر لديه رؤية استراتيجية للتعامل مع تلك المشكلات. وعليه بعد ذلك أن يتابع ويوجه أجهزة الدولة فى نهوضها بحل المشكلات. وتلك مهام تفوق طاقة أى رئىس فرد مهما كانت عبقريته.



إن تشخيص المشكلات وترتيب أولوياتها، ومصارحة الشعب بكل ذلك هو واجب الوقت. وليت الرئيس يشكل فريقا وطنيا من أهل الخبرة والاختصاص يقوم بهذه المهمة، التى هى بمثابة خارطة طريق تبين له وللحكومة وللمجتمع إلى أين نحن ذاهبون، وما هو العاجل وما هو الآجل، وما هو المهم والأهم، والممكن وغير الممكن. أما أن يصبح ذلك كله من الأسرار المتداولة وراء الجدران، فذلك يعيدنا إلى نهج الدولة السلطانية ويباعد بيننا وبين الدولة الديمقراطية التى لأجلها قامت الثورة.


جريدة الشروق المصرية
الاحد 10 رمضان 1433
29 يوليو 2012

mohamed5175
30-07-2012, 11:42 AM
قضت المحكمة الدستورية العليا فى ألمانيا يوم الأربعاء الماضى (25/7) ببطلان عدة مواد جوهرية فى قانون جديد لانتخابات البرلمان. وكانت المحكمة قد أبطلت أجزاء من القانون المعمول به فى حكم لها أصدرته فى عام 2008، ومع ذلك سمحت لانتخابات عام 2009 أن تتم على أساسه. كما سمحت للبرلمان الذى تم انتخابه بالانعقاد، ولم يحل حتى الآن. وهو ما مكن المستشارة الألمانية أنجيل ميركل من أن تعتمد على أغلبيتها البرلمانية ومررت قانونا جديدا دون أن تتوافق على ذلك مع المعارضة التى تقدمت بدعوى إلى المحكمة الدستورية طالبة إبطال القانون الجديد. وهو ما قضت به المحكمة فى قرارها يوم الأربعاء الماضى. وأوصت المحكمة باعتماد قانون انتخابات آخر قبل حلول موعد الانتخابات المقبلة عام 2013، وقالت إن عدم إصدار القانون المذكور يزيد من فرص حل البرلمان إذا انتخب على أساس القانون الجديد الذى تم تمريره.



هذا الإيضاح تلقيته من الزميل صبحى شعيب الصحفى بوكالة الأنباء الألمانية، والمشرف على موقع «بلدى مصر»، والذى أرفق برسالته نصوص الأخبار التى بثتها وكالة الأنباء الألمانية بهذا الخصوص. وقد اضطر صاحبنا إلى ذلك حين لاحظ أن صحيفة «المصرى اليوم» نشرت الخبر فى عددها الصادر يوم الخميس 26/7 بصورة مشوهة للغاية، أعطت انطباعا بأن ما حدث فى ألمانيا مطابق لما حصل فى مصر أخيرا، حين قررت المحكمة الدستورية فى منطوق حكمها إبطال انتخاب ثلث أعضاء مجلس الشعب، ثم تطوعت فى الأسباب واعتبرت المجلس كله باطلا، وبعد ذلك أصدر المجلس العسكرى قراره بحل البرلمان. ما نشرته صحيفة المصرى اليوم كان كما يلى: قضت المحكمة الدستورية العليا فى ألمانيا ببطلان أجزاء محورية فى قانون انتخابات البرلمان الألمانى «بوندستاج». وقالت مجلة دير شبيجل إنه بمقتضى ذلك الحكم فإن البرلمان الحالى يصبح غير دستورى. لأنه سمح لبعض الأحزاب فى البرلمان بتحقيق عدد أكبر من المسموح به فى المقاعد فى بعض الولايات الألمانية. وهو ما يزيل الطابع الأساسى للانتخابات العامة ويتعارض مع التمثيل النسبى. بالتالى فإنه يجب إيجاد برلمان جديد فى خريف 2013 قبل الانتخابات التشريعية القادمة. وهى صياغة تولت «تمصير» الخبر، وقلبت معنى الخبر الذى بثته الوكالة الألمانية وجعلته معاكسا تماما لما أوردته.



لقد تجاهلت الخبر الأصلى بعض الصحف المصرية لأنه يسبب إحراجا للذين طبخوا مسألة حل البرلمان ضاربين عرض الحائط بالإرادة الشعبية التى أتت به. لأنهم فى ألمانيا لم يفكروا فى حل البرلمان احتراما لتلك الإرادة الشعبية، وعبروا عن احترامهم لقرار المحكمة من خلال الاتجاه إلى إصدار قانون جديد يتجنب عيوب القانون الذى ابطلت المحكمة بعض مواده.



أولئك الذين أحجموا عن نشر الخبر لم تكن لديهم شجاعة ذكر الحقيقة، واختاروا الصمت والاستعباط إيثارا للسلامة. وبوسعنا أن نقول إنهم لم يعلنوا الحقيقة ولم يكذبوا. أما الذين لعبوا فى الخبر ونشروه مكذوبا فإن جرمهم أكبر، إذ إنهم لم يختلفوا كثيرا عن ترزية القوانين، الذين يفصلونها حسب الهوى. وقد رأينا فى النموذج الذى نحن بصدده أنهم أعادوا تفصيل الخبر لكى يوافق هوى المجلس العسكرى والذين سعوا إلى حل مجلس الشعب، ولذلك فلعلى لا أبالغ إذا قلت إن صناعة الترزية ليست مقصورة على القانونيين وحدهم، ولكن لها وجودها، أيضا فى أوساط الإعلاميين. وإذا كان بعض القانونيين يفعلونها بين الحين والآخر فإن بعض الإعلاميين يقومون بالتفصيل اللازم كل يوم.



ذكرنى ذلك بقصة كتاب لى صدر قبل عدة سنوات ضممت فيه مقالاتى التى منعت فى الأهرام، وكان عنوانه «المقالات المحظورة». وقد نفدت الطبعة الأولى من الكتاب بسرعة، وعند ظهور الطبعة الثانية أراد محرر الصفحة الثقافية بالأهرام أن يجاملنى وينشر خبرا عن صدور الطبعة الثانية. ولأن عنوانه كان محرجا، فقد ذكر فى الخبر أننى كنت قد أعددت المقالات للنشر فى الأهرام، ولكنى عدلت عن ذلك وأعدت كتابتها لتصدر فى كتاب مستقل. فأعطى انطباعا بأننى مَن امتنع عن نشرها فى الأهرام، وليس رئيس التحرير.



هؤلاء الترزية لا تهمهم الحقيقة وليس لديهم أى احترام للقارئ، ولكنهم مشغولون باسترضاء ولى الأمر أو ولى النعمة، خوفا أو طمعا، وللأسف فإن هذه المدرسة ما زالت أبوابها مفتوحة بعد الثورة، والقائمون عليها والمنتسبون إليها كانوا مع النظام السابق، وصاروا مع الثورة، وسيكونون مع النظام اللاحق أيا كانت ملَّته أو هويته، لأنهم فى حقيقة الأمر مع أنفسهم أولا، ومع كل جالس على كرسى السلطان. ووجودهم واستمرارهم يسلط الضوء على أن ما نفتقده حقا ليس كفاءة المهنة وإنما أخلاقيات المهنة، التى تعد الأهم والأخطر.



جريدة الشروق المصرية
الاثنين 11 رمضان 1433
30 يوليو 2012

mohamed5175
31-07-2012, 11:41 AM
بعد الثورة المصرية ينبغى أن نفرق بين معاهدة السلام مع إسرائيل وبين الشراكة والتواطؤ معها ضد الفلسطينيين، فنفهم الأولى بحكم الضرورة، ونعتبر الثانية عارا يتعين التبرؤ منه.

(1)

الملاحظة من وحى زيارة السيد اسماعيل هنية رئيس الوزراء المنتخب فى غزة للقاهرة واستقباله فيها رسميا لأول مرة، بعدما ظل محظورا على أى مسئول حكومى فى مصر طوال الثلاثين سنة الماضية أن يلتقى احدا من وزراء حكومة غزة، وخلال تلك الفترة كان ملف قطاع غزة خارج السياسة وتابعا للأمن.

إذ كان القرار الاسرائيلى والامريكى الذى التزمت به مصر أن معارضى اتفاقية السلام من الفلسطينيين ينبغى نبذهم واقصاؤهم، رغم أن الاسرائيليين الذين عارضوا المعاهدة ومزقها احدهم فى «الكنيست» كانوا ممثلين فى الحكومة والبرلمان.

ولم يكن الأمر مقصورا على مصر وانما ظل ممنوعا على المسئولين فى حكومة غزة أو فى حركتى حماس والجهاد أن يدخلوا بعض الاقطار العربية، وحين زار هؤلاء تونس والمغرب خلال الاسابيع الماضية مدعوين الى مؤتمرى الحزبين الحاكمين فى البلدين، فقد كانت تلك سابقة تحدث لأول مرة، فى حين أن السياح الإسرائيليين يترددون على شواطئ وملاهى البلدين طوال العقود الثلاثة الماضية.

التواطؤ قرائنه عديدة، وما تسرب من معلومات عن تنسيق امنى بين البلدين «شاهد ملك» على ذلك. وكان الاستاذ محمد حسنين هيكل من دعا صراحة الى وقف ذلك التنسيق الأمنى بين مصر واسرائيل، الذى لم يكن موجها ضد الفلسطينيين فحسب، ولكنه كان أهم مصدر للمعلومات المتعلقة بالعالم العربى، والكلام للاستاذ هيكل الذى اعلنه فى حوار تليفزيونى جرى بثه فى القاهرة على قناة الحياة بتاريخ 21/5 الماضى.

ولأن الملف الفلسطينى ظل أمنيا بالدرجة الأولى فى مصر، فإن اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات العامة طوال العشرين سنة التى خلت كان مهندس التنسيق مع الاسرائىليين. وقد سبق أن اشرت الى الشهادات الإسرائىلية التى تحدثت عن دوره فى اجتياح غزة وحصارها.


(2)

خلال السنوات الماضية، بل منذ عصر السادات الذى وقع معاهدة السلام مع اسرائيل جرى الترويج لأمرين، أولهما أن العدو هو ايران وليس اسرائىل، ،والثانى أن الفلسطينيين لا يضمرون خيرا لمصر، ويرغبون فى التمدد فى شبه جزيرة سيناء.

كنت افهم أن تلح اسرائيل على اقناع المصريين بأنه بعد معاهدة «السلام» فلم تعد لها مشكلة معهم، وأن مشكلتهم صارت مع إيران الشيعية والطامعة فى الخليج، لكننى لم افهم أن يردد الاعلام المصرى هذا الكلام رغم انه لا توجد مشكلة حقيقية بين مصر وإيران. ورغم ان المشكلة الحقيقية التى تهدد امن مصر القومى هى ما تمثله اسرائىل فى المنطقة، ولكن مقتضيات الشراكة والتواطؤ أيضا اقحمت مصر فى المعسكر المخاصم لإيران، حتى كانت القاهرة فى الثمانينيات مقرا لاثنتين من الاذاعات الموجهة ضد الثورة الإسلامية، وظلت مصر عضوا فى معسكر الخصومة مع ايران التى اقامت علاقات دبلوماسية مع جميع دول العالم، فى حين قاطعتها ثلاث دول فقط هى الولايات المتحدة واسرائيل ومصر! وفى حين اقامت دول الخليج جميعها علاقات دبلوماسية كاملة مع ايران التى يفترض انها طامعة فى اراضيها، فإن مصر لم يسمح لها بذلك رغم انه لا توجد ازمة اطماع لإيران فيها.

توتير العلاقة مع الفلسطينيين بعد معاهدة السلام لا تخلو من مفارقة، كأن المعاهدة حولت الاعداء الى اصدقاء والاشقاء إلى اعداء، وقد بات ميسورا على الافواج الاسرائىلية أن تزور مصر التى يدخلها الامريكيون بلا تأشيرة، أما دخول الفلسطينيين فهو بمثابة رحلة عذاب كثيرا ما تنتهى بالفشل وخيبة الامل، وما يحدث فى معبر رفح يجسد تلك المعاناة التى لا تفسر الا بكونها من اصداء الشراكة والتواطؤ مع الاسرائيليين التى لا علاقة لها باستحقاقات معاهدة السلام.

فى هذا السياق يروج البعض لشائعة رغبة الفلسطينيين فى التمدد فى سيناء، وهو ما يدهش النخبة الفلسطينية التى تعتبر أن الاسرائيليين هم من اطلقوا الشائعة وسعوا الى الترويج لها، وهو ما علق عليه الباحث والقيادى الفلسطينى عبدالقادر ياسين بقوله إن سيناء كانت تحت الاحتلال الاسرائيلى طوال عشرين عاما، ولو كانت لدى الفلسطينيين فكرة للتمدد فى اراضيها لكانت تلك فرصتهم التاريخية التى لاشك أن الاسرائىليين كانوا سيرحبون بها، لكنهم لم يفعلوها، وأضاف أن اهل غزة حين اجتازوا الحدود فى عام 2008 ودخلوا الى رفح والعريش، فإنهم لجأوا الى ذلك ضيقا بالحصار وسعيا لتوفير احتياجاتهم ولم يخطر على بالهم شىء اكثر من ذلك، بدليل انهم استوفوا حاجياتهم ثم عادوا ثانية الى القطاع.

لم يعد سرا أن بعض الابواق الاعلامية والجهات الامنية ضالعة فى حملة تشويه الفلسطينيين والايقاع بينهم وبين جماهير الشعب المصرى. فقد نشرت الصحف المصرية قبل اسابيع قليلة انه تم إلقاء القبض على 13 «إرهابيا» من حماس تسللوا الى مصر لإحداث اضطرابات فيها، وحقيقة الامر أن هولاء كانوا مجموعة من الفلسطينيين الذين انتهت مدة اقامتهم فى مصر، فقفلوا راجعين الى غزة، وعند منطقة كوبرى «الفردان» ألقى القبض عليهم، واودعوا احد السجون. وبعد 18 يوما اطلق سراحهم بعدما تبين انهم لا علاقة لهم بحماس وان بعضهم من أعضاء حركة فتح. وهو ما يثير أكثر من سؤال حول الهدف من تسريب الخبر بالصورة التى نشر بها واتهامهم بأنهم «إرهابيون» تماما كما تتحدث الصحف الاسرائىلية عن الفلسطينيين.

تتصل بذلك الشائعات غير البريئة التى تحدثت عن مساهمة عناصر من حماس فى التظاهرات التى انطلقت بعد الثورة واشتراكهم فى قتل بعض المتظاهرين وهى الاكذوبة التى اطلقها بعض مسئولى الامن للإيحاء بأن عناصر خارجية هى التى أشعلت الموقف وتسببت فى قتل المتظاهرين لتبرئة ساحة الشرطة وقناصتها.

كثيرة هى القرائن الدالة على تعميق الفجوة بين المصريين والفلسطينيين واشاعة ثقافة الحساسية ازاءهم والنفور منهم، لكى يصب ذلك فى صالح زيادة رصيد «الاصدقاء» الاسرائيليين.


(3)

معهم حق الاسرائيليون حين وصفوا الرئيس السابق بأنه «كنز استراتيجى» لهم. ذلك انه فى ظل معاهدة السلام ألحقت مصر بالقاطرة الاسرائيلية، ووقفت ضد المقاومة وتعاملت مع الفلسطينيين بدرجات مختلفة من الاستياء والنفور. وصارت فى نهاية المطاف ظهيرا للإسرائيليين بأكثر منها عونا للفلسطينيين. فى مقابل ذلك استعلى الإسرائيليون وضربوا بالمعاهدة وكل اتفاقات السلام عرض الحائط. وكان ذلك أوضح ما يكون فى أمرين هما:

* اندفعت إسرائيل منذ عام 2002 فى بناء سور الفصل العنصرى الذى يبتلع نحو 25٪ من أراضى الضفة الغربية. وسارعت فى تنفيذ المشروعات الاستيطانية حتى بلغ عدد المستوطنين فى الضفة ـ عدا شرقى القدس ـ نحو 343 ألف مستوطن. أما فى شرقى القدس فهناك 200 ألف مستوطن.

وحسب التقرير الاستراتيجى الفلسطينى لعام 2011 فإنه خلال ذلك العام وحده كانت هناك 3500 وحدة استيطانية فى طور البناء أو تحت التشييد، كما أقيمت 142 مستعمرة وبؤرة استيطانية فى الضفة الغربية. وسجل التقرير أنه خلال ذلك العام تم هدم 200 مسكن وتهديد أكثر من 500 مسكن آخر بالهدم فى الضفة الغربية. وبلغت مساحة الأراضى المعتدى عليها بالمصادرة نحو 11 ألف دونم إضافة إلى تجريف وحرق وتخريب ما يزيد على 2000 دونم أخرى، كما تم الإضرار بما يزيد على 20 ألف شجرة، 50٪ منها تم اقتلاعها أو حرقها بالكامل. إلى غير ذلك من التفاصيل التى ترسم صورة بشعة للعربدة ونهم الاستيطان والتهويد ومحو كل أثر للفلسطينيين على أرض بلادهم.

* أجهضت إسرائيل مشروع حل الدولتين الذى تم تخدير العرب به منذ عام 1988 حين أعلنت القيادة الفلسطينية انحيازها الاستراتيجى إلى جانبه. الأمر الذى يعنى نسف فكرة الدولة الفلسطينية التى مازالت تدغدغ مشاعر الجميع ويلوح بها فى مختلف المحافل الدولية. فى هذا المعنى نشرت مجلة «فورين بوليسى» عدد 12/7/2012 مقالا لها للبروفيسور ستيفن م.والت أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، دلل فيه على أن حلم الدولة الفلسطينية صار بعيد المنال ونقل عن عكيف إلدار المحرر الرئيسى لصحيفة هاآرتس قوله إن حل الدولتين فى أفضل أحواله أصبح فى غرفة الإنعاش، ومن غير المرجح أن يخرج منها يوما ما. كما نقل كلاما أكثر صراحة على لسان مساعد نتنياهو السابق مايكل فروند قال فيه «إن الخط الأخضر ـ حدود ما قبل 1968 التى يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية الموعودة، مات ودفن ولم يعد له أى معنى سياسى أو غيره». أضاف أن الشعب الإسرائيلى وجد فى يهودا والسامرة «الضفة الغربية» لكى يبقى. وعلق البرفيسور والت على ذلك بقوله إن ما يجرى الآن فى الأرض المحتلة هو تطهير عرقى. وبدلا من أن يتم طرد الفلسطينيين بالقوة على غرار ما جرى عام 1948، فالسياسة المتبعة الآن هى مواصلة الضغط على الفلسطينيين ليصبح استمرارهم مستحيلا فى بلادهم، الأمر الذى يضطرهم إلى المغادرة تدريجيا برضاهم.


(4)

لسنا فى وارد الحديث عن معاهدة السلام الآن. التى نعلم أن استمرارها يشكل محور وجوهر السياسة الأمريكية، فضلا عن أن فتح ذلك الملف يتطلب توافر شروط معينة فى موازين قوة أطراف المعاهدة، وتلك الشروط ليست متوفرة فى الوقت الراهن.

لكن دول الربيع العربى وفى مقدمتها مصر مطالبة بأن تنتهج سياسة تجاه إسرائيل مغايرة لتلك التى اتبعتها الأنظمة التى أسقطتها. فكرامتها الوطنية التى استردتها تفرض عليها أن تخرج من نادى الشراكة والتواطؤ مع إسرائيل ضد الفلسطينيين. كما أن تلك الدول مدعوة لأن تعيد النظر فى نهج التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم أشقاء لهم الحق فى الكرامة والاحترام. إلا أن الدكتور موسى أبومرزوق نائب رئيس المكتب السياسى لحركة حماس يذهب إلى أبعد، حيث يطالب دول الربيع العربى بوضع نظرية جديدة للتعامل مع إسرائيل بعد انهيار مشروع التسوية السياسية باعتراف الرئيس محمود عباس. وبعد إجهاض مشروع الدولتين كما اعترف بذلك الإسرائيليون. الأمر الذى يستدعى سحب المبادرة العربية التى أعلنتها القمة العربية فى بيروت عام 2002. وإذا أضفنا إلى ذلك سقوط فكرة محور الاعتدال الذى كان النظام المصرى السابق بمثابة الرافعة الأساسية له، فإن هذه الخلفية تستدعى إعادة النظر فيما تبقى من خيارات شريفة لمواجهة الاحتلال، تنتزع الحق وتحفظ الكرامة وتصحح أخطاء التاريخ.

جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 12 رمضان 1433
31 يوليو 2012

mohamed5175
01-08-2012, 11:46 AM
تتحدث التقارير الغربية عن جهود أمريكية تبذل لترتيب لقاء بين الرئيس محمد مرسى، والرئيس الإسرائيلى شمعون بيريز. وتعتبر تلك التقارير أن زيارة وزير الدفاع الأمريكى ليون بانيتا للقاهرة ولقاءاته التى تمت أمس بمثابة حلقة فى هذا السياق، وإن الزيارة السابقة لوزيرة الخارجية هيلارى كلينتون تناولت الموضوع ذاته. وليس هناك ما يؤيد تلك المعلومات، إلا أن المنطق لا يستبعدها، بل يؤيدها تماما. ذلك أن أى متابع للشأن السياسى لا يشك فى أن حرص واشنطن على استمرار التحالف مع مصر وتوثيق العلاقات بين القاهرة وتل أبيب يعد من ثوابت وبديهيات السياسة الخارجية الأمريكية. ودور واشنطن فى رعاية وضمان وتأمين العلاقات المصرية الإسرائيلية معلوم للكافة، حتى إن ما تقدمه الولايات المتحدة من مساعدات إلى مصر مشروط بالوفاء بالتزامات وتعهدات معاهدة السلام مع إسرائيل. لذلك فليس مفاجئا ولا غريبا أن تسعى واشنطن لترتيب لقاء بين الرئيسين المصرى والإسرائيلى، بعدما تلقت تأكيدات عدة فى زيارات سابقة من المسئولين المصريين بعد الثورة، ومن القيادات الإخوانية بالتزام مصر بمعاهدة السلام بين البلدين.



لم يشر أحد من المسئولين المصريين إلى مسألة اللقاء مع الرئيس الإسرائيلى. واكتفت صحفنا بالحديث عن الاجتماعات التى تمت مع المبعوثين الأمريكيين تناولت تطوير العلاقات بين البلدين، بل ان إحدى الصحف نقلت على لسان السيد بانيتا أمس قوله أن من بين أهداف زيارته للقاهرة حث القيادة المصرية على مواصلة التحول إلى الحكم المدنى الكامل. وهو أسخف ما قيل فى هذا الصدد، لأن الشواغل الأمريكية فى المنطقة أبعد ما تكون عن هذا الموضوع، إلا إذا كانت له صلة بتثبيت التحالف الثلاثى بين القاهرة وواشنطن وتل أبيب.



يؤيد ما تردد حول مساعى ترتيب اللقاء بين الرئيسين المصرى والإسرائيلى أن ثمة سباقا مشهودا خلال الأسابيع الأخيرة لاسترضاء إسرائيل وكسب أصوات اليهود بين مرشحى الرئاسة الأمريكية التى يقترب موعدها (فى نوفمبر القادم). وهو ما لمسناه فى اعتماد الرئيس أوباما أكثر من 40 مليون دولار مساعدات لإسرائيل، فى حين كان منافسه الجمهورى ميت رومنى يعلن فى تل أبيب تأييده لإسرائيل فى توجيه ضربة عسكرية لإيران لإجهاض مشروعها النووى، واعترافه بالقدس عاصمة للدولة. وفى هذا السياق فإن نجاح أوباما فى ترتيب لقاء بين الرئيسين المصرى والإسرائيلى يمكن أن يصبح إنجازا مهما لصالحه فى السياق الانتخابى.



لم يعد سرا أيضا أن ممثلى الإدارة الأمريكية لم يسرهم فوز الإسلاميين فى بعض أقطار الربيع العربى، وأكثر ما أقلقهم هو انعكاس ذلك الفوز على علاقات تلك الدول مع إسرائيل. ومثلما سارع المبعوثون إلى زيارة القاهرة لذلك الغرض. فإنهم قاموا بزيارات مماثلة إلى تونس والمغرب لذات الغرض. وفى حدود معلوماتى فإنهم فى تونس والرباط لوحوا بإمكانية مساهمة رأس المال الإسرائيلى فى إنعاش الوضع الاقتصادى المتأزم فى البلدين. والذى هو أكثر حدة فى تونس. أما فيما خص مصر فقد طمأنهم ما سمعوه عن استمرار التزامها بالمعاهدة، وهم الآن يحاولون دفع الأمور إلى أبعد، بحيث تتجاوز العلاقة حدود المعاهدة، لتغدو استمرارا للشراكة بين البلدين التى كانت قائمة فى ظل النظام السابق.



لا يشك أحد فى أن العلاقة مع إسرائيل بعد الثورة تعد ملفا شائكا واختيارا دقيقا، تتخلله العديد من الخطوط الحمراء، وهذه الخطوط تتضاعف حين يصبح على رأس الدولة مسئول ينتمى بالأساس إلى جماعة الإخوان، التى اشتركت فى الحرب ضد العصابات الإسرائيلية فى عام 1948، ولاتزال قواعدها وامتداداتها فى العالم العربى رافضة للمخططات الصهيونية فى الوقت الراهن. حتى أزعم أن ذلك الرفض يشكل أحد مصادر مشروعيتها السياسية.



إن الرئيس محمد مرسى ينبغى أن يرفض أى عرض أمريكى للقاء مع الرئيس الإسرائيلى ليس فقط باعتبار انتمائه الأصلى إلى جماعة الإخوان، بل أيضا لأنه لا يعقل أن يتغير النظام فى مصر وتسقط الجماهير سياساته، فى حين تظل العلاقة المهينة مع إسرائيل مصونة لا تمس. وقد سبق أن قلت إنه إذا كانت موازين القوى والالتزامات الدولية تفرض على مصر الثورة احترام معاهدة السلام مع إسرائيل، فليس فى المعاهدة ما يلزم مصر بالشراكة مع إسرائيل أو استمرار التواطؤ معها.



لكى يحتفظ الرئيس مرسى بسمت الثورة، وبشرعيته كأول رئيس منتخب بعد الثورة، فعليه أن ينأى بنفسه عن تلويث صفحته بلقاء رئيس إسرائيل، وليترك علاقات الضرورة التى تفرضها المعاهدة إلى وزارة الخارجية دون الأجهزة الأمنية. من ثم فإذا اقترح عليه اللقاء مع رئيس إسرائيل فعليه أن يختار بين استرضاء واشنطن وبين الوفاء للثورة وكسب ثقة الجماهير العربية والإسلامية. ولن تعدم وزارة الخارجية وسيلة للاعتذار فى هذه الحالة، وهو الاعتذار الذى أحسبه بمثابة فرض عين عليه، إذا تخلى عنه فإنه يعرضه لما لا يحبه ولما لا نحبه له.


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 13 رمضان 1433
1 اغسطس 2012

mohamed5175
02-08-2012, 11:22 AM
هذه رسالة موجعة تحرجت من نشرها، وعذبتنى فكرة حجبها، فهى تتحدث عن معاناة 239 معتقلا سياسيا فى المملكة السعودية. أما وجه الحرج فيتمثل فى أننى لا أعرف هوية هؤلاء الأشخاص أو حقيقة التهم الموجهة إليهم، أو طبيعة «الجهاد» الذى اشتركوا فيه أو فكروا فى دعمه، أما ما عذبنى فى الموضوع فهو أن الرسالة التى تضمنت أسماء المعتقلين الـ239 وأسماء أهاليهم الذين تولوا توجيهها (عددهم 511 من الأمهات والآباء والشقيقات والبنات والأبناء) شكت من الظلم الذى وقع على الجميع، وأرادت أن ترفع عاليا صوت المظلومين علَّ أحدا يحس بأحزانهم ويفعل شيئا لأجل التضامن معهم أو إغاثتهم.

ليس عندى أى دفاع عن أفعال أولئك المعتقلين أو أفكارهم. ولكنى أدافع عن إنسانيتهم ومظلوميتهم، وذلك وحده ما دفعنى إلى نشر خلاصة للرسالة التى تلقيتها فى بريدى الإلكترونى، وقد اقتطفت منها الفقرات التالية التى تدخلت فى صياغتها لداعى الاختصار:

نحن نساء بلاد الحرمين، أمهات وزوجات وبنات المعتقلين فى السجون السياسية بالمملكة نوجه هذا الخطاب بعدما حل بنا ظلم عظيم وسدت أمامنا السبل وأغلقت فى وجهنا كل الأبواب، إذ تعرض أبناؤنا لاعتقالات تعسفية، لمجرد أن منهم من سخر نفسه للجهاد أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر، أو جمع صدقة لمحتاج وأسير.

فى البداية وقبل حوالى عشر سنوات، كان يقبض على الرجل الذى يجاهد فى الخارج، ثم صاروا يقبضون على كل من له علاقة بمن يجاهد، ولو أن يكون زميله فى العمل، ثم صاروا يعتقلون كثيرا ممن ليس له تهمة، إلا تهما سخيفة نستحى من ذكرها، كنية الجهاد، ونية الدعم للجهاد، أو حتى اعتقال تحفظى.

ارتفعت أعداد المعتقلين كثيرا، حتى إنك قد لا ترى بيتا إلا فى أهله معتقل أو قريب له، فصار العدد قرابة الثلاثين ألفا، فمن يدخل السجن لا يدرى متى يخرج، لا محاكمة تجرى له ولا شرع يعرض عليه، وإن حوكم وانقضت محكوميته فلا يخرج، وهذا حال الأغلب من المعتقلين السياسيين. والأدهى والأمر أن طريقة الاعتقال هى باختطاف الشخص بدون سابق إنذار له أو لأهله، فإذا اختفى إنسان صالح متدين فى السعودية فالأصل أنه معتقل.

إذا دخل الشخص فى غياهب السجون، فإن أخباره تنقطع ويجهل حاله لأشهر تمتد فى بعضها لما فوق السنة، ويبدأون فى تعذيبه لأجل الاعتراف بما لم يقترب، أو بما عمل، فالتعذيب موجود وحاصل، وذلك بالضرب بالعصى، والتعليق، وبالشتم والقذف فى الأعراض، وبالتهديد بالعرض أيضا، وبالتجويع والتسهير، وغيرها من طرقهم الخبيثة، وهذا الشخص الأسير سواء اعترف أو لم يعترف حوكم أم لم يحاكم فإنه لا يكون بين الأحياء ولا بين الأموات، فى زنزانة بعيدة كل البعد عن الجو الخارجى، فلا يعلم أهو فى ليل أو نهار، صيف أم شتاء.

لقد صبرنا وصبرنا وتحملنا وتحملنا حتى تفجرت الدماء فى قلوبنا وتفتتت أكبادنا غيضا، فتجرعنا من الهوان علقمه ومن الذل أمرّه، ثم بدأنا نشكو ونطرق الأبواب التى يقال إنها مفتوحة وهى والله ليست بمفتوحة وإنما دونها ألف حاجب وعقبة، ورفعنا البرقيات، وبذلنا جاهنا، وبحثنا عن كل طريق، فذهبا للعلماء فمن نصرنا منهم سجنوه ووبخوه، ومن خاف تركوه ــ وكثير ما هم ــ بل إن بعض من تمسح بمسوح العلم والدين اتهمنا واتهم أسرانا بالغلط وبالخروج عن الطاعة، ونحن لا ندعى الكمال أو العصمة من الغلط، لكن حاكموا المخطئ وأفرجوا عن المظلوم، فتركناهم ولجأنا لله قبلهم وبعدهم.

حين بدأنا نتحرك سلميا بتجمعات نطالب فيها بحقوقنا، قوبلنا بالسجن والضرب حتى إننا نحن النساء اعتقلنا وحوربنا وأهينت كرامتنا، وتعرضنا للحبس والتحقيق دون وجود محارمنا والله المستعان.

فكنا نبذل كل ما نستطيع من أجل حل قضية أبنائنا المعتقلين فى سجون وزارة الداخلية، فمرارة أنك تعيش ولا تعلم متى يفرج عنه، لا يحس بها إلا قلب تفطر حبا وشوقا لحبيبه.

الرسالة تثير أكثر من نقطة جديرة بالملاحظة. فهى تعبر من ناحية عن جانب من حالة «الحراك» الذى تشهده المجتمعات العربية فى الوقت الراهن. فقد كسر الجميع حاجز الخوف، وما عادوا مستعدين للاكتفاء بالصمت وتجرع مرارة الظلم واختزانها. وساعدتهم ثورة الاتصال على رفع أصواتهم وتعميمها، الأمر الذى يشير إلى أن السكوت البادى على السطح يخفى تحته تفاعلات قوية ينبغى عدم تجاهلها. من ناحية ثانية، فإن الرسالة تشير إلى تنامى مؤشرات الضغوط الأمنية التى تضاعفت منذ أعلنت الإدارة الأمريكية قبل نحو عشرات سنوات عما سمى بالحرب على الإرهاب، وكان للسعودية نصيبها الأكبر من تلك الحرب بعدما تبين أن أغلب الذين اشتركوا فى أحداث سبتمبر الشهيرة كانوا من أبنائها. ولأجل تحسين صورتها فى العالم الخارجى مورست تلك الضغوط الأمر الذى كان من ضحاياه عدد غير قليل من الأبرياء.

الملاحظة الثالثة أن ذلك الحراك ليس مقصورا على المملكة العربية السعودية وحدها، ولكن له أصداؤه المكتومة فى عدة أقطار خليجية أخرى. خصوصا أن بعضها تحول إلى دول بوليسية يعانى فيها النشطاء والمثقفون مما يعانيه نظراؤهم فى السعودية.

الملاحظة الرابعة أنه إذا كانت انتهاكات حقوق الإنسان ومصادرة الحريات العامة باتت من الأمور الشائعة فى منطقة الخليج، إلا أنها أيضا تمثل الوجه المسكوت عليه فى الإعلام العربى الذى يمثل رأس المال الخليجى أحد أهم مصادر تمويله. لذلك أزعم أن الصورة الحقيقية للأوضاع فى تلك المنطقة ترى من خلال الفيس بوك وتويتر، فى حين أن الصورة المرئية فى وسائل الإعلام الأخرى أغلبها مصطنع ومغشوش. شكرا للذين مكنوا شعوبنا من أن تلتقط أنفاسها وتبث شكاواها وتنسج أحلامها فى الفضاء الإلكترونى.

جريدة الشروق المصرية
الخميس 14 رمضان 1433
2 اغسطس 2012

mohamed5175
04-08-2012, 12:01 PM
لا يعيب الحكومة الجديدة فى مصر أن تكون غالبيتها من «الخبراء»، حتى أزعم بأنها أفضل «منتج» فى الظروف الراهنة. ذلك أنه فى أعقاب سقوط نظام مبارك الذى دمر مؤسسات البلد وقواه السياسية، ولم يسلم من هيمنته على المجتمع التى استمرت ثلاثين عاما سوى جهاز الإدارة، فقد أصبح ذلك الجهاز الأخير هو الوعاء الأكثر أمانا لتشكيل حكومة ما بعد الثورة. وإذا قال قائل بأن فى مصر ثوارا ووطنيين كان ينبغى أن يكون لهم حضورهم فى الحكومة الجديدة، فلن أختلف معه.



لكن هؤلاء وهؤلاء لم يتحولوا بعد إلى قوى سياسية قادرة على أن تفرض نفسها على جهة القرار. إن شئت فقل إنها قوى جنينية لاتزال فى مرحلة التشكيل. وقد أثبتت الانتخابات أن القوى الحقيقية، التى لها حضورها التنظيمى والفاعل على الأرض هم الإخوان المسلمون والسلفيون، والأولون غير جاهزين لإدارة البلد والآخرون غير مقبولين من قطاعات واسعة فى المجتمع المصرى. وليس خافيا على أحد مدى اللغط الذى أثير جراء تمثيلهم فى مجلس الشعب والجمعية التأسيسية لوضع الدستور. لذلك أزعم أنه كان من الحكمة، بل من ضرورات الحفاظ على وحدة الجماعة الوطنية، ان يكون رئيس الوزراء من غير الإخوان وأن تشكل الحكومة من 35 وزيرا جاء خمسة منهم فقط من الإخوان، وليس فيها تمثيل للسلفيين. وذلك موقف متوازن إلى حد كبير. لأن تقليص تمثيل الإسلاميين إلى ذلك الحد الأدنى، عزز فكرة تقديمها بحسبانها حكومة خبراء بالدرجة الأولى. وليست حكومة إخوان أو إسلاميين ــ ورغم الفتور الذى قوبلت به تشكيلة الحكومة من جانب الناشطين السياسيين ووسائل الإعلام، فإن الأصداء السلبية كان يمكن أن تتضاعف لو جاء التشكيل معبرا عن توازنات القوى التى أفرزتها الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والتى وصلت فيها حصة الإسلاميين إلى حوالى 75٪ من مقاعد مجلس الشعب. ولتجنب ذلك الشرخ أصبح التكنوقراط هم الحل. وكأن ذلك أصبح شعار رئيس الوزراء الجديد، الذى حل محل الشعار الشهير «الإسلام هو الحل».



خلو التركيبة الحكومية من ممثلى الهويات السياسية، والاكتفاء فى تمثيل أغلبية الإسلاميين بالحد الأدنى يعد من إيجابيات الخطوة التى تمت. ولأن الحكومة لم تعلن برنامجا ولم نر لها أداء، فليس لنا أن نتناولها إلا من حيث الشكل فقط. الأمر الذى يسوغ لنا أن نسجل ملاحظاتنا فى تلك الحدود، وفى مقدمتها ما يلى:



• إن أغلب الوزراء جاءوا من داخل الجهاز الحكومى وليس من خارجه. الأمر الذى من شأنه أن يحدث نوعا من الاستقرار داخل مختلف الوزارات.



• إن تثبيت المشير محمد حسين طنطاوى وزيرا للدفاع بدا كافيا فى طمأنة القوات المسلحة إلى استقرار أوضاعها، بعد اللغط الذى أثير فى وسائل الإعلام حول دورها وأنشطتها الاقتصادية.



• إن تثبيت وزير الخارجية السيد محمد كامل عمرو فى منصبه يعد إشارة إلى ثبات توجهات السياسة الخارجية، وهو أمر مفهوم فى ظل إعطاء الأولوية فى الوقت الراهن لمتطلبات السياسة الداخلية، التى هى الأصل وتعد توجهات السياسة الخارجية انعكاسا له.



• بالمثل فإن تثبيت الدكتور ممتاز السعيد فى منصبه وزيرا للمالية يعد قبولا باستمرار السياسة التى كانت متبعة فى ظل حكومة الدكتور كمال الجنزورى. التى نجحت فى تجنيب البلاد الوقوع فى أزمات كثيرة.



• فهمت أن استياء الإخوان من الحملة الإعلامية الشرسة التى تستهدفهم منذ فوزهم فى الانتخابات وراء حرصهم على حمل حقيبة وزارة الإعلام. وهو ما وضع زميلنا الأستاذ صلاح عبدالمقصود الذى شغل المنصب فى موقف حرج، لأنه ليس بوسعه أن يفعل شيئا إزاء تلك المشكلة التى تخرج عن نطاق اختصاصه.



الملاحظة المهمة فى هذا السياق أن المجلس العسكرى ظل بعيدا طول الوقت عن مساعى تشكيل الحكومة، حتى أزعم أن العملية كلها تمت بالتفاهم بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، ولم يكن حزب الأغلبية بعيدا عن ذلك، الأمر الذى يعد قرينة على أن عملية نقل السلطة إلى المدنيين دخلت طور التنفيذ.



تستطيع أن تقول إن ذلك يمثل النصف الملآن من الكوب، الأمر الذى يثير أسئلة عدة حول طبيعة النصف الآخر. وهو ما يدعونا إلى التريث وانتظار الأداء، خصوصا أننا بإزاء فريق لم يختبر بعد، ولا أكاد أجد مبررا وطنيا أو أخلاقيا يرجو له الفشل الذى تمناه له البعض فى تسرع غير محمود، لأننى أزعم أن نجاحه هو نجاح للثورة ولنا جميعا.



جريدة الشروق المصرية
السبت 16 رمضان 1433
4 اغسطس 2012

طالبة الجنة
04-08-2012, 05:15 PM
مقال يطمئن فى وسط كل ما يمر بنا من أخبار وبرامج تليفزيونيه تعقد الامور أكثر مما تحللها

mohamed5175
05-08-2012, 11:23 AM
تعرضت الهند فى منتصف الأسبوع الماضى إلى انهيار شبكات توزيع الكهرباء.. أدى إلى انقطاع التيار عن 600 مليون شخص. هم نصف سكان البلاد، يعيشون فى 20 ولاية تتوزع على مناطق الشمال والشرق. وحين انقطع التيار الكهربائى شلت الحياة فى تلك الولايات. فتوقف 400 قطار عن الحركة وتعطلت إشارات المرور الأمر الذى أشاع الفوضى فى مختلف المدن. وترتب على انقطاع التيار تعطل الأجهزة الكهربائية وأجهزة الكمبيوتر. الأخطر من ذلك أنه أدى إلى توقف المصاعد فى منجم للفحم فى شرق البلاد، مما عرض نحو 200 عامل للاختناق، وتسارعت عملية إنقاذهم وتزويدهم بالماء والطعام. وحينما عم الظلام نصف الهند خرجت صحيفة «تايمز أوف إنديا» بعنوان عريض تصدر صفحتها الأولى يقول: بلا تيار وبلا أفكار. أما صحيفة «إيكونوميك تايمز » فكان كما يلى: أيتها القوة العظمى ارقدى بسلام.



أعلنت الحكومة الهندية عن فتح تحقيق لمعرفة أسباب انقطاع التيار، الذى سبب إحراجا شديدا للدولة. عبر عن ذلك اتحاد الصناعات الهندية الذى أصدر بيانا قال فيه إن انقطاع التيار أضر كثيرا بصورة الهند فى الخارج، باعتبارها دولة تحقق معدلات سريعة للنمو.



التيار الكهربائى تعطل مرتين خلال يومين واستمر ساعات طوالا. وقد سارع المسئولون إلى تفسير الأزمة باعتبارها ناشئة عن تجاوز بعض الولايات حصتها من الطاقة الأمر الذى أدى إلى انهيار شبكات الكهرباء التى هى بحاجة إلى تجديد فى الشمال والشرق والشمال الشرقى. ورغم أن لجنة التحقيق التى شكلت لتحرى حقيقة ما جرى لم تنته من عملها، فإن الصحف الهندية سارعت إلى توجيه اللوم إلى الحكومة واتهمتها بأنها غير راغبة من الناحية السياسية فى تطبيق الإصلاحات اللازمة لتحسين شبكة الكهرباء.



العراق يواجه المشكلة بشكل أكثر حدة. فانقطاع التيار الكهربائى ليومين متتاليين فى الهند اعتبر حادثا استثنائيا فى حين أن العكس هو الصحيح فى العراق التى أصبح استمرار التيار فيها ليومين بلا انقطاع هو الحدث الاستثنائى. ذلك أن الشكوى هناك شديدة من استمرار انقطاع التيار طوال أكثر أيام الأسبوع طوال العام، خصوصا أشهر الصيف القائظ. وإذ بدا مفهوما أن أزمة الكهرباء فى العراق جزء من الأزمة الكبرى التى واجهت البلاد بعد تدمير بنيتها التحتية أثناء حملة احتلال العراق. فما لم يكن مفهوما أن تستمر الأزمة طوال السنوات الثمانى الأخيرة فى حين تم إنفاق نحو 25 بليون دولار لإصلاح شبكات الكهرباء خلال تلك الفترة.



صحيفة الحياة اللندنية نشرت فى عدد الخميس 2/8 قائمة بأسوأ حالات انقطاع التيار الكهربائى فى العالم، كان من بينها ما وقع فى الولايات المتحدة عام 2003 حين استمر الانقطاع أربعة أيام، الأمر الذى ترتب عليه معاناة 50 مليون شخص من الإظلام فى ثمانى ولايات أمريكية.



وفى أونتاريو بكندا. حدث ذلك الانقطاع أيضا فى البرازيل وباراجواى سنة 2009، وعانى منه 50 مليون شخص فى الأولى وسبعة ملايين فى الثانية. تكرر الانقطاع فى ألمانيا عام 2006. وتسبب فى إظلام عانى منه عشرة ملايين شخص فى أنحاء أوروبا الغربية. وفى سويسرا تعطل خط الكهرباء عام 2003 مما تسبب فى انقطاع التيار عن 95٪ من إيطاليا، تاركا 55 مليون شخص بدون كهرباء لمدة 18 ساعة. وفى يناير من عام 2008 انهارت شبكات الكهرباء فى 17 مقاطعة بالصين بسبب العواصف مما أدى إلى انقطاع التيار عن 30 مليون شخص لمدة أسبوعين.



الوضع فى مصر التى عانت أخيرا من انقطاع التيار ليس شاذا إذن. حيث سرى عليها ما يسرى على دول أخرى فى أنحاء العالم، لكن الشاذ والمثير للانتباه أن الناس فى بلادنا يسارعون إلى إعلان الغضب ويعبرون عن ذلك بالخروج إلى الشوارع لقطع الطريق وتعطيل حركة النقل. الشاذ أيضا فى بلادنا أن المسئولين غالبا ما يلتزمون الصمت أمام حالات انقطاع التيار. وحين يعلو صوت أحد منهم نجده ينحو باللائمة على الناس ويطالبهم بترشيد استهلاكهم، دون أية إشارة إلى مسئولية الحكومة عن تجديد شبكات الكهرباء والعناية بصيانتها.



أفهم أن يؤدى انقطاع التيار إلى إثارة احتجاج الناس واستيائهم، لكننى لم أجد فيما قرأت عن الحالات المماثلة أن الاحتجاج دفع الناس إلى قطع الطرق وإضافة هم آخر إلى هم الإظلام. هل يكون الفرق بين السلوك عندنا وعندهم، أن المسئولين عندنا يلتزمون الصمت أو يبرئون أنفسهم باتهام الناس وتقريعهم، فى حين أنهم هناك ينتقدون أنفسهم أيضا ويعدون بعلاج قصورهم ـ يدعونى إلى ترجيح ذلك أن الناس عندنا ليسوا عدوانيين، لكن ثقتهم فى حكوماتهم هناك أفضل من ثقتنا.



إن خروج الغاضبين وتظاهرهم السلمى أمر محمود مادام فى حدود القانون، لكننى أخشى من ابتذال الفكرة حين يساء استخدامها، بما يكرر ابتذال المليونيات فى ميدان التحرير.


جريدة الشروق المصرية
الاحد 17 رمضان 1433
5 اغسطس 2012

mohamed5175
06-08-2012, 12:01 PM
ثمة جدل فى إسرائيل حول ضلوعها فى تسميم عرفات، أثاره التقرير الذى بثته قناة «الجزيرة» وأثبت أن إسرائيل أدخلت إلى طعامه مادة مشعة سامة من نوع «يولونيوم 210» أدت الى قتله فى نهاية المطاف. فقد قال أورى أفنيرى رئيس كتلة السلام الإسرائيلية إنه لم يفاجأ بالتقرير، وهو من سبق له أن قام بزيارة الرئيس الفلسطينى فى مقره، وخرج ليكتب مقالة تحت عنوان قتل «عرفات» (فى 21/9/2002) قال فيها إن أبوعمار مهدد بالموت فى أى لحظة، مشيرا إلى أن إرئيل شارون رئيس الوزراء آنذاك كان ينوى اغتيال عرفات منذ أعلن مسئوليته عن الانتفاضة، حيث أعلن صراحة أنه لم يعد لديه بوليصة تأمين على الحياة. وأضاف أن شارون حاول اغتيال عرفات 19 مرة خلال حرب لبنان، لكنه فشل. وقال آنذاك «إن شارون لا يريد طرد عرفات إلى غزة أو إلى أى مكان آخر فى العالم، لكنه يريد طرده من الدنيا، والآن تتيح له الظروف تنفيذ ذلك.

الخبير عوديت جرانوت الذى كان من الشخصيات الإسرائيلية التى التقت عرفات أثناء حصاره فى المقاطعة أعرب عن اقتناعه بأن إسرائيل هى التى قامت بتصفيته لكنه تساءل: ما الذى دفع الأرملة (يقصد سهى عرفات) إلى الانتظار طوال ثمانى سنوات لتستخرج بعد ذلك من خزينة محاميها ملابس عرفات فى المستشفى وتنقلها إلى الجزيرة لكى تجرى تحقيقها حول الموضوع، وهى التى كانت قد عارضت بكل حزم تشريح جثته بعد الوفاة مباشرة؟ توجه أيضا بسؤال آخر هو: على افتراض أن إسرائيل هى من أدخلت السم المشع إلى طعامه، فهل كان بوسعها أن تتدخل فى غذاء عرفات دون مساعدة من الدائرة المقربة منه؟ ــ وهو بهذا السؤال يلمح إلى تصريح صلاح البردويل القيادى فى حركة حماس الذى قال فيه إن ثمة أيادى فلسطينية ضالعة فى القتل.

بعد إعلان وفاة الرئيس الفلسطينى فى 11/11/2004 كتبت مقالة نشرتها الأهرام فى 1/12/2004 كان عنوانها «لا تغلقوا ملف عرفات». قلت فيها ما نصه: الذى لا يقل سوءا عن غياب عرفات، أن تطوى صفحته ويغلق ملفه، رغم ما أحاط بأسباب موته من غموض وشكوك.

قلت أيضا إن عناد عرفات وتمسكه ببعض الخطوط الحمراء فى الملف الفلسطينى أزعج الأمريكيين الذين عملوا على تقليص صلاحياته ودفع الإسرائيليين إلى التفكير فى التخلص منه، حتى قال بعض الحاخامات: لن نستطيع أن ننتظر طويلا حتى تتدخل الأقدار لحسم مصيره. وأضفت ما نصه «إنه ليس سرا أن أصوات التخلص من عرفات لقيت ارتياحا فى أوساط بعض القيادات الفلسطينية الطموحة، ومنها عناصر تحركت مبكرا لتهيئة المسرح للتعامل مع مرحلة ما بعد عرفات».

وقتذاك، اتصلت هاتفيا بعمان، وتحدثت إلى الدكتور أشرف الكردى الذى ظل طبيب عرفات ولازمه طوال 25 سنة، وهو طبيب أعصاب مرموق وكان وزيرا للصحة فى الأردن. وكان مما قاله لى: فى الأسبوع الثالث لمرضه استدعونى لعلاجه. وهو ما أثار دهشتى لأننى كنت استدعى على عجل خلال يوم أو اثنين. حين كان أبوعمار يشعر بأى توعك حتى إذا كان مجرد «زكام» حل به. حين ذهب إلى رام الله وجد حول أبوعمار أربعة أطباء مصريين وخمسة تونسيين كانوا يرونه لأول مرة. وهناك سمع منه بحضور الجميع شرحا مفصلا لما شعر به منذ بداية المرض. ولأنه أدرك أن الإمكانات المتوافرة فى رام الله لا تسمح بتشخيص الحالة وتقديم العلاج اللازم له، فإنه ناقش الأمر مع فريق الأطباء الموجودين، واتفق الجميع على ضرورة تسفيره إلى الخارج، وقد آثر أبوعمار أن يعالج فى فرنسا. ومنذ تم ترتيب الأمر له وغادرت طائرته عمان انقطعت علاقة طبيبه الدكتور الكردى به، وأصبح يتابع حالته من خلال ما تكتبه وسائل الإعلام.

أشرت فى المقالة إلى خلاصة مناقشة أجريتها حول الموضوع مع السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسى لحركة حماس. الذى كان قد تعرض لمحاولة تسميم إسرائيلية سابقة فى عمان، ولكنه نجا منها بأعجوبة. ونقلت عن أبوالوليد تأكيده على أن عرفات نقل إلى باريس مسموما، وأن ذلك تم عن طريق طعام قدم إليه. كما نقلت عنه دهشته من الردود التى تلقاها من قيادات السلطة الفلسطينية التى أجرى اتصالا بها، حيث كانت تلك الردود داعية إلى التهدئة وعدم التصعيد. لكى لا تفسد علاقة تلك القيادات مع رئيس الوزراء الإسرائيلى إرئيل شارون.

فى 7/12، بعد مضى عدة أيام على ظهور تلك المقالة. تساءل زميلنا الأستاذ صلاح منتصر فى عموده اليومى بالأهرام: لماذا تقتل إسرائيل ياسر عرفات وتستبق قدره للتخلص منه بالسم، كما ذكرت بعض تحليلات الكتاب؟ ــ كان واضحا أنه يرد على ما كتبت، حيث قال إن دوافع عاطفية حركتها أحزان الموت هى التى جعلت البعض يتحدثون عن فكرة تسميمه. وخلص إلى أن عرفات كان مريحا لشارون وأن وضعه كان نموذجيا ومثاليا له. ثم تساءل مستنكرا: كيف والوضع كذلك تتعجل إسرائيل وفاته وتتآمر لاغتياله بالسم أو غيره؟ وقد ثبت الآن انه هو من تعجل فى تبرئة شارون من تهمة الاغتيال.

لقد شاءت المقادير أن يظل عرفات شخصا مثيرا للجدل، حيا وميتا؟


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 18 رمضان 1433
6 اغسطس 2012

mohamed5175
07-08-2012, 11:59 AM
تشكيل الحكومة المصرية الجديدة يثير أكثر من سؤال حول وجهتها ومشروعها، الأمر الذى يحتاج إلى مناقشة ومراجعة، ذلك أن البدايات مهمة لا ريب، إلا أن المآلات أهم.


(1)

لقد رحبت بتشكيل الحكومة باعتبارها مولودا جديدا. رغم أننا لم نسمه ولم نعرف له ملامح بعد. وتمنيت أن تكون الخطوة قرينة على نقل السلطة من المجلس العسكرى إلى المدنيين. كما اعتبرتها بمثابة حكومة الحد الأدنى التى كانت الخبرة العنصر الأهم فى تشكيلها وليس الهوية السياسية. وإذ قدرت واحترمت تحفظات الإخوان والسلفيين وبعض ممثلى الجماعات السياسية على ما قلت، إلا أن أكثر ما أثار انتباهى فى أصداء تشكيل الحكومة ان أغلب المعلقين اهتموا بلونها بأكثر من اهتمامهم بدورها. أعنى أنهم شغلوا بحصة الإخوان والملتزمين دينيا ومن غاب ومن حضر فيها بأكثر مما شغلوا بمهمتها ومشروعها. الأمر الذى يعد كاشفا عن أحد أمراض البيئة السياسية الراهنة فى مصر، حيث القوى السياسية مشغولة بحضورها وأنصبتها بأكثر من انشغالها بهموم المجتمع وتحدياته الحقيقية. تشهد بذلك العناوين التى ما برحت تثير الصخب واللغط طوال الأشهر الماضية، والتى ظلت تجسد مشكلات المثقفين وصراعاتهم المنفصلة عن مشكلات الناس. أعنى المعارك التى أثيرت حول التعديلات الدستورية، والدستور أولا أم الانتخابات أولا، وحدود التوافق وشروطه، والدولة الدينية والمدنية، ونسب التمثيل فى تأسيسية وضع الدستور. كما يشهد به سيل الطعون القانونية التى لم تسلم منها أية خطوة أو إجراء اتخذ.

لقد قلت لمن سألنى إن تشكيل الحكومة يمثل نجاحا بدرجة «مقبول» فى اختبار تأسيس النظام الجديد، لكننا لن نستطيع أن نرفع من تقديرنا لها إلا إذا عرفنا إلى أين هى ذاهبة وماذا ستفعل. أضفت ان التشكيل الراهن إذا كان قد تجنب بصورة نسبية إغضاب الكتل السياسية، فأتى بوزراء أغلبهم من خارج السياسة، فان الحكومة ينبغى أن تسعى من خلال أدائها إلى استرضاء الناس وتهدئة خواطرهم، لان تلك مسئوليتها الحقيقية، فضلا عن ان مصيرها والحكم النهائى عليها مرهون بمدى وفائها باستحقاقات تلك المسئولية.


(2)

لو أن مبارك أراد أن ينقذ نظامه بعدما أدرك أنه آيل للسقوط، فربما فكر بدوره فى تشكيل حكومة كتلك التى اطلت علينا فى مصر أخيرا. أعنى أن يأتى بفريق من خارج السياسة أغلبه من الخبراء، ويطعمهم بعناصر من الإخوان، فيهدئ الشارع ويدغدغ مشاعر الاخيرين. وقد فعل اللواء عمر سليمان شيئا من ذلك، بعد تعيينه نائبا للرئيس. حين نظم جهاز أمن الدولة اجتماعا له مع بعض السياسيين وكان بينهم عدد من الإسلاميين والإخوان الذين يكن لهم الرجل بغضا شديدا. الاحتمال بعيد لان الرجل كان غارقا فى عالمه الخاص وواثقا من سيطرة الأجهزة الأمنية على كل شىء فى البلد، لكننى أطرحه من باب الجدل لكى أصل إلى سؤال آخر هو، ما الفرق فى هذه الحالة بين حكومة الخبراء المعدلة والمحسنة التى كان يمكن ان يأتى بها مبارك وبين الحكومة الجديدة التى أفرزتها الثورة؟ ــ ردى على السؤال ان الحكومة قد تتطابق حتما حيث الخبراء جاهزون للقيام بالواجب فى الحالتين، لكن الفرق الأساسى يتمثل فى مشروع كل من الحكومتين. إذ لابد أن يكون الفرق شاسعا بين حكومة خبراء فى نظام تابع ومستبد وفاسد، وحكومة مماثلة فى نظام يسعى للاستقلال ويقوم على أساس ديمقراطى فضلا عن أنه رافض للفساد ومتطهر منه. ثم ان هناك فرقا مهما بين نظام مهجوس بالاستمرار فى السلطة ونظام آخر يتولى الرئاسة فيه عضو سابق فى جماعة الإخوان التى تمثل مع إسلاميين آخرين أغلبية فى برلمانه المنتخب، حيث يفترض أن له رسالة تستند إلى مرجعيته الدينية.

مثل هذه الفروق ينبغى أن تكون واضحة ومحسومة فى برنامج وأداء الحكومة الجديدة. وقبل ذلك ينبغى أن تتحقق بذات الدرجة من الوضوح والحسم فى خطاب الرئيس محمد مرسى. فنحن لا نريد حكومة همها الاستمرار وموصوفة فقط بجودة الأداء ونظافة اليد، وملتحية كما قال البعض، ولكننا نريد حكومة تتمتع برؤية واعية لكرامة الوطن والمواطنين ومنحازة بوجه أخص إلى عافية الوطن وفقراء المواطنين.

فى الأول من شهر أغسطس الحالى نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا لمندوبها إلى القاهرة رود فوردلاند قال فيه ان حكومة الإخوان لم تتخذ أى خطوة إسلامية واحدة. إذ «لا يزال بيع واستهلاك الكحول مباحا، الأمر الذى كان يقلق المشتغلين بالسياحة. ولم يدع أحد من أركان الدوائر الحاكمة إلى فرض الحجاب أو حظر موسيقى البوب أو إعادة النظر فى اتفاقية السلام مع إسرائيل».

صاحبنا هذا لم ير فى الأداء الإسلامى سوى مجموعة من القيود والمحظورات فى الداخل، إلى جانب خوض مختلف المعارك فى الخارج، وهى ذات النظرة الاستشراقية التى يتبناها بعض المثقفين والسياسيين المصريين والعرب. الذين لم يروا فى خطاب الإسلاميين سوى أتفه وأتعس ما فيه. ومنهم من لا يريد ان يرى فضيلة أو بادرة نُضج فى ذلك الخطاب توحى بأن ثمة شيئا إيجابيا يمكن المراهنة عليه فى مجمل مشروعهم.

لست ألوم حسنى النية من هؤلاء، لكنى أزعم أن اللوم ينبغى أن يوجه إلى الذين لم يحسنوا تقديم مشروعهم. وأساءوا إليه حين اختزلوه أو ابتذلوه فى السعى لتغيير أشكال الناس وأزيائهم أو تطبيق الحدود ومراقبة سلوكيات الخلق، أو النضال لإحلال لافتة الخلافة محل عنوان الجمهورية أو الملكية...الخ.


(3)

انتقدنى أيضا بعض الإخوان حين قلت أخيرا إنهم ليسوا جاهزين لتولى مسئولية الحكم، وهو رأى ليس جديدا عبرت عنه أكثر من مرة. وعاتبنى بعض السلفيين لاننى قلت إنهم غير مقبولين من شرائح واسعة فى المجتمع، لانهم لم يحسنوا تقديم أنفسهم. وهم بحاجة إلى إعادة النظر فى الكثير من أفكارهم التى تصوغ علاقتهم بغيرهم. وحين شرحت وجهة نظرى فيما قلت، دعوت إلى الكف عن تبادل النقد ومحاولة الالتقاء حول أرضية مشتركة تجمع ولا تفرق، وتصل ما انقطع بين عناصر الجماعة الوطنية. وأزعم أن ذلك المشترك لم يتوفر بعد، وأذهب فى ذلك إلى أن مشروع «النهضة» الذى بذل فيه الإخوان الكثير من الجهد لا يلبى تلك الحاجة الملحة.

إذا جاز لى أن ألخص رأيى فى ذلك المشروع فإننى أوجزه فى أمرين جوهريين، الأول انه يفتقد إلى الخيال والابداع، بمعنى أنه فى أفضل أحواله يسعى إلى تحسين ما هو موجود واقتباس خبرات الآخرين، دون أن يبلور جديدا نابعا من بيئة المجتمع وعمقه، ومستلهما قيم المرجعية الإسلامية التى يستند إليها. ان شئت فقل انه يعتمد على الاقتباس والاستنساخ بأكثر مما يجتهد فى إبداع الأفكار والتجارب (كما هو الحاصل مثلا بالنسبة للخصخصة وتحرير التجارة وتشجيع الاستثمار الأجنبى). وذلك لا يعنى بأى حال القطيعة مع الآخرين، ولكنه يعنى الإفادة من الآخرين فى استنباط خبرات تنسجم مع الواقع وتعبر عنه.

تجسد المعنى الذى اتحدث عنه فكرة بنك الفقراء، التى نفذت فى بنجلاديش واستفادت من مشروع النظام المصرفى الذى هو خبرة غربية بامتياز، ولكنه وظفها لصالح إقراض الفقراء وتحفيز طاقاتهم الإنتاجية فى بلد فقير، ولم يوجهها لصالح الأثرياء والمستثمرين.

ملاحظتى الثانية على مشروع النهضة انه لم يوجه عناية كافية لقضية العدل الاجتماعى، التى لها فى المرجعية الإسلامية جذور قوية للغاية. فنصوص القرآن تعتبر المال مال الله، وان الناس مستخلفون فيه لأجل عمارة الكون، ثم إن للفقراء فيه حقا يتعين أداؤه، فى الوقت الذى يحظر فيه احتكار الأغنياء للثروة أو استئثارهم بها. إلى غير ذلك من المعانى الجليلة، التى لم نرها واضحة فى أفكار مشروع النهضة.


(4)

أزعم أن قضية العدالة الاجتماعية يمكن أن تشكل الأرضية المشتركة التى تحقق لنا هدفين كبيرين فى آن واحد. من ناحية لأنها محل إجماع وطنى من جانب مختلف القوى باختلاف مرجعياتهم الإسلامية والليبرالية واليسارية. من ناحية ثانية، فإن عائدها يصب فى صالح الأغلبية الساحقة من أبناء الوطن. والهدف الأول مهم والثانى أهم.

الزكاة مهمة لا ريب وهى تستر ملايين المعوزين، والأوقاف بذات الدرجة من الأهمية لانها ظلت إحدى الوسائل الفعالة فى تحقيق التنمية الاجتماعية فى التاريخ الإسلامى. لكن الضرائب التصاعدية فكرة مهمة فى الخبرة الغربية لها أسهامها فى تقريب الفجوة بين الأغنياء والفقراء. كما أن بنوك الفقراء إبداع جيد يمكن الافادة منه، والمشروعات التعاونية إبداع آخر حبذا لو جرى تعميمه وإحسان تطبيقه. كما أن الصناعات الصغيرة والصناعات التقليدية، والتصنيع الزراعى. هذه كلها فضاءات تشمل قطاعات عريضة من المجتمع. وتحريكها وتنشيطها من شأنه أن يضفى حيوية على خلايا المجتمع، ومن ثم يحوله إلى ورشة عمل واسعة تحرك ما يعتوره من بطالة وركود وتخلف.

ان القضية التى تستحق دراسة جادة من جانب أهل الخبرة والاختصاص هى كيف يمكن أن تتحول امكانيات المجتمع إلى فرص للتنمية؟ وكيف يمكن ان ننتقل من مجتمع المستهلكين الخاملين، إلى مجتمع المنتجين المثابرين. والتفكير فى الموضوع من هذه الزاوية يتطلب وعيا ورؤية وعزيمة مخلصة تسعى للنهوض بالوطن والمواطن. أما الحلول الجاهزة المستوردة ومشروعات تسليم المفتاح، فهى إذا لم تعبر عن الكسل العقلى والفقر فى الإبداع، فإنها تخدم مصالح فئات من المنتفعين، الذين لا يشغلهم الوطن أو المواطن فى شىء، ومصالحهم فوق كل شىء.

إن تفكيرا بهذه الطريقة هو أحد الفروق الأساسية بين حكومة الخبراء التى يشكلها مبارك وبين حكومة الخبراء التى تشكلت فى ظل الثورة.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 19 رمضان 1433
7 اغسطس 2012

mohamed5175
08-08-2012, 12:00 PM
ثمة اعتراف ينبغى تسجيله قبل أى تعليق على كارثة قتل الجنود والضباط الستة عشر فى رفح. إذ لا مفر من الإقرار بأن العملية بمثابة ضربة مدروسة جيدا سواء فى اختيار الهدف أو توقيت التنفيذ أو مستوى تدريب وتجهيز أفراد المجموعة الإرهابية التى ارتكبت الجريمة. من ناحية ثانية، فإن العملية أحدثت أثرها فى خلط الأوراق وإرباك الطرفين المصرى والفلسطينى حتى ألقت بظلال قوية على احتمالات التطور الايجابى الذى لاح فى الأفق على الصعيد الرسمى بين الطرفين. من ناحية ثالثة فإنها نجحت فى تأجيج وتعميق الوقيعة بين الشعبين المصرى والفلسطينى.



أسوأ ما حدث بعد صدمة الكارثة، أن أغلب المنابر الإعلامية المصرية تسرعت فى حكمها على ما جرى، قبل أن تتحقق من المعلومات الصحيحة من الفاعلين ومقاصدهم. آية ذلك مثلا أن بوابة «الأهرام» الإلكترونية ــ ذكرت فى أول خبر بثته عن الجريمة مساء الأحد 5/7 أن «خلية من غزة» قامت بها. وإذا كان ذلك مسلك مثير يفترض أنه يعبر عن جريدة رصينة ومحافظة، فلك أن تتصور مواقف المنابر الأخرى الأقل رصانة ومحافظة، ناهيك عن مواقع الخفة والإثارة. نعم كان بيان المجلس العسكرى أكثر صوابا حين ذكر لاحقا أن عناصر من غزة عاونت المنفذين (وهو تعبير دقيق ألمح إلى أن الذين قدموا من غزة كانوا مجرد معاونين بما يعنى أن المدبرين والفاعلين الأصليين من سيناء)، إلا أن تأثير ذلك البيان تبدد وسط حملة الانفعالات والمزايدات التى انطلقت بعد شيوع الخبر.



بعض السياسيين ومن يسمون بالخبراء تعاملوا مع الحدث بذات الدرجة من التسرع والخفة، وشاهدناهم فى البرامج التليفزيونية وهم يقطعون بأن غزة هى مصدر البلاء وحماس هى المشكلة. ومنهم من انتهزها فرصة لكى يكيد ويصفى حسابه مع صعود الإسلاميين فى مصر. فمن قائل بأنه شجع حماس على رفع سقف طموحاتها. وقائل بأن ذلك الصعود شكل مناخا مشجعا على التطرف والإرهاب، وقائل بأن ما حدث فى رفح هو حلقة فى مسلسل حوادث التطرف التى شهدتها مصر خلال الأسابيع والأشهر الماضية.



أيا كان الأمر فالشاهد أن الحادث أسهم فى تشويه الإدراك العام فى مصر، وهو ما لمسناه فى سيل التعليقات السلبية التى انهالت على تويتر والفيس بوك. بخلاف الأصوات المعبأة أصلا ضد الفلسطينيين وضد حماس. وهى التى انتهزت الفرصة لدفع معدلات الصراخ والعويل التى استهدفت إيغار الصدور وتعميق فجوة البغض والنفور.



الحادث يثير أكثر من قضية ويفتح أكثر من ملف، لكن الحيز المتاح لن يسمح لى اليوم بأكثر من الإشارة إلى نقطتين فى الموضع هما:



• أن الذين يكثفون هجومهم على غزة ويعتبرونها خطرا يهدد سيناء وأمن مصر القومى، ينسون أنها مسكونة بجماعات سلفية وجهادية وتكفيرية ظهرت خلال السنوات العشر الأخيرة بأعداد محدودة حقا، لكنها مطلقة السراح بسبب ضعف الوجود الأمنى المصرى، الذى فرضته اتفاقية السلام مع إسرائيل، وحددت أعداد الجنود المصريين وتحكمت فى مستوى تسليحهم ومدرعاتهم ومركباتهم. وقد قامت تلك الجماعات بعملياتها فى سيناء قبل وصول حماس إلى السلطة، وكانت كلها موجهة ضد الإسرائيليين وأنشطتهم هناك. أخص بالذكر التفجير الذى تم فى طابا عام 2004، وذلك الذى ضرب شرم الشيخ فى عام 2005 والثالث أصاب منطقة دهب فى عام 2006، علما بأن حماس تولت السلطة فى عام 2008. ولا يغيب عن البال أن عمليات تفجير خط الغاز إلى إسرائيل التى وصلت إلى 14 عملية لم يذكر أحد أن غزة أو حماس كانت لهما علاقة بها. وإنما ظلت تنسب دائما إلى عناصر فى سيناء. وما يلفت النظر فى كل ما سبق من عمليات انها كانت موجهة إلى إسرائيل بصورة أو أخرى، ولكن الجديد ــ بل والمريب ــ أن العملية الأخيرة كانت الوحيدة التى وجهت إلى عناصر من الجيش المصرى.



• النقطة الثانية أن الظروف التى وقع فى ظلها الحادث تستدعى إجراء تحقيق جاد لأن التقصير الأمنى والمعلوماتى واضح فيها. ذلك أن إسرائيل كانت قد حذرت من وقوع عمليات فى سيناء قبل ثلاثة أيام من الحادث، حتى سحبت سياحها من شواطئها. وحين يحدث ذلك فمن الطبيعى أن تستنفر النقاط الحدودية على الأقل، على صعيدى التأمين والاستطلاع. لكن الذى حدث كان مختلفا تماما. فقوة الحدود تصرفت باسترخاء وإهمال شديدين. وفى لحظة الإفطار نسى كل واحد منهم واجبه وانصرف الجميع إلى تناول الطعام، الأمر الذى سهل على المجموعة الإرهابية أن تباغتهم وأن توقع بينهم ذلك العدد الكبير من القتلى دون أن تلقى أية مقاومة. وهو ما دعا خبيرا عسكريا أعرفه إلى التحفظ على وصف ما جرى بأنه مذبحة وقال إن الوصف الدقيق له أنه مهزلة ــ غدا بإذن الله لنا كلام آخر فى الموضوع.


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 20 رمضان 1433
8 اغسطس 2012

mohamed5175
09-08-2012, 12:12 PM
يفيدنا ونحن نتدبر حادث قتل الستة عشر جنديا وضابطا مصريا فى رفح أن نطالع التعليقات الإسرائيلية على الحدث الكبير. ذلك انها تلقى أضواء كاشفة على الحدث، مختلفة عن الأصداء الغوغائية والمبتذلة التى باتت تحفل بها وسائل الإعلام المصرية المكتوبة والمرئية. من هذه التعليقات ما يلى:

لا يوجد أى دليل يربط غزة بما حدث فى رفح، وقادتنا معنيون فى حقيقة الأمر بالوقيعة بين مصر وغزة ــ آلون بن ديفيد معلق الشئون العسكرية فى القناة العاشرة الإسرائيلية، فى تعليق جرى بثه فى نشرة الساعة الثامنة مساء الأحد 5/7، الذى وقع فيه الحادث.

إسرائيل كانت لديها معلومات عن هجوم رفح قبل عدة أيام، وقد تم انذار المستوطنات المحيطة بها صحيفة هاآرتس ــ الأحد الماضى ــ للعلم أعلن أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قدم التهنئة إلى رئيس المخابرات يورام كوهين على توفيره المعلومات المسبقة عن عملية رفح.

إسرائيل هى الطرف الوحيد المستفيد مما جرى فى رفح، لذلك فمن المستحيل من الناحية العقلية ألا يكون لها يد فيما حدث ــ المعلق الاستراتيجى رامى ايدليس فى حديث بثته الإذاعة العبرية صباح الإثنين 6/7.

أفضل انجاز حققته عملية رفح انها قامت بتأليب الرأى العام المصرى على غزة ــ بنيامين بن اليعازر صديق مبارك الحميم والوزير السابق والنائب البرلمانى الحالى، فى مقابلة له مع إذاعة الجيش الإسرائىلى تم بثها فى الساعة الثامنة والربع من مساء الإثنين 6/7.

إسرائيل تمارس النفاق فى سياستها. ففى حين تطالب مصر بضبط الأمن فى سيناء إلا أنها ترفض إعادة النظر فى بعض بنود اتفاقية السلام (كامب ديفيد) ــ المستشرق الإسرائيلى يارون فريدمان فى تصريح له نشر على موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» مساء الإثنين الماضى.

هذه مقدمة تمهد الطريق للإجابة عن السؤال الذى بات ما يطرح فى أعقاب كل جريمة. لا يعرف الفاعل فيها أو الهدف منها، السؤال هو: من المستفيد وصاحب المصلحة فى ارتكاب الجريمة؟ ــ فى الحالة التى نحن بصددها تشير الأصابع إلى ثلاثة أطراف هى:

الجهاديون التكفيريون فى سيناء، الذين يبدو أن لهم حضورا فى أوساط بعض القبائل لم يكن فى الحسبان. وننسب إليهم عدة عمليات وقعت فى سيناء، كانت كلها موجهة ضد العدو الإسرائيلى. وذلك مفهوم وربما كان مبررا باعتبار أن إسرائيل دولة احتلال لا تكف عن ارتكاب الجرائم اليومية بحق الفلسطينيين. ولكن الأمر الذى يستعصى فهمه هو لماذا يوجهون سلاحهم إلى الجيش المصرى، ولأن ذلك لم يحدث من قبل، فإن حدوثه فى الوقت الراهن يصبح مستبعدا. لا يغيِّر من ذلك الاستنتاج ان بعضا من هؤلاء اشتبكوا مع الشرطة فى السابق أو هاجموا أحد مقارها، لأن للشرطة معهم ومع غيرهم من بدو سيناء «سوابق» سيئة دفعت بعض الشبان إلى تحين الفرصة للثأر من عناصرها ردا لإهانة أو تصفية لحساب، ذلك ان علاقات البدو بالجيش أفضل كثيرا من علاقتهم بالشرطة. يرجح كفة الاستبعاد ان لم يكن يحسمه ان الجماعة الجهادية فى سيناء أصدرت بيانا أعلنت فيه أنه لا علاقة لها بالجريمة.

حركة حماس فى غزة. وقوع الجريمة فى الوقت الراهن بوجه أخص يستبعد حمل حماس بها. وقد كان تعليق محرر الشئون العسكرية بالقناة العاشرة الإسرائيلية، الذى سبقت الإشارة إليه واعيا بهذه الحقيقة. ذلك ان الأجواء الايجابية فى علاقة حماس بالقاهرة التى تلوح الآن أفضل منها فى أى وقت مضى. إلى جانب ان وجود الإخوان كفاعل أساسى فى السلطة، أحيا الأمل فى امكانية تحسين علاقة حماس بالقاهرة. تجلى ذلك فى الاستقبال الرسمى الذى حظى به رئيس وزراء غزة السيد إسماعيل هنية فى القاهرة، والتقائه لأول مرة مع رئيس جمهورية مصر. وهى خطوة تمت وسط كلام كثير عن تيسيرات أفضل للفلسطينيين فى معبر رفح، وإسهام مصر فى حل مشكلة الطاقة فى غزة. وهى أجواء احتملت انتقال نائب رئيس المكتب السياسى لحركة حماس، الدكتور موسى أبومرزوق، من دمشق إلى القاهرة واتخاذها مقرا له. كما قبلت بإقامة أسرة الدكتور رمضان شلح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامى فى القاهرة بعد نزوحهم من دمشق، وان كان الدكتور رمضان نفسه لم يمنح حق الإقامة ويأتى إلى مصر زائرا بين الحين والآخر.

فى مثل هذه الأجواء هل يعقل أن تقوم حركة حماس بارتكاب جريمة قتل المصريين فى رفح أو المساعدة عليها بأى وجه؟ لو ان ذلك حدث فى عهد مبارك لفهمنا وان لم نوافق عليه، لأن الرجل والدائرة المحيطة به لم تحمل للفلسطينيين عموما وللمقاومة الإسلامية خصوصا أى مودة أو حسن ظن. لكننا لا نتصور أن تفعلها حماس لكى تجهض الأمل فى موقف الثورة الايجابى إزاءها بعد الثورة، لأن ذلك بمثابة انتحار سياسى لا أظن أن عاقلا يمكن أن يقبل به.

إذا استبعدنا الجهاديين التكفيريين، واستبعدنا أى دور لحماس فى العملية. فلم يبق سوى الطرف الإسرائيلى، الذى استهدفته التعليقات التى سبقت الإشارة إليها. لذلك لنا معه وقفة خاصة يوم السبت المقبل بإذن الله.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 21 رمضان 1433
9 اغسطس 2012

mohamed5175
11-08-2012, 12:09 PM
إذا كانت جريمة رفح لن تعود بأى نفع على جماعة السلفية الجهادية الذين نفوا صلتهم بالموضوع، وإذا كانت ستلحق أضرارا جسيمة بحركة حماس فى غزة، فهل يمكن أن تصبح إسرائيل المستفيد من العملية؟ ردى بملء الفهم هو: نعم هى المستفيد الأكبر. لماذا؟ عندى فى ذلك عدة أسباب هى:



ــ إنها بقتل الجنود المصريين تقطع الطريق على أى تحسن إيجابى فى العلاقة بين حكومة مصر وقطاع غزة. وهو الاحتمال الذى أشارت إليه قرائن عدة، تمثلت فى التقارب الفكرى المعروف بين حركة حماس وجماعة الإخوان، كما تمثلت فى الحديث عن تيسيرات للمرور عبر معبر رفح. ذلك غير الاستقبال الرسمى للسيد إسماعيل هنية رئيس وزراء حكومة غزة. وهو ما حدث لأول مرة، وكان محظورا فى ظل النظام السابق.



ــ من شأن ما جرى إحداث وقيعة بين المصريين والفلسطينيين، خصوصا أن ثمة خطابا إعلاميا وسياسيا مصريا دأب على إثارة الحساسية ضد الفلسطينيين والإيحاء بأن لهم تطلعات وأطماع فى سيناء.



ــ من شأنه أيضا الدفع باتجاه تشديد الإجراءات الأمنية فى سيناء وإحكام الحصار حول غزة، ومن ثم إحباط الجهود التى تبذل داعية إلى تخفيف ذلك الحصار وكسر الطوق الذى فرضه الاحتلال على القطاع.



ــ وقوع الحادث يعد قرينة تؤيد الادعاءات الإسرائيلية بضعف سيطرة مصر على سيناء، وكون الأخيرة أصبحت ملاذا «للإرهابيين»، الأمر الذى يراد له أن يصبح مبررا لتكثيف حضور القوات الدولية وزيادة أعداد المنتسبين إليها فى سيناء.



ــ ما جرى يمكن أن يكون ذريعة للضغط على النظام المصرى الجديد لكى يزداد تقاربا مع إسرائيل، بدعوى أن خطر «الإرهاب» يهدد البلدين وهو ما عبر عنه الرئيس الإسرائيلى شيمون بيريز فى تصريحات جرى بثها يوم الثلاثاء الماضى (7/8).



ــ إلى جانب ذلك فمن شأن الحادث أن يؤدى إلى إرباك النظام المصرى الجديد، وإبقائه أسير خطوط السياسة الخارجية التى كانت متبعة فى عهد النظام السابق، التى حصرت مصر فى بيت الطاعة الأمريكى وعمقت من حساسيته إزاء الفلسطينيين وخصومته لإيران.



لست أشك فى أن هذه الخلفية ــ أو بعضها على الأقل ــ كانت حاضرة فى ذهن المعلق الاستراتيجى الإسرائيلى رامى أيدليس التى أشرت إليها يوم الخميس الماضى (9/8)، والتى قال فيها إن إسرائيل هى الطرف الوحيد المستفيد من العملية ويستحيل من الناحية العقلية ألا تكون لها يد فيما حدث.



إذا كانت تلك أبرز الأسباب التى تقنعنا بأن لإسرائيل دورا فيما حدث، فإن ثمة شواهد وتفاصيل أخرى تؤيد ذلك الاحتمال. ذلك أنها كانت قد أعلنت قبل الحادث بثلاثة أيام عن احتمالات وقوع أعمال إرهابية. وطلبت من سياحها مغادرة سيناء على عجل. وقبل يوم من الحادث ذكرت مصادرها الأمنية أن سبعة من الفلسطينيين بصدد تنفيذ عملية ضدها. ونقلت أسماءهم إلى المخابرات المصرية، ثم سارعت إلى قتل اثنين منهم كانا يستقلان «موتوسيكل» فى غزة. وفى اليوم التالى مباشرة وقع الهجوم المريب على نقطة الحدود المصرية. وإذ اختطف الإرهابيون سيارتين وحاولا الاتجاه إلى معبر أبوسالم، فإن الطائرات الإسرائيلية من طراز إف 16 تصيدتهم وأجهزت عليهم. وتم ذلك خلال دقائق معدودة كأن تلك الطائرات كانت فى انتظارهم.



هذا السيناريو ليس ثمرة عبقرية إسرائيلية، ولكنه أقرب إلى التواطؤ المكتوم، الذى يسوغ لنا أن نقبل بفكرة الاختراق والتوجيه المخابراتى الإسرائيلى لبعض المجموعات فى سيناء ثم القضاء عليها بعد تنفيذ العملية لطمس دليل التآمر.



لقد وقع كثيرون من عناصر النخبة المصريين فى الفخ فسارعوا إلى صب جام غضبهم على الفلسطينيين فى غزة. الأمر الذى صرفهم عن الانتباه إلى تداعيات المشكلة الأساسية المتمثلة فى نقص السيادة المصرية على سيناء الذى فرضته نصوص معاهدة «السلام». وهو ما ترتب عليه ضعف الوجود المصرى هناك مما أشاع حالة من التسيب والانفلات جعلت المنطقة خارج السيطرة الأمنية. لذلك فإن الحل الجذرى للمشكلة يكون بالمطالبة بإعادة فرض السيادة المصرية على سيناء. بما يمكنها ضبط ذلك الانفلات ووضع حد لأنشطة أية جماعات إرهابية هناك. من ثم فإن النظر الصحيح للموضوع. والدرس الذى ينبغى تعلمه من الكارثة التى وقعت، يفرضان على عقلاء الوطن فى مصر أن يفوتوا على الإسرائيليين غرضهم، أو أغراضهم من العملية. وذلك يتأتى بفض الاشتباك البائس مع غزة، والمطالبة بتعديل اتفاق الترتيبات الأمنية، بحيث تستعيد مصر سيادتها على سيناء. ليس فقط لوضع حد لأنشطة الجماعات الإرهابية، ولكن أيضا لوضع حد أيضا للعبث والعربدة اللذين تمارسهما إسرائيل داخل الحدود المصرية.


جريدة الشروق المصرية
السبت 23 رمضان 1433
11 اغسطس 2012

mohamed5175
12-08-2012, 11:52 AM
أكلما اقترف فلسطينى ذنبا أو اشتبه فيه عوقب الجنس كله وحلَّت عليه اللعنة؟. قد أفهم أن يُصلب فرد تكفيرا عن ذنب شعب، لكنها المرة الأولى التى نرى الوضع فيها معكوسا، بحيث يُصلب شعب تكفيرا عن ذنب فرد أو بضعة أفراد. ولئن توقعنا ذلك من إسرائيل التى اغتصبت الأرض وبقى الشعب شوكة فى حلقها، ولذلك تمنت أن يختفى من على وجه البسيطة لتضفى الشرعية على جريمتها، إلا إننا لابد أن نعرب عن الدهشة حين تلجأ بعض الدول العربية إلى ذات الأسلوب، وإن اختلفت الدرجة، وهو ما يحدث فى مصر إلى عهد قريب على الأقل.

أقول هذا الكلام بعد الهجوم الغادر الذى استهدف نقطة حدودية مصرية فى رفح يوم الأحد الماضى 5/8، وأدى إلى مقتل 16 شخصا وإصابة 7، حسب البيانات الرسمية، وأشيع فى الساعات الأولى أن الذين قاموا بالعملية إرهابيون تسللوا من قطاع غزة. وتبنت الشائعة بعض الأبواق الإعلامية، الأمر الذى ترتب عليه اتخاذ مجموعة من الإجراءات التى استهدفت الفلسطينيين. إذ منعوا من دخول الأراضى المصرية، وأعيدوا من المطارات والموانئ إلى الجهات التى جاءوا منها. وفى ذات الوقت أغلق معبر رفح بالكامل، ولم يسمح لأحد بالخروج من القطاع أو الخروج منه. وإذا لاحظت أن هذه الأيام تصادف موسم رحلات العمرة التى تتزايد فى العشرة أيام الأخيرة من رمضان، كما انه موسم العطلات، فلك أن تتصور الكرب الذى حل بآلاف المعتمرين الذين لم يمكنوا من العودة إلى القطاع ونظائرهم الذين احتجزوا ولم يسمح لهم بأداء المناسك. ناهيك عن الخسائر التى منيت بها شركات السياحة، التى دفعت ملايين الدولارات، لحجز الفنادق وبطاقات السفر للمعتمرين. ثم لك أن تتصور موقف آلاف المرضى الراغبين فى العلاج بالخارج، أو العاملين والدارسين ومن أبناء القطاع الذين أرادوا قضاء رمضان والعيد مع أسرهم فى القطاع، ثم منعوا من المرور بمصر لكى يصلوا إلى أهاليهم. (لاحقا خفف القرار بحيث سمح للقادمين بدخول القطاع وظل حظر الخروج منه قائما).

المفاجأة أن ذلك العقاب الجماعى تم استنادا إلى الشائعة التى لم تثبت صحتها. وقد أدركت مصر أن المشكلة فى سيناء وليست فى غزة، بدليل أن طائراتها شنت هجوما شديدا على بعض المواقع فى سيناء، التى يشتبه فى ان تكون مصدرا لبؤر الإرهاب. فى حين لم نعرف أن أى إجراء اتخذ بحق أى طرف فى غزة، رغم ان حكومة القطاع رحبت ببذل أى جهد من جانبها للمساعدة على تتبع الجناة أو ضبطهم.

لا نريد أن نستبق التحقيقات التى مازالت جارية حتى الآن. لكن بوسعنا ان نقول باطمئنان إن الجهات الرسمية فى مصر تسرعت وأقدمت على اتخاذ الإجراءات القاسية، التى أضرت بمصالح آلاف الفلسطينيين، دون أن تتوافر لديها دلائل أكيدة تثبت ضلوع عناصر من القطاع فى الجريمة التى ارتكبت.

للأسف، فليست تلك هى المرة الأولى التى يتعرض فيها الفلسطينيون للعقاب الجماعى ــ الذى يحظره القانون الدولى ويدينه ــ جراء ما نسب إلى نفر منهم، ويتضاعف الأسف إذا علمنا أن ذلك العقاب الجماعى أصبح من التقاليد المستقرة ليست فى السلوك الإسرائيلى فحسب، وإنما فى الأداء السياسى المصرى أىضا. وهذا التحول فى السلوك المصرى بدأ فى عصر الرئيس الأسبق أنور السادات، بوجه أخص بعدما قتلت مجموعة فلسطينية السيد يوسف السباعى فى قبرص عام ١٩٨٧، حين ذهب إليها لحضور اجتماع لمنظمة التضامن الآسيوى الأفريقى. وكانت تلك رسالة موجهة إلى السادات بعدما وقع اتفاق السلام مع إسرائيل فى عام 1979. وقد رد السادات على ذلك بالانقلاب على الفلسطينيين فى مصر، والتضييق عليهم فى الإقامة والعمل والمرور، وبالغائه كل الميزات التى تمتع بها الفلسطينيون فى الجامعات والمعاهد، وانعكس ذلك الانقلاب على معاملة الفلسطينيين فى المطارات والمعابر، حيث اسيئت معاملتهم وتعمدت السلطات اهانتهم، ومع طول المدة وظهور جيل من الإعلاميين الساداتيين والمطبعين مع إسرائىل تفشت واستقرت ظاهرة «الفلسطينو فوبيا»، بمعنى النفور منهم والعداء لهم. وهى الظاهرة المستمرة إلى الآن فى بعض الأوساط.

نقطة التحول الثانية فى ذلك المنحنى تمثلت فى تولى حركة حماس السلطة فى غزة عام 2008، الأمر الذى ضاعف من مشاعر العداء، لذا لم يعد أهل القطاع فلسطينيين فقط وإنما صار أولو الأمر فيه من الحمساويين ذوى الجذور الإخوانية، أى أنهم ينتسبون إلى الخصم التقليدى لأجهزة الأمن المصرية ونظام مبارك، وهو الذى لم يقصر فى تحويلهم إلى مشجب علقت عليه مختلف الكوارث والبلايا، من كارثة كنيسة القديسيين فى الإسكندرية إلى حوادث القنص والقتل فى ميدان التحرير مرورا بفتح السجون والاعتداء على أقسام الشرطة.

لست أنسى ما قاله لى أحد الفلسطينيين ذات مرة من أنهم باتوا يتمنون أن يعاملوا فى مصر بمثل معاملة الإسرائيليين، وهو تعليق أشعرنى بالخزى والعار، حتى أزعم أن ثورة مصر ستظل منقوصة إذا لم تخرج من طور الفلسطينو فوبيا، لتعود إلى سابق عهدها حضنا للفلسطينيين وعونا لهم لا عونا عليهم.


جريدة الشروق المصرية
الاحد 24 رمضان 1433
12 اغسطس 2012

mohamed5175
13-08-2012, 11:32 AM
من أخبار أمس أن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو أجرى اتصالا هاتفيا مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كى مون لإقناعه بعدم حضور قمة عدم الانحياز فى طهران. وطبقا لما نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت فإن نتنياهو قال فى اتصاله الهاتفى إن ذهاب الأمين العام للامم المتحدة إلى طهران يضفى الشرعية على نظام يهدد السلام العالمى. لم تشر الصحيفة إلى رد السيد بان كى مون، لكننى أتصور ان أى مهتم بالسياسة سوف يعتبر كلام رئيس الوزراء الإسرائيلى مزحة سمجة، لأن الجميع يعرفون نتيجة استطلاع الرأى الذى قام به الاتحاد الأوروبى، والذى ذكرت الأغلبية فى نتائجه ان إسرائيل وليست إيران هى الأكثر تهديدا للسلام العالمى. ولكن السيد نتنياهو لا يراهن فقط على ضعف ذاكرة الأمين العام للأمم المتحدة، ولكنه يستخدم فى خطابه استقواء بلاده بالولايات المتحدة الذى جعلها تتحدى الإرادة الدولية بممارستها فى الأرض المحتلة، كما تتحدى أحكام محكمة العدل الدولية خصوصا فى قرارها بطلان إقامة السور العازل.



أحد الأسئلة التى تطرحها واقعة الاتصال الهاتفى ما يلى: هل تلقى الرئيس المصرى الدكتور محمد مرسى اتصالا مماثلا من نتنياهو؟.. معلوماتى أن مصر لم تعلن رسميا ان رئيسها لن يحضر المؤتمر، لكننى قرأت خبر امتناعه عن حضور المؤتمر فى الصحف الإسرائيلية والصحف السعودية التى تصدر فى لندن. وإذا نحينا جانبا دلالة تلك المصادفة، فإن السؤال يظل واردا، خصوصا ان مصر فى تعاملها مع الملف الإيرانى لاتزال فيما بدا حتى الآن ملتزمة بالاطار الذى ظل معمولا به فى عهد الرئيس السابق. الأمر الذى يدعونا إلى إعادة صياغة السؤال لكى يصبح على الوجه التالى: هل كان الرئيس المصرى بحاجة إلى اتصال من رئيس الوزراء الإسرائىلى أو غيره لكى يمتنع عن المشاركة فى قمة طهران؟



ليست لدىَّ معلومات فى هذه الجزئية تحديدا، لكننى أفهم أن الضغوط التى مورست على الرئيس المصرى لكى يقاطع قمة طهران لم تمارس من إسرائيل أو الولايات المتحدة، ولكنها كانت من الدول العربية من ناحية ومن المؤسسة العسكرية المصرية من ناحية ثانية. وليست بعيدة عن الذاكرة التصريحات التى أدلى بها الدكتور نبيل العربى حين تولى وزارة الخارجية، قبل انتخابه أمينا عاما للجامعة العربية، والتى دعا فيها إلى تصويب العلاقة مع إيران، بحيث يتم التطبيع بين القاهرة وطهران كما هو الحاصل مع بقية الدول العربية. ذلك ان تلك التصريحات أحدثت دويا شديدا فى منطقة الخليج بمجرد اطلاقها. واضطر الدكتور العربى حينذاك لأن يقوم بجولة خليجية لكى يشرح فيها وجهة نظره ويهدئ من خواطر القادة الخليجيين.



اتصالا بهذه النقطة فإن وزارة الخارجية المصرية كانت فى الماضى ومازالت فى الحاضر، منحازة إلى فكرة التطبيع مع طهران، ليس فقط لأن مـد الجسور مع الجميع فى الخارج يعد جزءا أساسيا من وظيفتها الطبيعية، ولكن أيضا لأن الدبلوماسية المصرية مدركة تماما لأهمية تعزيز العلاقات بين الدول المحورية الثلاث فى الشرق الأوسط، وهى مصر وتركيا وإيران. بقدر ما انها مدركة لحجم الخسائر التى تترتب على عدم التواصل بين اضلاع ذلك المثلث، والتى من شأنها إضعاف كل دولة على حدة، والتأثير سلبا على قضاياها المشتركة. ولم يعد سرا أن ثمة قوى إقليمية ودولية (إسرائيل والولايات المتحدة بوجه أخص) أشد حرصا على إحلال التقاطع محل التواصل بين اضلاع ذلك المثلث.



معلوماتى أيضا ان حذر المؤسسة العسكرية أكبر فى مسألة السياسة الخارجية، وانها فى ذلك أقرب إلى الالتزام بالخطوط المرسومة لمصر فى عهد النظام السابق، ولابد ان يلفت انتباهنا فى هذا الصدد ان التصريحات الإسرائيلية والتسريبات الأمريكية تتحدث بثقة واطمئنان أكثر عن تلك المؤسسة، وتعتبرها الطرف الأكثر تفهما لها وتعاونا معها.



لكن العنصر الأكثر حسما فى المشهد يتمثل فى عدم استقرار الجبهة الداخلية، الأمر الذى لا يشجع القيادة السياسية على فتح ملف السياسة الخارجية وتصويب ما يعتورها من عوج لا يستقيم استمراره فى ظل الثورة التى قامت دفاعا عن كرامة المواطنين وكرامة الوطن أيضا. الأمر الذى يستصحب ضرورة الانعتاق من معسكر التبعية واستعادة الاستقلال الوطنى. وهى النقلة التى لم تتحقق حتى الآن. وهو ما قد يفسر لنا اعتذار الرئيس المصرى عن عدم المشاركة فى قمة طهران دون أن يتلقى اتصالا هاتفيا من نتنياهو. ليس فقط لأنه لا يريد. ولكن لأنه فى ظل المعادلات الراهنة لا يستطيع.



لقد أصبحت العلاقة مع إيران أحد معايير استقلال القرار السياسى المصرى. الأمر الذى يسوغ لنا أن نقول إن قرار مصر تطبيع العلاقات مع طهران، سيكون إعلانا عن انعتاقها من أسر التبعية وانتقالها إلى فضاء الاستقلال المنشود.


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 25 رمضان 1433
13 اغسطس 2012

mohamed5175
14-08-2012, 12:10 PM
لا يزعجنا أن تتابع الزوابع على مصر خلال الأسبوع الأخير، لكن المزعج حقا أنها جميعا لا علاقة لها بالآمال المعلقة على الثورة وإنها بمثابة استدراج لنا لخوض معارك عدة على الجبهة الغلط.




(1)



خذ مثلا تداعيات جريمة قتل 16 ضابطا وجنديا مصريا فى رفح، التى أصابتنا من حيث لا نحتسب. فسمَّمت العلاقة بين مصر وقطاع غزة. وأفسدت المناخ الإيجابى الذى لاح فى الأفق بعد الثورة، الأمر الذى هيأ فرصة تصويب آثار التوتر الذى فرضه النظام السابق. إذ ما أن وقعت الواقعة حتى أشاعت بعض الأبواق فى مصر أن غزة لها صلة بالجريمة، رغم أن من الإسرائيليين ــ رونى دانئيل معلق الشئون العسكرية فى القناة الإسرائيلية الثانية وألون بن دافيد معلق الشئون العسكرية فى القناة العاشرة مثلا ـ من أكد أنه لا يوجد لدى إسرائيل أى دليل يربط بين غزة وبين ما جرى فى رفح.



شغلت الجريمة الرأى العام فى مصر، وأسهم الشحن الإعلامى المضاد فى تأليب الشعب المصرى على الفلسطينيين، وكانت هيئات التقدير الاستراتيجى فى إسرائيل والأجهزة الأمنية المعنية قد اعتبرت أن بروز تعاطف المصريين مع الفلسطينيين بعد الثورة من شأنه يقيد حرية إسرائيل فى القيام بأى عمليات عسكرية ضد قطاع غزة. وهو هاجس تراجع نسبيا بعد وقوع الجريمة وحملات التعبئة المضادة للفلسطينيين التى ترتبت عليها. ولا يقل أهمية عن ذلك أن وقوع الجريمة أربك السياسة الخارجية المصرية ووضعها فى موقف حرج. ذلك أنه وفر ظرفا قلص من قدرة القيادة الجديدة فى مصر على إعادة تقييم السياسة الخارجية وإعادة بلورتها على شكل مغاير لما كانت عليه فى ظل النظام السابق. وهو ما عبر عنه بشكل فج ودون مواربة وزير الخارجية الإسرائيلى أفيجدور ليبرمان حين قال إن مصر مطالبة بتعلم الدرس مما جرى فى رفح لمواجهة أعدائها الحقيقيين. وكان يقصد بإشارته المقاومة الفلسطينية فى غزة.



لقد سارعت إسرائيل إلى توظيف الجريمة من خلال ابتزاز الرئيس الأمريكى باراك أوباما. إذ شرع ديوان نتنياهو فى الاتصال بالقيادات الجمهورية والديمقراطية فى الكونجرس، لمطالبة الرئيس الأمريكى بالضغط على القيادة المصرية ومطالبتها بعدم إحداث أى تغيير على السياسة التى كانت متبعة فى ظل النظام السابق. خصوصا فيما تعلق بظروف الحصار والعلاقة مع حركة حماس أو حتى مع إيران. وكانت الرسالة واضحة فى أن المطلوب أن تظل السياسة الخارجية لنظام مبارك مستمرة بعد الثورة، بحيث تبقى أسيرة مربع «الاعتدال» المطلوب أمريكيا وإسرائيليا، ولا تتقدم بأى خطوة إلى الأمام.




(2)



خذ مثلا الضجة المثارة حول ما سُمى «بأخونة» الإعلام وتقييد حرية التعبير. والمشكلة الأولى أثيرت بمناسبة قرار مجلس الشورى تعيين 50 رئيس تحرير جديدا للصحف القومية، والثانية برزت بعد وقف بث إحدى القنوات الفضائية. وهما القضيتان اللتان احتلتا حيزا واسعا من التغطية والتعليق والضجيج فى مختلف وسائل الإعلام، فى حين أن الأولى فرقعة أخطأت الهدف، والثانية مجرد زوبعة فى فنجان.



بطبيعة الحال فإن المنطق المهنى لا يقبل أن يتولى مجلس الشورى تعيين رؤساء تحرير الصحف القومية أو غير القومية، كما أن أى عقل سياسى أو وطنى لا يقبل فكرة أخونة الإعلام. ولكن المشكلة الحقيقية لم تكن فى القرار الذى اتخذته اللجنة المختصة بمجلس الشورى بخصوص التعيينات، لكنها تكمن فى مبدأ اختصاص المجلس بهذه المهمة. وهو اختصاص نص عليه القانون، الذى اعتبر الصحف القومية مملوكة لذلك المجلس. الأمر الذى كان غطاء لسيطرة الحكومة والأجهزة الأمنية على الصحف القومية. لذلك فإنه حين طعن فى ممارسة مجلس الشورى لذلك الاختصاص، فإن المحكمة الإدارية العليا وتقرير هيئة المفوضين رفضا الطعن، لأن ممارسته تمت فى حدود التفويض القانونى. لذلك فإن الإعلاميين حين وجهوا سهامهم إلى مجلس الشورى فإنهم أخطأوا الهدف، لأن المشكلة فى القانون الذى خوله ذلك الاختصاص، وليست فى المجلس الذى باشره. وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن الضجيج الذى أثير شغل الناس بمعركة نخبوية مغلوطة.



مسألة الأخونة أيضا تبين أنها جزء من الكيد السياسى ولا أصل لها فى الواقع. فرؤساء التحرير الذين تم تغييرهم ينتمى أغلبهم إلى النظام السابق، بمعنى أنهم كانوا جزءا منه، وأن اختيارهم تم بتزكية من جهاز أمن الدولة، وقد ظل وجودهم محل قبول ورضا من جانب الذين أثاروا الضجيج وأطلقوا عاصفة النقد. صحيح أننى أستغرب الأسلوب الذى اتبع فى محاولة تغييرهم، حين وضعت معايير لاختيار بدائلهم وفتح الباب لترشح من توسم فى نفسه جدارة بشغل المنصب، وهو أمر غير مسبوق فى المهنة، إلا أن ذلك كان اجتهادا فى ممارسة الاختصاص بدا أقل سوءا من أن يتولى جهاز أمن الدولة ترشيح رؤساء التحرير. إلا أن ما يهمنى فى الشق المتعلق بالأخونة أن المرشحين جميعا ــ 241 صحفيا ــ لم يكن بينهم عضو فى جماعة الإخوان. وكانت النتيجة أن الخمسين الذين وقع عليهم الاختيار لم يكن أحد منهم عضوا فى الجماعة، بل إن منهم من نعرف أن لهم خصومة معها، ومنهم من كان زبونا فى القناة التى تم إغلاقها.



كما أن الثورة على مجلس الشورى كانت نموذجا للمعركة الغلط، فإن إلغاء تصريح القناة بدا نموذجا للإجراء الغلط، الذى لا علاقة له بحرية التعبير التى هى الآن أوسع منها فى أى عهد عرفته مصر فى تاريخها الحديث. ذلك أننى تمنيت أن تحاسب القناة أو غيرها من منابر الانفلات والتحريض الإعلاميين أمام القضاء وليس من خلال الأساليب البيروقراطية الملتوية (هيئة الاستثمار مثلا).



فى هذا الصدد ينبغى أن نعترف بتداخل الخطوط بين حرية التعبير وبين سب رموز الحكم الراهن والحط من هيبة الدولة، الأمر الذى وضعنا بإزاء حالة من الانفلات الإعلامى الفج، الذى سمح مثلا بوصف رئيس الجمهورية بأنه جبان وعميل للأمريكان، كما سمح لمحرر القناة المذكورة بالإعلان عن إهدار دم رئيس الجمهورية، إلى غير ذلك من المواقف والعناوين التى يستحى المرء من ذكرها وحفلت بها صحف الإثارة التى أدارت ظهرها للثورة وتفرغت للكيد السياسى وإشغال الناس بالمعارك الوهمية والمغشوشة.




(3)



خذ أيضا مشكلة انقطاع التيار الكهربائى التى عانى منها ملايين المصريين فى الأسبوع الماضى حتى أثارت غضبهم ونقمتهم، خصوصا حين تزامن ذلك مع موجة الحر وشهر الصيام. ليس لدينا ما يدل على أن ذلك كان متعمدا، وأغلب الظن أنه تم لأسباب أخرى اجتمعت مع بعضها البعض فى الآونة الأخيرة. منها ما تعلق بالتحميل الزائد وارتفاع معدلات الاستهلاك. ومنها ما تعلق بحوادث سرقة الكابلات التى قرأت أنها هددت بإشاعة الإظلام فى صعيد مصر كله. وربما منها أيضا ما تعلق بالنقص فى المازوت المستورد المطلوب لتشغيل بعض المحطات، أو بالحاجة إلى الصيانة والإحلال والتجديد... إلخ.



أيا كان السبب فالشاهد أننا فوجئنا أخيرا بمشكلة فُرضت علينا ولم تكن فى الحسبان. وقد قيل إن المشكلة كانت قائمة فى بعض المحافظات الأخرى التى لم يكن صوتها مسموعا، لكنها حين ضربت القاهرة الكبرى علا صوت الاحتجاج مدويا فى الفضاء المصرى، حيث تجاوز أثرها نكد البيوت والتسبب فى انقطاع المياه عن الطوابق العليا، وشمل تعطيل مترو الأنفاق وإيقاف تعاملات البورصة والبنوك.



ما يلفت النظر فى هذا الصدد أن السلطات المعنية التزمت الصمت إزاء ما يجرى، وباستثناء تصريحات مبتسرة صدرت عن بعض المسئولين ردا على أسئلة الإعلاميين، فإننا لم نجد مسئولا كبيرا يخرج على الناس ويشرح لهم الحقيقة بصراحة وشفافية، ويعطيهم أملا فى حل المشكلة فى أجل يحدده. أو على الأقل يحدد لهم ما يستطيع أن يفعله وما يتجاوز قدراته (النقص فى موارد العملة الصعبة مثلا الذى يعطل الاستيراد من الخارج).



قل مثل ذلك فى حوادث قطع الطرق، التى تفشت فى الآونة الأخيرة. بحيث أصبح بمقدور أى جماعة من الغاضبين لأى سبب أن يجتمعوا فيما بينهم ويقرروا قطع الطريق العام لإيصال صوتهم إلى الذين لا يسمعونه. ذلك غير الخارجين على القانون الذين باتوا يستسهلون قطع الطرق للاستيلاء على السيارات الفارهة أو على ما بحوزة العابرين. وهو ما أصبح يقلق كثيرين، خصوصا حيث يلاحظون أن الأمر لا يعالج بالجدية والحزم اللازمين. ومن الجدية أن يشعر الناس بأن لديهم وسائل أخرى لإيصال أصواتهم والاستماع إلى مشاكلهم. ومن الحزم أن تشدد عقوبة قطع الطرق إذا ما لزم الأمر، وأن تشترك القوات المسلحة فى تأمينها.




(4)



لا أريد أن أقلل من شأن هذه المشكلات، لكننى أرجو ألا نختلف على اعتبارها مشكلات صغرى وفرعية إذا قورنت بالتحديات الكبرى التى انطلقت الثورة لمواجهتها والنهوض بها. سواء تعلقت بالتنمية أو الحرية أو العدالة الاجتماعية. لذلك فأخشى ما أخشاه أن تستهلك المعارك الصغرى طاقتنا وتصرفنا عن خوض المعارك الكبرى. لا يقل عن ذلك سوءا أن يغرق الوطن فى الاستقطاب بين القوى السياسية، الأمر الذى يقوض الإجماع الوطنى ويشل القدرة على أى تقدم باتجاه تحقيق شىء من أهداف الثورة.



وإذ يتوجب علينا أن نتحلى بشجاعة ممارسة النقد الذاتى لتحديد مسئولية كل طرف عن الارتباك والخلل الماثلين، فإننا أيضا لا نستطيع أن نعفى النظام السابق من المسئولية عن تخريب وتدمير مؤسسات المجتمع وقواه الحية عبر ممارساته التى استمرت ثلاثين عاما. وهو ما أصابها بدرجات مختلفة من التشوّه والإعاقة. ولست أشك فى أن تلك الإعاقة تعد مصدرا أساسيا للحروب الأهلية الباردة المستعرة فى مصر منذ قامت الثورة، الأمر الذى غذى شهوة الاقتتال وكاد يبدد الأمل فى التوافق حول تحقيق حلم البناء والتقدم.



لقد بات الإنذار والتحذير واجبين، من أن الاقتتال الراهن لن يكون فيه منتصر ومهزوم، ولكن المحصلة التى قد تفاجئ الجميع أن الكل سيهزم فى نهاية المطاف، والوطن أولهم. وفى هذه الحالة لن نكون بحاجة إلى مؤامرة لإجهاض الثورة، لأن حروبنا الأهلية ستوفر للمتآمرين جهدهم وتحقق لهم مرادهم.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 26 رمضان 1433
14 اغسطس 2012

mohamed5175
15-08-2012, 11:56 AM
إذا كانت قرارات الرئيس محمد مرسى الأخيرة قد فاجأتنا فى مصر، فإنها صدمتهم فى إسرائىل. آية ذلك أن الإذاعة العبرية ذكرت صباح الاثنين 13/8 أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبلغ مقربيه بأن قرارات الرئىس المصرى التى أقال فيها أبرز قيادات المجلس العسكرى. تعد (فى النظر الإسرائيلى) أسوأ من خلع الرئيس السابق حسنى مبارك..



أضافت الإذاعة العبرية أن رئيس الوزراء الإسرائيلى أوقف النقاشات الجارية حول إيران فى الوقت الراهن، وتفرغ لدراسة الآثار المترتبة على قرارات الرئيس مرسى، وفى ذات الوقت فإنه طلب توصيات عاجلة بهذا الصدد من جانب أجهزة الاستخبارات والمستشرقين المختصين بالشئون العربية والمصرية. فى نفس اليوم أيضا قالت الإذاعة العبرية إن نتنياهو عبر عن يأسه وحنقه على الرئيس المصرى، وقال إنه فيما يبدو فإن رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان سيكون بمثابة «نكتة» إذا ما قورن بالرئيس مرسى، الذى تشير الدلائل إلى أن مصر فى عهده لن تتوقف عن تصدير المفاجآت الخطيرة ــ ومما أشارت إليه إذاعة الجيش الإسرائيلى يوم الاثنين أيضا ان نتنياهو حانق على وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون لأنها طمأنته بأن الرئيس مرسى لن يتدخل فى تصميم السياسة الخارجية، وانه سيتركها للعسكر، وهو ما تبين عدم دقته. ونشرت صحيفة «إسرائيل اليوم» على لسان الدبلوماسى والمستشرق الإسرائيلى بوعاز بسموت قوله إن قرارات مرسى الصاعقة أفقدت إسرائيل أوراقها المؤثرة فى صنع القرار المصرى. وبثت التلفزة الإسرائيلية الثانية صباح الاثنين تعليقا للخبير الإسرائيلى آمنون إبراموفيش قال فيها عن الرئيس مرسى، ان ذلك الرجل قصير القامة بحزمه وبروده سيحرق أعصاب قادتنا. وهم مجبرون على التأقلم مع الوضع الجديد فى مصر، الذى لا تعرف مفاجآته القادمة.



لا تحتاج هذه الشهادات إلى تعليق سوى فى نقطتين، الأولى انها تكذب إدعاءات بعض «الخبراء» المصريين الذين تسرعوا فى التعليق على قرارات الرئىس المصرى، وادعوا أنها تمت فى ضوء تفاهم إقليمى ودولى، بما يوحى بأنها مرتبة بين الرئاسة المصرية وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل. الثانية ــ التى هى الأهم ــ أن القرارات إذا كانت صدمت وأثارت الانزعاج فى إسرائيل إلى تلك الدرجة فذلك معناه أنها تمضى فى الاتجاه الصحيح، وأنها تخدم تأسيس النظام الجديد فى مصر الذى يسقط عار مرحلة «كنز إسرائيل الاستراتيجى».



الانطباع الأولى عن القرارات أنها استقبلت بارتياح مشهود، وأنها مفاجأة سارة حقا لا يعيبها سوى شىء واحد يتمثل فى الغموض الذى أحاط بملابساتها، الأمر الذى فتح الباب واسعا للتكهنات والاستنتاجات والشائعات أيضا، لكن آخرين أضافوا إلى الارتياح دعوة إلى الترقب والانتظار، ومنهم من قال لى إن القرارات من الجسامة بدرجة قد تفتح الأبواب لردود أفعال من جانب أصحاب المصلحة فى إفشال جهود الانتقال إلى الدولة الديمقراطية التى من أجلها قامت الثورة. ونبهنى أحدهم إلى أى القرارات وهى تحسم ذلك الانتقال المنشود فإنها تضع آخر مسمار فى نعش النظام السابق، الأمر الذى قد يستنفر كل فلوله لكى يخوضوا معركتهم الأخيرة بكل بما يملكون من نفوذ كامن وقدرات مالية وفيرة. جدير بالذكر فى هذا الصدد ان جريدة الوطن نشرت القرارات فى عددها الصادر صبيحة الاثنين 13 أغسطس تحت عنوان كبير باللون الأحمر وصف ما جرى بكلمتين هما «رسميا.. إخوانية». واعتبرت القرارات بمثابة خطوة «استباقية» لتظاهرة 24 أغسطس التى دعت إليها بعض العناصر المخاصمة للإخوان، ووصفت التظاهرة فى أحد عناوين الصحفة الأولى بأنها «ثورة 24».



الشاهد أننا رحبنا بالحدث ولكننا لم نفهم ملابساته. وإذا كان البعض قد تحدث عن القرارات بحسبانها خطوة استباقية لتظاهرة 24 أغسطس التى تسوقها بعض المنابر مدعية أنها «ثورة» فإن آخرين ربطوا بين توقيت صدورها وبين فاجعة قتل 16 ضابطا وجنديا فى رفح، وما اكتنف الحادث من تراخ جسيم كان ينبغى أن يحاسب أرفع المسئولين عنه. وأضاف البعض أن الحادث الذى جاء كاشفا عن التراخى والإهمال فجر العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس المجلس العسكرى، التى كان يشوبها بعض التوتر المكتوم جراء تنازع الاختصاص بين الرأسين. وذهبت إحدى الروايات إلى أن مشادة وقعت أخيرا بين الرئيس والمشير بسبب ذلك التنازع.



يظل ذلك الغموض إحدى الثغرات التى لم تنجح إدارة الرئيس مرسى فى علاجها، الأمر الذى يؤسس لفجوة بينها وبين الرأى العام الذى من حقه أن يفهم ومن واجب السلطة أن تخاطبه. لأن الناس بعد الثورة صاروا شركاء أصليين، بعدما فرض عليهم أن يعيشوا طويلا كمتفرجين وممتثلين. ذلك أن حقوق المواطنين ينبغى أن تختلف اختلافا جوهريا عن حظوظ الرعايا.

جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 27 رمضان 1433
15 اغسطس 2012

mohamed5175
16-08-2012, 12:06 PM
قصة القرارات المثيرة التى أصدرها الرئيس محمد مرسى يوم الأحد الماضى (12/8) لم ترو بعد. حتى أخشى أن تطوى صفحتها دون أن نعرف ملابساتها، مثلما حدث مع قصة الأيام الخمسة التى سبقت إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية وأثارت لغطا لا يزال البعض يلوك خباياه إلى الآن. وفى غيبة أية رواية رسمية لما جرى يوم الأحد. وإزاء تعدد الحكايات حول خلفية القرارات التى صدرت، لم يكن هناك مفر من بذل جهد خاص من جانبى سواء فى تحرى معلومات الحدث الكبير، أو فى قراءة دلالاته وتداعياته.

فى تحرير ما جرى، أزعم أن قرارات الرئيس مرسى كانت بمثابة انقلاب على انقلاب 17 يونيو، والأخير سعى إلى تكريس دولة العسكر وتشديد قبضة المجلس العسكرى على الوضع المستجد، مع إضعاف رئيس الجمهورية المنتخب. وهو ما يعد خطوة إلى الوراء، أما الانقلاب الناعم الذى رتبه الرئيس محمد مرسى فقد أنهى مشروع دولة العسكر، وأرسى الأساس المرجو لإقامة الدولة الديمقراطية المدنية التى لا وصاية لأحد عليها. ولذلك أزعم أنها بمثابة حركة تصحيحية أحدثت نقلة مهمة إلى الأمام.

لا يكفى أن نصف ما جرى بأنه انقلاب ناعم، لكننا لكى نوفيه حقه ينبغى أن نعترف أيضا أنه رتب بإحكام اتسم بالذكاء وحسن التدبير، وتم إخراجه بصورة مشرفة ورصينة، حتى بدا وكأنه إنجاز لجراحة خطيرة أجرتها أيد ماهرة. بمشرط ناعم حقق المراد بمنتهى الأمان والهدوء، دون أن تسيل قطرة دم واحدة.

حصيلة الجهد الذى بذلته فى التحقق تمثلت فى المعلومات التالية:

● إن رئيس الجمهورية أدرك أن المستهدف من الإعلان الدستورى الذى صدر فى 17 يونيو، ومن الخطوات التى اتخذت بعد ذلك التى كان على رأسها التسرع فى حل مجلس الشعب، وبدا من كل ذلك أن المطلوب إضعاف سلطة رئيس الجمهورية بحيث يصبح وجوده رمزيا، واستحواذ المجلس العسكرى على السلطة فى البلد.

● لم يقبل رئيس الجمهورية بذلك الوضع، وعبر عن ذلك حين أعلن منذ اللحظات الأولى لتوليه السلطة أنه سيمارس صلاحياته كاملة. الأمر الذى فتح الباب لصراع مكتوم بين الرئيس المنتخب ورئيس المجلس العسكرى الذى يستند إلى سلطة الأمر الواقع. ولأن الصراع ظل يدور تحت السطح فقد تصور كثيرون أن ثمة اتفاقا بين الطرفين على تقاسم السلطة فيما بينهما، فى حين أن الأمر لم يكن كذلك.

● أمضى الرئيس مرسى الأسابيع التى أعقبت توليه السلطة بعد حلفه اليمين فى 30 يونيو الماضى، فى محاولة تثبيت أقدامه والتعرف على موقعه الجديد الذى يعمل به 12 ألف موظف، وخلال تلك الفترة فسر صمته باعتباره ضعفا ورضاء بالوضع الذى فرض عليه، وهو ما شجع بعض الأبواق والمنابر الإعلامية على التطاول عليه والحط من شأنه. ولم ينتبه أحد إلى أن الرجل خلال تلك الفترة كان يعزز موقعه وينتظر اللحظة المناسبة لانتزاع كامل صلاحياته.

● عرفنا الآن أن المجلس العسكرى لم يكن على رأى واحد فى بعض القضايا، وان ثمة تباينات بين أعضائه، دفعت بعضا منهم إلى تقديم استقالته من المجلس، ودفعت آخرين إلى الإعلان عن عدم رضائه عن عدد من القرارات والسياسات المهمة التى اتبعت. وكانت العلاقة مع الرئيس محمد مرسى أحد الموضوعات الخلافية داخل المجلس. فمن الأعضاء من تفهم موقفه ودعا إلى احترام الإرادة الشعبية التى انتخبته، ومنهم من كان له رأى آخر. وكان الرئيس على دراية بذلك.

● كانت صدمة قتل 16 جنديا وضابطا فى رفح هى الكاشفة والقاصمة. إذ بدت دليلا على أن ثمة تراخيا من جانب القوات المسلحة صرفها عن مهمتها الأساسية. عندئذ وجد الدكتور مرسى ان الفرصة سنحت لتجديد شباب قيادة القوات المسلحة (المشير طنطاوى عمره 80 سنة)، وفى الوقت ذاته أدرك أنها لحظة مناسبة لحسم الوضع المعلق فى علاقته بقيادة المجلس العسكرى.

● صباح يوم الأحد كان الرئىس قد رتب أمره مع بعض المعنيين واتخذ قراره الأهم. إذ أقال وزير الدفاع ورئيس الأركان، وعين مدير المخابرات الحربية وزيرا للدفاع وقائد الجيش الثالث رئيسا للأركان. كما قرر ترفيع أربعة آخرين من أعضاء المجلس العسكرى. وبهدوء شديد استدعى وزير الدفاع الجديد لكى يحلف اليمين قبل إذاعة الخبر، وطلب منه التوجه على الفور لاستلام مهامه. ثم استدعى المشير طنطاوى والفريق عنان واللواء محمد نصر مدير الشئون المالية بالقوات المسلحة. وفى لقائه معهم أبلغهم الرئيس بقراره الذى فوجئوا به. وفى اللقاء سأله اللواء نصر عما إذا كانت الإقالة تشمله أيضا، فأبلغه الرئىس أنه باق فى منصبه وطلب منه أن يعرض عليه أمام المشير والفريق عنان موقف الأرصدة المالية للقوات المسلحة، فيما بدا أنه «إثبات حالة» تسليم وتسلم فى وجودهما.

● معلوماتى أن المشير تغير وجهه حين سمع قرار الرئىس وكذلك الفريق عنان، وفى حين أن الأول ظل على هدوئه، إلا أنه عبر عن استيائه بعد خروجه وسمع وهو يقول إنه لم يكن ينتظر ذلك، فإن الثانى التزم الصمت ولم يعلق بشىء. وكان الرئىس قد أحاطهما علما فى اللقاء بأنهما سيكرمان وسيعينان مستشارين له، بما يضمن لهما خروجا مشرفا ومطمئنا.

● فهمنا أن رئاسة الجمهورية والقيادات العسكرية الجديدة كانت فى حالة ترقب طوال الليلة الأولى التى أعقبت إعلان القرارات، تحسبا لأية ردود أفعال. وعندما طلع نهار اليوم التالى اطمأن الجميع إلى استقرار الموقف، ومن ثم عاد دولاب العمل إلى دورانه الطبيعى كسابق عهده.

ليست هذه هى كل القصة، لكننى أرجو أن تكون نهايتها.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 28 رمضان 1433
16 اغسطس 2012

mohamed5175
18-08-2012, 12:09 PM
أحد أشهر المصطلحات التى روجت لها وسائل الإعلام المصرية خلال الأسبوعين الأخيرين يتمثل فى كلمة «الأخونة»، التى تعنى هيمنة الإخوان على مفاصل الدولة المصرية، بعد انتقالهم من سجل المحظورين إلى صدارة قائمة المحظوظين. والذين يتابعون بث القنوات التليفزيونية الخاصة خلال تلك الفترة ربما لاحظوا أنها كانت أعلى الأصوات المحذرة من الأخونة. وقد اتيح لى أن أتابع أحد البرامج الحوارية مساء الأحد الماضى، (اليوم الذى أصدر فيه الرئيس محمد مرسى قراراته بإقالة وزير الدفاع ورئيس الأركان) ووجدت أن مقدمة البرنامج فقدت أعصابها وظلت تصرخ طول الوقت منددة بخطر الأخونة الذى لم تر غيره فى الأفق المصرى، ولاحظت أنها استضافت بعض الخصوم الذين شاركوا فى الصياح، حتى تحولت السهرة إلى «مندبة» نعت إلى جمهور المشاهدين نهاية الدولة المصرية واستسلامها لجحافل المغول الجدد، الذين اجتاحوا حصونها وغزوا ثغورها، ومن ثم ملأوا فضاءها وأمسكوا بخناقها، فقهروها وأمسكوا بزمامها.



فى اليوم التالى مباشرة (17/8) خرجت علينا إحدى الصحف المملوكة لبعض رجال الأعمال بعنوان رئيسى (مانشيت بلون أحمر زاعق) ردد صيحة التحذير التى اختزلتها فى كلمتين هما: رسميا.. إخوانية. بما يعنى أن الرئيس محمد مرسى حين أنهى بقراراته الدور السياسى للقوات المسلحة، فإنه بذلك يكون قد سلم مصر إلى الإخوان المسلمين الذين ينتمى إليهم.



لم يكن الأمر محصورا فى مذيعة متشنجة وجريدة مخاصمة، لأن ما صدر عن الاثنين كان جزءا من ظاهرة فرضت نفسها على الساحة المصرية. أو قل إنها تظاهرة اشترك فيها حشد من الإعلاميين والمثقفين والسياسيين، الذين ما برحوا يرددون صيحة التحذير وهتافات التنديد، الأمر الذى يستدعى ملاحظة وسؤالا أوجزها فيما يلى:



•الملاحظة أن التظاهرة إعلامية ونخبوية وقاهرية فى حقيقة الأمر. وهى تجسد حالة الانفصال بين معارك النخبة التى تتصدر الواجهات وبين هموم الناس ومشاكلهم الحياتية. آية ذلك أنه فى الوقت الذى لم يكف فيه إخواننا هؤلاء عن الصياح محذرين من الأخونة، فإن ملايين المصريين كانوا مشغولين بانقطاع التيار الكهربائى وتوفير أنابيب البوتاجاز، وقلقين من اتساع نطاق البلطجة وقطع الطرق فى أنحاء البلاد.



•السؤال الذى يثار فى هذا السياق هو: هل «الأخونة» حاصلة فعلا فى مؤسسات الدولة المصرية؟ إذا حاولنا الإجابة ودققنا جيدا فى مشهد الإقالات التى تمت وأطلقت صيحة التحذير، سنجد أن الذين تم تعيينهم أو ترفيعهم ليست لهم أية صلة بالإخوان، وان كل ما حدث أن رئيس الجمهورية المنتخب والمنتمى أصلا إلى جماعة الإخوان هو الذى اختارهم، وأن الأشخاص الذين وقع عليهم الاختيار مشهود لهم بالكفاءة وحسن السمعة. وهو ما يذكرنا بما حدث فى تغيير القيادات الصحفية الذى وصف بأنه من قبيل الأخونة، ثم تبين أن من بين الخمسين رئيس تحرير الذين وقع عليهم الاختيار ليس بينهم واحد عضو فى جماعة الإخوان، بل ومعروف عن بعضهم انهم من معارضيهم. الأمر الذى يعنى أن الشبهة جاءت من ان مجلس الشورى الذى يحظى الإسلاميون بالأغلبية فيه، هو الذى باشر العملية الأمر ذاته حاصل فى الحكومة التى رأسها رجل ليس محسوبا على الإخوان، ولم يشارك فيها سوى خمسة منهم من بين 35 وزيرا ضمتهم الحكومة.



الخلاصة انه حتى الآن فإننا لا نكاد نجد مرفقا أو مؤسسة عامة خضعت للهيمنة بما يمكن يوصف بأنه «أخونة»، بمعنى السيطرة على المفاصل والمواقع الأساسية. ولا تفوقتنا فى هذا الصدد ملاحظة ان ثمة مساحات لم يتواجد فيها الإخوان بعد، وتم إقصاؤهم منها تاريخيا، مثل السفراء والمحافظين ورؤساء المدن ورؤساء الجامعات فضلا عن الجيش والشرطة بطبيعة الحال.



إن التدقيق فى خرائط الواقع يقودنا إلى حقيقة مغايرة لما يروج له البعض، وهى أن أخونة أجهزة الدولة بمعناها الاصطلاحى واللغوى هى قنبلة تخويف بأكثر منها تصوير للواقع. صحيح ان وجود الإخوان وآخرين من السلفيين فى المجالس والنقابات المنتخبة حاصل. وانهم أصبحوا يشكلون أغلبية فيها، لكن ذلك أمر لا حيلة لأحد فيه. لأنه قرار المجتمع وليس قرار السلطة. من ثم فهو مما يحسب على العملية الديمقراطية وليس على السلطة القائمة.



إن هيمنة فصيل واحد على مؤسسات الدولة المصرية مرفوضة نظريا. وغير ممكنة عمليا. هى مرفوضة لأن مصر أكبر من أى فصيل ولا يقبل عاقل أن يصبغها بلون واحد. كما كان الحاصل فى الدول الشيوعية، والمطبق فى الدول المستبدة (حالة حكم البعث فى سوريا وتجربة الحزب الوطنى فى مصر). وفى ظل أى انحياز حقيقى إلى الديمقراطية فإن فكرة اللون الواحد تصبح غير واردة. وهى غير ممكنة عمليا لأن الشعب الذى استرد وعيه وأسقط حكم مبارك بكل جبروته لن يقبل باحتكار فصيل واحد لمقدراته. وإذا تصور أى أحد أن ذلك ممكن الحدوث فى مصر فهو إما غير مدرك لحقيقة التحول الذى وقع فى البلد أو أنه واهم يعيش فى خيالاته وتمنياته.



لماذا تثار الضجة حول حكاية الأخونة إذن؟ ــ غدا نحاول الإجابة بإذن الله.

جريدة الشروق المصرية
السبت 30 رمضان 1433
18 اغسطس 2012

mohamed5175
19-08-2012, 02:39 PM
عن الأخونة ما زلنا نتحدث، رغم أنه ليس فى معطيات الواقع أنها تحققت فى أجهزة الدولة ومؤسساتها، بما يعنى أنه لا دليل على سيطرة الإخوان على مفاصلها ومواقعها الأساسية كما تقول الشائعة الرائجة. وكل الذى حصل ان إخوانيا فاز برئاسة الجمهورية، واختار نائبا له ورئيسا للحكومة من غير الإخوان. ولا أجد غضاضة ولا غرابة فى أن يختار الرئيس بعض أعضاء مكتبه كفاءات من الإخوان الذين كانوا فى حملته الانتخابية. علما بأن رئيس ديوانه اختاره من غير ا لإخوان ــ لماذا الضجة إذن؟

أمس فرقت بين أغلبية من الإسلاميين والإخوان فى مقدمتهم تم انتخابهم فى المجلسين النيابيين والنقابات المهنية، الأمر الذى يحسب على التجربة الديمقراطية، وبين وجود للإخوان فى بعض مواقع السلطة التنفيذية، شأنهم فى ذلك شأن بقية مناصب الجماعة الوطنية. علما بأننى لا أجد شذوذا فى ان يفوز الإسلاميون بالأغلبية فى المجالس النيابية والشعبية المنتخبة فى بلد مسلم بالأساس. لكنى أفهم فى الوقت ذاته ان يقوم الاختيار فى مؤسسات الدولة الرسمية على معيار واحد يخضع له جميع المواطنين وهو الكفاءة، التى ينبغى أن تتقدم على الهوية السياسية أو الدينية.

(إذا حاولنا ان نضع ما حدث فى اطاره الصحيح سنجد ان الثورة صوَّبت الوضع المختل من خلال الممارسة الديمقراطية، فتم رفع الحظر عن الإخوان واكتسبوا شرعية قانونية ففازوا بالأغلبية مع غيرهم من الإسلاميين فى الانتخابات النيابية. الأمر الذى وفر لهم حضورا قويا فى البرلمان. وهذه الشرعية التى اكتسبوها وفرت لهم تمثيلا رمزيا فى الحكومة، ثم انتهى الأمر بانتخاب واحد منهم رئيسا لمصر. وهو ما أزعج الدوائر والعناصر التى استأثرت بالحضور والتمثيل واحتكرت المنابر والصدارات طوال العقود التى خلت. خصوصا بعد ثورة 1952. فى البدء صدمتهم نتائج الاستفتاء الذى تم على التعديلات الدستورية، ثم فاجأتهم نتائح الانتخابات النيابية التى جاءت قريبة من نتائج الاستفتاء. وجاءت نتائج الانتخابات الرئاسية لتكتمل بها دائرة الانزعاج والقلق، فتعالت الأصوات منددة بما وصف انه زحف الإخوان على السلطة ومحذرة من أخونة الدولة، الأمر الذى أثار خليطا من مشاعر الخوف والترويع.

بين الخائفين والساخطين أفرق بين فئتين: أناس اختلفوا مع مشروع الإخوان وآخرون ساخطون على وجودهم من الأساس. والأولون يمارسون حقا ينبغى احترامه وخلافهم يمكن الافادة منه. أما الآخرون فإن موقفهم يوصف عند الحد الأدنى بأنه استئصالى وغير ديمقراطى وغير حضارى.

إننا إذا دققنا النظر فى جذور المسألة سنجد أن الدولة الوطنية فى مصر وفى عدة أقطار عربية أخرى تسلمت قيادتها بعد الاستقلال شرائح كانت خليطا من أطياف العلمانيين والليبراليين الذين ظل استنساخ التجربة الغربية هدفهم الأسمى. ساعد على ذلك تراجع رصيد الخلافة العثمانية فى بداية القرن العشرين وهزيمتها فى الحرب العالمية الأولى، الأمر الذى أسهم فى تكريس الانجذاب نحو النموذج الغربى. وكانت تركيا ذاتها حالة قصوى فى هذا الصدد. إذ أعلنت فيها الجمهورية فى عشرينيات القرن الماضى، وتبنى الكماليون الذين تسلموا السلطة موقفا معاديا تماما لكل ما انتسب إلى الهوية الإسلامية، من الخلافة إلى حروف اللغة إلى أغطية الرأس ورفع الأذان للصلوات. الشاهد ان الفئات التى هيمنت على السلطة بعد الاستقلال تشبثت بها وفرخت أجيالا احتلت مختلف المنابر والواجهات فى المجتمع. وحين طال العهد بهم فى مواقعهم تلك، فإنهم اعتبروا أنفسهم أصلا وغيرهم استثناء، ومن ثم استقبلوا بمشاعر الدهشة والاستنكار صعود التيارات التى مثلت المجتمع وعبرت عن موروثه الحضارى. وهو ما وضعنا بإزاء حالة لا تخلو من مفارقة، ذلك ان التيار الإسلامى، الإخوان وغيرهم، أصبح بعد الثورة مقبولا لا سياسيا، لكنه ظل مرفوضا من جانب بعض دوائر المثقفين العلمانيين والليبراليين الذين لم يتخلوا عن سوء ظنهم بفصائله. صحيح أن أغلب تلك الفصائل لم تحسن تقديم نفسها، إلا أن سوء الظن من قبل الآخرين شمل جميع الإسلاميين، الذين أحسنوا تقديم أنفسهم منهم والذين أساءوا.

جدير بالذكر فى هذا الصدد أن لائحة الاتهام لم تكتف بإدانة الأخونة، ولكن الشبهة لاحقت آخرين ممن اتهموا بأنهم «قريبون من الإخوان». والدليل الوحيد لإثبات ذلك القرب أن الأشخاص المتهمين من الملتزمين دينيا، الذين قد يكونون مختلفين مع الإخوان. بمعنى أنهم يصلون ويصومون ويزكون وما إلى ذلك ــ وهو ما ينسحب على 80٪ من المصريين على الأقل. وقد ألحق هؤلاء بالإخوان واعتبر وجودهم فى دوائر السلطة من دلائل الأخونة وعناصر ثبوت التهمة.

إننى أستطيع أن أتفهم دوافع الذين يحاولون الدفاع عن مكتسباتهم ومواقعهم من خلال التخويف من الأخونة والتحذير من دوائر المتدينين القريبة منهم، لكنى أتمنى أن يظل الصراع فى حدود كونه سياسيا وليس صراعا حول الوجود. لأن من شأن استمرار ذلك الموقف أن يوصلنا فى النهاية إلى أن الحل الوحيد للإشكال أن نستبدل الشعب المصرى بأغلبيته المتدينة بشعب آخر منزوع العاطفة الدينية. هل تشم فى هذه الفكرة رائحة أجواء نظام مبارك؟!


جريدة الشروق المصرية
الاحد غرة شوال 1433
19 اغسطس 2012

mohamed5175
20-08-2012, 01:30 PM
لم أقتنع بما قاله الرئيس محمد مرسى بأنه يقود الحملة ضد الإرهابيين والخارجين عن القانون فى سيناء. لأننى أفهم أن القوات المسلحة هى التى تباشر الحملة وقادتها هم المسئولون عنها، أما الرئيس فهو يوجه ويتابع ويحاسب على النتائج. ناهيك عن أن مسئولياته المتعددة لا تدع له وقتا لقيادة العمليات التى تطلب تفرغا لإنجازها. وأستأذن هنا لأفتح قوسا أسجل فيه عدم اطمئنانى إلى القرار الإسرائيلى بالسماح للقوات المسلحة بالتدفق على سيناء. بأعداد تتجاوز ما نصت عليه معاهدة السلام فى ملحقها الأمنى. وأخشى ما أخشاه أن يكون من بين أهدافها فى ذلك تأجيج الصدام بين القوات المسلحة وبين أهالى سيناء وقبائلها، على غرار الحملات الطائشة والباطشة التى قامت بها الشرطة فى عهد النظام السابق، والتى أحدثت شروخا وندوبا فى علاقة أهل سيناء بالسلطة المصرية. وأحمد الله على أن حملات القوات المسلحة لم تتورط فى مثل هذه الممارسات حتى الآن على الأقل.

كما أننى لم أقتنع بما قيل عن قيادة الرئيس للحملة العسكرية فى سيناء (ليته قاد الدعوة إلى تعميرها) فإننى لم استسغ ما أعلنه الرئيس أثناء ترشحه وفى بداية استلامه للسلطة بخصوص التزامه خلال المائة يوم الأولى من ولايته بحل مشكلات الملفات الخمسة التى يشكو منها المصريون (الأمن والاستقرار والمرور والوقود والقمامة).

إذ فهمت عنايته بالأمن والاستقرار (وهما وصفان لموضوع واحد)، لكننى لم أجد مبررا للتصدى لمشكلات المرور والوقود والقمامة رغم أهميتها البالغة فى حياة ملايين البشر. إذ اعتبرت ان تلك أمور من صميم واجبات الأجهزة التنفيذية للدولة. بل إنها من مسئوليات المحافظين ومديرى الإدارات ولا ينبغى أن توضع على جدول أعمال رئيس الجمهورية فى بلد كبير مثل مصر. فى هذا الصدد فإننى لم أستطع أن أكتم دهشتى من حملة «وطن نظيف»، حيث أزعم أن تلك من بديهيات مسئولية الأجهزة المحلية. ومن العيب أن يجد رئيس الجمهورية نفسه مضطرا لإثارة الاهتمام وتعبئة الرأى العام لقضية من هذا القبيل. فى حين أن له أن يوجه رئيس الوزراء والمحافظين إلى ضرورة العناية بالموضوع، والتشدد فى محاسبة من يقصر فى النهوض بالمهمة.

ما أريد أن أصل إليه أمران، أننا لا نريد رئيسا للجمهورية يعيد لنا سيرة الفرعون الذى لم يكن هناك شىء فى البلد يتم إلا منسوبا إلى توجيهه الكريم وأياديه البيضاء. وإنما نريد لأجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة التنفيذية والشعبية أن تستعيد دورها. فتؤدى وظائفها وواجباتها. دون أن يكون لتوجيهات الرئيس دخل بذلك.

الأمر الثانى اننا نريد للرئيس أن يتفرغ للقضايا الاستراتيجية الكبرى، وان يظل اهتمامه بالمشاكل الصغرى فى حدود ما ذكرت عن التوجيه والمتابعة والحساب. واستحى ان أذكر أنه لابد أن يكون هناك فرق بين رئيس الجمهورية وناظر العزبة الغارق فى التفاصيل الصغيرة. وإذا كان الرئيس يمثل منصبا فى بلد كبير ومحورى مثل مصر، فإن انشغاله بالقضايا الكبرى يصبح أكثر إلحاحا ووجوبا. وإذا اضفت إلى ذلك ان الدكتور مرسى تولى المسئولية فى أعقاب عقود من التراجع التى دمرت فيها صورة مصر وتم تقزيم دورها، فضلا عن تقويض مؤسساتها، فإن وضع القمامة والمرور والوقود على برنامجه يغدو هزلا فى موضع الجد وعبثا ينبغى الرجوع عنه.

لست أفضل من يحدد للرئيس ما هى القضايا الاستراتيجية التى ينبغى أن توضع على رأس جدول أعماله، فتلك مهمة مستشاريه وفريقه الرئاسى. فضلا عن ان فى مصر جيشا من الخبراء الذين يستطيعون إثراء ذلك الملف وتحديد أولوياته بكفاءة عالية. وإذا كان بمقدور هؤلاء ان يحددوا للرئيس ما ينبغى أن يصرف إليه جهده، فقد أسمح لنفسى أن أنبه إلى ما لا ينبغى أن يستدرج إليه من مهام وملفات فرعية من واجب غيره أن يقوم بها فى التنفيذ أو المتابعة.

مع ذلك فلن يكون تطفلا منى أن أذكر ببعض ملفات القضايا الاستراتيجية التى ينبغى أن تحظى بالأولوية والاهتمام، وقد سبق أن تحدثت عنها. كما نبه إليها آخرون. وفى المقدمة منها قضية استقلال القرار السياسى واستعادة دور مصر فى محيطها العربى والإسلامى والدولى، إضافة إلى إعادة بناء دولة المؤسسات فى الداخل وتوجيه الاهتمام إلى قضية العدل الاجتماعى والنهوض الاقتصادى الذى ينطلق من التنمية الذاتية واستنفار طاقات الوطن وإبداعات ابنائه.

أدرى أن ما هو مطلوب من الرئيس مرسى أثقل وأكثر جسامة مما يتصوره أى أحد، لكنه وقد تطوع لحمل المسئولية فى الظروف الراهنة، فإنه سيظل مطالبا بالوفاء باستحقاقاتها، وعليه أن يدفع ثمن اختياره.

جريدة الشروق المصرية
الاثنين 2 شوال 1433
20 اغسطس 2012

mohamed5175
21-08-2012, 01:14 PM
حين يتقدم الإخوان ويصبحون فى صدارة المشهد السياسى فإن ذلك يعد انتصارا لهم لا ريب، لكنه يظل انتصارا أخطر من الهزيمة.


(1)

إلى ما قبل أيام قليلة، قبل أن يصدر الرئيس محمد مرسى قرارات إقالة وزير الدفاع ورئيس الأركان ويعفى بعض القادة من مناصبهم وينقل آخرين إلى مواقع أخرى، كانت أهم قوتين منظمتين وفاعلتين على الأرض هما المجلس الأعلى للقوات المسلحة والإخوان المسلمون. وبصدور القرارات سابقة الذكر انتهى الدور السياسى للمجلس العسكرى، حيث يفترض أن يعود إلى سابق عهده معنيا بشئون القوات المسلحة ولا شأن له بإدارة البلد وحراكه السياسى، ولا ينتظر له أن يعود إلى القيام بذلك الدور، فى الأجل المنظور على الأقل.

هذه الخطوة كان لها وقع خاص فى تركيا، لأن إخراج العسكر من المشهد السياسى هناك لم يتم إلا بعد صراع مرير استغرق أكثر من أربعين عاما، قام خلالها العسكر بثلاثة انقلابات هزت البلاد (الرابع كان ناعما ووصف بأنه نصف انقلاب). وفى حوار أخير مع بعض خبرائهم المعنيين بالأمر قلت إن المشهد المصرى يختلف عن نظيره التركى فى أمرين جوهريين، أولهما أن عسكر تركيا تصدروا المشهد السياسى عن جدارة واستحقاق. فهم الذين أنقذوا بلادهم من الانهيار بعد الهزيمة القاسية التى لحقت بها فى الحرب العالمية الأولى، وانتهت باحتلال اسطنبول ذاتها. وهم الذين أسسوا الجمهورية، الأمر الذى سوغ لهم الادعاء بأنهم أصحاب فضل على البلد. أما فى مصر فالوضع مختلف، لأن المجلس العسكرى كان مشاركا فى حراسة الثورة ولم يكن صانعا لها، ثم إن رصيده الشعبى تراجع بسبب سوء إدارته للمرحلة الانتقالية، فضلا عن أن قرارات إخراجه من المشهد السياسى جاءت فى أعقاب حدث كشف عن تراخى دور القوات المسلحة وقصور أدائها. الأمر الثانى المهم أن عسكر تركيا نصبوا أنفسهم مدافعين عن العلمانية، أى أنهم كانت لهم رؤيتهم الأيديولوجية التى اعتبروها أساسا للجمهورية، فى حين أن المجلس العسكرى فى مصر انطلق من موقف وطنى فى الأساس وليس موقفا أيديولوجيا، صحيح أن بعض أعضائه كانت لهم تحفظات رافضة للإخوان، لكن تلك كانت رؤى فردية، ولم تعبر عن موقف للمجلس الذى تباينت فيه الآراء بهذا الخصوص.

هناك فرقان آخران يمكن الإشارة إليهما فى هذا السياق. الأول تمثل فى اختلاف الظرف التاريخى الذى أحاط بالتجربتين، فأجواء ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضى التى احتملت قيام العسكر بالدور السياسى مختلفة عن أجواء الألفية الثانية التى لم تعد ترحب بذلك الدور، حتى أصبح الحد من نفوذ العسكر فى تركيا أحد شروط الاتحاد الأوروبى لتأهيلها لعضويته.

الفرق الثانى أن عسكر تركيا ظلوا لعدة عقود فى قلب السياسة، بل كانوا صناعها فى حقيقة الأمر، أما فى مصر فإن الجيش ظل محترفا وخارج السياسة طول الوقت، ولأن دخوله فيها كان طارئا وعارضا، فإن إعادته إلى ثكناته كانت أمرا ميسورا، ولم يكن بحاجة إلى «جراحة» من أى نوع.


(2)

إذا قال قائل إنه من غير الإنصاف تجاهل القوى والجماعات السياسية الأخرى فى مصر فلن أختلف معه. وألفت النظر هنا إلى أننى تحدثت عن المجلس العسكرى والإخوان بوصفهما أهم قوتين منظمتين وفاعلتين على الأرض، وقصدت إطلاق ذلك الوصف حتى لا ألغى القوى الأخرى غير المنظمة أو غير الفاعلة، التى لا أعرف لها حصرا، وقيل لى إنها ناهزت العشرات. وإذا لاحظت أن نظام مبارك أصاب الحياة السياسية بالجدب والعقم. وأن الأحزاب التى تشكلت فى عهده أو أنها اندثرت وإما تحولت إلى كيانات لا حضور لها إلا فى وسائل الإعلام، فسوف تعذر أحزاب ما بعد الثورة لأنها بدأت من الصفر. ولأنها فى طور التشكيل ولم يتبلور مشروعها بعد، فإن التقييم الموضوعى للحالة السياسية يخرجها تلقائيا من عداد القوى الفاعلة والمنظمة. بالتالى فإن غاية ما يمكن أن توصف به أنها أحزاب محتملة، قد تتحول إلى قوى سياسية فى المستقبل، لكنها فى الوقت الراهن تخرج من ذلك التصنيف. علما بأن استيفاءها لعناصر القوة ضرورى لعافية المجتمع ولإنجاح الديمقراطية. وهو ما يسوغ لى أن أقول إن انفراد الإخوان بصدارة المشهد السياسى لا يكفى لوحده لإنجاح التجربة، لأنه يعنى فى أحسن فروضه أن النظام الجديد يمشى بساق واحدة، ولن تتوافر له الساق الثانية إلا إذا استقام عود الأحزاب السياسية الأخرى، وصار للإخوان من ينافسهم ويراقبهم ويتداول السلطة معهم ويقدم نفسه بديلا عنهم.


(3)

حين انفرد الإخوان بصدارة المشهد فإنهم أصبحوا فى موقف لا يحسدون عليه، لأنهم يتعاملون مع وضع تحيط به الأزمات من كل صوب. ذلك فضلا عن الأزمات التى تعانى منها الجماعة من داخلها.

لن أقف طويلا عند أزمة الأوضاع العامة فى مصر التى باتت عناوينها معلومة للجميع، لأن التحديات التى تواجه الجماعة من الداخل هى التى استدعت إلى ذهنى فكرة النصر الذى قد يكون أخطر من الهزيمة، فى مقدمة التحديات التى أعنيها ما يلى:

•إنه من الناحية النظرية لا تخلو العملية من مغامرة. أن تظل الجماعة ــ أى جماعة ــ طول الوقت خارج منظومة جهاز الدولة، ثم تصبح فجأة ودون أية مقدمات فى قلب المنظومة أو على رأسها.

•إن سنوات الحظر والإقصاء أفرزت قيادات مشغولة بالتنظيم والدفاع عن الذات، استجابة للظرف التاريخى المفروض، الأمر الذى جعل القدرة التنظيمية لدى الجماعة أقوى من قدرتها الفكرية والإبداعية. ولأن مرحلة الدفاع عن الذات والانتقال بالدعوة لابد أن تختلف عن مرحلة الانفتاح على الآخر والانشغال بالدولة، فإن ذلك يطرح سؤالا هو: هل العناصر التى قادت المرحلة الأولى يمكن أن تكون قادرة على مواجهة متطلبات المرحلة التالية؟

•ان الإخوان لم يختبروا فى العمل من خلال أجهزة الدولة وأدواتها، وقد صوت الناس لصالحهم انطلاقا من حسن الظن ليس اعتمادا على حسن الأداء، واستنادا إلى الأقوال وليس الإنجازات والأفعال، والاختلاف كبير من هذه الزاوية بينهم وبين حزب العدالة والتنمية فى تركيا مثلا، الذى كان أعضاؤه قد حققوا إنجازات كبيرة فى البلديات قبل أن يخوضوا الانتخابات التشريعية ويفوزوا بأغلبية مقاعد البرلمان.

•ان مشروع الجماعة الذى تبناه الدكتور محمد مرسى وانتخب على أساسه يعانى من ثغرات جوهرية، سبق أن نبهت إلى اثنتين منها هما: أنه افتقر إلى الحلول المبتكرة. وتبنى أفكارا إصلاحية مقتبسة من خبرات التجربة الغربية. ولم نجد فيها ما هو نابع من صميم الخصوصية والتربة المصرية، حتى قلت فيما كتبت أنه لم يكن ليختلف كثيرا إذا ما قدمه الرئيس السابق بعد تنظيف الطاولة، كما يقولون. الثغرة الثانية أن المشروع لم يول قضية العدالة الاجتماعية ما تستحقه من أهمية وأولوية. حتى خشيت أن يكون المستفيد منه هم الأثرياء والقادرون وليس الفقراء والمستضعفين.


(4)

لدى حيثيات أخرى تسلط الضوء على جوانب المسئولية التى يتحملها الإخوان، وتدلل على أنها ليست أكبر منهم فقط، ولكنهم أيضا ليسوا على استعداد كاف لحملها والوفاء باستحقاقاتها. وهو ما يسوغ لى أن أقول بأن صدراتهم للمشهد السياسى سوف تكشف بالضرورة عن كل تلك الثغرات والعيوب. وفى هذه الحالة فإن الصدارة تصبح مصدرا للحرج وكاشفة لحقيقة القدرات وحدودها، والوقوع فى ذلك الحرج وتعرضهم للانكشاف هو ما عنيته باستخدام وصف النصر الذى هو أخطر من الهزيمة. إذ يصبح عبئا على صاحبه وسحبا من رصيده وليس إضافة ترفع من رصيده وتعزز الثقة فيه.

أدرى أن هناك من تمنى هذه النتيجة أو سعى لحدوثها، الأمر الذى يصنف ضمن أساليب الكيد السياسى. التى تعنى بهزيمة الخصم بأكثر من عنايتها بمستقبل الوطن، وتقدم الأولى على الثانية لذلك فإن سؤال الساعة الذى ينبغى أن تعنى الجماعة الوطنية بالإجابة عنه هو: كيف ينجح الوطن؟ وليس: كيف يفشل الإخوان؟.

كنت من أوائل من تمنوا على الإخوان أن يكتفوا بدورهم فى المجلس التشريعى، وأن يكون إسهامهم فى السلطة التنفيذية محدودا فى الظروف الراهنة، إلى أن يصبح المجتمع والطبقة السياسية على استعداد أكبر لاستقبالهم والتفاعل معهم، بعد أن يبددوا هواجس الناس ويطمئنوا الجميع. لكن الرياح أتت بما لم أشته ووقع الفأس فى الرأس كما يقال، الأمر الذى أبقى على الهواجس ولم تفلح الجهود التى بذلت لتبديدها بسبب عمق أزمة الثقة خصوصا بين الإخوان وبين القوى السياسية الأخرى. وقد باتت تلك الأزمة إحدى العقد التى فشل الطرفان فى حلها.

أدرى أن الإخوان بذلوا جهدا فى التقليل من تمثيلهم فى مواقع السلطة التنفيذية. خصوصا فى الحكومة، إلا أن تهمة أخونة النظام مازالت تلاحقهم، حتى تعالت فى الآونة الأخيرة بعض الأصوات الداعية إلى إقصائهم مرة أخرى، وللأسف فإن من تلك الأصوات من حاول إثارة الأقباط وإقحامهم بصفتهم تلك فى الصراع الدائر. ويتضاعف الأسف حين نعلم أن نفرا من غلاة الأقباط تورطوا فى تلك الحملة.

لايزال الأمل معقودا على عقلاء الجانبين لكى يتوافقوا على ضرورة إنجاح التجربة، لكنى أزعم أن مسئولية الإخوان تظل أكبر فى السعى إلى ذلك التوافق، خصوصا بعدما أصبحوا وحدهم فى الواجهة بعد طى صفحة المجلس العسكرى، الأمر الذى حملهم مسئولية مضاعفة. وإذا لم يقدموا من خلال حزب الحرية والعدالة مبادرات جادة فى هذا الصدد، فإن ذلك سيعد برهانا على أن انتصارهم جاء مكلفا لهم كثيرا، حتى غدا أخطر من الهزيمة.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 3 شوال 1433
21 اغسطس 2012

mohamed5175
22-08-2012, 12:00 PM
نبالغ إذا قلنا إن زيارة الرئيس مرسى لكل من الصين وإيران (الأخيرة لم تتأكد رسميا) تعد نقطة تحول، لكن ذلك لا يمنعنا من أن نتمنى ذلك. مع ذلك أزعم بأن الزيارة تبعث برسالة يمكن أن تمهد الطريق لإحداث نقلة نوعية فى علاقات مصر الدولية وسياساتها الخارجية. أعنى أنها قد تهيئ فرصة لتحقيق مردود إيجابى إذا نجح الرئيس فى أن يحولها من زيارة مجاملة روتينية إلى زيارة عمل تخدم المصالح العليا لأطرافها.



حتى الآن فإن الرحلات الخارجية للرئيس المصرى اقتصرت على القمتين الأفريقية فى أديس أبابا والإسلامية فى جدة (قبلهما قام بزيارة سريعة للرياض). ولابد أن يحسب ويحمد له أنه لم يبدأ ولايته بالحج إلى واشنطن. وبوسعنا أن نقول إن الرمز فى زيارته للصين وإيران يمكن أن يكون مهما. وأضع خطا تحت كلمة الرمز لأن الوقت لايزال مبكرا للحديث عن الفعل. ذلك ان مشاركة الرئيس مرسى فى اجتماعى أديس أبابا وجدة، يمكن أن تحمل باعتبارها إشارة إلى الاهتمام بالدائرتين الأفريقية والإسلامية. كما أن زيارته لبكين وطهران يمكن اعتبارها إشارة إلى التوجه شرقا. وتجاوز حدود التوجه إلى الغرب وحده، باعتباره قِبلة (بكسر القاف) السياسة الخارجية المصرية. وهو ما كان معمولا به فى ظل النظام السابق حيث حصر الرئيس مبارك تحركه بين دول ثلاث هى الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا. وعند الضرورة كان يذهب إلى ألمانيا.



لست واثقا من أن حضور الرئيس للقمتين الأفريقية والإسلامية واتجاهه إلى الشرق يعكس بالضرورة إدراكا لأهمية وترتيب دوائر تحرك السياسة المصرية. وفى الوقت ذاته لا نريد أن نحمل زياراته تلك بأكثر مما تحتمل، حيث لا أستبعد أن تكون المسألة مجرد مصادفة، إلا أن ذلك لا ينبغى أن يصرفنا عن أمرين، أولهما أهمية الوعى بتتابع تلك الدوائر، وثانيهما الأهمية الخاصة لكل من البلدين الصين وإيران.



فالصين القوة السياسية والاقتصادية الكبرى التى تعمل لها واشنطن ألف حساب، تستحق انفتاحا حقيقيا من جانب مصر على الصعيدين السياسى والاقتصادى. وإذا تطلعت مصر لأن تخرج يوما ما من بيت الطاعة الأمريكى الذى فرضه النظامان السابق والأسبق فإن الصين سوف تشكل محطة مهمة فى ذلك المسار. فى الوقت ذاته فإن تطلعات الصين الاقتصادية التى دفعتها إلى السعى لتوسيع تواجدها وأنشتطها فى أفريقيا، ومحاولة النفاذ إلى منطقة الخليج، سيكون من مصلحتها أن تثبت أقدامها فى مصر. التى تشكل بابا عريضا سواء للعالم العربى أو أفريقيا. أعنى أن للبلدين مصلحة مشتركة فى التعاون فيما بينهما، إذا أولت مصر ذلك الجانب ما يستحقه من اهتمام. ولعلى لست بحاجة إلى الإفاضة فى عمق العلاقات التاريخية بين البلدين التى تشكل ظرفا إيجابيا يشجع على تحويل الزيارة إلى فرصة عمل تحقق مصالح مهمة للبلدين.



زيارة إيران التى هى بالأساس للمشاركة فى قمة عدم الانحياز، تشكل بدورها فرصة جيدة لكسر الجمود وتذويب الجليد بين البلدين، وليتها تسهم فى ردم الفجوة العميقة والملوثة التى لم تصنعها الهواجس الأمنية وغير الأمنية وحسب، وانما صنعتها أيضا الضغوط الأمريكية والإسرائيلية والخليجية أيضا. وهو ما انتهى بمصر إلى أن أصبحت إحدى دول ثلاث خاصمت الثورة الإسلامية منذ نجاحها فى عام 1979 وشكلت فيما بينها محور الكراهية لإيران. (الدولتان الأخريان هما الولايات المتحدة وإسرائيل).



كنت قد علقت على الأخبار التى تسربت قبل أسابيع بخصوص اعتذار الرئيس المصرى عن عدم حضور قمة طهران. وتساءلت وقتذاك عما إذا كان الدكتور مرسى يستطيع أن يفعلها برغم الضغوط التى تسعى إلى منعه من ذلك. وقد سرنى أنه خيب ظنى وفعلها. وحتى إذا كان هدف الرحلة هو حضور قمة عدم الانحياز وليس زيارة إيران، إلا أن ذلك يظل أفضل من القطيعة، لأننى أعتقد أن مبارك لو كان فى السلطة لما فعلها.



أكرر أن الزيارة إذا استطاعت تذويب الجليد بين البلدين فإن ذلك سيعد خطوة أولى مهمة لتذويب الجليد لردم فجوة الشكوك والهواجس. وأرجو أن تكون خطوة على طريق الألف ميل، وألا تصبح الخطوة الأولى والأخيرة. من جانب مصر على الأقل لأننى أعلم أن الجانب الإيرانى سوف يعبر عن حفاوته وترحيبه بها. ذلك إن قائمة المصالح الكبيرة التى تتحقق للبلدين لا ينكرها منصف، وهى تتجاوز حدود مصر ويمكن أن تكون فى صالح الأمة العربية عامة ومنطقة الخليج بوجه أخص، لكن سياسة التبعية والانبطاح عطلتها وصادرتها. ولا أريد أن أذهب إلى أبعد متطلعا إلى إحياء مثلث القوة الذى يضم مصر وإيران وتركيا، لأننى أدرك أن علاقات القاهرة وطهران أكثر دقة وتعقيدا مما يبدو لأول وهلة، ولم يعد سرا أن المتربصين بتلك العلاقة لن يهدأ لهم بال إلا إذا أعادوا عقارب الساعة إلى الوراء. وربما ساعدهم على ذلك ان مصر ما بعد الثورة لم تفتح بعد ملفات السياسة الخارجية الشائكة، قبل أن تنتهى من تأمين الوضع الداخلى. لذلك فإننى أزعم أن زيارة الرئيس مرسى لو أنها كانت مجرد بادرة لإعلان النوايا الحسنة، فإن ذلك سيعد أمرا طيبا يستحق الترحيب والتشجيع، أملا فى أن تتواصل الخطى الأخرى على ذلك الطريق الطويل المسكون بالألغام والأشواك.

جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 4 شوال 1433
22 اغسطس 2012

mohamed5175
23-08-2012, 12:36 PM
أن تتلقى مصر «لفت نظر» يعبر عن عدم الارتياح من واشنطن، وتتلقى رسالة أخرى من تل أبيب تعبر عن القلق والانزعاج، فذلك أمر ظل متوقعا منذ قامت الثورة، ولكن الظروف هى التى استدعته هذا الأسبوع. ذلك أن واشنطن لم تسترح إلى مشاركة الرئيس محمد مرسى فى قمة عدم الانحياز التى ستعقد فى طهران. ولا أعرف ماذا قالت الرسائل الدبلوماسية التى تمت بين البلدين بهذا الخصوص، ولكننا فهمنا مضمونها من خلال التصريح الذى أدلت به المتحدثة باسم وزارة الخارجية فيكتوريا نولاند، وقالت فيها إن واشنطن ضد التمثيل الدبلوماسى رفيع المستوى لمصر فى القمة. وهو كلام رغم نعومته يعبر عن درجة من الجرأة والصفاقة تستغرب فى سياق أى علاقات عادية بين بلدين. وما كان للمتحدثة الأمريكية أن تنطق به لتحدد مستوى تمثيل مصر فى مؤتمر لا علاقة للولايات المتحدة به إلا فى ظل افتراض حالة من الوصاية والعلاقة غير العادية بين البلدين. وهو أمر كان معلوما فى ظل النظام السابق الذى اختار الانضمام إلى بيت الطاعة الأمريكى، لكن من قصر النظر أن يتصور أحد ــ فى واشنطن أو غيرها ــ أن ذلك الوضع يمكن أن يستمر بعد سقوط النظام وقيام الثورة. ولذلك كان طبيعيا أن ترد رئاسة الجمهورية المصرية على العتاب الأمريكى المبطن بما أعلنه المتحدث باسم الرئاسة، الدكتور ياسر على، من أن لكل دولة الحق فى أن تتخذ ما تشاء من قرارات بشأن المشاركة فى القمة.

القلق الإسرائيلى عبرت عنه صحيفة معاريف فى عدد الثلاثاء 21/8، حين ذكرت أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وجه رسالة شديدة اللهجة إلى مصر مطالبا إياها بإخراج دباباتها من سيناء، كما أنه طالب القاهرة ــ من خلال البيت الأبيض ــ بالتوقف عن إدخال قوات من جيشها إلى سيناء، دون تنسيق مسبق مع إسرائىل. واحتج فى ذلك بأن الإجراءات المصرية تمثل انتهاكا خطيرا لاتفاقية السلام.

أضافت الصحيفة فى تقريرها أن مصر حين دفعت بدباباتها وقواتها إلى سيناء بعد جريمة قتل 16 ضابطا وجنديا فى رفح، بدعوى مكافحة الإرهاب وبسط السيطرة الأمنية عليها، فإنها قد تتطلع إلى أبعد من ملاحقة الخلايا الإرهابية. وأنها قد تستغل ذلك الظرف لكى تبقى قواتها المدرعة فى سيناء بصفة دائمة، وبالتالى تغير من اتفاقية السلام على أرض الواقع.

هذا الكلام بدوره يعبر عما هو أكثر من الصفاقة، لأن إسرائيل احترفت انتهاك اتفاقية السلام فى سيناء طوال عهد مبارك، وقتلت فى غاراتها وتغولاتها عشرات المصريين، أحدثهم ستة جنود قتلتهم داخل الحدود المصرية فى العام الماضى. وما فعلته مصر كان استجابة لمتغير شهدته سيناء التى هى بالأساس جزء من الأراضى المصرية، علما بأن القاهرة أخطرت إسرائيل بتحركها طبقا لما تعهدت به فى اتفاقية السلام، التى أثبتت الظروف أن ملحقها الأمنى بحاجة إلى تعديل لمواجهة متغيرات الواقع بعد مضى أكثر من ثلاثين عاما على إبرامها.

كنت قد أشرت من قبل إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل على استعداد للقبول بأى متغيرات فى مصر، مادامت فى حدود الشأن الداخلى، لأن ما يهمها هو أن تظل السياسة الخارجية ملتزمة بإطار الانبطاح الذى استقر طوال عهد مبارك، الأمر الذى رشح الرئيس السابق لكى يصنف بحسبانه «كنزا استراتيجيا» لإسرائيل. وذكرت بعد ذلك ــ حين تم تسفير الأمريكيين المتهمين فى قضية التمويل الخارجى رغم عرض قضيتهم على القضاء ــ أن مصر لن تستطيع أن تقول لا للهيمنة الأمريكية والعربدة الإسرائيلية، إلا بعد أن تستقر أوضاعها الداخلية، وتصبح على قدر من العافية يمكنها من أن تتحمل عواقب الدفاع عن استقلال قرارها الوطنى.

لم أغير شيئا من ذلك الرأى. ولا أريد أن أبالغ فى تحميل مواقف القاهرة الأخيرة بأكثر مما تحتمل، وأدعى أن ملف السياسة الخارجية قد فتح، ليس فقط لأن الأوضاع الداخلية لم تستقر تماما بعد، ولكن لأن علاقات مصر مع هذين البلدين حافلة بالتعقيدات والتعهدات التى نعرف أولها ولا نعرف شيئا عن عمقها ناهيك عن آخرها.

هذه الخلفية تسوغ لى أن أنبه إلى أمرين فى الموقف الذى نحن بصدده. الأول أن عتاب واشنطن واحتجاج تل أبيب لا يمثلان مواجهة مع البلدين، ولا يعبران عن تغير العلاقة معهما، ولكنهما من قبيل الرسائل التمهيدية التى تفتح الباب لتوقع ذلك الاحتمال فى المستقبل، إذا ما أصرت مصر الثورة على أن تدافع عن استقلال قرارها وعن السيادة على أراضيها. الأمر الثانى أن القاهرة لم تسع إلى فتح ملفات العلاقة مع البلدين، ولكنها تعاملت مع وضع فرضته الظروف عليها. سواء فيما خص المشاركة فى قمة طهران أو فيما تعلق بدفع القوات والمدرعات إلى سيناء بعد الذى حدث فى رفح.

وإذا كنت أدعو إلى عدم المبالغة فى تصوير سلوك القاهرة، فإننى أيضا أرجو ألا نبخس ذلك الموقف حقه، ذلك أنه إذا لم يعبر عن تغيير فى السياسات يلتزم بالدفاع عن الكرامة الوطنية، إلا أنه يظل محملا بتلك الرائحة. وتلك لعمرى رائحة زكية أرجو ألا نكتفى باستنشاقها فى الهواء، وألا ننتظر طويلا حتى نراها واقعا ملموسا على الأرض. قولوا: إن شاء الله.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 5 شوال 1433
23 اغسطس 2012

mohamed5175
25-08-2012, 12:13 PM
حين تلقت عائلة الحتو فى غزة نبأ وفاة ابنها فادى فى ماليزيا، سافر الأب والأم وشقيق له إلى هناك، لكى يصحبوا جثته ويدفنوه فى تراب بلده. تكلفت الرحلة 16 ألف دولار، قيمة السفر بالطائرة والإقامة وتحنيط الجثة قبل نقلها من كوالالمبور إلى القاهرة للوصول إلى القطاع. بعدما أتموا كل الإجراءات رفضت السفارة المصرية ان تعطيهم تأشيرة دخول للجثة. لأن قرارا كان قد صدر وقتذاك بمنع الفلسطينيين من دخول مطار القاهرة وإغلاق معبر رفح، ضمن الإجراءات التى اتخذت عقب قتل الستة عشر جنديا وضابطا مصريا فى رفح، انتظرت الأسرة يومين وثلاثة وأربعة على أمل أن يسمح لهم بالمرور من القاهرة، وظلت الجثة المحنطة محفوظة فى إحدى الثلاجات، وحين يئسوا من تحقيق مرادهم قرروا ان يدفنوا ابنهم البالغ من العمر 22 عاما فى ماليزيا، وبعد أيام قليلة سمح لهم بالعودة إلى القاهرة لكى يواصلوا رحلتهم إلى غزة. لكن تلك لم تكن نهاية عذاباتهم، لأن الابن احتجز فى المطار لمدة أربعة أيام، فى حين سمح للأبوين بمواصلة السفر برا إلى غزة عن طريق معبر رفح.



لم يجد الأب والأم تفسيرا لمنعهما من دفن ابنهما فى غزة، ولم يفهما لماذا احتجز الابن فى مطار القاهرة. لكنهما اعتبرا أن ما صادفاه كان حلقة فى مسلسل العذاب المفروض على الفلسطينيين، الذى كانت «النكبة» بدايته، أما نهايته فهى مفتوحة إلى أجل لا يعلمه إلا الله. أما تساؤلاتهما فلم ينتظرا لها جوابا، لكنهما ضماها إلى آلاف أسئلة المصير الحائرة التى تملأ الفضاء الفلسطينى، كأنما كتب على الفلسطينى أن يقضى حياته أسير ثلاثية التشرد والعذاب والحيرة.



ما أصاب عائلة الحتو لم يكن حادثا استثنائيا، ولكنه نموذج لمعاناة الفلسطينيين الذين شاء حظهم أن يتكدسوا فى القطاع، وأصبح معبر رفح أحد مصادر تعاستهم. ذلك أنهم فهموا لماذا صاروا لاجئين ولماذا يحاصرهم الإسرائيليون ولماذا هم تحت الاحتلال، لكنهم لم يفهموا سياسة مصر إزاء القطاع، سواء فى الظروف العادية أو الاستثنائية.



بعد قتل الجنود والضابط المصريين فى رفح أغلقت إسرائيل معبر كرم أبوسالم الذى يفترض أن تمر منه البضائع لمدة 24 ساعة فقط، ثم أعادت فتحه قبل ذلك. وتفهم المسئولون فى غزة قرار السلطات المصرية إغلاق معبر رفح لاستيعاب الحدث وملاحقة الجناة. وقيل لهم وقتذاك إن المعبر سيغلق لمدة ٤٨ ساعة فقط. رغم انهم لم يفهموا سبب منع الفلسطينيين القادمين عبر مطار القاهرة من دخول البلاد، وإلزامهم بالعودة على الطائرات التى حملتهم إلى البلدان التى جاءوا منها. وكان بوسع السلطات المصرية أن تسمح لهم بالبقاء فى القاهرة لعدة أيام إلى حين فتح المعبر، بدلا من إعادة تسفيرهم إلى الخارج.



الـ48 ساعة استمرت خمسة أيام، تكدس خلالها المعتمرون الفلسطينيون فى المطارات السعودية، ومنع المرضى من العلاج خارج القطاع، وتعطلت مصالح آلاف العاملين والدارسين الذين لهم ارتباطاتهم بالخارج، ولم يفهم أحد لماذا تقرر بعد ذلك فتح المعبر من جانب واحد، بحيث يسمح بالدخول إلى القطاع دون الخروج منه. إلا أن العذاب تكرر مع دخول العيد، حيث أغلق المعبر تماما، ولم يعد يسمح لأحد لا بالدخول إليه أو الخروج منه، الأمر الذى أربك الجميع وأهدر مصالح ألوف البشر. وبعد انتهاء عطلة العيد، التى لم يغلق خلالها أى معبر جوى أو برى آخر على الحدود المصرية، أعلن مرة أخرى أن المعبر سيفتح من جانب واحد، بحيث يسمح بالدخول إلى القطاع ويغلق الأبواب فى وجوه أصحاب المصالح الذين يريدون الخروج منه.



المحير فى الأمر أن التحقيقات والتحريات الجارية لم تثبت أن لغزة علاقة بما جرى فى رفح. بمعنى أنه لم يكن هناك مبرر لاتخاذ إجراءات العقاب الجماعى بحق أهالى القطاع. وتتضاعف الحيرة حين تلتزم السلطات المصرية بالصمت إزاء هذه المسألة. ورغم أن ثمة اتصالات يومية بين الطرفين الفلسطينى والمصرى، إلا أن المسئولين فى غزة لم يتلقوا أى ايضاح أو تفسير يبرر تلك الإجراءات.



لقد توقعنا أن موقف مصر تجاه قطاع غزة بعد الثورة سوف يختلف عما كان عليه فى عهد مبارك (كنز إسرائىل الاستراتيجى). وهذا التصور تحول إلى يقين حين تولى الدكتور محمد مرسى رئاسة الجمورية واستقبل فى مكتبه رئيس حكومة غزة السيد إسماعيل هنية، ورئيس المكتب السياسى لحركة حماس السيد خالد مشعل. وبعدما تردد عن تفاهمات تمت وصفحة جديدة من الثقة وإحسان الظن فتحت، أصبحنا شبه متأكدين من أن مشكلة معبر رفح بسبيلها إلى الحل، على الأقل من حيث إنه لن يظل مصدرا لتعذيب الفلسطينيين أو إذلالهم. لكن هذا الذى يحدث على الأرض يكاد يغير الصورة تماما، من حيث إنه يثير الشكوك حول صدقية ما قيل عن التفاهمات والصفحة الجديدة مع السلطة فى مصر. ذلك أنه يعطى انطباعا بأن العقلية التى كانت تدير المعبر فى عهد مبارك، هى ذاتها التى تديره الآن.



لا أعرف ما إذا كان الرئيس مرسى الذى استقبل هنية ومشعل، على علم بما حدث عند المعبر أم لا. لكننى لا أتردد فى القول بأنه إذا لم يكن يعلم فتلك خطيئة، أما إذا كان يعلم فإن الخطيئة تغدو أكبر وأعظم.

جريدة الشروق المصرية
السبت 7 شوال 1433
25 اغسطس 2012

mohamed5175
26-08-2012, 11:39 AM
حين قرأت فى الصحف أنباء مباحثات وفد صندوق النقد الدولى فى القاهرة، التى شملت إطلاعهم على تفاصيل الموازنة العامة ومخصصات الدعم وبرنامج إصلاح وهيكلة الاقتصاد، خطر لى السؤال التالى: هل أتيح لخبراء الاقتصاد المصريين أن يوضعوا بدورهم فى الصورة، لكى يكون لهم رأى فى الموضوع؟



أستطيع أن أفهم لماذا يدرس خبراء الصندوق أوضاع الاقتصاد المصرى. ليطمئنوا إلى مدى كفاءته فى استيعاب القرض المطلوب (4.8 مليار دولار) وقدرته على سداد قيمته. وأفهم أيضا أن الصندوق ليس مؤسسة خيرية وإنما هو مؤسسة اقتصادية تقوم بدور سياسى فى ذات الوقت، لكنى لم أفهم لماذا لا يطرح موضوع الأزمة الاقتصادية على الخبراء المصرين أولا، لتشخيص المشكلة والاتفاق على خيارات علاجها، وهل الاقتراض من الخارج هو أفضل الحلول أم أن الأولوية ينبغى أن تعطى لإعادة هيكلته ليصبح اقتصادا منتجا، بحيث يكون ذلك هو الخيار الأول، ويأتى بعده خيار الاقتراض من الخارج إذا لزم الأمر. يتصل بما سبق سؤال آخر هو: لماذا لا تكون المرجعية الاقتصادية من نصيب الخبراء المصريين وليس صندوق النقد الدولى.



لست أخفى أن لدى حساسية إزاء مدرسة المسارعة إلى التطلع للخارج واستلهام العون منه، قبل اختبار مواضع الأقدام ومحاولة استثمار الطاقات المتوافرة ورصيد العافية المتاح فى الداخل ولكى أكون واضحا، فإننى لا أدعو إلى مخاصمة أو مفاصلة، لكن أدعو إلى ترتيب الأولويات بحيث نبدأ بالخبرات والإمكانيات الذاتية، قبل أن نستورد أو نستنسخ خبرات الآخرين، بمعنى أن نتخلى عن الكسل العقلى فنستنفد طاقات الاجتهاد والإبداع الذى تستفيد من الكفاءات والطاقات المحلية، قبل أن نستسلم للقعود وانتظار ما يجود به الآخرون. وإذا كان الموضوع الذى نتحدث عنه هو القرض المحتمل المطلوب من صندوق النقد الدولى، إلا أن ما أدعو إليه يتجاوز الشأن الاقتصادى بحيث يشمل دائرة أوسع تحتل قضية التنمية مساحة كبيرة منها. ذلك أننى أزعم أن أغلب عناصر النخبة التى تتصدى لهذه القضية تركز فى الاستيراد وتغفل الأفكار الجاهزة والمشروعات المعلبة بأكثر ما تراهن على الإبداع والاجتهاد لاستنبات النموذج الخاص، الذى ينطلق من إمكانيات الواقع ويلبى احتياجاته.



وإذا كان لنا أن نتحفظ على تجاهل النخبة الاقتصادية المصرية فى البحث عن حل للأزمة التى تمر بها البلاد، فإننا لا نستطيع أن نغفى الطرف عن تجاهل الرأى العام الذى لا تعتنى الحكومة بمخاطبته، ومن ثم إحاطته علما بحقيقة الوضع الاقتصادى الذى ألجأها إلى ما هى بصدد الدخول فيه. ليس فقط لأن ذلك من مقتضى الشفافية التى نتمنى أن تصبح أسلوبا للحكم والإدارة فى ظل النظام الجديد. ولكن أيضا لأن الجماهير التى ستدفع ثمن القرار الذى ستتخذه الحكومة، وأجيالها هى التى سوف تسدد أقساط القرض وفوائده.



المشهد من هذه الزاوية يثير قضية جديرة بالتسجيل والملاحظة تتمثل فى عدم قدرة الحكومة على التواصل مع المجتمع فى العديد من القضايا الحيوية، الأمر الذى حول الكثير من القرارات التى اتخذت إلى مفاجآت حيرت الناس وأثارت لغطا واسعا فى أوساطهم، ولعلى أرجح ذلك إلى نقص الخبرة وحداثة العهد بعملية إدارة الدولة، الأمر الذى يورط الحكومة فى بعض المواقف التى تتراجع عنها بسرعة. ولا يزال طريا بين أيدينا نموذج تقديم بعض الإعلاميين إلى القضاء بسبب تطاولهم على رئيس الدولة وإهانتهم له، الأمر الذى أثار عاصفة من النقد فى الأوساط الإعلامية، ثم إغلاق الملف بعد ذلك بصدور مرسوم يحظر الحبس فى قضايا النشر، وذلك بعد أن قضت إحدى المحاكم بحبس أحد رؤساء التحرير بعد إدانته فى تهمة إهانة الرئيس بحقه.



لدى ملاحظتان أخيرتان فى الموضوع هما:



ــ أن فكرة الاقتراض من صندوق النقد الدولى التى هاجمها الإخوان ورفضوها فى أثناء حكومة الدكتور الجنزورى، وكانت من الأسباب التى طرحت لسحب الثقة من الحكومة. أقرها الرئيس الذى رشحه الإخوان، والحكومة التى اختارها. صحيح أن حزب الحرية والعدالة لا يزال رافضا للفكرة، إلا أنه لم يطرح بديلا لها. وإن دل ذلك على شىء فإنه يدل على أن الرؤية من خارج المطبخ الحكومة كثيرا ما تختلف عنها من داخله. وهذا ما حدث مع الدكتور مرسى وحكومته.



ــ الملاحظة الثانية أنه فى اليوم الذى وصلت فيه بعثة صندوق النقد الدولى إلى القاهرة لبحث موضوع قرض الأربعة مليارات و800 مليون دولار، كانت دول الاتحاد الأوروبى تنتظر تقريرا من المؤسسات الاقتصادية المعنية لضخ مبلغ يزيد على 31 مليار يورو لليونان لإنقاذ اقتصادها. وإذ وجدت أن الدول الأوروبية لم تتوقف خلال الأشهر الماضية عن مساندة اليونان وإيطاليا وإسبانيا فى مواجهة أزماتها الاقتصادية، فإننى لم أستطيع أن أمنع نفسى من المقارنة بين موقف الدول الأوروبية المساند لأعضاء المجموعة، وبين موقف الدول النفطية العربية إزاء مصر (استثنى قطر وبدرجة ما السعودية). وقد أقنعتنى تلك المقارنة بأن التعاون العربى بات مطلوبا فى المجال الأمنى فقط، وعلى كل دوله أن تدبر حالها فيما عداه، هل يعنى ذللك أنهم هناك يتعاونون فيما بينهم على البر والنماء، وأن أغلب القادة العرب على استعداد أكبر للتعاون على الإثم والعدوان؟


جريدة الشروق المصرية
الاحد 8 شوال 1433
26 اغسطس 2012

mohamed5175
27-08-2012, 12:17 PM
دخل أحد الأشخاص محلا للتحف فى القاهرة، وأجال النظر فيه، وحين لاحظ وجود بعض التماثيل بين المعروضات، فإنه توجه إلى صاحب المحل وقال له إن التماثيل حرام، وإنه لو باع شيئا آخر مثل الجرجير أو الفجل فسيكون ذلك أفضل له. إذا صحت الواقعة فإنها فى الظروف العادية لا تشكل خبرا يهم الرأى العام، لأنها مجرد تصرف فردى، إلى جانب أن بيننا من يعتقد فى ذلك ويطبقه فى حياته الخاصة، بالتالى فإن إهمال المعلومة وإلقاءها فى صندوق القمامة يصبح مصيرا طبيعيا لها.

ولكن لأن إعلام زماننا له معايير ومقاصد مختلفة فإن الواقعة تحولت إلى خبر تصدر رأس الصفحة ونشر على خمسة أعمدة فى إحدى صحف السبت الماضى 18/8. وللإيحاء بأنه حدث مهم فإن العنوان أصبح كالتالى: إسلاميون يهددون صاحب محل «أنتيكات». ولم يقتصر النفخ على إبراز الواقعة والحديث عن «إسلاميين»، فى حين أن النص المنشور ذكر أنه نفر واحد، وإنما أضفت الجريدة عليها لمسات أخرى لها دلالاتها من قبيل أن صاحب الواقعة رجل «ذو لحية كثة وجلباب أبيض قصير» دخل المحل المذكور «وعلى وجهه علامات غضب شديد»، وانه حين وجد التماثيل «صرخ فى وجه صاحب المحل» وحذره من بيع التماثيل. كما ذكر الخبر ان صاحب المحل «لا يعرف على أى مذهب يستند السلفيون والإخوان الذين يحرمون التماثيل». فى تعميم على الجميع، فى حين أن الخبر بدأ منسوبا إلى فرد.

الأسلوب ذاته اتبع مع صاحبنا الذى تحدث عن إهدار دم الخارجين على الحاكم والمتظاهرين يوم 24 أغسطس. إذ بدلا من أن يدان موقف الرجل ويرد على مقولته أو يحاسب على تحريضه، ثم تطوى صفحته لكى ينصرف المجتمع إلى ما هو أجدى وأنفع، فإن ميليشيات المتربصين اعتبرت الكلام هدية هبطت عليهم من حيث لا يحتسبون. فأبرزوه تحت عناوين صارخة وظلوا يلوكون مفرداته طول الوقت، كما حولوه إلى موضوع للمناقشة، حيث لم يعدموا مهووسين أيدوه ومعارضين سفهوه. فى ذات الوقت فإن نفرا من المعلقين اعتبروه صيدا ثمينا صوبوا نحوه جل سهامهم. وقرأنا لبعضهم أن ما نقل على لسان الداعية «يكشف عن الوجه الحقيقى للسياسة التى سوف ينتهجها الإسلاميون» وأن «تلك مقدمات الدولة الدينية»، وأن الرجل «لم يخترع شيئا ولكنه قال فى العلن ما يتداوله الإسلاميون فى السر». إلى غير ذلك من التعليقات التى استهدفت تحويل الفرقعة إلى هم حقيقى، بعدما نسبتها إلى مجمل فصائل التيار الإسلامى، كأنها اجتمعت فيما بينها وقررت إعلان «الجهاد» ضد معارضى الحكومة واستباحة دمائهم.

هذا الذى حدث مع أحد الدعاة تكرر مع نظير له تحدث عن تطبيق حدود الشريعة الإسلامية حين يكون المجتمع جاهزا لذلك. ولكن إحدى الصحف أبرزت الكلام على صفحتها الأولى باعتباره حدثا سيتم فى وقت قريب، وأن ذلك ليس رأى فرد، ولكنه رأى الإسلاميين الذين لم تشر إلى عددهم أو هويتهم الحقيقية. السيناريو ذاته تابعناه حين أعرب أحدهم عن أمله فى إقامة الخلافة الإسلامية. وهى القصة التى لا يمل أعضاء «حزب التحرير» من الحديث عنها بمناسبة وغير مناسبة. دون النظر إلى أى واجبات وتكاليف أخرى فى الإسلام. وكأن الخلافة باتت ركنا من أركان الدين، لا يكتمل إيمان المسلم إلا بالوفاء بحقه.

قلت إن مدرسة الاصطياد هذه تصر على تعميم تلك الأفكار ونسبتها إلى التيار الإسلامى فى مجموعه. ولا أذكر مرة أنها نسبت أى واقعة مما ذكرت إلى شخص بذاته أو فئة معينة من الإسلاميين. وهذا موقف يتعذر افتراض حسن النية فيه، وأعتبره ليس مهنيا وليس أخلاقيا بل أزعم أنه أيضا ليس وطنيا. ليس فقط لأنه يتلاعب بالحقيقة ويشوهها، لكن الأهم من ذلك انه يؤدى إلى إثارة البلبلة وترويع الناس وتخويفهم، الأمر الذى ينفر المجتمع ليس من الإخوان والإسلاميين فحسب، ولكن من الثورة ذاتها التى أتاحت فرصة الظهور والتمكين لهؤلاء وهؤلاء.

الذى لا يقل عن ذلك سوءا، بل الأخطر، أن مثل تلك الحملات تصرف الرأى العام عن اهتمامات وواجبات الوقت. إذ بدلا من أن ينشغل الناس بتثبيت أقدام النظام الديمقراطى الجديد، ويعبأون لصالح تحقيق أهداف الثورة فى الدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. فإنهم يستدرجون للجدل حول أمور لا علاقة لها بهموم المجتمع ولا بأولوياته فضلا عن طموحاته.

لقد قلت ذات مرة إن الذين يشنون تلك الحملات يقدمون كراهية الإخوان على محبة الوطن. ولذلك فإنهم لا يترددون فى استمرار إثارة الجدل حول تلك القضايا الوهمية أو الآجلة، وفى تكريس الخوف والقلق دون اكتراث من جانبهم بتأثير ذلك على مسيرة الثورة ومستقبل الوطن. وإزاء إصرارهم على المضى فى ذلك النهج، فإن المرء حين لا يكون بمقدوره أن يثنيهم عما يمارسونه من تشويه وكيد، فانه لا يملك فى هذه الحالة سوى أن يفضح أساليبهم وينبه إلى التدليس فيها أولا بأول.


جريدة الشروق المصرية

الاثنين 9 شوال 1433
27 اغسطس 2012

mohamed5175
28-08-2012, 11:36 AM
شىء سيئ أن يشعر الأقباط فى مصر بالقلق بعد الثورة. أما الأسوأ فأن يحدث ذلك فى ظل صعود إسلامى يفترض أن مرجعيته كفيلة بتبديد ذلك القلق.




(1)



إلى عهد قريب، كنت أظن أن خطاب القلق والخوف مقصور على دوائر الغلاة بين الأقباط فى داخل مصر وخارجها، الذين ينتشر بينهم التعصب المقترن بسوء الظن. وكنت أعلم أن بين قيادات الكنيسة من دأب على تغذية ذلك التعصب. لكننى اكتشفت أخيرا أن دائرة القلقين أوسع مما تصورت، إذ زارنى فى مناسبة عيد الفطر نفر من عقلاء الأقباط الذين تربطنى بهم جيرة وصداقة، وقالوا لى صراحة أنهم أصبحوا خائفين من الأجواء الراهنة فى مصر. وحدثنى بعضهم عن أن أبناءهم قرروا الهجرة إلى الخارج لأنهم لم يعودوا مطمئنين إلى المستقبل فى ظل الصعود الإسلامى الراهن.



أعاد ذلك إلى ذهنى ما قرأته مؤخرا فى مقالة دينيس روس المساعد السابق للرئيس أوباما لشئون الشرق الأوسط، الذى أشار فى مقالته التى نشرتها صحيفة واشنطن بوست إلى أن مائة ألف قبطى، هاجروا من مصر بعد الثورة.



لاحظت أيضا أن نسبة عالية من الأقباط خرجت فى مظاهرات الجمعة الماضية (24/8)، على الأقل تلك التى خرجت فى مصر الجديدة وحى العباسية والظاهر، وقيل إن هدفها الأساسى هو إسقاط ما أسموه حكم الإخوان. كنت أعلم أن من دعا إلى خروج المظاهرات طاف ببعض الكنائس وظل يستثير الأقباط ويحرضهم ضد النظام القائم ليجذبهم إلى الانضمام إلى حملة إسقاط الرئيس وإنهاء حكم الإخوان. لم أستغرب ذلك، لأن صاحب الدعوة هو ذاته الذى ألقى كلمة قبل أشهر قليلة فى احتفال أقامه حزب الكتائب اللبنانى واعتبر فيه أن الدور الذى قام به سمير جعجع (صاحب السجل الأسود والمشبوه فى التاريخ اللبنانى الحديث) كان ملهما له. لكن ما استغربت له حقا أن يستجيب لتحريضه عدد لا بأس به من الأقباط، فينضمون إلى التظاهرة، الأمر الذى أضاف الاصطفاف الطائفى إلى الاصطفاف السياسى، وأطلق فى الفضاء المصرى رائحة فتنة فاحت منها رائحة استلهام تجربة الصراع الدموى بين الموارنة والمسلمين الذى سبقت الإشارة إليه فى التجربة اللبنانية.




(2)



لا أريد أن أعمم. وانبه إلى أهمية التفرقة بين مزايدين يتاجرون بالملف القبطى، ومتعصبين يدعون إلى المفاصلة ويرفضون التعايش إلا إذا تم وفق شروطهم، ومهرجين التمسوا الوجاهة السياسة من خلال عرض أنفسهم ممثلين للأقباط، وآخرين وقعوا فى فخ الاستخدام والغواية فتحالفوا مع الكارهين والكائدين للمسلمين والعرب، من بين المهاجرين إلى الولايات المتحدة وكندا بوجه أخص. أفرق بين هؤلاء جميعا وبين عامة الأقباط المصريين، الذين يدركون أنهم جزء من هذا الوطن ويقفون فى الصفوف الأولى من مناضليه وأبنائه الشرفاء.



عن الأخيرين أتحدث، وقلقهم هو الذى يزعجنى ويدفعنى إلى الإلحاح على تهدئة خواطرهم واستعادة ثقتهم، ليس فقط دفاعا عن السلم الأهلى وترسيخا لقواعد العيش المشترك، ولكن أيضا امتثالا للمرجعية الإسلامية، التى قررت لغير المسلمين حقهم فى البر والقسط (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). وقبل أن أخوض فى عناوين ملف المخاوف. انبِّه إلى أن التصنيفات التى سبقت الإشارة إليها ليست مقصورة على الأقباط وحدهم، وإنما هى قائمة فى أوساط المسلمين أيضا، حيث فيهم المعتدلون والمتطرفون والعقلاء والحمقى والأسوياء والمنحرفون.. إلخ.



ما الذى يقلق عقلاء الأقباط والمعتدلين منهم؟ ــ ألقيت السؤال على من أعرف من الأصدقاء والباحثين الذين أثق فى نزاهتهم، فحدثونى عن أمور وقعت وأخرى سمعوا بها، وثالثة يتوقعون حدوثها فى المستقبل، فى التفاصيل ذكروا ما يلى:



ــ فيما هو حاصل على الأرض فإنهم ذكروا مسألة بناء الكنائس وتوفيق أوضاع ما هو قائم منها. وأعربوا عن انزعاجهم من تكرار الاعتداء على بعض الكنائس، وتساءلوا عن أسباب التراخى فى محاسبة الذين يمارسون الاعتداءات التى طالت بعض الأفراد. وأبدوا تحفظهم إزاء عدم وجود تمثيل ملحوظ فى المناصب العامة. سواء تمثلت فى الحكومة الجديدة أو تعيينات المحافظين. أعربوا أيضا عن غضبهم من تصريحات بعض الدعاة الذين دأبوا على إهانة معتقداتهم ورموزهم من فوق المنابر ومنهم من علق على وفاة البابا شنودة الثالث بعبارة حزت فى نفوس الأقباط حين قال: هلك رأس الكفر(!).



ــ مما سمعوا به وليسوا متأكدين من حدوثه، أن بعض الفتيات القبطيات تعرضن للتقريع والإهانة أثناء سيرهن، بسبب عدم ارتدائهن للحجاب. وأخريات تم اختطافهن لإدخالهن الإسلام. وأن بعض الأقباط تم تهجيرهم من قراهم بدعوى عدم التعرض للاعتداء من جانب المسلمين. وأن هناك اتجاها لإخراج الأقباط من الجيش واستبعادهم من الوظائف العامة الحساسة فى الدولة. وأن خطة «الأخونة» وراء ذلك الإقصاء.



ــ التوقعات الشائعة بينهم بمثابة كوابيس تؤرقهم. من تلك التوقعات ما تتحدث به وسائل الإعلام عن تطبيق الشريعة وإقامة الحدود. وإعلان الخلافة الإسلامية. إضافة إلى التدخل فى الحريات الخاصة. ما تعلق منها بالأزياء والاختلاط، ومصادرة بعض الأنشطة من خلال التحكم فى وسائل الترفيه وإغلاق دور السينما وأماكن اللهو والحانات ومنع النساء من ارتداء ألبسة البحر. وممارسة الضغوط على البنوك بذريعة منع الربا. وفى اعتقادهم فإن عملية أخونة السلطة التى يكثر الحديث عنها هذه الأيام ما هى إلا مقدمة للانتقال إلى مرحلة أسلمة المجتمع فى مقتبل الأيام.




(3)



حين نظرت إلى تلك التحفظات وجدت أن بعضها حقائق قائمة على الأرض وأغلبها شائعات وظنون القلق من الحقائق مبرر حتى إذا اختلفنا فى تفسيرها. إذ لست أرى مبررا لتعليق ملف بناء الكنائس أو عدم توفيق أوضاع الكنائس التى أقيمت بالفعل خارج القانون. ومبلغ علمى على أن مشروعا موحدا لدور العبادة تم إعداده بمشاركة عدد من المثقفين المحترمين المسلمين والأقباط، لكن ذلك المشروع رفض من الأزهر ومن الكنيسة فى نفس الوقت. وفى كل الأحوال فإن هذا الموضوع من مخلفات النظام السابق ويتعذر احتسابه على وضع ما بعد الثورة، لكنى أجد أنهم محقون فى انتقادهم للتراخى فى محاسبة المسئولين عن الاعتداءات التى وقعت على الكنائس أو الأقباط، وكلامهم عن تمثيل كفاءاتهم فى الحكومة والمحافظين والمناصب العامة له وجاهته وينبغى الإصغاء إليه جيدا، بحيث لا تمثل الاستجابة له إحقاقا للحق فقط، ولكن أيضا للطمأنة وتعزيز الثقة، خصوصا أن بعض من حدثتهم قالوا انه لم يعد يكفى ان يرد عليهم بعبارة لهم ما لنا وعليهم ما علينا لانه من الضرورى ان يقوم البرهان على ذلك.



ما يتردد على ألسنة بعض الدعاة أو الأفراد المنتمين إلى الجماعات الإسلامية ــ السلفيين خاصة ــ لهم فيه كل الحق، حتى إذا برر البعض ذلك بأن ما يقال من جانب بعض القسس فى داخل الكنائس لا يختلف كثيرا عما يعبر به أولئك الدعاة. ذلك أن الخطأ لا ينبغى أن يعالج بخطأ مماثل، ثم إن مسئولية الأغلبية عن احترام مشاعر الأقلية تظل أكبر، والحساب عن الأخطاء أو الإهانات فى هذه الحالة ينبغى أن يكون أشد. وليتنا نعالج ذلك التجريح من جانب بعض الدعاة، بقرار حازم يعمم على جميع مساجد الأوقاف بوقف التعرض بأى إساءة لمعتقدات غير المسلمين. كما أننى أتمنى أن يعالج ذلك الوضع أيضا من خلال تفعيل نصوص قانون العقوبات التى تحاسب على ازدراء الأديان والتحقير من شأنها، علما بأن هذه المشكلة بالذات كانت موجودة قبل الثورة، ولكن صعود التيارات الإسلامية بعدها سلط عليها أضواء أقوى، وربما شجع عليها أيضا.



الشق الأصعب فى ملف المخاوف هو ما كان منه مبنيا على الشائعات والظنون المتعلقة بالحاضر أو المستقبل. وهو الجانب الذى تقوم فيه وسائل الإعلام بالدور الأكبر. ولا مفر من الاعتراف هنا بأن أكثر ما تبثه وسائل الإعلام مؤدٍ إلى التخويف وتعميق أزمة الثقة يعد استمرارا لسياسية «الفزاعة» التى كانت متبعة فى ظل النظام السابق، وأنه متأثر بالاستقطاب الحاصل فى مصر بعد الثورة وفيه من تصفية الحسابات والكيد السياسى بأكثر مما فيه من تحرى الحقيقة أو الدفاع عن السلم الأهلى والمصالح العليا للجماعة الوطنية.




(4)



ناقشت الموضوع مع عدد من الشخصيات المهتمة بالملف فى المقدمة منهم المستشار طارق البشرى والأساتذة نبيل مرقس وسمير مرقس وجمال أسعد والدكتور رفيق حبيب. ووجدت بينهم اتفاقا على أن وسائل الإعلام لعبت دورا سلبيا أساسيا فى إثارة مخاوف الأقباط، وأن أزمة الثقة الراهنة ليست بين المسلمين والأقباط فحسب، ولكنها أصبحت بين مختلف القوى السياسية بل أيضا بين السلطة والمجتمع.



وجدتهم متفقين أيضا على أن المخاوف ليست مقصورة على الأقباط وحدهم، لأن الطبقة الوسطى فى مصر التى يشكل المسلمون الشريحة الأكبر فيها، لها مخاوفها أيضا المتأثرة بالتعبئة الإعلامية والممارسات أو التصريحات الفردية، المستشار البشرى قال إن الأوهام والمخاوف فى هذا الموضوع أكثر من الحقائق. ودعا إلى عدم محاسبة المسلمين كافة عن أخطاء بعضهم، وقال إن كل خطأ ينبغى أن ينسب إلى صاحبه ويحاسب عليه من المسلمين، وفى هذه الحالة فإن التعميم على الكل يتعذر افتراض حسن النية فيه. نبيل مرقس اعترض على مصطلح الخوف وقال إن القلق وصف أدق لما تعانى منه الطبقة الوسطى المصرية وليس الأقباط وحدهم، وأن توسيع التمثيل للطبقة الوسطى فى دائرة صناعة القرار أو التمثيل النيابى كفيل بتبديد ذلك القلق الذى يساورها حول احتمالات تغيير نمط الحياة فى مصر. سمير مرقس قال إن الأقباط الذين كانوا فى الماضى بعيدين عن العمل السياسى رفعوا عاليا سقف توقعاتهم بعد الثورة وتصور أغلبهم أن السياسة معركة الجولة الواحدة، وقال إن المشاركة المجتمعية من جانب كل الأطراف والأطياف كفيلة بتحقيق الثقة المنشودة. واعتبر أن الإخوان يجب أن يقدموا تطمينات كافية للمجتمع، وقد أصبحت مسئوليتهم أكبر إزاء التصعيد السلفى. رفيق حبيب انتقد غلبة الفكر الافتراضى بين المسيحيين، وقال إن التفاعل بين المسلمين والمسيحيين على أرض الواقع كفيل بعبور الفجوة التى صنعها الإعلام. وهناك مشكلات بين الطرفين لا يحلها غير الحوار المباشر بين ممثلى الأزهر والكنيسة. جمال أسعد اعترض على الطرح الطائفى للملف، وقال إنه لا يحل إلا من خلال مشاركة مجتمعية يقوم بها الطرفان، باعتبارهم مصريين وليس بحسبانهم مسلمين أو أقباطا. وتساءل: لماذا لا نعمل معا فى مشروع قوى كبير مثل تعمير سيناء؟



لنا كلام آخر فى الموضوع الأسبوع القادم بإذن الله

جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 10 شوال 1433
28 اغسطس 2012

mohamed5175
29-08-2012, 11:27 AM
رحلة الرئيس محمد مرسى إلى الصين وإيران تستدعى العديد من الملاحظات والتساؤلات، خصوصا أننا نعلم الآن أن زيارة الصين لها أهدافها الاقتصادية بالدرجة الأولى، فى حين أن زيارة إيران التى قيل إنها سوف تستمر أربع ساعات فقط لا تحتمل أكثر من توجيه بعض الرسائل المقتضبة التى قد يتداخل فيها السياسى مع الاقتصادى. وإذا جاز لى أن أقارن بين الزيارتين فقد أقول إن زيارة الصين تستهدف دخول البيت والتفاعل مع أهله. أما زيارة إيران فلا تتجاوز محاولة التعرف على العنوان وفتح باب البيت المستعصى، والاكتفاء بمجرد إلقاء السلام على أهله. وهدف الأولى تحقيق المنافع أما هدف الثانية فقد لا يتجاوز وصل ما انقطع.

ما عندى من ملاحظات وتساؤلات منصب على الشق الاقتصادى من الزيارة بوجه أخص، الذى هو أكثر تحديدا ووضوحا فى الوقت الراهن.

الملاحظة الأولى أننا ينبغى ألا نتوقع جذبا للاستثمارات الخارجية إلى مصر قبل إصلاح الأوضاع الداخلية والبدء بتحريك عجلة التنمية فى البلد. لأن المستثمر يتوجه إلى البيئة التى يطمئن إلى أنها تشكل إغراء جاذبا له، وهو ليس مستعدا للمغامرة بالذهاب مثلا إلى بلد أغلق فيه 2000 مصنع أبوابه، ومصانعه الكبرى تعانى من مشكلات تهددها بالإغلاق. لذلك فقد تمنيت أن يعالج الرئيس والحكومة معه المشكلات الأساسية التى يعانى منها الاقتصاد فى الداخل، قبل أن يخاطب أهل الخارج. وللعلم فإن ذلك ما فعلته الصين والهند. حيث لم تتقاطر عليهما الاستثمارات الخارجية إلا بعد أن اقتنع المستثمرون بأنهم مقبلون على فرصة واضحة المعالم وليسوا مقدمين على مغامرة لا تعرف عواقبها.

الملاحظة الثانية تعيد التذكير بأهمية مراجعة ونقد الفلسفة الاقتصادية المهيمنة فى مصر، والتى كان لها تأثيرها الواضح على برنامج «النهضة» الذى تبناه الدكتور مرسى. وهى الفلسفة التى تعطى الأولوية لتحرير التجارة وتشجيع الاستثمار والاستقدام من الخارج، فى حين تتجاهل للأسف معطيات الداخل وقدراته وخصوصيته. الأمر الذى يعنى انها تعتنى بالاستنساخ بأكثر مما تعتنى بالإبداع، وتقدم الحلول الجاهزة والمعلبة على الحلول المبتكرة النابعة من القدرات الذاتية والإمكانات المحلية.

الملاحظة الثالثة متصلة بسابقتها وتعد ترجمة عملية لها. ذلك ان وفد رجال الأعمال الذى سافر مع الرئيس فى رحلته ضم أشخاصا يمثلون شركات تجارية ومكاتب للاستيراد، الأمر الذى أعطى انطباعا باهتمام الحكومة بالاستيراد من الخارج، وعدم اهتمامها بالإنتاج والتصدير. ولم تكن تلك هى الملاحظة الوحيدة على الوفد المسافر لأننى سمعت من بعض رجال الأعمال قولهم ان الذين رافقوا الرئيس فى رحلته هم أنفسهم المجموعة التى التقته بعد توليه السلطة، وقيل لى أيضا إن عددا من رجال الأعمال الذين التفوا حول جمال مبارك وأبيه فى النظام السابق، وحققوا من وراء ذلك مكاسب لا حدود لها، استطاعوا ان يلتفوا حول القيادات الجديدة وان يصبحوا من أركان الوضع الاقتصادى المستجد. ومن المفارقات ان العديد من الخبرات والكفاءات التى حوربت وأبعدت عن محيط العمل العام فى ظل النظام السابق بسبب اعتراضهم على سياساته، هؤلاء تم اقصاؤهم واستبعادهم أيضا من المشهد الحالى، ربما تأثرا بآراء ومواقف عناصر النظام السابق الذى فرضوا أنفسهم على مشهد ما بعد الثورة.

الملاحظة الرابعة أننى أدركت أن ضعف التواصل بين الرئاسة والحكومة وبين النخبة ومؤسسات المجتمع ليس مقصورا على السياسيين والإعلاميين وحدهم، ولكنه حاصل أيضا بالنسبة للاقتصاديين ورجال الأعمال. وفيما فهمت فإن ذلك التواصل فيما خص الأخيرين يكتنفه الغموض، بمعنى انه بات مقصورا على دائرة محدودة مغلقة على ذاتها، فى مسلك يبدو متأثرا بأساليب وتقاليد الجماعة، التى لم تنفتح بعد على نهج الدولة، الذى ينبغى أن يتسم بالوضوح والشفافية.

الملاحظة الخامسة والأخيرة هى أننى كنت قد دعوت فى وقت سابق إلى ترتيب لقاء بين رموز السلطة فى مصر وبين الخبرات الاقتصادية المصرية، للاتفاق على تشخيص الأزمة ومحاولة وضع حلول لها تعالج الثغرات الحاصلة بعد ترتيب أولوياتها. وبشكل أخص تحدد نقطة البدء وما هو عاجل من الأهداف وما هو ضرورى وما يمكن تأجيله، لكن يبدو أنه ليس لدى السلطة التنفيذية استعداد لممارسة مثل هذا الوضوح والشفافية فى الوقت الراهن.

إن الارتباك مفهوم فى بدايات تأسيس النظام الجديد، والاعذار مطلوب أيضا، مع ذلك فإننى أتمنى ان تمارس الجهات المعنية بترتيب رحلات الرئيس من جانبها نقد الذات وتصحيح الأخطاء أو إزالة الالتباسات، حتى تحقق تلك الرحلات النجاح المرجو لها، بحيث تصبح إضافة إلى رصيد الوطن، وليس مجرد فرصة لتلميع صورة الرئيس وإثبات حضوره والإشادة بتحركاته.

جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 11 شوال 1433
29 اغسطس 2012

mohamed5175
30-08-2012, 12:16 PM
دُعى الخبير إلى اجتماع فى مقر وزارة التعاون الدولى فى القاهرة. كان موضوع الاجتماع بحث مشكلة الصيادين المعتصمين على شواطئ بحيرة مريوط، بسبب تعثر حل مشكلة «بوص» البحيرة الذى يهدد بقطع أرزاقهم، باعتبار أن نباتات البوص التى تغطى 75٪ من مساحة البحيرة (19 ألف فدان) تمثل عائقا لشباك الصيد، مما يصيب مهنتهم بالشلل التام. فى الاجتماع قىل للخبير المدعو ولغيره من المشاركين أن تكلفة الحفارات المطلوبة لاجتثاث البوص تصل إلى 18 مليون جنيه فقط. فى حين أن المبلغ المتوافر لهذا الغرض فى موازنة الوزارة لا يتجاوز 5 ملايين جنيه فقط. وخشية تفاقم الوضع فى ظل احتمال وصول المعتصمين إلى مقر الوزارة بالقاهرة.

كان الاقتراح المطروح من قبل مسئولى الوزارة هو تأجير الحفارات للقيام بمهمة اجتثاث البوص خلال أسبوع، بتكلفة 2.5 مليون جنيه. أضاف أولئك المسئولون إنه فى وقت سابق تم التعاقد مع شركة «المقاولون العرب» للتخلص من بوص البحيرة مقابل 50 مليون جنيه، إلا أن الشركة لم تستطع القيام بالمهمة بعدما تبين لها أن تكلفة المتر المربع الواحد تصل إلى 20 جنيها.

الخبير الدكتور حامد الموصلى الذى يترأس مجلس إدارة الجمعية المصرية للتنمية الذاتية كان له رأى آخر، دعا فيه إلى التفكير فى الموضوع بطريقة مختلفة.


بالنسبة لمسألة تعويق نشر شبكات الصيد، اقترح الدكتور الموصلى تطهير ممرات محددة لتحركات الصيادين فى البحيرة (وهذه يمكن أن تستخدم أيضا للحركة السياحية). أما السطح العام للبحيرة فسيتم التعامل معه كنسق حيوى، ويكتفى بالحصاد المستمر للبوص. وفى هذه الحالة يمكن إقامة «أكشاك» على شاطئ البحيرة لتكون منافذ لبيع منتجات البوص، للسياحة الداخلية والخارجية.

أضاف الدكتور الموصلى قائلا: عندما عدت من الاجتماع أدركت أن مشكلة الصيادين فى بحيرة مريوط يمكن أن تتكرر فى بقية بحيرات مصر الشمالية (البرلس والمنزلة والبردويل). وقلت إننا بحاجة لأن نقدم نموذجا قوميا لتنمية تلك البحيرات كأنساق بيئية متميزة، مع تحقيق متطلبات نشاط مجتمع الصيادين لها، بحيث تستبعد فكرة اجتثاث البوص لتستبدل بعملية الحصاد التى تعالج فقط النمو الزائد منه. علما بأنه بالإضافة إلى الحاجة للبوص لصناعة ألواح الخشب الحبيبى لصناعة ألواح الخشب فى المصانع القريبة (فى الإسكندرية وطنطا وبنها)، فهناك حاجة ماسة إليه لصناعة السماد العضوى اللازم لصناعة السماد المطلوب لاستصلاح الأراضى فى المناطق القريبة.

بعدما انفض الاجتماع الذى انعقد فى منتصف شهر مايو الماضى، (قبل شهرين ونصف الشهر تقريبا)، عاد الدكتور حامد الموصلى إلى مكتبه وأعد تفاصيل مشروعه للحصاد المستدام للبوص فى بحيرة مريوط كنموذج لتمويل مشكلة تعويق نباتاته للصيد إلى مشكلة تنموية. ومنذ قدم المشروع إلى وزارة التعاون الدولى فإنه لم يتلق ردا على ما قدمه. ويبدو أن مشكلة اعتصام الصيادين حول البحيرة قد تم حلها بصورة أو أخرى، بالتالى لم يعد هناك ما يقلق المسئولين في الوزارة.

ولم تعد هناك حاجة لتفكير آخر فى الموضوع يحول المشكلة إلى فرصة تنموية. فى رأيه إن الجميع صاروا مشغولين فيما يبدو بالعراك السياسى ولم يعد أحد مستعدا للتفكير الجاد فى التنمية.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 12 شوال 1433
30 اغسطس 2012

mohamed5175
01-09-2012, 11:44 AM
أداء الرئيس محمد مرسى فى رحلته إلى الصين وإيران كان جيدًا، لكنه لم يفتح عكا، كما يقول التعبير الشائع. فالرجل لم ينتصر فى حرب ولم يكن عائدًا من المنفى، أو فائزا بذهبية فى سباق دولى، بحيث يدعو البعض إلى التوجه لاستقباله فى مطار القاهرة، أو التجمع حول بيته لتهنئته، بما حققه من «إنجاز». ولا أخفى أننى شعرت بالاستياء حين وقعت على مثل تلك الدعوات فى موقع «تويتر» لأنها ذكرتنى بما ظننت أننا تجاوزناه ونحب أن ننساه، لذلك فإننى سارعت إلى تحرى الأمر، فعلمت من الدكتور عصام العريان القائم بأعمال رئيس حزب الحرية والعدالة إن الحزب لم تكن له علاقة بتلك الدعوة التى يرفضها.



وفهمت من اتصالات أخرى أن بعض السلفيين هم الذين أطلقوها، لأنهم كانوا فى مقدمة الذين تحفظوا على زيارة الرئيس لطهران باعتبار أن لهم موقفهم التقليدى المخاصم للشيعة، لكنهم حين وجدوا أنه فى خطبته أشار إلى الخلفاء الراشدين (الذين لا يذكرهم بعض الشيعة بالخير) فإنهم وجدوا فى كلامه نفسا سنِّيا يستحق التحية. لذلك فإنهم دعوا إلى الترحيب به فى المطار فيما بدا أنه سحب لاعتراضهم على زيارته.



فهمت أيضا أن الذين تجمعوا حول بيته هم بعض جيرانه والمتحمسين له من شباب الحى الذى يسكنه. لكننى لم أغير رأيى فى أنه مهما كان الأمر فإن الرئيس إذا أدى عمله وقام بما يتعين عليه أن يفعله فلا ينبغى أن يعذ ذلك حدثا استثنائيا يقتضى هتافا وتهليلا وزحفا جماهيريا يعلن الولاء ويجدد البيعة، ويعطينا انطباعا بأن الرئيس يصنع التاريخ حيثما ذهب.



ما أتمناه أن نعطى الرئىس حقه بغير تزيُّد. ذلك أن الذين هللوا لعودته لم يختلفوا كثيرًا عن الذين لطموا الخدود وشقوا الجيوب يوم فاز الرجل ودخل واحد من الإخوان إلى القصر الجمهورى.



ولئن تصرف الأولون بخفة وبالغوا فى مشاعرهم، فإن الآخرين استسلموا لسوء النية أو الجهل ولم يخفوا مراراتهم، والموقفان اتسما بالتطرف وعدم النضج السياسى على اختلاف نواياهم.



مبالغة البعض بالحفاوة بعودة الرئيس، لم تختلف كثيرًا عن مبالغة آخرين من الإعلاميين ممن قالوا إن زيارة الرجل للصين وإيران تعنى تحول اتجاه السياسة المصرية إلى الشرق، بعدما ظلت طويلا معلقة الأبصار والمصالح بالغرب. ومنهم من تحدثت على خريطة جديدة للمنطقة بعد الزيارة، فى حين أن الأمر ليس كذلك، ذلك أن ارتباطات مصر وتعهداتها للغرب والولايات المتحدة بوجه أخص أمتن وأكثر تعقيدا من أن تغير منها زيارة لعدة أيام للصين، وزيارة أخرى لبضعة ساعات لطهران.



إن غاية ما نستطيع أن نقوله بخصوص الزيارة أنها تضمنت أكثر من رسالة إيجابية سواء فيما خص العلاقة مع الصين أو إيران، والأخيرة تحيط بها ملابسات وضغوطات عربية وإقليمية ودولية لا قبل للرئىس مرسى بها، وهو لم يتول السلطة فى مصر إلا منذ نحو ثلاثة أشهر فقط. وقد سبق أن قلت إن زيارته لإيران لو اكتفت بتذويب الجليد بين البلدين الكبيرين لكانت خطوة مهمة فى رحلة الألف ميل، التى ينبغى أن نقطعها لكى تصل إلى تطبيع العلاقات بين البلدين، ليس فقط لتبادل المصالح بينهما ولكن أيضا لكى نطوى صفحة العار الذى بمقتضاه تصالحنا وطبعنا العلاقات مع العدو التاريخى. فى حين خاصمنا وقاطعنا الشقيق الذى يفترض أن يكون حليفًا استراتيجيا.



سندرك الوجه الإيجابى فى الزيارة إذا تذكرنا أن مصر خارجه لتوها فى مرحلة الانبطاح السياسى وأنها لن تستطيع أن تستعيد قوامها لكى تنهض وتقوم بما تمليه عليها مسئولياتها كدولة كبرى فى المنطقة، إلا إذا استقرت أوضاعها الداخلية سياسيا واقتصاديا وأمنيا. وما تفعله الآن أنها تحاول أن تتقدم على تلك الأصعدة. ومن المبكر القول بأن الزيارة أعادت التوازن فى علاقاتها بين الشرق والغرب، أو أن خرائط وتوازنات المنطقة بصدد التغيير بعدها، لأن ذلك يعد من قبيل الأمنيات التى لا تمت بصلة إلى الواقع الراهن.



نريد أن نقول للرئىس أحسنت إذا ما خطا خطوة إيجابية، بغير تزيُّد أو غلو، تماما بقدر حاجتنا لأن نقول له أسأت إذا ما أخطأ التقدير أو الحساب، مهتدين فى ذلك بقول سيدنا أبو بكر الصديق، رضى الله عنه، الذى قال لقومه يوم تولى الخلافة، «لقد وُلّيت عليكم وليست بخيركم، فإن أحسنت فأعينونى وإن أسأت فقومونى»، ونحن نريد أن نعينه وأن نقومه فى ذات الوقت ولا خير فينا إذا نحن أقدمنا على الأولى وأحجمنا عن الثانية أو العكس.


جريدة الشروق المصرية
السبت 13 شوال 1433
1 سبتمبر 2012

طالبة الجنة
01-09-2012, 10:00 PM
هختلف انهاردة مع الاستاذ فهمى انا بشعر إن الرئيس فعلاً فى كل تحركاته وأقواله يصنع التاريخ فعلاً

mohamed5175
02-09-2012, 11:32 AM
هختلف انهاردة مع الاستاذ فهمى انا بشعر إن الرئيس فعلاً فى كل تحركاته وأقواله يصنع التاريخ فعلاً


التجربة بالفعل جديدة علينا لأننا من فترة طويلة لم نجد يقوم على امورنا بجدية كما يفعل السيد الرئيس
انما الواجب اننا لا ننبهر بكل ما يفعل
ما كان صحيحا فهو صحيح ويشكر عليه ( على الرغم من تحفظي على الشكر على ما كان واجب ) وما كان خطأ فهو خطأ يستوجب التصويب

mohamed5175
02-09-2012, 11:36 AM
فى الأسبوع الماضى، استقبلت الساحة السياسية المصرية مولودا جديدا باسم حزب الدستور يقوده الدكتور محمد البرادعى، وحسب معلوماتى فإن مؤسسيه أنفقوا أسبوعين أو ثلاثة فى مناقشة ما إذا كان المولود الجديد يكون حزبًا فقط أم عنوانا لتحالف أحزاب عدة.. ومن الواضح أن كفة الفكرة الأولى هى التى رجحت. ويبدو أن حزب الدستور لن يكون آخر المواليد وإن كان أحدثهم، لأننى أعرف أن هناك خمسة أحزاب أخرى على الطريق. وطالما أن الباب مفتوح على مصراعيه فينبغى أن تتوقع المزيد، علما بأن بعض الأحزاب الجديدة ــ والقائمة أيضاً ــ تعول على البث الفضائى بأكثر من تعويلها على التأييد الجماهيرى على الأرض.



ولئن خبرنا فى السنوات الأخيرة نماذج لأحزاب لم يكن لها وجود يذكر إلا من خلال الجريدة التى تصدرها، فإن التطور الجديد فى الموضوع لم يكتف بالجريدة ولكنه توسل في إثبات الحضور بإنشاء قنوات تليفزيونية، وهذه الأخيرة ظهرت بوضوح بعد الثورة. ويبدو أن رجال الأعمال فى ظل النظام السابق اكتفوا فى إثبات الوجود بتحالفهم مع السلطة، وبعد سقوط ذلك النظام وسقوط ذلك التحالف بالتالى. فإنهم نقلوا نشاطهم إلى ساحة الإعلام الذى استمدوا منه القدرة على إثبات الحضور والقوة على التأثير فى الرأى العام، وفى القرار السياسى أيضا.



الترحيب مستحق بالحزب الجديد وبكل حزب آخر يتوسم مؤسسوه أن بوسعهم أن يقدموا شيئا من خلاله للناس والوطن. والتقدير واجب للمناخ الجديد الذى أتاح للأحزاب أن تخرج من رحم المجتمع وليس من مقر جهاز أمن الدولة. بالتالى فإنه سمح لأصحاب الأفكار أن يجهروا بما عندهم دون خوف أو وجل، ويحتكمون بعد ذلك إلى الناس الذين يقررون من خلال الانتخابات الحرة ما إذا كان الحزب يجب أن يستمر أو يندثر، دون أن يخضع كل ذلك لوصاية من جانب الرئيس وزبانيته أو أجهزته الأمنية.



لا أجد غضاضة فى أن تظهر فى الفضاء المصرى عشرات الأحزاب، وهو ما عبرت عنه من قبل، منبها إلى ثلاثة أمور، الأول أننا عانينا طويلا من الجدب السياسى الذى أدى إلى إخراج المجتمع من السياسة وعزوفه عنها، وهذا الشعور بالجدب ولد رغبة عارمة وشوقا شديدا إلى التنفيس والمشاركة بعد الثورة، التى أعادت الناس إلى السياسة وأنهت زمان قطيعتهم لها وغربتهم عنها. لذلك فإنه يظل إيجابيا وصحيا أن نشهد ذلك التسابق والتنافس على تأسيس الأحزاب. أما الأمر الثانى فهو أن ذلك التنافس أمر مشهود فى دول عدة. حتى أن اليابان بعد خروجها من هزيمة الحرب العالمية الثانية تشكل فيها نحو 400 حزب تنافست على استعادة الحلم الذى أجهض. الأمر الثالث أنه لا قلق من ظاهرة كثرة الأحزاب طالما كنا واثقين من نزاهة الانتخابات، لأن تلك النزاهة ستتكفل بتحديد الأحجام الحقيقية لكل حزب، ومن ثم تجنيب البلاد احتمالات التشرذم والفوضى.



من الجدير بالملاحظة أنه فى الوقت الذى تتكاثر فيه الأحزاب حينا بعد حين، فإن الطبقة السياسية فى مصر أدركت أنه يتعين الانتقال إلى مرحلة التحالفات فيما بينها، أغلب الظن لأنها أدركت أن الكثرة أضعفت الجميع فى الانتخابات البرلمانية، الأمر الذى مكن الإخوان ومعهم السلفيون ــ وهما الأكثر تنظيما ــ من الفوز بالأغلبية. فظهرت فى الأفق خلال الأسابيع الأخيرة كيانات حملت أسماء من قبيل: تحالف الأمة المصرية ــ التيار الشعبى ــ التيار الثالث ــ التيار الوسطى ــ التيار اليسارى.



هذه التحالفات بدورها ينبغى الترحيب بها، إلا أنه يعيبها ثلاثة أمور، الأول أنها تتشابه فى برامجها ولا تقدم تنوعا فكريًا يذكر، إذا استثنينا التيار اليسارى، وهو ما يعطى انطباعا بأنها تحالفات حول أشخاص وليست أفكارا.



الثانى إنها تكاد تلتقى على محاولة منافسة الإخوان وتحديها، بالتالى فهى متفقة على ما ترفضه ومختلفة حول ما تقبل به.



الأمر الثالث أنها تندرج تحت مسمى القوى المدنية، الذى سيظل تعددها سببا فى إضعاف موقفها فى مواجهة الإخوان.



هذا بدوره ينبغى ألا يكون سببا للإنزعاج إذا نظرنا إليه باعتباره خطوة باتجاه النهوض من وسط أنقاض النظام السابق ــ الذى لم يتح لأية قوة سياسية حقيقية أن تتبلور وتنضج فى عمل الشرعية، بحيث لم تتوفر القدرة التنظيمية إلا للجماعات التى تشكلت خارج الشرعية (الإخوان والسلفيون مثلًا).



لا أعرف ما إذا كان تعدد القبائل السياسية سوف يستمر أم لا، لكنى أذكر بما سمعته ذات مرة من الدكتور عبدالعزيز كامل رحمه الله (الوزير الأسبق وأستاذ الجغرافيا السياسية) من أن العمل الجماعى ليس من السمات المتعارف عليها لدى المصريين. وقد دلل على ذلك بالأهرامات الثلاثة التى خلفها الفراعنة وظلت دليلا على أن كل فرعون رفض أن يدفن فى هرم آخر، وقرر أن يبين لنفسه هرما مستقلا، وهى فكرة قد تحتاج إلى مناقشة، لكنها تدعونى إلى التساؤل عما إذا كانت خلفية التحالفات الجديدة التى ظهرت فى مصر موصولة بفكرة الأهرامات الثلاثة أم لا.


جريدة الشروق المصرية
الاحد 15 شوال 1433
2 سبتمبر 2012

mohamed5175
03-09-2012, 12:06 PM
ثورة اليمن فى خطر. فهى ليست معرضة للاجهاض فحسب، وإنما صار البلد كله مهددا بالتفكيك. بعدما أصبح يعيش وضعا غاية فى الغرابة. إذ قد لا يخطر على بال أحد أن اليمن بعد الثورة أصبح خاضعا لرئيسين وجيشين وإعلامين. صحيح أن الرئيس الشرعى عبدربه منصور هادئ يمارس عمله فى مكتبه، إلا أن الرئيس السابق على عبدالله صالح الذى أجبر على التنحى عن منصبه بعد طول مساومة ومراوغة لايزال طليقا وموجودا فى البلد، لا هو غادر صنعاء، ولا هو اعتزل السياسة أو التزم الصمت، كما أنه لم يحاسب على ممارسات عهده بعدما منحته المبادرة الخليجية الحصانة وأمنته هو وأسرته. ولأنه استمر قابضا على السلطة لأكثر من ثلاثين عاما، فقد صار له نفوذه ورجاله وثروته. إضافة إلى أن ابنه لايزال يتولى رئاسة الحرس الجمهورى. وهو ما جعل العاصمة صنعاء مقسمة بين نفوذ الرجلين، الذين صار لكل منهما منبره الإعلامى، الأمر الذى أعطى انطباعا بأن فى البلد نظامين متنافسين لا يمثل أى منهما مركز القوة، وإنما حول الرجلين إلى مركزين للضعف يتعايشان جنبا إلى جنب فى العاصمة. الأمر الذى قلص كثيرا من نفوذ الدولة وهيبتها.

حين ضعف المركز كان من الطبيعى أن ينفرط عقد الأطراف. وحين ينحسر ظل الدولة ويتراجع نفوذها فلم يكن غريبا أن تصبح القبيلة هى الحل. وما حدث فى اليمن ذهب إلى أبعد من ذلك، فقد كانت تلك فرصة الحوثيين فى الشمال، لأن يلتقطوا أنفاسهم ويرتبوا صفوفهم ويعززوا موقفهم فى مواجهة النظام الذى عمد إلى قمعهم منذ خمس سنوات، حتى انهم اطلقوا قناة فضائية باسم «المسيرة»، وكادوا يكتسبون وضعا أقرب إلى وضع الأكراد فى شمال العراق، من حيث احتفاظهم بخصوصية كيانهم مع بقائهم فى داخل الدولة، بل انهم تمددوا حتى تجاوزوا صعدة إلى عمران. وصارت لهم امتدادات أو خلايا فى صنعاء ذاتها. وهناك من يهمس قائلا بأنهم يرشحون أنفسهم لكى يقيموا نموذجا للإمامة الجديدة فى اليمن.

الأمر فى الجنوب أسوأ وأشد خطرا. لأن المطروح الآن دعوة لانفصاله والعودة إلى وضع ما قبل سنة 1990، الذى تمت فيه الوحدة بين شطرى اليمن. وتشهد المحافظات الجنوبية هذه الأيام مظاهرات تنادى بالانفصال، وهو ما حدث أخيرا فى لحج والضالع، وقبلهما فى عدن. ويقود الحراك الجنوبى هذه الدعوة رافعا شعارات من قبيل «فك الارتباط مطلبنا» و«الاستقلال خيارنا».

من الأحداث اللافتة للنظر فى هذا السياق أن أحد أبرز دعاة الانفصال، السيد أحمد الحسنى عاد من منفاه أخيرا إلى لحج، وصار يتحدث علنا عن تحرير الجنوب من نظام «الاحتلال» فى الشمال. وهى الدعوة التى تلقى ترحيبا فى الشارع الجنوبى، الذى عانى الكثيرا فى ظل حكم الرئيس السابق، منذ عمد نظامه إلى إقصاء الجنوبيين ونهب ثروات بلادهم. ورغم أن الوضع اختلف إلى حد كبير بعد الثورة (رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، من الجنوب) فإن ذلك لم يمح ذكريات مظالم السنوات التى خلت، أو المرارات التى خلفتها.

لقد قلت ذات مرة إن الاستبداد لا يدمر الحاضر وحده، ولكنه يخرب المستقبل أيضا، لأنه يسعى إلى حرق بدائله وإخصاء المجتمع، لكى يظل الخيار الوحيد الذى لا بديل عنه. والحاصل فى اليمن نموذج لذلك. ذلك أن سياسة الرئيس السابق هى التى فجرت التمرد فى الشمال بين الحوثيين وهى التى اطلقت شرارة مقاومة الهيمنة والدعوة للاستقلال فى الجنوب. وهى التى شجعت بعض الشبان على استخدام السلاح والالتحاق بـ«القاعدة»، بعدما أصبحت الصيغة الوحيدة المتاحة أمامهم لتحدى الظلم وإيقافه عند حده.

فى محاولة لإنقاذ اليمن من التفكك فإن الرئىس هادى دعا إلى مؤتمر للحوار الوطنى يفترض أن يعقد فى شهر نوفمبر المقبل، ويشارك فيه «الحراك الجنوبى»، وعلمت أن اللجنة التحضيرية للمؤتمر إعدت قائمة ضمت 20 مطلبا يتعين الاستجابة له، للتهدئة ورأب الصدع وإنجاح المؤتمر. من هذه المطالب توجيه اعتذار إلى أبناء المحافظات الجنوبية عما عانوه من مظالم، وإعادة الموظفين والعسكريين الذين تم تسريحهم بعد حرب إخضاع الجنوب فى عام 1994، وصرف مستحقات المتضررين فى تلك السنوات العجاف.

لا نستطيع أن نتنبأ بمصير مؤتمر الحوار، لكننى أخشى أن يكون وقت رأب الصداع فى الجنوب أو الشمال قد فات، ومن ثم أرجو ألا يلحق اليمن بالسودان فى انفصال الجنوب، أو يلحق بالعراق فى شبه انفصال الشمال. وإذا لاحظت أن ذلك يتم فى حين تثار فى الفضاء العربى شكوك وأسئلة حول تمزق ليبيا وتفكيك سوريا وانفراط الأوضاع فى لبنان، فإن ما نراه يحذرنا من أن العالم العربى بصدد الدخول فى طور جديد يشوه «الربيع» الذى انعشه وأعاد الحيوية إلى شرايينه وأطرافه.

يحزننا ويصدمنا الذى يحدث فى اليمن، ويخزينا وقوف العالم العربى منه موقف المتفرج (هل نبالغ إذا قلنا إن بعضه يقف موقف الشامت؟) ــ ذلك أن ما نراه لا يمثل محاولة لإجهاض ثورة الشباب هناك فحسب، لكنه يجهض أيضا بعضا من أحلامنا. نحن الذين حلمنا يوما بوحدة الأمة العربية، ثم توالت انتكاساتنا حتى صرنا نحلم بوحدة كل قطر عربى على حدة.


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 16 شوال 1433
3 سبتمبر 2012

mohamed5175
04-09-2012, 11:25 AM
لا تستطيع مصر أن تحتمل طويلا استمرار الحرب الأهلية الباردة الدائرة على أراضيها بين قبائلها السياسية التى باتت أخطر معوقات إقامة نظامها الجديد. وأرى لذلك حلا يتمثل فى استدعاء صيغة «حلف الفضول» علّها تخرجنا من المأزق.


(1)

أكاد أرى تشابها بين الحاصل فى مصر بعد الثورة وبين حروب ملوك الطوائف فى الأندلس قبل أكثر من ألف عام. ذلك أنه حينذاك (عام 422 هجرية) أعلن الوزير أبوالحزم بن جهور سقوط الدولة الأموية، فتسابق أمراء الولايات على إقامة ممالك مستقلة لهم مستفيدين من ثراء الخلافة وانفراط عقدها. وكانت النتيجة أن قامت على أرض الأندلس 23 دويلة تحول التنافس بينها إلى تنازع واحتراب. وقد استمر ذلك الصراع بين الأشقاء، وطال أجله فى الوقت الذى كانت فيه جيوش الفرنجة فى الشمال تتربص بهم، تحت قيادة الملك ألفونسو السادس وزوجته إيزابيلا، الصراع أضعف ملوك الطوائف، الذين حاول بعضهم الاستقواء بالفرنجة ضد أشقائه. وانتهى الأمر بهزيمة الجميع وسقوط الأندلس فى أيدى الفرنجة.

من المصادفات أن عدد الدويلات التى قامت فى الأندلس بعد سقوط الدولة الأموية (22 دويلة) قريب من عدد الأحزاب والجماعات السياسية التى تبلورت بعد سقوط النظام السابق فى أكثر من 20 حزبا. وإذا كان ملوك الطوائف تقاتلوا فيما بينهم بالسلاح، ومنهم من حاول الاستقواء بالفرنجة، فإن الصراع فى مصر بات يدور فى ساحة الإعلام، التى هى أقوى تأثيرا، ومن بين زعماء طوائفنا من لجأ إلى الاستعانة فى بفلول النظام السابق لكى يرجح كفته فى مواجهة المنافسين، وكان ذلك واضحا فى انتخابات رئاسة الجمهورية، وشهدناه فى سعى بعض الأحزاب الجديدة إلى جذب عناصر الحزب الوطنى سيئ الذكر.

من الفروق المهمة بين التجربتين أننا عرفنا ما الذى انتهى إليه الأمر فى الأندلس، لكن اقتتال الطوائف عندنا لا يزال مستمرا ولا نعرف له نهاية، وإن كانت خبرة التاريخ تدلنا وتحذرنا من النهاية التى تؤدى إلى هزيمة الجميع وضياع الوطن.


(2)

إذا اقتربنا أكثر من تفاصيل الواقع المصرى فسنجد أن علاقات القوى السياسية تعانى من مشكلتين أساسيتين، الأولى تتمثل فى أزمة الثقة سواء بين الأحزاب بعضها البعض، أو بين التيار العلمانى والتيار الإسلامى. وهى الأزمة التى ولدت سوء ظن كل طرف بالآخر، أما المشكلة الثانية فتتمثل فى غياب الإجماع الوطنى حول القضايا الأساسية، حتى بدا وكأن ثمة خلافا فى أصول المشروع الوطنى وليس فى فروعه. وهو ما تبدى فى الخلاف حول هوية الدولة ذاتها، وهل تكون دينية أو مدنية.

فى تتبع جذور الأزمة سنكرر ما سبق أن قلناه من أن النظام السابق حين دمر القوى السياسية وأصابها بالإخصاء والإعاقة، فإنه لم بينها وبين المشاركة فى الشأن السياسى فحسب، وإنما حرم تلك القوى من أن تعمل مع بعضها البعض، الأمر الذى أثر بالسلب على الثقة والمعرفة المتبادلة. وفى غيبة ثقافة الممارسة الديمقراطية لم يكن غريبا ولا مفاجئا أن يتوجس كل طرف من الآخر، وأن تصبح شيطنة كل منهم إزاء الآخر هى الأصل والأساس. وما عرضته فى الأسبوع الماضى نموذج لذلك، حين بينت أن نصيب الأوهام من مخاوف الأقباط فى الوقت الراهن أكبر بكثير من حصة الحقائق. والحاصل بين الأقباط والمسلمين ليس مختلفا كثيرا عن الحاصل بين القوى السياسية المختلفة، إذ الفجوة واحدة وغربة كل طرف عن الآخر أيضا واحدة.

ليس ذلك كل ما فى الأمر، لأن حروب الطوائف السياسية المصرية تأثرت بعاملين مهمين، هما: فتنة القسمة بين الدينى والمدنى ــ وخطاب التيارات الإسلامية الذى أصبح يشكل عقبة دون تحقيق التوافق المنشود والثقة المرجوة.

لا أعرف من الذى أطلق شرارة الفتنة، لكنى أجد القسمة بين الدينى والمدنى من الخطورة بمكان. من ناحية لأنها أقحمت الهوية الدينية فى الصراع، فى حين يفترض أن محور الخلاف هو الرؤية السياسية. ومن ناحية ثانية فإن القسمة اختزلت أزمة الثقة وعبرت عن سوء الظن، فعبرت مقدما عن تقدير القوى المدنية وتصويرها بحسبانها طليعة التقدم، وأوحت بتصنيف القوى الدينية باعتبارها نقيض ذلك وهى إلى التخلف أقرب. وذلك تقسيم مشكوك فى براءته ومطعون فى صوابه من الناحيتين النظرية والعلمية.

سوء النية واضح فى صياغة المصطلح، الذى يمثل دعوة مبطنة إلى إضفاء الجاذبية والإشراق على طرف، وحث على النفور والانفضاض من حول الطرف الآخر. فى الوقت ذاته فالمصطلح مغلوط من الناحية النظرية لأن ما هو مدنى بمعنى أنه مؤسسى وموكول إلى إرادة البشر يمكن أن تكون له مرجعيته الدينية كما يمكن أن يكون له جذوره العلمانية، والحضارة الإسلامية بكل جلالها وثرائها كانت لها مرجعيتها الدينية. كما أن نظام الوقف، الذى هو ابتكار إسلامى صرف، ليس سوى عمل مدنى يحقق المصالح الدنيوية التى تنفع الخلق، لكنه ينطلق من ابتغاء وجه الله تعالى واستجلاب رضاه. وقبل أن يستخدم المصطلح فى تلغيم الساحة السياسية فى مصر. كنت قد كتبت مقالا نشره الأهرام قبل عشرين عاما فى الدفاع عن المجتمع المدنى. وفى وقت لاحق أعلن عن تأسيس حزب الوسط باعتباره حزبا مدنيا بمرجعية إسلامية. لكن الذين روجوا للمصطلح أخيرا خلطوا الأوراق، وأرادوا استخدامه فى إقصاء التيارات الإسلامية والكيد لها والتخويف من تأثيرها الذى افترضوه سلبيا على هوية الدولة والمجتمع.


(3)

ما قلته بخصوص الخطاب الإسلامى وكونه أصبح يشكل عقبة تحول دون تحقيق التوافق المنشود يحتاج إلى ضبط وتحرير. إذ أرجو ألا أكون بحاجة إلى القول بأننى لا أتهم الخطاب الإسلامى ولا أنتقص من قدره. ولكننى أسجل ملاحظاتى على أولويات وملاءمات ذلك الخطاب. إذ ليس مطلوبا من الإسلاميين أن يتنازلوا عن مشروعهم، وإنما عليهم أن يدركوا أنهم ليسوا وحدهم فى الساحة، وأن البلد تسع آخرين إلى جوارهم. وبالتالى فيتعين عليهم أن يضعوا هؤلاء فى حسبانهم، وأن يبحثوا عن نقاط الالتقاء معهم فيقدمونها على نقاط التقاطع والاختلاف.

استأذن فى توضيح فكرنى باستعادة كلام قلته أخيرا فى لقاءات مع بعض الناشطين من الإخوان والسلفيين وهو يتركز فى النقاط التالية:

ــ إن وحدة الجماعة الوطنية ينبغى أن تحظى بالأولوية بشكل عام، وفى الظروف الراهنة بوجه أخص. وفى القرآن نموذج يؤيد هذه الفكرة. فيما ورد بسورة طه، التى تحدثت عن النبيين موسى وهارون، وكيف أن موسى غاب عن قومه لبعض الوقت وتركهم فى عهدة أخيه هارون. ولكن القوم فتنوا وعبدوا العجل من دون الله فى غيابه، وحين عنفه النبى موسى بعد عودته، فكان رده حسب النص الوارد فى الآية: 9 من السورة «يبنؤم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى. إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرائيل ولم ترقب قولى». وهى واقعة قدمت فيها وحدة القوم على ما أصابهم من خلل فى اعتقادهم. ومن ثم احتمل الشرك مؤقت من لا ينفرط عقد الجماعة وينشق صفها.

ــ إننى من حيث المبدأ ضد فكرة تطبيق الشريعة بقرار فوقى من السلطة أيا كانت، وأفضل ألا تتم إلا من خلال إجماع وطنى وشعبى. بحيث يقام البنيان فيها من القاعدة إلى القمة وليس العكس. علما بأن التوفيق لم يحالف التطبيقات التى فرضتها من خلال موسسات السلطة، الأمر الذى أدى إلى تشويه الشريعة والإساءة إليها.

ــ إن المجتمع المصرى ليس مهيأ لتطبيق أحكام الشريعة لأسباب يطول شرحها، فى مقدمتها أن التطبيقات المعاصرة لها ليست جاذبة فى حدها الأدنى، فضلا على أن المجتمع الذى لا يستطيع أحد أن يشكك فى إسلامه، لم يختبر دعاة تحكيم الشريعة فى الوقت الراهن، خصوصا أن أغلبهم لجأ إلى وعظ الناس بأكثر من لجوئه إلى خدمتهم ورعاية مصالح ضعفائهم. ولا يكفى فى هذا الصدد أن تكون الأغلبية الشعبية فى صف تطبيق الشريعة، لأن الأمر ليس كذلك بالنسبة للنخب المهيمنة على الواجهات السياسية والإعلامية. وهذه لا ينبغى تجاهلها أو التقليل من شأنها.

ــ إن الكلام عن إحياء الخلافة الإسلامية يبسط الأمور أكثر مما ينبغى، ومن المنادين بذلك من يعمد إلى رفع السقف والمزايدة على الجميع. إذ رغم أن الخلافة الراشدة تمثل صفحة ناصعة فى التاريخ الإسلامى فإننا نعلم أن الإسلام لم يقرر شكلا معينا للحكم، ولكنه دعا إلى قيم ومبادئ معينة يتعين أن يلتزم بها كل نظام يريد أن ينسب نفسه إلى الإسلام. أيا كان الشكل الذى اختاره.

ــ إذا كان تطبيق الشريعة يعد الهدف الأسمى والحد الأقصى، وإذا كان المجتمع ونخبه ليسوا على استعداد للقبول بذلك فى الوقت الراهن، وإذا كان ذلك التطبيق لا ينبغى أن يتم بقرار فوقى أو بإصرار فريق بذاته، فلا مفر من بحث عن حل يخرج المجتمع من الأزمة، وهو ما أجده فى فكرة حلف الفضول الذى له شهرة خاصة فى التاريخ العربى.


(4)

تتحدث كتب التراث عن أنه قبل عشرين سنة من ظهور الإسلام عقد وجهاء قريش حلفا فيما بينهم تعهدوا فيه ــ كما يذكر ابن هشام ــ بألا يجدوا بمكة مظلوما دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وقد وصفه ابن كثير بأنه أكرم حلف سمع به وأشرفه فى العرب. وقال عنه النبى عليه الصلاة والسلام «لو دعيت إليه فى الإسلام لأجبت».

نحن لا نريد الآن نصوصا على تطبيق الشريعة تثير شقاقا أو مخاوف فى المجتمع، ولا مشروعا «للنهضة» يدغدغ مشاعرنا ويجعلنا نسبح فى الفضاء البعيد، ولا كلاما عن الخلافة يمثل استحضارا للماضى أو بكاء على طلاله، ورغم أننى لست ضد شىء من كل ذلك، واحترم ما تعبر عنه، فإننى أتحدث عن أهداف أكثر تواضعا، توثق عرى المجتمع ولا تمزقها أو تشتتها، وفى نفس الوقت تحقق مصالح الخلق وتأخذ بيد الضعفاء وتستدعى القادرين إلى ساحة الخير والنماء.

ليحتفظ كل فصيل بمشروعه وأحلامه ــ إسلاميين كانوا أم علمانيين ــ وليدعى أهل الغيرة إلى حلف يتوافقون فيه على ما لا يختلف عليه من أهداف مرحلية تتعلق بكرامة وعافية الوطن والمواطن، على أن تؤجل بقية الأهداف إلى طور آخر تتعزز فيه الثقة بين الجميع، بحيث يصبح بمقدورهم أن يقطعوا أشواطا أبعد فى رحلة تأسيس النظام الجديد الذى يقيم حلم الثورة على الأرض. وإذا فشلوا فى ذلك فإن مصير ملوك الطوائف ينتظر الجميع.

جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 17 شوال 1433
4 سبتمبر 2012

mohamed5175
05-09-2012, 11:30 AM
أمضى مندوبو هيئة الإذاعة البريطانية ستة أشهر وهم يتعقبون الأموال المنهوبة من مصر، وفى اليوم الذى جرى فيه بث البرنامج الوثائقى الذى أعد حول الموضوع (الاثنين 3/9) نشرت صحيفة «الجارديان» تحقيقا حول النتائج التى توصل إليها مندوبو هيئة الإذاعة، ومن البرنامج والتحقيق المنشور، عرفنا الكثير الذى ظل مسكوتا عليه طوال الأشهر الماضية. فى المقدمة من ذلك ما يلى:



•أن قادة ست دول عربية نهبوا نحو 300 بليون دولار من ثروات بلادهم على مدى الأربعين سنة الماضية. والدول هى مصر والعراق (فى ظل صدام حسين) وتونس وليبيا واليمن وسوريا، وهذه الأموال كان يمكن أن تزيد خلال تلك الفترة إلى أكثر من تريليون دولار، لو استثمرت فى التنمية البشرية والصناعية والبنى التحتية.



•أن خبراء البنك الدولى قدروا حجم الأموال المنهوبة من مصر خلال الثلاثين سنة الأخيرة (سنوات عهد مبارك) بنحو 134 بليون دولار من بينها 54 بليونا فى السنوات الثمانى الأخيرة، فى حين ذكر برنامج هيئة الإذاعة البريطانية أنها لا تزيد كثيرا على البليون دولار، منها 700 مليون فرنك فى مصارف سويسرا. لكن تلك الأموال لم ترد بعد إلى الخزينة المصرية، وقد تستغرق عملية الرد نحو عشر سنوات.



•إن الحكومة السويسرية أصدرت أمرا بتجميد أصول مبارك بعد نصف ساعة من تنحيه، فى حين أن بريطانيا لم تقرر ذلك إلا بعد 37 يوما، ومع ذلك فإن الجهات الرسمية هناك لم تأخذ الأمر على محمل الجد، وغضت الطرف عن ممارسات كثيرة لأسرة مبارك وأعوانه كان ينبغى أن تخضع للتجميد، لذلك قال الدكتور محمد محسوب العضو البارز فى المجموعة القانونية التى شكلت لاسترداد الأموال المنهوبة (وزير الدولة للشئون القانونية الآن) إن بريطانيا كانت الاسوأ فى التعامل مع ذلك الملف.



•عرضت الـ«بى بى سى» مستندات خاصة بالشركات التى أسسها أبناء مبارك وأعوانه على مدى الأشهر الستة الأولى بعد الثورة. ولاحظت أن هؤلاء استغلوا التسهيلات فى فروع المصارف العربية فى حى المال بلندن، وسجلوا فيها الإيداعات عبر شركات قابضة. وتبين أنهم نظفوا الأموال القذرة فى ملاذات مثل بنما وجزر كايمن وقبرص وجبل طارق، إضافة إلى بعض مراكز المال العربية (دبى فى المقدمة منها).



•كان النهب مبرمجا ومنظما من جانب أسرة مبارك ورجاله، إذ تم تأسيس مصرفين خاصين فى عهد الرئيس السابق، لهما وضع مصارف أوف شور للتعامل مع تحويل الأموال خارج مصر. وقد تم تأسيس المصرفين وفقا لمرسوم رئاسى صدر فى عام 1974، قبل وصول مبارك إلى السلطة. وكان جمال مبارك عضوا فى مجلس إدارة أحدهما، وهو مختلط عربى أفريقى. وقد ظل أحد المصرفين يمارس نشاطه كالمعتاد حتى 22 مارس 2012 (13 شهرا بعد الثورة) حين تم تعديل نظامه وأخضع لرقابة البنك المركزى المصرى.



•أشار البرنامج إلى أن مرسوما رئاسيا صدر فى 2004 حدد دورا للبنك المركزى فى رقابة مصارف الأوف شور، ومن بينها المصرفان المذكوران، وأعطى المرسوم للرئيس الحق فى تعيين محافظ البنك المركزى ورئاسة مجالس إدارات المصارف بما فيها مصارف الأوف شور. وتحدث عن ان بعض المصارف التى ساعدت فى تهريب الأموال وتنظيفها لاتزال فى مراكز القرار.



•صدر قرار بريطانى بتجميد أصول بقيمة 85 مليون جنيه إسترلينى يملكها مبارك وزوجته ونجلاه، إضافة إلى 15 آخرين من الأعوان. إلا أن تحقيقات الـ«بى بى سى» بينت أن ممتلكات وأصولا أخرى لم يشملها التجميد، منها منازل فاخرة فى منطقتى «تشيلسى» و«نايتس بريدج» الراقيتين فى لندن. إضافة إلى شركات تجارية ظلت تمارس نشاطها لعدة أشهر بعد صدور قرار التجميد.



•لم يستطع مندوبو الهيئة البريطانية أن يجدوا أية مؤشرات دالة على أن مكتب تسجيل الأراضى والعقارات اتخذ قرارا بشأن المنزل الذى كان يقيم فيه جمال مبارك لسنوات عدة فى منطقة «ويلتون بالاس» بحى «نايتس بريدج» ويقدر ثمنه بما يتراوح بين 8 و10 ملايين إسترلينى. وهو العنوان الذى اعتبره محل إقامته وسجله فى شهادة ميلاد ابنته فريدة.



•أثناء التحقيقات التى أجريت حول تصرفات أسرة مبارك فى جنيف، تبين أن قرينة الرئيس، السيدة سوزان مبارك كانت تقيم فى جناح ملكى فى فندق فور سيزونز، بكلفة 15 ألف دولار فى الليلة الواحدة (أكثر من 90 ألف جنيه مصرى).



لى تعقيبان على البرنامج الوثائقى الذى أعاد إلى أذهاننا الوجه القبيح للنظام السابق، هما:



ــ أن هيئة الإذاعة البريطانية تستحق الشكر والتقدير على الجهد الذى بذله مندوبوها طوال ستة أشهر لإنجاز هذا العمل الهام، الذى كان ينبغى أن تقوم به بعض الفضائيات المصرية المشغولة أكثرها بالإثارة والثرثرة واللعب على التناقضات الداخلية.



ــ أن ملف القنوات المصرفية المصرية التى تم من خلالها تهريب تلك المليارات لم يفتح بعد، خصوصا أن البرنامج أشار إلى قيادات كانت ضالعة فى عملية التهريب، ولاتزال فى مواقعها حتى الآن.


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 18 شوال 1433
5 سبتمبر 2012

mohamed5175
06-09-2012, 11:34 AM
أبرزت الصحف العربية قرار تعيين مذيعة محجبة لتقرأ الأخبار فى التليفزيون المصرى واعتبرته خبرا مهما، حتى إن صحيفة الشرق الأوسط السعودية نشرته على أربعة أعمدة فى قلب صفحتها الأولى (يوم الاثنين 3/9).

أفهم أن القرار كان حدثا استوقف كثيرين. إذ استقبل بالحفاوة من البعض والدهشة والامتعاص من آخرين، والحيرة من جانب فريق ثالث. ذلك أن ظهور محجبة فى التليفزيون المصرى ظل من المحرمات منذ نشأ التليفزيون قبل نصف قرن. وظلت البرامج الدينية هى الوحيدة التى استثنيت من القرار على مضض، تشهد بذلك السيدة كاريمان حمزة التى عانت الأمرين بسبب حجابها وسجلت ذلك فى كتابها «لله يا زمرى». وهناك أخريات أدركن أن التزامهن بالحجاب يعنى على الفور اختفاءهن من الشاشة، وتحويلهن إلى مذيعات من الدرجة الثانية، يحرم عليهن دخول استوديوهات البث. والحظر الحاصل فى التليفزيون تكرر فى مواقع أخرى مثل مصلحة الاستعلامات ووزارة السياحة وشركة مصر للطيران، الأمر الذى شجع بعض أصحاب المطاعم والمقاهى على منع دخول المحجبات فى محالهم. وقيل لى إن زوجات الدبلوماسيين المصريين المحجبات كن يعتبرن خصما من رصيدهم يؤثر على فرصهم فى الترقى وعلى العواصم التى يوفدون إليها.

من ناحية أخرى، فالعاملون بالوسط الصحفى يعرفون جيدا أن المحجبات لم يكن مرحبا بهن فى القصر الجمهورى إبان عهد الرئيس السابق، لأن «الهانم» كانت تمتعض من وجودهن، ويتداول البعض حكايات كثيرة عن ضغوط مارستها قرينة الرئيس السابق لإقناع أخريات من زوجات المسئولين بخلع حجابهن.

عقب صدور قرار وزير الإعلام سابق الذكر تلقيت اتصالات هاتفية عديدة سألنى أصحابها عن رأيى فى الموضوع، فكان ردى فى كل مرة ان القرار بمثابة خطوة باتجاه تطبيع العلاقات بين السلطة والمجتمع. إذ فلم يكن غريبا أن تظهر مذيعة محجبة على شاشة التليفزيون، ولكن الذى كان غريبا حقا أن يتطور المجتمع وتزداد فيه مظاهر التدين. بحيث يصبح للحجاب حضوره القوى فى جميع أنحاء مصر والأغلبية الساحقة من مؤسساتها ومرافقها، ثم لا نجد صدى لذلك فى التليفزيون طوال أكثر من نصف قرن، حتى بدا منفصلا تماما عن واقع المجتمع وواجهة لبلد آخر غير مصر.

أما الأشد غرابة من ذلك فأن يتصور البعض أن مصر المزورة (المخاصمة لمظاهر التدين) التى تظهر على شاشات التليفزيون هى مصر الحقيقية، وأن حظر ظهور المحجبات هو الأصل، الأمر الذى دعا هؤلاء إلى الامتعاض حين فوجئوا بأن محجبة انضمت إلى أسرة التليفزيون الرسمى، وأنها ستظهر على شاشته قارئة لنشرة الأخبار.

ليس الأمر مقصورا على التليفزيون. ذلك أن ثمة شريحة بين المثقفين والسياسيين أوهمت نفسها بالفكرة الأخيرة، واعتبرت ظهور الحالة الإسلامية فى الساحة السياسية المصرية بعد الثورة مفاجأة لم يتوقعوها. وتجاهل هؤلاء حقيقة أن ذلك الظهور حدث لأن الانتخابات تمت بحرية ونزاهة، وان احتكار عناصر الشريحة المذكورة للصدارات فى السابق لم يكن سببه ان لهم تأييدا شعبيا يذكر، ولكن لان نتائج الانتخابات كانت تزور لصالحهم. بمضى الوقت استعبط إخواننا هؤلاء وصدقوا أنهم وحدهم يمثلون المجتمع وأن غيرهم لم يعد له وجود أو دور. لذلك فإننى أفهم مبررات شعورهم بالمفاجأة والاستياء مما أفرزته أجواء ما بعد الثورة.

حين أثار هذا الموضوع معى بعض الصحفيين الأجانب الذين توافدوا على القاهرة بعد الثورة، قلت أننى قد أستغرب ظهور ممثلى التيار الإسلامى فى بلد بوذى أو فى الفاتيكان مثلا. لكنى لا أجد غرابة فى أن يحدث ذلك فى بلد مسلم ومجتمع محافظ. واعتبرت أن السؤال فى هذه النقطة هو الذى يثير الدهشة ويبعث على الاستنكار. فى حين أن السؤال الصحيح هو ما إذا كانت المذيعة تتمتع بالكفاءة التى تمكنها من القيام بمهمتها أم لا.

الاستهجان لا يقتصر على الذين استنكروا السماح لمذيعة محجبة بقراءة نشرة الأخبار فى التليفزيون الرسمى، لكنه ينسحب أيضا على بعض الذين بالغوا فى الحفاوة بالقرار الذى أعتبره ايجابيا بكل المعايير. حتى نقل على لسان أحدهم قوله إنه حين علم بالأمر تأكد من أن الإسلام دخل فعلا إلى مصر. وهو تعليق ينطبق عليه قول من قال ان صاحبنا جاء يكحلها فأعماها. ذلك أنه أعطى انطباعا بأن ظهور المذيعة المحجبة بمثابة علامة فارقة فى انتقال مصر من الجاهلية إلى الإسلام. فى حين أن القرار يصوِّب موقفا إداريا وسياسيا مغلوطا. وحين أراد أن يمتدحه فإنه انزلق إلى هجاء المجتمع والحط من شأنه، وتجاهل أن الإسلام موجود وراسخ القدم فى مصر قبل تعيين السيدة المحجبة وقبل ظهور حزب الحرية والعدالة، وقبل أن يكون للإخوان وجود على أرض مصر.

لقد ذاعت مقولة صاحبنا واستقبلتها بالاستنكار والسخرية التعليقات التى توالت على تويتر وفيس بوك، وأغلب الظن أن تلك الحملة كانت وراء مسارعة من نسبت إليه المقولة إلى نفى صدورها عنه. وهو تصويب أرجو أن يكون صحيحا.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 19 شوال 1433
6 سبتمبر 2012

mohamed5175
08-09-2012, 11:49 AM
شىء طيب أن يظهر الرئيس مرسى فى المساجد وأن يلتقى جماهير المصلين المسلمين، إلا أن صورته ستكون أكثر صوابا وتوازنا لو أنه قام بزيارة مماثلة للكاتدرائية القبطية، ليس مجاملة ولكن لكى يثبت صورته باعتباره رئيسا لكل المصريين. ذلك أنه إذا كان من حق أى مواطن أن يعتز بهويته الدينية، مسلما كان أم مسيحيا، فإن رئيس الجمهورية يتعين عليه إلى جانب ذلك أن يقنع المجتمع بأنه رئيس الجميع، بمختلف انتماءاتهم الدينية والفكرية وتوجهاتهم السياسية.



أفهم ان الرئيس مرسى مرشح الإخوان المسلمين. وأنه إلى جانب كونه أكاديميا مقتدرا إلا أن له باعه الطويل باعتباره رجل دعوة، وقد تحمل الكثير جراء ذلك، لكننى أتصور أنه منذ انتخابه رئيسا للجمهورية وحلفه اليمين ينبغى أن يبدأ صفحة جديدة لا يتحلل فيها فحسب من التزامه التنظيمى ــ وقد فعل ــ وإنما أيضا عليه أن يطوى صفحة رجل الدعوة إلى الله لكى يخاطب الجميع باعتباره رجل دولة مهجوس بخدمة الناس. وإذا كان فك الارتباط التنظيمى أمرا ميسورا، إلا أن التحول الثانى ليس سهلا، وقد لمسنا ذلك فى خطاباته المتأثرة بلغة رجل الدعوة ولم يظهر فيها التحول المنشود، إلى لغة رجل الدولة، وهو ما أزعم أنه يتطلب بعض الوقت، خصوصا إذا وضعنا فى الاعتبار أن تسلم منصبه منذ شهرين تقريبا، وان النقلة كانت من القوة بحيث لم تخطر له أو لغيره على بال.



فهمت أن فكرة زيارة الكنيسة القبطية طرحت فى دوائر الرئاسة، وانها تأجلت بسبب وفاة البابا شنودة واللغط والتجاذب المكتوم المثار حول خلافته فى الأوساط الكنسية، وقيل لى إن البديل المقترح الآن هو ان يقوم الرئيس بزيارة أحد الأديرة لإيصال الرسالة التى تقدمه بحسبانه رئيسا لكل المصريين.



أدرى أن ثمة حرصا من جانب بعض الدوائر على محاصرة الرئيس فى كونه «إخوانيا» لا يتحرك إلا بتوجيه من مكتب إرشاد الجماعة. ورغم نفيه لاستمرار ارتباطه التنظيمى بالجماعة. وحرصه فى اختياراته وقراراته على تأكيد ذلك المعنى من خلال محاولة الانفتاح على أطياف الجماعة الوطنية، إلا أن تلك الدوائر الممثلة فى السياسة والأبواق الإعلامية تصر على تجاهل ذلك الجهد وإفشاله. علما بأننا إذا دققنا جيدا فى اختياراته وقراراته فسنلاحظ ان ما يحسب عليه أنه تعامل مع الإخوان باعتبارهم فصيلا سياسيا له حضوره المعتبر فى الساحة السياسية المصرية، ولم يعمد إلى اقصائهم على النحو الذى كان سائدا طوال العقود التى خلت. لذلك فالاعتراض قائم فى جوهره ــ لدى البعض على الأقل ــ على مبدأ وجود الجماعة وإضفاء الشرعية على تمثيلها فى بعض مؤسسات الدولة. والذين يمثلون هذا الاتجاه لايزالون يفكرون بعقلية العقود الخوالى، التى اعتبرت الاقصاء والحظر هو الأصل، وان الحضور الوحيد المسموح به للجماعة ينبغى ألا يتجاوز حدود السجون والمعتقلات.



فى هذا السياق، لم يعد سرا أن بعض القوى السياسية الساعية إلى محاصرة الرئيس فى عباءة الجماعة والترويج لفكرة «الأخونة» تمارس ضغوطا قوية لإثناء الناشطين والمثقفين عن قبولهم المشاركة فى أى إطار مؤسسى يسعى الرئيس مرسى لتشكيله لمعاونته فى مهمته.



وفى حدود علمى فإن بعضا من أولئك الناشطين قبلوا بتلك المشاركة حين عرضت عليهم، ثم اعتذروا عن ذلك فى وقت لاحق (مساء ذات اليوم فى بعض الحالات). ومنهم من قال صراحة إنه تعرض لضغوط من جماعته لا قبل لهم بها.



لست أشك فى أن هناك مصلحة وطنية فى تحويل الرئاسة إلى مؤسسة تمثل فيها مختلف القوى السياسية، كما ان هناك مصلحة وطنية فى تواصل الرئيس ليس فقط مع القوى السياسية ولكن أيضا مع المؤسسات الدينية التى تمثل المسلمين والأقباط، إلى جانب المؤسسات المدنية التى مثل النشاط الأهلى.



بذات القدر فلا أظن أن هناك مصلحة وطنية فى محاصرة الرئيس فى محيط الإخوان وعباءتهم، وانما يتعين علينا أن نساعده على الخروج من ضيق الجماعة إلى سعة الوطن. نريده أن يخرج من برج الرئاسة ويتجاوز أسواره العالية، إلى الشارع متجاوزا المسجد والكنيسة والأطر التقليدية الرسمية والسياسية.



لقد حمدت للرئيس ذهابه إلى سيناء بعد قتل الجنود والضباط المصريين فى رفح، لكننى افتقدته فى المنوفية حين تكشفت فيها كارثة تسمم الأهالى بسبب تلوث مياه الشرب. وأشدد هنا على أنه لا يعنينى فى ذلك أن تتحسن صورة الرئيس، بقدر ما يعنينى أن يشعر المواطن بأن الثورة لم تسقط نظام مبارك فحسب، ولكنها فتحت له أبواب الأمل فى أن يسترد كرامته واعتباره.

جريدة الشروق المصرية
السبت 21 شوال 1433
8 سبتمبر 2012

mohamed5175
09-09-2012, 11:32 AM
حين قرر الرئيس محمد مرسى أن يعامل الطلاب السوريون الذين وفدوا مع عائلاتهم معاملة الطلاب المصريين فى المدارس والجامعات فإنه أعاد إلى مصر بعضا من قسمات وجهها التى محاها النظام السابق ومنذ اختار أن يكون كنزا استراتيجيا لإسرائيل متخليا عن دورها التقليدى كقبلة وبيت للعرب وكنز استراتيجى لهم. أدرى أنه ربما كان مبكرا فتح ذلك الملف الآن لأن النهوض بمسئولياته مرهون باستعادة مصر لعافيتها، الأمر الذى تسعى إليه جاهدة فى الوقت الراهن. وأفهم أن محنة الشعب السورى الطارئة هى التى فرضت اتخاذ هذه الخطوة، ألا أننى أفهم أيضا أنه إذا لم يكن بمقدور مصر أن تقدم مبادرات عربية تستعيد بها دورها المفترض فلا أقل من أن تكون لها سياسة عربية واضحة المعالم.



وقد شممنا تلك الرائحة فى اقتراح تشكيل المجموعة الرباعية للتعامل مع الأزمة السورية (تضم إلى جانب مصر كلا من إيران وتركيا والمملكة السعودية). شممناها أيضا فى الاجتماعات التنسيقية التى تمت أخيرا بين وزراء خارجية مصر وتونس وليبيا. وهى خطوات طيبة تستحق التشجيع والحفاوة، وأزعم أنها يجب أن تصنف ضمن ما وصفته بالروائح الذكية التى صارت تهب علينا فى الآونة الأخيرة، وشممنا بعضا منها فى زيارة الرئىس المصرى للصين وإيران.



أردت بهذه الخلفية أن أذكر بأمرين، أولهما عام يتعلق بالتنبيه إلى أن عودة مصر إلى موقعها بين العرب أمر ليس ميسورا، وليس مرحبا به من جانب الأطراف التى سعت إلى عزلها عن محيطها، ومن ثم تقزيمها سواء للاستفراد بها أو بالعالم العربى. وهى الأطراف التى تدرك جيدا معنى أن تكون مصر بيتا للعرب، كما تدرك تداعيات غيبة مصر عن الساحة العربية. لذلك فلست أشك فى أن هذه النقلة ستعترضها الألغام والعراقيل التى أرجو أن تفشل فى تحقيق مرادها. وللعلم فإن القادة الإسرائيليين الذين اعتبروا توقيع السادات لمعاهدة السلام فى عام 1979 بمثابة الميلاد الثانى للدولة العبرية لم يطلقوا تلك المقولة فقط لأن مصر اعترفت بإسرائيل وأنهت خصومتها معها، ولكن أيضا لأنها خرجت أيضا من الصف العربى وتخلت عن موقعها فى قيادة الأمة. وحين فعلت ذلك فإن العالم العربى أصبح سفينة بلا ربان وجسما بلا رأس. والباقى بعد ذلك معروف.



الأمر الثانى يخص الطلبة الفلسطينيين الذين يدرسون فى مصر، وكانوا دئما، منذ الستينيات، مرحبا بهم ومشجعا لهم، حيث ظلوا يعاملون معاملة الطلاب المصريين فى الجامعات والمعاهد. ليست فقط لأن ثمة «بروتوكولا» يقضى ذلك تم التوقيع عليه من جانب الجامعة العربية فى عام 1964، ولكن أيضا لأن مصر فى تلك المرحلة كانت تعتز بانتمائها العربى وتمارس دورها القيادى الذى دفعها لأن تفتح أبوابها وأذرعها للأشقاء سواء فى شوقهم إلى التحرير أو فى سعيهم إلى التعليم أو فى بحثهم عن ملاذ آمن يحميهم من الملاحقات التى يتعرض لها المناضلون. ولم تنفتح أبواب مصر للعرب وحدهم ولكنها أيضا اتسعت لأبناء العالم الإسلامى الذين كانت مدينة البعوث الإسلامية والأزهر الشريف بيتا وقبلة لهم.



مصر العفية هذه انطفأت أنوارها بالتدريج فى المرحلة الساداتية، التى شهدت انقلابا على السياسة الناصرية لاحت بوادره منذ قرر السادات أن يلتحق بالغرب وأعلن أن 99٪ من أوراق اللعبة بيد الولايات المتحدة، الذى كان بمثابة إشهار للإفلاس السياسى ورفعا لراية التسليم البيضاء.



إلى جانب ذلك فإن السادات صب جام غضبه على الفلسطينيين بعدما قتلت مجموعة فلسطينية السيد يوسف السباعى فى قبرص سنة 1978 (كنت قد أخطأت فى ذكرى التاريخ فى وقت سابق وقلت إن ذلك حدث فى عام 1987 ــ وقد تبهنى أحد القراء إلى ذلك فأشكره واعتذر). وكان السباعى من رجال السادات الذين رافقوه فى زيارته الشهيرة والمثيرة لإسرائيل. وفى رده على الواقعة فإن السادات شن حملة تشهير وانتقام من الفلسطينيين، كان من بينها معاقبة كل المقيمين منهم فى مصر، وحرمانهم من كل ما قدمته لهم القاهرة من رعاية وعون. سواء فى الإقامة أو العمل أو التعليم.



قرار الرئيس مرسى شجعنى على أن أدعوه إلى إعادة النظر فى تلك العقوبات التى أوقعها السادات بالفلسطينيين، بالأخص طلابهم الذين حرموا من المساواة مع الطلاب المصريين فى المدارس والجامعات، الأمر الذى أصبح يحملهم بأعباء مالية باهظة، خصوصا أبناء غزة الذين انقطعت مواردهم المالية بعد الحصار والاجتياح الإسرائيلى. وهو ما أدى إلى تراجع أعداء الدارسين منهم فى مصر (كانوا 20 ألفا فأصبحوا عشرة آلاف فقط) ناهيك عن أن الذين اضطروا منهم للبقاء بمصر تعرضوا لصور عديدة من البطالة الدراسية والتشرد والإذلال والإهانة، حتى أن بعضهم كانوا يطردون من لجان الامتحانات بسبب عدم دفعم للمصروفات. فى حين كانت تحجب نتائج البعض الآخر لذات السبب. وقد قيل لى إن الفلسطينيين المقيمين بالقاهرة بصدد إعداد مذكرة تدعو إلى رفع العقوبات التى فرضها عليهم السادات واستمرأها خلفه، أرجو أن تجد أذنا صاغية وقلبا مفتوحا من قيادة مصر الجديدة.


جريدة الشروق المصرية
الاحد 22 شوال 1433
9 سبتمبر 2012

mohamed5175
10-09-2012, 11:43 AM
لدى ثلاث ملاحظات على ما أعلنه المتحدث الرسمى باسم القوات المسلحة، فى المؤتمر الصحفى الذى عقده أمس الأول (السبت 8/9). الأولى أنه لم يشر من قريب أو بعيد إلى دور للفلسطينيين فى جريمة قتل الستة عشر عنصرا من رجال القوات المسلحة فى رفح. وهى التهمة التى سارعت بعض الأبواق الإعلامية إلى نسبتها إليهم، بدعوى أن الذين فعلوها «إرهابيون» تسربوا عبر الأنفاق من قطاع غزة الذى تسيطر عليه حركة حماس. وهذا الموقف له دلالتان، فمن ناحية هو يعتبر موقفا أكثر اعتدالا ونزاهة، يتجاوز الخصومة التقليدية التى تبناها النظام السابق إزاء إدارة قطاع غزة. وهى التى شجعت الأجهزة الأمنية على المسارعة إلى اتهام الغزاويين فى كل جريمة تقع على الأراضى المصرية ضمن أجواء التعبئة ضدهم وإيغار صدور المصريين إزاءهم. وقد شهدنا ذلك فى اتهام الفلسطينيين فى الاعتداء على كنيسة القديسين بالإسكندرية، وفى الادعاء بمسئوليتهم عن فتح السجون المصرية وإطلاق النار على المتظاهرين إبان الثورة، وفى التسريبات المستمرة التى ما برحت تتحدث عن تسلل إرهابيين عبر الأنفاق لتهديد الأمن المصرى وإشاعة التخريب والفوضى فى البلاد.

من ناحية ثانية، فإن ذلك التوجه النزيه يفضح مواقف المنابر الإعلامية وأصحاب الأقلام الذين يخاطبون الرأى العام بلغة النظام السابق. أعنى لغة التحريض والإيهام بأن غزة والسلطة القائمة على أمرها هناك تمثل تهديدا دائما للبلد، وأن مشكلتها الحقيقية هى مع مصر وليس إسرائيل.

الملاحظة الثانية على كلام المتحدث باسم القوات المسلحة العقيد أحمد محمد على تتعلق بقوله أن العمليات العسكرية فى سيناء تمت على مرحلتين الأولى بدأت فى السابع من أغسطس الماضى واستهدفت وقف التدهور الأمنى هناك. وتضمنت الدفع بتعزيزات عسكرية من القوات البرية والجوية فى منطقتى «ب» و«ج» لدعم نقاط التأمين المنتشرة على الحدود وتنظيم دوريات فى عمق سيناء بدعم جوى وبحرى. أما المرحلة الثانية فقد بدأت يوم 31 أغسطس ولاتزال مستمرة، وهى تستهدف استعادة الأمن وتعزيز قدرة الشرطة المدنية للعمل بكفاءة.

أى متابع لمجرى العمليات فى سيناء، خصوصا لأصدائها فى إسرائيل، يعلم جيدا أن مصر حين دفعت بقواتها إلى سيناء عقب جريمة قتل رجال القوات المسلحة كان همها تطويق الحادث بسرعة. الأمر الذى جعلها تتجاوز بصورة نسبية عن بعض القيود التى فرضها عليها الملحق الأمنى لاتفاقية السلام مع إسرائيل. منها ما تمثل فى إدخال الدبابات مثلا إلى منطقتى «ب» و«ج». وهو ما سكتت عليه إسرائيل حينذاك ربما إدراكا منها لخصوصية الظرف الطارئ الذى حل. لكن سكوتها لم يستمر طويلا، لأنه ما إن هدأت الأحوال نسبيا حتى ارتفعت بعض الأصوات هناك مطالبة بسحب الدبابات المصرية. وحسبما ذكرت الصحف الإسرائيلية فإن ذلك تم فى هدوء بعد الاتصالات التى تمت بين الجانبين. وبدا كأن الموضوع طويت صفحته وأن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه بعد ذلك.

المشهد من هذه الزاوية يثير الاستغراب، لأن التجربة العملية أثبتت أن غياب الحضور الأمنى عن شبه جزيرة سيناء حولها إلى بؤرة لأنشطة متعددة، فاخترقتها مجموعات تكفيرية متطرفة وتعددت فيها عصابات تهريب المخدرات وتهريب الأفراد وتهريب المسروقات (السيارات خاصة). وهذه الفوضى هيأت مناخا مواتيا لإحداث اختراقات من جانب الموساد الإسرائيلى مكنتها من تجنيد بعض العملاء ــ الخلاصة أن التجربة أثبتت أن ضعف الوجود الأمنى المصرى يكمن وراء ذلك الانفلات الذى أصبح يمثل تهديدا حقيقيا للأمن المصرى، الأمر الذى كان لابد أن يثير انتباه وقلق السلطات المصرية التى بدت طوال السنوات الماضية عاجزة عن أن تبسط سلطانها كما ينبغى على سيناء.

إزاء ذلك فإن المرء لا يستطيع أن يخفى شعوره بالدهشة إزاء السكوت المصرى على الملحق الأمنى فى اتفاقية السلام دون أية مطالبة بتعديله، بعدما خلق أوضاعا خطيرة صارت مهددة للأمن المصرى، وهو ما يدعونى إلى طرح السؤال التالى: إن لم يكن ما جرى مبررا لتعديل الملحق، فكم مصريا ينبغى أن يقتلوا كى يتم تعديله؟

من ناحية أخرى، فإن ذلك الانسحاب يثير أكثر من سؤال حول الجهد الذى بذل لمراقبة الأوضاع فى سيناء، ورصد الأنشطة المختلفة التى تشكل تهديدا للأمن المصرى من خلال شبكة الاتصالات ونقاط المراقبة الداخلية، خصوصا أن الأمن المنشود لا يتحقق بالوجود العسكرى المؤقت وحده.


الملاحظة الثالثة أننا لم نفهم بالضبط دور إسرائيل فى العملية، ذلك أن المتحدث باسم القوات المسلحة ذكر انه كان هناك تنسيق كامل مع إسرائيل فى العمليات العسكرية، لكنه قال أيضا إن ما يتم داخل سيناء يتم دون معاونة من دولة أخرى (طبقا للنص الذى نشره الأهرام فى 9/9) ــ وهو كلام يبدو محيرا ومتناقضا يحتاج إلى تصويب وتوضيح يطمئننا ويعزز ثقتنا فيما جرى.


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 23 شوال 1433
10 سبتمبر 2012

mohamed5175
11-09-2012, 11:55 AM
تروج فى مصر هذه الأيام مجموعة من الأساطير والشائعات التى استدعت إلى فضائها ما يمكن أن نسميه بالهم الكاذب، الذى بات يخيف بعضنا من أشباح وعفاريت لا وجود لها.




(1)



بعض تلك الأساطير وثيق الصلة بمستقبل الدولة وهويتها. فى ظل الصعود الراهن للتيارات الإسلامية بعد الثورة. ذلك أننا مازلنا نقرأ تعليقات وتحليلات تتحدث عن إقامة الخلافة الإسلامية والدولة الدينية فى مصر. وهى ذات التهمة التى ما برحت تلاحق حتى الآن رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان من قبل معارضيه السياسيين، خصوصا حزب الشعب الجمهورى الذى أسسه كمال أتاتورك فى عشرينيات القرن الماضى، ولا يزال يعتبر نفسه الحارس الأول للجمهورية والعلمانية فى تركيا. ذلك أن قادة الحزب ومن لف لفهم من خصوم أردوغان ومنافسيه اعتبروا أن خلفية أردوغان الإسلامية هى نقطة الضعف الأساسية فى سجله. ورغم أن الرجل انفصل عن حزب الرفاه الذى نشأ فى رحابه ثم طور أفكاره التى انطلق منها، ليؤسس مع الرئيس الحالى عبدالله جول «فى عام 2002» حزب العدالة والتنمية بحسبانه حزبا ليبراليا محافظا، إلا أن خصومه ومنافسيه لا يزالون يتهمونه بأنه يخفى بين جنبيه مشروعا خفيا لإقامة الخلافة وتأسيس الدولة الدينية. وكانت تلك هى «التهمة» التى حاولوا إلصاقها به فى الانتخابات التشريعية الأخيرة «يونيو 2011»، إلا أن الجماهير صوتت لصالحه لأنهم رأوا إنجازاته على الأرض، ولم يكترثوا بما يدعيه الآخرون عن أجندته الخفية.



أدرى أن بعض المتدينين مهوسون بمسألة الخلافة التى تشكل ركنا أساسيا فى مشروع حزب التحرير الإسلامى الذى نشأ فى الأردن «عام 1953»، لكن أعضاءه لا يكادون يتجاوز عددهم أصابع اليدين فى مصر على الأقل. أما مسألة الدولة الدينية فإن أحدا لا يستطيع أن يأخذها على محمل الجد فى هذا الزمان. لأن أحدا لم يعد يقبل فكرة القيادة التى تستند إلى الوحى أو الغيب فى إدارة الدول. مع ذلك فإن النموذج القريب من تلك الفكرة المطبق فى إيران (انطلاقات فكرة ولاية الفقيه) لا يستطيع أن يدعى ذلك، لأن المعارضة موجودة والولى الفقيه لم يدع عصمة ولا هو منزه عن النقد. ذلك إلى جانب أن الفكرة فى خصوصية المذهب الشيعى الجعفرى، بل إنها تعبر عن إحدى مدارس المذهب، وليس لدى مراجع الشيعة إجماع عليها فى داخل إيران وخارجها. من ثم فغاية ما يمكن أن يُقال بحق المسألتين «الخلافة والدولة الدينية» إنهما من قبيل الأحلام التى ترواد قلة استثنائية من الناس، إلى جانب أنه يتعذر تنزيلها على الأرض، هذا إذا أحسنا الظن، أما إذا فتحنا باب إساءة الظن فسنقول إن التلويح بهما هو من قبيل الفرقعات والقنابل الصوتية التى يراد لها أن تحدث الضجيج والفزع لا أكثر.








(2)



ثمة فرقعة أخرى أطلقت فى الأسبوع الماضى محذرة من غزو قطرى لمصر أطلقت عليه وصف «القطرنة» أسوة بالأمركة والفرنسة والأوروبة. وتستند المقولة إلى ما اعتبرته اختراقا لقناة الجزيرة للوجدان المصرى واختراقا اقتصاديا تمثل فى إقدام قطر على الدخول بقوة فى السوق المصرية. عن طريق شراء أحد البنوك وتأسيس بعض المشروعات الكبرى. إضافة إلى وديعة المليارى دولار التى قيل إن قطر قررت وضعها فى البنوك المصرية، ثم الإعلان عن استثمارات بقيمة 18 مليار دولار لتمويل مشروعات ستنفذ فى مصر خلال السنوات الخمس القادمة.



تدهشنا المقولة من جوانب عدة. إذ من الناحية النظرية لا أعرف كيف لعاقل أن يستوعب فرضية قيام دولة مثل قطر لا يزيد تعداد مواطنيها على 600 ألف نسمة باستيعاب و«قطرنة» مصر التى يزيد سكانها على 90 مليون نسمة. الأمر الذى يوحى لنا بأن ثمة نحلة مفترسة ومفترية قررت أن تصرع فيلا وتبتلعه. والقائلون بذلك لا يدركون أن حجم الاقتصاد المصرى أكبر بكثير من تستوعب قطر، علما بأن حجم الدين الخارجى والداخلى لمصر بحدود 200 مليار دولار، ومن يريد قطرنة مصر عليه أن يتحمل ذلك العبء ابتداء، ولا أظن أن قطر مستعدة لذلك.



من ناحية ثانية، فإن ما يتردد عن دعم مالى خليجى لمصر خصوصا من قطر فيه من الضجيج والمبالغة الإعلامية أكثر مما فيه من الحقائق الماثلة على الأرض. فالمليارا دولار اللذان أعلن عنهما أخيرا تسلمت مصر منهما نصف مليار فقط سيولة نقدية، أما المبلغ المتبقى فيفترض أن يقدم كوديعة تجدد كل ثلاثة أشهر. وتلك مدة تخرج المبلغ من الاحتياط المصرى، لأنه يشترط لذلك أن تستمر الوديعة لسنة واحدة على الأقل، وهى لا تحتسب حتى إذا نقصت عن السنة بيوم واحد. أما مبلغ الـ18 مليارا التى تستثمر خلال السنوات الخمس المقبلة، فهو أمر مرحب به لا شك، لكن المبلغ لايزال من قبيل السمك فى الماء كما يقال، بمعنى أن حقائقه بشروطه ومجالاته لم تتضح بعد.



الجانب الذى لا يراه الذين يروجون لفكرة القطرنة أن الدول النفطية الخليجية تحققت لها فى السنوات الأخيرة فوائض مالية هائلة تجاوزت بكثير توقعاتها. ولأن حجمها أكبر من أن يستوعبه الاقتصاد المحلى، فإنها تصبح أمام أحد خيارين، إما أن تودع تلك الفوائض فى المصارف العالمية بفائدة نصف فى المائة، أو تودع لدى أى وعاء استثمارى آخر بضعف تلك الفائدة. بالتالى فنحن لسنا بإزاء قطرنة مصر، وإنما أمام حالة ترشيد لاستخدام الفوائض لجأت إليها قطر، وبوسعها أن تودع تلك الفوائض فى أى بلد آخر.



بالمناسبة فإن أسطورة الاختراق القطرى لمصر لها أصل، منذ كانت قناة الجزيرة ضمن المنابر التى علت فيها أصوات المعارضين للرئيس السابق، ولم تذهب فى ذلك إلى أبعد مما ذهبت إليه المعارضة المصرية فى الداخل. علما بأن أغلب المسئولين عن تلك الأنشطة فى داخل القناة كانوا من الإعلاميين المصريين. ولأنها اعتبرت آنذاك «مصر مبارك»، فإن الرئيس السابق وأبواقه اعتبروا أن معارضة الرئيس بمثابة مخاصمة لمصر. وشاع ذلك الانطباع لدى كثيرين حتى صدقوا أن النحلة قررت أن تتحدى الفيل وتقارعه.



جدير بالذكر أن ما يمكن أن يسمى نفوذا إعلاميا قطريا فى مصر، ليس أكثر وربما أقل من النفوذ السعودى أو الأمريكى، وفى ظل النظام السابق كان النفوذ الإسرائيلى حاضرا بقوة. لكن ما حدث أن قطر تحدثت بصوت عال سمعه الجميع، فى حين أن الآخرين كانوا أكثر حنكة وخبرة، ومارسوا نفوذهم واختراقاتهم دون أن يسمع لهم صوت.








(3)



التخوف من «العفريت» الإيرانى فرقعة من مواريث العهد السابق، وبمقتضاها أصبح بيننا من بات يعتبر أن إيران هى العدو الحقيقى وليس إسرائيل. وهو نجاح حققه أبالسة السياسة وعمموه على أكثر من قطر عربى خصوصا فى منطقة الخليج. وهناك أسطورتان فى هذا الصدد. واحدة تتحدث عن تهديد إيران لأمن مصر ومساندتها للإهاب، فيها والثانية تتحدث عن تشييع مصر أو نشر المذهب الجعفرى فيها.



الأسطورة الأولى تبنتها أجهزة الأمن وغذتها سياسة الولايات المتحدة منذ أعلنت حربها العبثية ضد الإرهاب، ومن ورائها إسرائيل التى لاتزال تعتبر إيران عدوا استراتيجيا لها. حقيقة الأمر فى هذا الجانب أنه ليست هناك مشاكل أمنية حقيقية بين مصر وإيران. لكن هناك بعض الأمور العالقة (قضية شارع الإسلامبولى مثلا) التى ما كان لها أن تؤدى إلى القطيعة بين البلدين لأكثر من ثلاثين عاما، علما بأن القطيعة بدأت قبل اغتيال السادات وفى عهده. ولست أعنى أنه لا توجد اختلافات بين البلدين، وأن هناك اتفاقا بينهما فى كل وجهات النظر. لكن أقر بأن لمصر حساباتها وتحفظاتها على بعض السياسات الإيرانية، لكن ذلك لا يمنع ولا ينبغى له أن يمنع تبادل المصالح بين البلدين فى أمور أخرى. ولست بحاجة لأن أذكر بأن دول الخليج الأكثر تخوفا من إيران وحساسية إزاءها تحتفظ بعلاقاتها شبه كاملة معها، على الصعيدين الدبلوماسى والاقتصادى. ولأن الأمر كذلك فإننى أزعم أن مخاصمة مصر لإيران تعد من توابع «اعتدالها» الذى ألحقها بالسياسة الأمريكية والإسرائيلية، إذ حين أصبح رئيس مصر كنزا استراتيجيا لإسرائيل فمن الطبيعى أن يصبح تلقائيا خصما لإيران. وهذا ما حدث.



أسطورة تشييع مصر يبالغ فيها بعض المتدينين ويهول منها أغلب السلفيين. ولست أخفى شعورا بالدهشة إزاء طرح ذلك الاحتمال فحصانة مصر المذهبية أقوى من تخترق بهذه السهولة، ووجود بضع مئات من الشيعة وسط 90 مليون مصرى لا يقدم ولا يؤخر. مع ذلك فالأمر يمكن التعامل معه برصانة وحكمة بحيث تغلق أبواب الفتنة التى تترتب على محاولة نشر المذهب الجعفرى بين أهل السنة، علما بأن تلك المحاولة يقوم بها بعض المراجع وليس الدولة الإيرانية بالضرورة، ومن هؤلاء المراجع من يعيشون خارج إيران ويمارسون دعوتهم من العراق أو لبنان.








(4)



لابد أن يثير انتباهنا فى هذا السياق أن الفلسطينيين لهم الحصة الأكبر من الأساطير التى تروج لما أسميته بالهم الكاذب. فثمة أسطورة تعتبر حركة حماس خصما لمصر وتهديدا لها. وأخرى تتحدث عن تطلع الغزاوين للتمدد فى سيناء وثالثة تتهم حماس بالهجوم على أقسام الشرطة وفتح بعض السجون إبان الثورة، والمشاركة فى قتل بعض المتظاهرين.



لقد فهمت أن تكون حماس خصما لإسرائيل وعلى خلاف أو عراك مع فتح أبومازن، لكن أى عاقل لا يستطيع أن يستوعب فكرة خصومتها لمصر، إلا إذا كانت مصر قد ناصبتها العداء فى عهد الرئيس السابق، واعتبرت ذلك جزءا من معركة النظام مع الإخوان. وفى هذه الحالة لا نكون بصدد خصومة لحماس مع مصر، ولكن بإزاء اشتباك مصرى مع حماس، جعلها تغض الطرف عن اجتياح الإسرائيليين لغزة وتشارك فى حصارها. وما سربته وثائق ويكيليكس فى هذا الصدد منسوبا إلى رئيس المخابرات السابق اللواء عمر سليمان يؤيد ذلك الادعاء.



مما هو مستغرب أيضا أن الادعاء بتطلع الغزاويين إلى التمدد فى سيناء يتجاهل تماما أن الطريق إلى ذلك ظل مفتوحا طوال 15 عاما تقريبا كانت إسرائيل خلالها محتلة لسيناء بالكامل، وكان بوسع الغزاويين أن يأخذوا راحتهم فى التمدد فى ربوعها، ولكنهم لم يفعلوها. ولكن أبالسة الدس بين الشعبين اختلقوا تلك الشائعة، وروجوا لها للإيحاء بأن الفلسطينيين يهددون أمن مصر القومى.



أسطورة فتح السجون المصرية وقتل المتظاهرين تحتاج إلى تدقيق وتحقيق. ومعلوماتى أن مجموعة من عناصر حزب الله هم الذين انتهزوا الاضطراب الحاصل فى مصر إبان الثورة، وقاموا بتخليص زملاء لهم لفقت لهم قضية فى عهد النظام السباق. وهو عمل غير مشروع لا ريب، لكن تعميم الادعاء واتهام الفلسطينيين وجماعة حزب الله بفتح بقية السجون وقتل المتظاهرين، أمر يتعذر الاقتناع به، حيث لا مصلحة لهم فى ذلك، وقد فهمت أن ذلك الادعاء ردده بعض قادة الشرطة والأجهزة الأمنية فى مصر لتبرئة ساحتهم من التواطؤ فى المسألتين.



إننى أخشى أن تصرفنا مناقشة الهموم الكاذبة عن همومنا الحقيقية، ولا أخفى شعورا بالحزن، والأسف حين أجد أن بعض إعلاميينا مشغولون بالهموم الأولى دون الثانية.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 24 شوال 1433
11 سبتمبر 2012

mohamed5175
12-09-2012, 11:49 AM
بعد ساعات قليلة من إعلان قرار الرئيس محمد مرسى إقالة رئيس هيئة الرقابة الإدارية ونائبه، روى الدكتور محمد البلتاجى القيادى الإخوانى والنائب البرلمانى فى صفحته على موقع «فيس بوك» القصة التالية: فى الأسبوع الماضى اتصلت به هاتفيا سيدة لا يعرفها، ذكرت أنها مساعدة لشخصية كبيرة جدا فى هيئة رقابية سيادية، وقالت إنها «أرادت أن تنبهنى إلى أن هذه الشخصية الكبيرة لاتزال حتى الساعة تراقبنى وتراقب آخرين معى، وتتنصت على كل مكالماتى وتسجل تحركاتى». أضافت السيدة أنها ظنت أن مثل تلك الأعمال ستتوقف بعد الثورة.



ولكنها اكتشفت أنها لاتزال مستمرة رغم مضى نحو عشرين شهرا على نجاحها، حتى إنها باتت «ترى بعينيها العفن والفساد كل يوم»، ومن ثم فإنها قررت أن تبلغه بالأمر لكى يأخذ حذره على الأقل. فى نهاية رسالته قال الدكتور البلتاجى إنه سأل المتحدثة عن هوية تلك الهيئة التى تراقب النشطاء السياسيين وتتنصت عليهم، فكان ردها أنها ظنت أنه ليس بحاجة إلى طرح السؤال، لأن الإشارة فى كلامها كانت واضحة فى أنها تعنى الرقابة الإدارية.



رغم أن المتحدث مجهول وراوى القصة شخص واحد فقط هو الدكتور محمد البلتاجى، وليس لدى فى الوقت الراهن مصادر أخرى يمكن أن تؤيد تفاصيلها، فإنها ترسم بعضا من ملامح صورة الدولة البوليسية التى عاشت فى ظلها مصر طوال العقود الأخيرة. حين كانت أجهزة الرقابة تمثل عين السلطة على المجتمع فى حين أنها فى الدول الديمقراطية تحمى الدولة والمجتمع.



لقد قرأت أن فى مصر 33 جهازا رقابيا، وهو أمر لا يزعجنا إلا إذا كانت أنشطة بعض تلك الأجهزة موجهة ضد المجتمع وليس فى صالحه حيث قد يفهم ويبرر تعدد الأجهزة الرقابية فى بلد كبير بحجم مصر، للبيروقراطية فيه تاريخ عريق، ولجهات الإدارة تاريخ أعرق، منذ كان فرعون مصر يتحكم فى توزيع مياه النيل على الزراعات الواقعة على ضفتيه. وإذا أضفنا إلى ذلك حساسية موقع مصر والأوضاع المضطربة المحيطة بها فإن ذلك يعد عنصرا إضافيا يؤكد أهمية وجود الأجهزة الرقابية فيها، بأعينها المفتوحة عن آخرها على جبهتها الداخلية وعلى حدودها أيضا.



حدثنى من لا يفضل ذكر اسمه عن أن عمليات التنصت على الهواتف مازالت مستمرة إلى الآن. وأن بعض الجهات السيادية التى منحت تلك السلطة فى ظل النظام السابق لم يتغير فى صلاحياتها شىء. الأمر الذى يثير أكثر من سؤال حول حدود وضوابط وأهداف تلك العملية، وتتضاعف الأسئلة إذا علمنا أن أنشطة بعض تلك الجهات تتجه إلى الخارج بأكثر من تركيزها على الداخل، الأمر الذى يعنى أن نشاطها لا علاقة مباشرة له مع الجبهة الداخلية التى توجه إليها عملية التنصت.



من ناحية أخرى، سمعت من وزير داخلية أسبق ــ لم أستأذنه فى ذكر اسمه ــ أن جهاز أمن الدولة فى ظل النظام السابق كان يعد صبيحة كل يوم تقريرا عن خلاصة عمليات التنصت التى كانت تتابع وتراقب محادثات أبرز المسئولين والناشطين السياسيين فى البلد. وهذا التقرير كانت تعد منه ثلاث نسخ فقط، واحدة للرئيس السابق، وآخر للهانم، والثالث للابن الوريث. وهو تقليد لا أعرف إن كان مستمرا إلى الآن أم لا، لكنه يظل قرينة دالة على كيفية توظيف أجهزة التنصت فى السابق، الأمر الذى لم تكن له علاقة بالنظام العام أو المصالح العليا.



ما سبق يسوغ لنا أن نقول بأن أجهزة الرقابة كانت بمثابة الصندوق الأسود الذى يحتوى على أسرار النظام السابق، وأن ملف هذه الأجهزة ينبغى التعامل معه بمنتهى الحزم والحذر، خصوصا أننا إذا تحدثنا عن الدولة العميقة، بمعنى شبكة المصالح غير المرئية والمناوئة للثورة، فينبغى أن تدرج الأجهزة الرقابية على قائمتها. ولست أشك فى أن الجميع يعرفون الآن أن بعض عناصر تلك الأجهزة كان لهم تحيزهم المشهود إلى مرشح النظام السابق فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة.



إن التحدى الذى يواجهه النظام الجديد يتمثل فى كيفية الاحتفاظ بالأجهزة التى تتطلبها عملية تأمين الدولة والمجتمع، على النحو الذى يعزز التحول الديمقراطى ويحميه وفى الوقت نفسه لا يسمح للدولة العميقة بأن تمارس دورها فى خدمة الثورة المضادة وإجهاض التحول المنشود. وهو أمر ليس سهلا وسوف يستغرق وقتا طويلا. ذلك أن الأجهزة الرقابية إذا كانت أسهمت طوال ثلاثين عاما فى تأمين النظام السابق وكان لبعضها دوره فى التستر على فساده، فإن تفكيكها وتأهيلها للقيام بدور إيجابى فى بناء النظام الجديد قد يستغرق عدة سنوات، وهو أمر ينبغى ألا يقلقنا لأن الأهم فيه هو وضوح الهدف المتمثل فى تطهير الأجهزة لتمكينها من الإسهام فى بناء النظام على أسس سليمة ونظيفة وليس الإسهام فى قمع المجتمع والتستر على فساد حكامه، وليت ما حدث فى الرقابة الإدارية يكون خطوة فارقة فى هذا الاتجاه.

جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 25 شوال 1433
12 سبتمبر 2012

mohamed5175
13-09-2012, 11:57 AM
تفوح رائحة المحاصصة فى بعض الاختيارات الجديدة فى الساحة المصرية، بمعنى حجز حصص لمختلف الأطراف فى التشكيلات التى تمت لإثبات حضورها واسترضائها. وهو مسلك متأثر بالرياح القوية التى هبت خلال الأشهر الماضية وقدمت الهويات السياسية أو الدينية على ما عداها من الاعتبارات. الأمر الذى نلحظه فى عناوين مختلف الصحف حين نجد أنه ما من تشكيل يعلن إلا وتركز الصحف على عدد الممثلين للإخوان والسلفيين والقوى الليبرالية واليسارية وغير ذلك. بالتالى فلم يعد السؤال الذى بات يشغل الناس هو ما إذا كان الشخص كفؤا أم لا، ولكنه أصبح يركز على أى فصيل ينتمى. حتى أنه فى بعض الأحيان فإن أوساط المثقفين والسياسيين تعبر عن الارتياح لتشكيل معين ليس لأنه بات يضم أفضل الكفاءات، ولكن لأنه استبعد أناسا بذواتهم. وقد قيل لى إن شخصا استبعد من الترشيح لإحدى الهيئات لمجرد أن ثمة «زبيبة» فى جبهته تشى بأنه من المواظبين على الصلاة وتشكك فى انتمائه للتيار الدينى(!).

يسهم فى اللغط المثار حول التشكيلات التى أعلت أن مؤسسات العمل العام ظلت طوال السنوات الماضية حكرا على فئات محدودة، وتضم أشخاصا معينين، قليلا ما يتغيرون، الأمر الذى كان يستصحب دائما استبعاد فئات بذاتها وأناس معينين. فى الوقت ذاته فإن صعود التيار الإسلامى فى مصر بعد الثورة أشاع قدرا من الحساسية إزاءهم فى بعض الأوساط. ومعروف أن إقصاء رموز ذلك التيار وممثليه ظل قاعدة مستقرة فى تلك المرحلة.

سيقول قائل إن الإشكال يمكن حله بسهولة إذا تم الاتفاق على معايير موضوعية للاختيار فى كل جهة والإعلان عنها، بحيث يحتكم الجميع إليها بصرف النظر عن هوياتهم، والمقصود بالموضوعية ما يتعلق بالكفاءة المطلوبة لأداء العمل والقدرة على تحمل أعبائه. وهذا كلام منطقى جدا وسليم فى الظروف العادية، أو قل إنه المعيار الأمثل للاختيار. لكن يبدو أن الأمر فى الواقع أكثر تعقيدا وحساسية، لأسباب متعددة. منها مثلا أن الصراع بين القوى السياسية المختلفة والاستقطاب الحاصل فى المجتمع المصرى بعد الثورة. جعل كل الأطراف شديدة الحرص على إثبات وجودها، بحيث يكون لها نصيبها من «الكعكة» خصوصا أولئك الذين استمر إقصاؤهم فى الماضى. بالتالى فالأولوية عندها ليست فى كفاءة أداء العمل ولكنها فى تمثيلها داخل دائرة المسئولين عن العمل. وإذا ما تم ذلك التمثيل فكل ما عدا ذلك يصبح تاليا فى ترتيب الأهمية.

فى نصوص القرآن «إن خير من استأجرت القوى الأمين»، وهو التوجيه الذى طرح شرطين موضوعيين لشغل المناصب هما الكفاءة والقدرة. وفى السيرة النبوية ان النبى عليه الصلاة والسلام حين هاجر من مكة إلى المدينة فإن دليله فى الطريق لم يكن مسلما، ولكنه كان بين مشركى قريش. ولم يأبه النبى باعتقاده، ولم يصرف النظر عنه لأنه مشرك، ولكنه اختاره لأنه توسم فيه الكفاءة والقدرة على انجاز المهمة.

هناك أكثر من مشكلة تواجه الاحتكام إلى معايير موضوعية فى اختيار الأشخاص لمواقع العمل العام منها ما يلى:

● غياب الثقافة والخبرة الديمقراطية التى تدرب الناس على العمل معا رغم اختلاف مشاربهم وهوياتهم. وهذا الغياب ولد أزمة الثقة فى الآخر الذى بات يصنف بحسبانه مزاحما وليس مكملا وشريكا.

● التأثر بقيم وتقاليد مرحلة الحزب الواحد واللون الواحد. التى تحصر القيادة والريادة فى «طليعة» بذاتها، تمثل الحزب القائد، ولا تمثل النخبة التى يختارها المجتمع معبرة عن اتجاهاته المختلفة.

● تجذر فكرة القبيلة فى أعماق المجتمع العربى، الذى لم يهضم بشكل جاد فكرة الدولة. وذلك أيضا من آثار غياب الثقافة الديمقراطية. حيث لايزال الولاء للجماعة أو الحزب أو الجهة أو الأسرة الكبيرة أو حتى دفعة التخرج والمهنة، من الأمور التى تسهم فى اختيار الأشخاص لمواقع القرار.

● إننا فى مصر الآن نؤسس لنظام جديد يفترض أن يكون أصدق فى تمثيل المجتمع الذى تم استدعاؤه بعد الثورة إلى ساحة السياسة بعد طول تغيب وتهميش. ولأن الاختيار كان يتم فى السابق من شريحة بذاتها تدور فى فلك القبيلة الحاكمة، فإن اكتشاف العناصر الجيدة الموجودة خارج نطاق القبيلة المذكورة يتطلب جهدا شاقا وقد يستغرق وقتا طويلا، لذلك فإن الاختيار فى الظرف الراهن يتم إما من خلال القبائل الأخرى القائمة، أو من خلال وسائل الإعلام (التليفزيون بالأخص) التى صار بمقدورها تحويل الأشخاص المغمورين إلى نجوم وشخصيات عامة خلال أسابيع معدودة. وهى الظاهرة التى لمسناها بقوة فى مصر بعد الثورة.

أيا كان تحليلنا لملابسات عجزنا عن إدراك المعايير التى على أساسها تتم الاختيارات، فإن ذلك لا يقلل من أهمية توافر الحد الأدنى من تلك المعايير. وللعلم فليس مطلبنا أن يقع الاختيار دائما على «الخبراء» فى كل موضوع، وان تمنينا ذلك، وأنما صار مطلبنا أكثر تواضعا بحيث تطلعنا لأن يكون الذين يتم اختيارهم على صلة بالموضوع.

أقول قولى هذا وأنا أكتم دهشتى من اختيار أناس لبعض المواقع ربما كانوا محترمين جدا كأشخاص، لكنى وجدتهم بعيدين تماما عن الموضوع. وإذ التمس العذر فى ذلك لبعض الوقت لكنه مما يصعب القبول به طول الوقت.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 26 شوال 1433
13 سبتمبر 2012

mohamed5175
15-09-2012, 12:00 PM
لا هى أول إهانة ولا هى آخرها. فمنذ بعث النبى عليه الصلاة والسلام والمنكرون والكارهون لم يكفوا عن محاولة النيل منه بشتى السبل، وقد أثبت القرآن بعضا من صور الاتهام والتجريح التى وجهت له. وما تضمنه الشريط الذى لم يتح لنا أن نطلع على أكثر من 11 دقيقة منه ليس سوى نقطة فى بحر، إذا ما قورن بكم السهام القذرة والمسمومة التى ما برحت توجه إلى نبى الإسلام طوال الاربعة عشر قرنا الماضية.



وما وقفنا عليه هو مجرد اجترار لذلك الذى قيل واستلهام لأفكاره ومزاعمه. لذلك لا أرى فيه جديدا، بل أزعم انه ما كان ينبغى أن يحدث كل تلك الثورة العارمة التى نشهدها فى بعض الأقطار، ومصر فى المقدمة منها. وربما كان جديدا أن الشريط أصبح محل استنكار وازدراء من جانب كل الجهات المعنية والمسئولة، ليس فقط فى الكنائس المعتبرة، ولكن فى الولايات المتحدة ذاتها التى أصبحت هدفا للاحتجاج وسهام الغضب، الأمر الذى أدى إلى اقتحام بعض السفارات الأمريكية ومقتل السفير الأمريكى فى بنغازى.



أفهم أنه ما كان ينبغى لنا أن نصمت، وأن من حقنا أن نغضب، ولكن السؤال هو كيف يكون الغضب، ولمن توجه رسالته، ذلك أننا لا ينبغى فى التعبير عن غضبنا أن ننساق وراء المتشنجين والمحرضين والمتعصبين والمهووسين، بقدر ما اننا ينبغى أن نقاوم بما نملك من قوة نداءات دعاة الكراهية الذين لا يهدأ لهم بال إلا إذا شاع التوتر بين اصحاب الديانات وعمت الحرائق فضاء الأمة، وللعلم فإن الذين أعدوا ذلك الشريط هم من عينة أولئك، المتعصبين والمهووسين والداعين إلى إشاعة الكراهية وإشعال الحرائق.



من المفارقات التى تثير الانتباه فى هذا الصدد أن تجربة الثورة المصرية اثبتت أن المظاهرات السلمية نجحت فى اسقاط نظام مبارك بكل جبروته وصلفه، وكنا نظن أن نجاح التجربة سيكون حافزا لتشجيعنا على الاقتناع بجدوى أساليب التغيير السلمى. لكننا اكتشفنا أن المظاهرة السلمية التى اسقطت مبارك تحولت إلى تعبير مختلف فى التعامل مع السفارة الأمريكية فى القاهرة. إذ لجأ البعض إلى محاولة اقتحام السفارة وتسلق أسوارها وإنزال علمها. ووجدنا أن بعض المهووسين استبدلوه بعلم حزب التحرير الذى لا نرى له أثر فى مصر إلا من خلال الأعلام السوداء التى يرفعها نفر من المنسوبين اليه. ووجدنا أن الأمر ذهب إلى أبعد فى بنغازى التى قتل فيها السفير الأمريكى بسبب المظاهرات التى خرجت هناك لذات السبب. وقد سمعت من بعض المسئولين الليبيين رواية أخرى لما حدث خلاصتها أن المتظاهرين لم يلجأوا إلى الاشتباك المسلح الذى انتهى بقتل السفير، ولكنهم حين تجمعوا امام السفارة فإن حراسها من «المارينز» اطلقوا النار فى الفضاء لإرهابهم وإبعادهم. فما كان من الليبيين، وكلهم مسلحون، إلا أن تعاملوا معهم بالمثل. اذ ظنوا إنهم مستهدفون فأطلقوا نيرانهم على القنصلية وألقوا متفجرات على المبنى أدت إلى اختناق السفير وموته.



ازعم أن المظاهرات التى خرجت فى أكثر من عاصمة عربية لو أنها اعتصمت امام السفارات الأمريكية لبعض الوقت، باعتبار أن الولايات المتحدة هى دولة الجناة، وقدمت مذكرة احتجاج إلى المسئولين الأمريكيين ثم انصرفت بعد ذلك فى هدوء، لكان ذلك كافيا فى إعلان الغضب، ولأوصلت الرسالة بأسلوب فعال ومحتشم ومتحضر، ولأن ذلك لم يحدث فإن وسائل الإعلام ركزت على رد الفعل الأهوج من جانب بعض المسلمين، بأكثر ما ركزت على الاهانة التى وجهت إلى نبى الإسلام.



لقد نأت الإدارة الأمريكية بنفسها عن الموضوع، وأعلنت على لسان البيت الأبيض والسفيرة الأمريكية فى القاهرة عن إدانتها لإطلاق الفيلم الذى أغضب المسلمين، ومع ذلك فإن الغاضبين تصرفوا وكأن الدولة الأمريكية مسئولة عما جرى، وكأن ذلك خطأ وقع فيه المهووسون خصوصا الذين يتحكمون فى بعض الأبواق والمنابر الإعلامية.



أدرى أن كلنا معبأون ضد السياسة الأمريكية بسبب انحيازها إلى جانب إسرائيل ضد العرب، إلا أنها فى المشهد الذى نحن بصدده كانت أقرب الى موقفنا الذى رفض التصرف وأدانه. ولو تعاملنا معها كشاهد ووسيط وليس كمتهم لكان ذلك انفع وأحكم.



إننا قد لا نعرف الكثير عن تفصيلات الشريط، إلا اننا ندرك ثلاثة أمور. الأول أنه يتضمن ازدراء بالاسلام ونبيه ويحض على كراهية المسلمين. والثانى أن مضمونه لا يدخل فى حرية التعبير كما قال بحق رئيس الوزراء التركى الطيب اردوغان، لأن حرية التعبير لا تسمح بإهانة الاديان. الأمر الثالث أن لجوء بعض المسلمين إلى العنف فى التعبير عن غضبهم يجعلهم يخسرون قضيتهم رغم أنهم المجنى عليهم فيها.



إننى أرجو أن يتصدى العقلاء للدفاع عن كرامة نبى الاسلام، وألا يترك زمام الأمر للمتشنجين والمهووسين وحدهم حتى لا يكونون سببا فى خسران القضية، كما أرجو أن يحتل الدفاع عن كرامة المسلمين ذات القدر من الاهتمام والغيرة التى شهدناها فيما خص نبيهم، علما بأن الإساءة إلى نبى الاسلام من جانب المتعصبين لم ولن تنال منه فى شىء. أما إهانة المسلمين التى نراها بأعيننا كل يوم فهى المشكلة الكبرى التى لا يكترث بها أمثال أولئك المتشنجين والمهووسين وأضرابهم من المحرضين الذين يدعون الغيرة المجانية.

جريدة الشروق المصرية
السبت 28 شوال 1433
15 سبتمبر 2012

mohamed5175
16-09-2012, 11:46 AM
مما نشرته الصحف الصباحية المصرية أمس عنوان رئيسى نشر باللون الأحمر على ثمانية أعمدة يقول: أسامة بن لادن فى ميدان التحرير. وتحت العنوان صورة أظهرت وجه صاحبنا وتحتها كتبت العبارة التالية: رحم الله شيخ المجاهدين الشيح أسامة بن لادن ــ انتظروا منا ردودا موجعة. صحيفة أخرى نشرت على الصفحة الأولى عنوانا نسب إلى أحدهم قوله: مزقت الإنجيل نيابة عن المسلمين جميعا ــ وفى الداخل عنوان آخر نقل عن نفس الشخص قوله: فى المرة المقبلة سأحضر حفيدى الصغير لكى يتبول عليه أمام الكاتدرائية.



وعلى الصفحة الأولى أيضا عنوان ينقل عن خطيب ميدان التحرير قوله: سنبنى القبور للأمريكان، وأحذر النصارى فى دول العالم. صحيفة ثالثة أبرزت على صفحتها الأولى رسالة من الدكتور أيمن الظواهرى تحدث فيها عما اعتبرته هدنة بين الإسلاميين والغرب قائلا: السلام مقابل الانسحاب من أراضينا.. أو لن تتوقعوا الضربات القادمة. ونشرت فى الداخل نص رسالة الظواهرى التى ذكر فيها أن مبادرته لا تأتى من باب الضعف أو الاستسلام ولكنها «صلح بالضوابط الشرعية»...الخ.



حين يطالع المرء هذه العناوين والإشارات يخرج بانطباع خلاصته أن البوصلة ضاعت، وأن بعض المنابر الإعلامية انفلت عيارها، ولم تعد معنية إلا بالإثارة والتحريض والتهييج، فالذين ادعوا أن بن لادن فى ميدان التحرير، لمجرد أن واحدا أو أكثر من مؤيديه رفعوا صورته، أعطوا انطباعا بأن الهرج السائد مجرد غضب لبن لادن وليس غيرة على الإسلام، وأن تنظيم القاعدة الذى لم نعرف له وجودا فى مصر ظهر أخيرا فى ميدان التحرير. والذين أبرزوا كلام صاحبنا الذى مزق الإنجيل تصيدوا أحد الغلاة والمتشنجين وحولوا ما تفوه به إلى عنوان على الصفحة الأولى، فى رسالة بائسة لابد أن تستفز الأقباط وتدفعهم إلى الثورة غيرة على كتابهم المقدس. أما كلامه عن تبوُّل طفله على الإنجليل أمام الكاتدرائية فهو يفتقد الحد الأدنى من المسئولية فضلا عن الذوق والحس السليم. ولست أشك فى أن الذين تحدثوا عن مواجهة النصارى لم يسمعوا بأن الكنائس رفضت الشريط المشبوه وأدانته، ولم يدركوا عاقبة إطلاق ذلك الكلام الأهوج. أما إنذار الدكتور الظواهرى فهو نموذج آخر للخفة واللامسئولية فى النشر. ذلك أن صاحبنا القابع فى كهوف ومخابئ أفغانستان تكلم بحسبانه قوة عظمى تهدد الآخرين وتتوعدهم وتنذرهم بأنهم إذا لم يتصالحوا معه بشروطه فإن ضرباته لهم لن تتوقف وستصلهم، وللعلم فإن الضربات المزعومة لم تتجاوز بعض المظاهرات التى حاولت الاعتداء على السفارات الأمريكية فى عدد من الأقطار العربية، وأسفرت إحداها عن قتل السفير الأمريكى فى بنغازى بالخطأ.



بعض الذى أبرزته صحف أمس ما كان له أن ينشر إلا فى سطر أو سطرين من باب العلم بالشىء، والبعض الآخر ما كان له أن ينشر أصلا ولو كان ذلك فى إحدى صحف الحائط. ولكنها الخِفَّة وسوء التقدير والركض وراء الإثارة المجانية التى لا تتورع عن إثارة الفوضى وإشعال الحرائق سعيا وراء الرواج والانتشار.



الإعلام المرئى ليس بريئا من تلك الفرقعات الخطرة. ذلك أن بعض القنوات الدينية الإسلامية والمسيحية تلجأ إلى ذات الأسلوب الذى يتعمد الإثارة والتحريض والتجريح، بما يفتح الباب على مصراعيه لتداعيات الفوضى وشحن النفوس بالبغض والكراهية، وأكاد أزعم أن جانبا من المظاهرات التى خرجت واستهدفت السفارات الأمريكية وحاولت أن تصور الأمر بحسبانه إما اشتباكا مع الولايات المتحدة، أو حربا مقدسة ضد «النصارى» والصهيونية العالمية، هذه المظاهرات تأثرت إلى حد كبير بخطاب دعاة الفتنة، الذين لم ينشغلوا يوما ببناء شىء يفيد أو إشاعة المودة والبر، وإنما ظل جل همهم منصبا على التحريض والإثارة.



كان لابد أن تضيع البوصلة فى ظل ذلك الانفلات الإعلامى، الأمر الذى يستدعى تفكيرا جادا ومسئولا من جانب المجلس الأعلى للصحافة على الأقل، لبحث كيفية التزام تلك المنابر والقنوات بقيم وتقاليد دورها فى الإعلام، دون التورط فى التحريض وإشعال الحرائق بين الحين والآخر.



إن من يتابع وسائل الإعلام عندنا يقع بدوره فريسة الحيرة والقلق، لأنه لن يتلقى الرسائل الغلط فى الأغلب فحسب، ولكنه سيفقد القدرة على الحكم السليم أو القراءة الصحيحة لما يجرى. وبالتالى فإنه سيصبح ضحية لذلك العبث غير المسئول الذى أحذر من عواقب استمراره.

جريدة الشروق المصرية
الاحد 29 شوال 1433
16 سبتمبر2012

mohamed5175
17-09-2012, 11:47 AM
لا أكاد أصدق أُذُنَىَّ حين أسمع بعض الدعاة وهم ينتقدون الآخرين بغلظة جارحة، ويكيلون إليهم السباب الذى يتنزه عنه أهل العلم والدين. ولا أخفى دهشتى حين أطالع من خلال موقع تويتر مستوى الحوار الذى يشارك فيه بعض المتدينين، وكيف أنه يخلو من الاحتشام والتهذيب الذى يفترض فى أمثالهم. وإذ أكرر أننى أتحدث عن البعض وليس الكل، فإننى لا أتردد فى القول بأن الظاهرة مهما كان حجمها فإنها تعلن عن أزمة ينبغى أن تستوقنا، وتدعونا إلى التفكير فى أسبابها وكيفية علاجها.

لقد صدمنى ما تفوَّه به أحد الدعاة أخيرا فى هجائه لإحدى الممثلات. واستخدم فى ذلك أوصافا وألفاظا غير لائقة أستحى من ذكرها، حتى أننى حين وقعت على كلامه قلت إن ما عبر به هو الوسيلة الأفضل والأنجع للصد عن سبيل الله، وإن الذين يريدون محاربة التدين والتشهير به يستطيعون أن يحققوا مرادهم وزيادة بمجرد تسجيل هذا الكلام وتعميمه على الكافة.

وحين قرأت ما كتبه بعض الشبان فإن السؤال الذى خطر لى على الفور هو: أين تربى هؤلاء، ومن الذين رباهم، وهل أتيح لهم أن يتعرفوا على حقيقة دينهم الذين يدعون الغيرة عليه أو حقيقة أولئك الذين يتهمونهم ويسبونهم؟

أحمل الدعاة المسئولية الأكبر، حيث يفترض فيهم العلم أولا، كما أن مهمتهم الأساسية هى تبصير الناس وإرشادهم إلى الصواب، الذى يجذب الخلق ويحببهم فى الدين. ويفترض فيهم الالتزام بالأمر الإلهى الذى يحثهم على التوسل فى مهمتهم بالحكمة والموعظة الحسنة. ناهيك عن ان الداعية يقوم بدور المرشد والمعلم الذى يحتذيه الناس. من ثم فإن غلظته وسوء تعبيره لا ينتقص من قدره فقط، ولا ينفر المتلقين من التدين وأهله فقط، ولكنه يروج للجفاء وسوء الأدب وبذاءة اللسان إلى جانب أنه يسىء إلى الدين ويقبح صورته.

إذا جاز لى أن اعتبر أولئك الدعاة جناة وظالمين فإننى أزعم أن الشبان الذين أشير إليهم ضحايا سوء التربية أو انعدامها. والأولون يستحقون اللوم والحساب، والآخرون يستحقون الرثاء والتقويم. وإذ أذكر بأننى أتحدث عن ممارسة الغلظة وسوء الأدب مع المخالفين من المسلمين، فلك أن تتصور أداءهم بحق غير المسلمين، الذى قد تكون فيه الغلظة أشد وسوء الأدب مضاعفا.

أدرى أن الأخلاق ليست حكرا لا على المسلمين وحدهم ولا على المتدينين وحدهم، وأفهم أن للأخلاق أكثر من مجال، فمنها ما يتعلق بمنظومة الفضائل الشخصية وثيقة الصلة بالاستقامة والتهذيب وحسن الأدب. ومنها ما يتعلق بأخلاقيات العمل وفضائله التى منها الاتقان والانضباط والوفاء بالوعد وغير ذلك. وما أتحدث عنه هنا هو الفضائل الأولى التى يفترض أن تكون أكثر وضوحا فى سلوك المتدينيين الذين يفترض فيهم الامتثال للتعاليم الإلهية. وهى أكثر لزوما بالنسبة للدعاة الذين يبشرون ويرشدون ويربون غيرهم.

لا مفر هنا من ان نعترف بأن بيننا من فصل بين التدين والأخلاق، فاكتفى فى التدين ببعض المظاهر والطقوس، التى هى إعلان سهل وغير مكلف. ومن ثم «حرر» معاملاته من الالتزام بقيم التدين واستحقاقاته التى تحكم علاقاته بالآخرين. وإذا قمنا بتنزيل تلك الفكرة على المشهد الذى نحن بصدده فسنجد أنه فى حين ينص القرآن صراحة على كفالة حق الكرامة لكل بنى آدم، بصرف النظر عن جنسهم أو لونهم أو دينهم، فإننا نجد فى ممارسات الدعاة الذين أعنيهم استعدادا مدهشا لإهدار كرامة الآخرين والخوض فى أعراضهم، على نحو ينسف القيمة التى قررها القرآن ويهدم كل ما بَنَته. وفى حين يحذر القرآن نبى الإسلام فى الآية: «ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك»، فإننا نجد بعض حملة الرسالة المبلغين عن رسول الله لا ينطقون إلا بكل ما هو جاف وفظ، على نحو يدفع الناس دفعا إلى الانفضاض من حول الدين ومجافاته.

إلى جانب أولئك الذين فصلوا الدين عن الأخلاق وأقاموا حاجزا بين العبادات والمعاملات، فإننا نجد آخرين انصرفوا عن العمل التربوى والرسالى، وشغلوا بجاذبية وغوايات العمل السياسى والحزبى والبريق الإعلامى. فألهتهم صراعات السياسة وتقلباتها عن تربية الأجيال الجديدة وتأسيسها على قيم الورع التى تتقرب إلى الله بمحبة الخلق والحنو عليهم.

إن صعود التيارات الإسلامية يغدو بلا قيمة حين يقترن بتراجع البعض عن الالتزام بالقيم والأخلاق الإسلامية خصوصا تلك التى تتعلق بالمعاملات، وتحض على حق المغايرين والمخالفين فى الكرامة والبر. وحين يعبر نفر من الدعاة أو الأنصار المتحمسين عن غيرتهم على الدين بإهدار ذلك الحق فإنهم يصبحون عبئا على التدين وليس عونا له، وفى هذه الحالة فإن سكوتهم يقدم خدمة جليلة للدين ولجمهور المتدينين، وللسلم الأهلى فى ذات الوقت.

جريدة الشروق المصرية
الاثنين غرة ذي القعدة 1433
17 سبتمبر 2012

mohamed5175
18-09-2012, 11:21 AM
الأشهر التى مضت من عمر الثورة المصرية سمحت لنا بأن نتفرس فى وجوهنا كما تبدت فى مرآة الحقيقة، الأمر الذى كشف عن اننا جميعا خرجنا مشوهين من رحم النظام السابق.


(1)

الفكرة المفتاح فيما أتحدث عنه اننا جميعا ابناء بيئة اجتماعية وسياسية واحدة، وان اختلفت مشاربنا ومرجعياتنا الفكرية والسياسية. وهذه البيئة خضعت طوال الثلاثة أو الأربعة عقود الأخيرة لنظام اقترن فيه الاستبداد المقيم بالفساد المستشرى. وللاستبداد طبائعه المدمرة. فهو مؤذن بفساد العمران. بمعنى الاجتماع البشرى، عند ابن خلدون. وهو أصل كل فساد آخر عند عبدالرحمن الكواكبى، وقد فصَّل فى ذلك فى كتابه الشهير الذى تحدث عن تلك الطبائع. ونوه فى مقدمته إلى أهمية أن «يعرف الذين قضوا نحبهم أنهم هم المتسببون لما حل بهم، فلا يعقبون على الاغيار ولا على الأقدار».

ليس منا إذن من نجا من التأثر بأجواء المرحلة السابقة. وليس بوسع أى أحد أن يدعى أنه كان معصوما من أصدائها. بالتالى فلا محل للتساؤل عن وجود ذلك الفساد من عدمه، ولكن السؤال قد يصح إذا ما انصب على درجة التأثر بتلك الأجواء. وهو ما يسوغ لى أن أقول إننا جميعا أفرادا وجماعات خرجنا من النظام السابق بيوتنا من زجاج، قد تختلف فيه درجة الهشاشة ولكنه يظل زجاجا فى نهاية المطاف.

بوجه أخص، فإن طول عمر النظام السابق، الذى استمر ثلاثين عاما، وفر له فسحة كافية لتفكيك المجتمع واعادة تركيبه من جديد بالمواصفات التى ارتآها مناسبة له. رأينا ذلك بصورة جلية فى مؤسسات السلطة وجهازها الإدارى، كما رأيناه فى الكيانات السياسية التى ظهرت فى تلك الفترة، بل رأيناه أيضا فى تراجع منظومة القيم السائدة فى المجتمع.


(2)

إن بعض أنصار النظام السابق وأبواقه ما برحوا يتحدثون عن الأسواق الكبيرة (المولات) التى ظهرت فى عهده والمنتجعات والجسور التى انشئت، وشبكة المترو التى امتدت وأعداد المشاركين فى الإنترنت ومشترى الهواتف النقالة وغير ذلك. وهذا قد يكون صحيحا، إلا أنه يظل منسوبا إلى محيط العمران الإنشائى إذا صح التعبير، لكنه أبعد ما يكون عن العمران الاجتماعى والبشرى. بكلام آخر فإن البنايات والمشروعات التى نفذت لا تعد دليلا كافيا على التقدم، وإنما هى بعض مظاهر التقدم الذى ينبغى ألا يقاس بالمشروعات الاستهلاكية والانشائية وحدها، ولكنه يقاس أساسا بمدى ايجابية منظومة القيم الحاكمة للمجتمع فى المجالات المختلفة.

ان ما تتحدث عنه هذه الأيام وسائل الإعلام وما تلوكه ألسنة الطبقة السياسية المصرية، عن الاستحواذ والاقصاء والتهميش وإهدار أحكام القضاء وسلطة القانون. هذه العناوين كلها ليست طارئة فى فضائنا السياسى، ولكنها من مخلفات ومواريث النظام السابق. أو قل انها جزء من ثقافة تلك المرحلة التى لم نتخلص منها بعد. فى هذا الصدد أزعم أن الذين مكنوا من موقع فى ظل النظام السابق مارسوا ذلك الذى ينتقدونه اليوم، إلا من رحم ربك بطبيعة الحال. لا أعنى نظام مبارك وحزبه الوطنى فحسب، ولكننى أعنى أيضا مختلف الجماعات والقوى السياسية التى حالفها حظ التمكين، وقدر لها أن تدير منبرا أو جماعة أو منظمة فى تلك المرحلة. أتحدث عن شرائح الليبراليين والعلمانيين واليساريين الذين كان أغلبهم اما مرضيا عنهم من قبل النظام السابق أو متحالفين معه. صحيح أن مبارك سلم مقاليد السياسة والإدارة لجماعته الذين شغلوا المواقع الأساسية فى السلطة والحزب. إلا أنه سلم أبرز منابر الإعلام والثقافة لممثلى تلك الشرائح. وظل الاتفاق غير المكتوب بين الجانبين مستقرا على اقصاء الإسلاميين وتهميشهم حيثما وجدوا. عندى عشرات القصص التى تؤيد تلك المقولة، بعضها يتعلق بخبرات شخصية والبعض الآخر يخص آخرين أعرفهم، لكنى لا أريد أن أذكر أسماء حتى لا أحرج أحدا. لذلك سأكتفى بالإشارة إلى ثلاثة نماذج فقط، فقد حرِّمت جوائز الدولة التقديرية على أى مرشح من الإسلاميين حتى إذا لم يكن من الإخوان. وتم ذلك طول الوقت بتوافق بين مجموعة من المثقفين وبين جهاز أمن الدولة، وعبرَّ لى أعضاء فى إحدى اللجان الاستشارية لمشروع ثقافى خليجى كان يختار كل عام شخصية عربية يمنحها جائزته عن استيائهم من موقف اثنين من المثقفين المصريين أحدهما صار وزيرا فيما بعد دأبا على الاعتراض على أى شخصية إسلامية ترشح للجائزة، خصوصا من بين المصريين ولم يكن هناك تفسير لذلك سوى أن الاثنين من العلمانيين الأصوليين، الذين أصبحوا الآن يعظوننا فى ضرورة القبول بالآخر واحترامه.

النموذج الثانى يتعلق بقصة الدكتور نصر أبوزيد، الذى اعترضت حينها على فكرة محاكمته ولكن القضاء بمختلف مراتبه أدانه، بما فى ذلك محكمتا الاستئناف والنقض. حينذاك انهالت مقالات وتصريحات تسفيه القضاء واتهامه بالتحيز لصالح الإسلاميين واختراقه من جانبهم. وهؤلاء الذين ظلوا يكيلون الاتهامات للقضاء وقتذاك وجدناهم يتصدون للدفاع عنه ويشددون على ضرورة احترام أحكامه، حين أصدرت المحكمة الدستورية مؤخرا حكمها الذى دعت فيه إلى حل مجلس الشعب ذى الأغلبية الإسلامية.

لاتزال تلك النخب تمارس إرهابها الفكرى فى ذات الاتجاه الأمر الذى دفع وزير الثقافة الحالى لأن يصرح لصحيفة (المصرى اليوم) فى حديث نشرته له فى 7/9 الحالى قائلا انه لم يستعن بإخوانى واحد فى أى موقع ثقافى. ويبدو أنه بذلك الاقصاء أراد أن يبرئ ساحته ويثبت أنه عند حسن ظن تلك الفئات به ليأمن من التشهير والاتهام فى وسائل الإعلام التى يسيطرون عليها.


(3)

لا أريد أن أبرز الاستحواذ الذى يتحدثون عنه هذه الأيام وهو ما أدينه وأستنكره إذا صح. ولكنى أردت فقط أن انبه إلى أن ثمة أمراضا من مخلفات النظام السابق توطنت فى الساحة الثقافية المصرية، فأصابت الجميع ولم يعد أحد مبرأ منها، وبسبب عموم البلوى، فليس لأحد أن يكابر ويعاير الآخر بما أصابه. ولكن واجب الوقت ونداءه هو كيف ان نعالج أنفسنا لنبرأ جميعا من تلك الآفات. وأولى مراحل العلاج ان يعترف المريض بمرضه.

إن قسمة البلد إلى معسكرين الأول انخرطت فيه ما سمى بالقوى المدنية، والثانى شمل التيارات الإسلامية التى عرفت باسم القوى الدينية هو صياغة حديثة أضفت نوعا من التقنين للحرب الباردة التى ظلت مستمرة طوال الفترة الماضية. وما استجد فيها ان الطرف الإسلامى اكتسب شرعية وخروجا من الظل إلى الضوء والنور. وقد ذكرت من قبل أنها صياغة خطرة ومغلوطة كرست التقاطع بين الطرفين وأغلقت باب التلاقى أو حتى التوازى بينهما. الأمر الذى يعنى أن الطرفين خرجا متخاصمين من خبرة النظام السابق. وبدت خصومة الطرف العلمانى والليبرالى واليسارى أشد. ليس فقط لأنه ظل تاريخيا منحازا إلى موقف الرفض الحاسم للإسلاميين، ولكن أيضا لأنه استشعر أن صعود الأخيرين يهدد احتكار الأولين للمواقع التى هيمنوا عليها طوال الوقت.

هذه المفاصلة بين الطرفين ظلت مصدرا للتشوهات التى أصابتهما معا. ذلك ان خصامهم لم يتح لهم أن يعملوا معا، فلم يعرفوا بعضهم البعض ولم يثقوا فى بعضهم البعض. وبالتالى ظل سوء الظن مخيما على علاقاتهم. فقد ظن بعض الإسلاميين ان الآخرين متفلتون وضالون ان لم يكونوا كفارا ومطعونا فى إسلامهم وهى معان كرسها وضعهم فى موقف الضد من المتدينين. وشاع فى أوساط الآخرين أن الإسلاميين جهلاء ومتخلفون ويتاجرون بالدين. وتنطع بعضهم حتى وصفوهم بالمتأسلمين. (لاحظ أن بعض رسامى الكاريكاتير لايزالون يقدمون الإسلاميين باعتبارهم رموزا للتخلف والقبح والغباء وليس فيهم ما يدعو إلى التقدير أو الاحترام).

ذلك التوجس المتبادل المسكون بالنفور وعدم الثقة، كان كفيلا بتعطيل وإفساد أى عمل مشترك بين الطرفين، حتى بدا ان كلا منهما ليس مؤهلا للتعاون مع الآخر، الأمر الذى لم يكن مستغربا ان يفشل الطرفان فى التفاعل فيما بينهما وان تصبح كلمة التوافق عنوانا فارغ المضمون.

إذا أردنا أن نتصارح أكثر فينبغى أن نعترف بأننا بعد الثورة حاولنا ان نؤسس نظاما ديمقراطيا فى حين أننا ظللنا نفتقد إلى الثقافة الديمقراطية، حيث لم نتعلم كيف نعمل معا، وكيف يمكن ان نستخلص من الآخر أفضل ما فيه لتنتفع به الجماعة الوطنية، بدلا من ان ننشغل بإبراز اسوأ ما فى الآخر لإقصائه ونفيه من الساحة الوطنية.


(4)

الخلاصة اننا لابد ان نعترف بأننا مازلنا فى «حضانة» أو تمهيدية الديمقراطية. من ثم فحاجتنا ملحة لأن نستعيد ثقافة الممارسة الديمقراطية، فيتعرف بعضنا على بعض، بحيث يكمل كل منا الآن، ولا يتردد فى التعلم منه. بغير استعلاء أو استكبار. والحرص على التعلم واكتساب الخبرة يتطلب تواضعا للذات واحتراما وتقديرا للآخر.

هذه الروح تستصحب اقتناعا ضروريا بأن الجميع شركاء فى الوطن، الذى هو أكبر من أى طرف بذاته، وبالتالى فإن النهوض بذلك الوطن يقتضى تفاعلا بين أطيافه واحتشادا لكل مكوناته. فى هذا الصدد أذكر بأننى دعوت من قبل إلى ترحيل مطلب تطبيق الشريعة المثير للخلاف، والاكتفاء فى الوقت الراهن بالاتفاق على مجموعة من المبادئ والقيم التى تحظى بالإجمال الوطنى، قياسا على ترحيب النبى محمد بفكرة حلف الفضول الذى عقده نفر من وجهاء قريش لحماية الضعفاء قبل الإسلام، وهو ما يجعلنى أدعو إلى خطوة أخرى على طريق تواضع الأهداف، مناديا بالكف عن الحديث عن مشروع «النهضة» الذى يبدو المصطلح فيه أكبر بكثير من قدرة وطاقة المجتمع الذى يمر بفترة النقاهة. بل أدعو إلى الاعتراف بأن جميع القوى السياسية والإسلامية فى المقدمة منهم ليست لديها استراتيجيات واضحة المعالم للمستقبل. ذلك ان تلك القوى لم تحلم يوما ما بأن تكون شريكة فى إدارة البلد، ولم يتجاوز حلمها طوال تلك المرحلة حدود إثبات الحضور ضمن مؤسسات النظام السابق. أما الإخوان فقد ظلوا مشغولين طوال الوقت بالدفاع عن الذات وأحكام الحفاظ على التنظيم فى مواجهة الغارات المستمرة التى ظلوا يتعرضون لها. وإذا صح ذلك فإنه لا ينبغى أن يكون سببا لإحباطنا، ولكنه يجب أن يكون حافزا لإقناعنا بحاجة كل منا للآخر، لوضع استراتيجيات النهوض المرجوة من خلال التجربة والخطأ. وهو ما لا يشين أحدا أو ينتقص من قدره. لأن المشين حقا ان يدعى أى طرف أن لديه استراتيجيات كاملة الأوصاف للحاضر والمستقبل والداخل والخارج، فى حين أنه لايزال يتعلم ويحاول التعرف على محيطه وعلى العالم من حوله.

إن أولى خطوات علاج أى مريض أن يعترف بمرضه، وهو ما لا أراه حاصلا حتى الآن، رغم اننا لسا بالسوء الذى يعجزنا عن ذلك سنواصل الكلام فى الموضوع الأسبوع المقبل بإذن الله.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 2 ذي القعدة 1433
18 سبتمبر 2012

mohamed5175
19-09-2012, 11:37 AM
عقدت بالخرطوم فى الأسبوع الماضى ندوة كان السؤال الأساسى فيها هو: ماذا يريد السودان من مصر الجديدة؟ وما لفت نظرى فيها ليس موضوعها فقط، ولكن أننى قرأت تقريرا عنها فى صحيفة «الشرق الأوسط» (يوم 9/9) فى حين لم تشر إليها الصحف المصرية، وحين سألت عن المصريين الذين شاركوا فيها، قيل لى إن أحدا لم يحضرها من الباحثين المصريين، وإن السفير المصرى بالخرطوم دعى إليها ولم يحضر. ولم يتسن لى أن أتعرف على تفاصيل ما دار فيها إلا حين التقيت قبل أيام قليلة الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل القيادى فى حزب المؤتمر الحاكم ووزير الخارجية الأسبق، وكان مع السيد الصادق المهدى رئيس حزب الأمة من بين المتحدثين الرئيسيين فى الندوة، التى دعت إليها صحيفة «الأهرام اليوم» السودانية، وقد فهمت منه أن ندوة أخرى يفترض أن تعقدها جريدة «الأهرام» القاهرية لاستكمال مناقشة الموضوع.



الخلاصة التى وقعت عليها فى الصحيفة اللندنية والتى سمعت جانبا منها من الدكتور مصطفى عثمان أعادت إلى ذهنى ندوة أخرى دعت إليها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فى مصر قبل نحو ربع قرن، (فى سينة 1989). وقد اشترك فيها آنذاك 35 باحثا من أساتذة الجامعات والخبراء فى البلدين، وافتتحها الدكتور بطرس غالى الذى كان حينها وزيرا للدولة للشئون الخارجية، وقد أصدرت الندوة كتابا تضمن أعمالها جاء فى 800 صفحة، ولايزال يعد مرجعا مهما فى تحرير العلاقة بين البلدين، ان اتسمت الأبحاث فيه بالعمق والمصارحة الشجاعة، الأمر الذى لابد أن يختلف من حيث الوزن إذا قورن بالندوة الصحفية التى عقدت مؤخرا بالخرطوم. مع ذلك فقد أثار دهشتى أننى وجدت أن بعضا من الأفكار المهمة التى أثيرت منذ ربع قرن لاتزال عالقة لم يحسم أمرها حتى الآن، الأمر الذى يرجع فى الأغلب إلى بعض رواسب التاريخ، فضلا عن ان ثمة عقبات تعترض تعاون البلدين، سواء فيما خص إدارة العلاقة أو فى الإرادة السياسية الحاكمة لها. من ذلك مثلا أن رصيد الثقة وحسن الظن بين البلدين على مستوى المثقفين خاصة، يحتاج إلى تعزيز، حيث يظن البعض أن لدى المصريين نظرة دونية تجاه نظرائهم السودانيين، وبالمقابل فلدى قطاعات من المثقفين اعتقاد بأن المصريين سلبيون ومستغلون ويفتقدون الشجاعة فى مواجهة النوازل. من ذلك أيضا أن قضية السودان تعد مسألة أمنية من جانب مصر، وملفها يظل بعيدا عن متناول الأجهزة والمؤسسات السياسية. من ذلك كذلك أن الخلاف حول الحدود المشتركة المتمثل فى مثلث منطقة حلايب يعطل المصالح المشتركة بين البلدين. ولا أمل فى حل الإشكال إذا أصر كل بلد على أن حلايب جزء منه. والحل المطروح لفض التعارض أن يتحول المثلث إلى منطقة تكامل اقتصادى بين البلدين. علما بأن استمرار تعليق الموضوع يعطل افتتاح الطريق الساحلى الذى يفترض أن يصل الإسكندرية بكيب تاون فى جنوب أفريقيا. وهو مشروع حيوى واستراتيجى من هذه الناحية، ما كان له ان ينتظر طويلا. من الأمور العالقة أيضا مصير اتفاقية الحريات الأربع، المتعلقة بالدخول والعمل والتملك والإقامة التى وقعها السودان ولم توقعها مصر. الأمر الذى يعنى أن السودان يفتح أبوابه على مصاريعها للمصريين، فى حين أن مصر لا تعامل السودان بالمثل.



حدثنى الدكتور مصطفى عثمان عن دور النظام السابق فى دعم المعارضة الذى انتهى بتقسيم السودان إلى شمالى وجنوبى، وقال إن الرئيس الإريترى أسياسى أفورقى أبلغه يوما ما بأن عناصر المعارضة التى قدمت إلى إريتريا ومارست منها نشاطها ضد حكومة الخرطوم تعمل بمساندة وتمويل المخابرات المصرية. وكان هؤلاء هم الذين أطلقوا فكرة حق تقرير المصير التى انتهت باستقلال الجنوب. وفى رأيه أن تقرير المصير يطرح حين تكون الشعوب خاضعة للاحتلال، ولا محل لها حين يتعلق الأمر بالمنازعات أو الخلافات التى تحدث بين مكونات الدول المستقلة.



فى ندوة الخرطوم الأخيرة قال السيد الصادق المهدى إن الوضع المستجد فى مصر يوفر فرصة أفضل لتفاهم البلدين خصوصا فيما تعلق بالعلاقة التكاملية بينهما. وأضاف أن الفجر الجديد فى مصر يوفر رأسمال معنوى كبير لمصر والسودان، والسؤال هو فى أى حساب يوضع ذلك المال المعنوى. وتحدث البروفيسور صفوف فانوس أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم عن ضرورة تعاون المجتمع المدنى فى البلدين لأجل إزالة الحواجز النفسية بينهما. وذكر الدكتور بشير رحمة القيادى بحزب المؤتمر الشعبى أن المرحلة الانتقالية التى يمر بها البلدان لا تسمح بإقامة علاقات استراتيجية بينهما تقوم على أساس من الندية والاحترام المتبادل.



أهم ما فى الندوة الأخيرة أنها جددت الحوار حول ما هو مسكوت عليه فى علاقات البلدين واستدعت ملفات ينبغى ألا تظل عالقة بين جارين وشقيقين بينهما أوثق الروابط. بالتالى فالسؤال ليس ما الذى يريده السودان من مصر، وإنما هو ماذا يريد كل بلد من الآخر. وهو إذا كان مطروحا فى علاقة مصر بالسودان، فهو مطروح أيضا وبنفس القدر فيما يتعلق بالعلاقة مع ليبيا. الأمر الذى يستدعى ملف المثلث الذهبى فى العالم العربى الذى لم ينل حظه من الاهتمام رغم دوره الحيوى فى مستقبل المنطقة. أدرى أن مصر مشغولة ومستغرقة فى ترتيب البيت، لكننى أزعم أن أهل السودان وليبيا يجب أن يعاملوا بحسبانهم من آل البيت.


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 3 ذي القعدة 1433
19 سبتمبر 2012

mohamed5175
20-09-2012, 11:34 AM
كلما قرأت خبرا عن «هبة» قدمها زائر أجنبى لمصر ينتابنى شعور بالانكسار والصغار. إذ على الفور أستحضر صورة رئيس الوزراء جالسا على باب مصر، ووراءه لافتة جهاز الإحصاء التى تعلن على الملأ ان الرجل «يعول» 83 مليون مصرى فى الداخل وتطن فى أذنيه طوال الوقت أصوات 8 ملايين آخرين يتوزعون على أنحاء الكرة الأرضية. الأمر الذى يستثير عطف القادمين الذين يرثون لحال الرجل ويشفقون عليه من الحمل الثقيل، فيضع كل واحد يده فى جيبه ويستخرج منه ما تجود به نفسه قبل أن ينصرف إلى حال سبيله ويقفل عائدا إلى بلده.

هذه الصورة المتخيلة التى تتراءى للمرء فى لحظة شعوره بالاستفزاز والغيرة، يبدو أن آخرين يتعاملون معها بحسبانها واقعا تعانى منه مصر. على الأقل فذلك ما أوحت به كتابات البعض الذين تصوروا أن مصر لا ترى إلا وهى ممدودة اليد، ويتوقعون منها أن تجيئهم حبوا ملتمسة العون والمساعدة.. متوهمين أن المقامات تصنعها أرصدة البنوك والمصادفات التاريخية.

إذا نحينا جانبا مقولات الذين لا يعرفون قدر مصر، فإن منظر الواهبين يظل أمرا مستفزا، ثم إن إبراز وسائل الإعلام المصرية لما قدموه من «مكرمات»، يضاعف من الاستفزاز، لانه يعطى انطباعا مغلوطا ويروج لثقافة قليلى الحيلة والعاجزين. وحين تبرز وسائل الإعلام ان تلك الهبات لن ترد، فإن ذلك يوحى على الفور بأننا بصدد تبرع أو «بقشيش» تفضل به نفر من أهل الخير، وقدموه بحسبانه «منحة» تستحق الشكر والامتنان.

لست ألوم الذين يخطئون فى فهم المشهد أو فى عرضه فى وسائل الإعلام بصورة تنال من كرامة هذا البلد وقدره، إلا أننى ألوم الذين لم يحاولوا أن يعطوا للتصرف حجمه الطبيعى وأن يضعوه فى سياق الضرورة العارضة لبلد لا هو فقير ولا هو عاجز.

لقد أبرزت الصحف أمس خبر تقديم الحكومة الفرنسية 300 مليون يورو إلى مصر، وذكرت صحيفة الأهرام التى نشرت الخبر على ثلاثة أعمدة فى قلب صفحتها الأولى ان المبلغ يعد منحة لا ترد هدفها دعم مصر، التى تحرص فرنسا على توثيق الأواصر معها. وقبل الفرنسيين قرأنا عن منح قدمتها دول أخرى منها قطر والسعودية والصين.

لقد أصبحنا نقرأ الكثير عما يقدمه الآخرون من منح وقروض، وعن تيسيرات وإغراءات لجذب الاستثمارات الخارجية، الأمر الذى أعطى انطباعا بأن جهد الحكومة منصب على ذلك الاتجاه، فى حين أننا نفهم أن تعطى الأولوية لاستنهاض الهمم فى الداخل، لتحريك كل ما هو راكد أو معطل فى مجالات الإنتاج المحلى، ثم بعد ذلك تأتى مرحلة الاستعانة بالخارج.

سمعت من الدكتور حازم الببلاوى نائب رئيس الوزراء ووزير المالية السابق تصورا للتعامل مع المشهد خلاصته كما يلى: إن الأزمة واردة فى مسيرة أى بلد. ومن الطبيعى أن يتعاون معه الآخرون لتجاوزها، كما هو الحاصل فى دول الاتحاد الأوروبى الآن. إلا أن الأمر يتطلب شفافية من البداية، بحيث يصارح الرأى العام بحقائق الأزمة وبحدود التصرف إزاءها، بحيث يكونون على وعى بما هو فى مقدور الدولة وبما يتجاوز قدرتها على الاحتمال. وفى كل الأحوال فإن الحكومة يجب أن تطالب الرأى العام بأمرين، أولهما بذل الجهد والعرق، وثانيهما الصبر حتى يحين طور قطف ثمار الجهد.

فى رأيه أيضا أن تلك المكاشفة المرجوة لم تتحقق فى مصر، وأن الحكومة لجأت إلى طمأنة الناس وتسكينهم بأكثر مما حاولت استنفارهم وشحذ همم لبذل ما وسعهم من جهد والصبر على تحمل الأعباء الذى يسبق النهوض المنشود.

أضيف إلى ما ذكره الدكتور الببلاوى أننى أخشى على المجتمع من إبراز وتواتر أخبار الاقتراض ومحاولات استجلاب الأموال والاستثمارات الأجنبية، لأن من شأن ذلك أن يروج لثقافة الاعتماد على الخارج، الأمر الذى يؤدى إلى تراجع قيمة الاعتماد على الذات. وهو ما يسوغ لى أن أقول أننا لم تستثمر بعد طاقات الشعب المصرى، باستدعاء مخزون طاقاته وإبداعاته وخبراته التى تراكمت عبر التاريخ. ولست واثقا من اننا على إحاطة كافية بامكانيات المصريين البشرية أو المادية، كما أننى لست على ثقة من أننا بذلنا القدر المطلوب من الجهد لتوظيف تلك الامكانيات فى تلبية الاحتياجات فى المجالات الإنتاجية والعمرانية المختلفة.

أفهم ان ثمة شريحة واسعة من الصناعيين والتجاريين الذين يحتلون الصدارات، ولهم مصالحهم الكبيرة فى استمرار التعامل مع الخارج، لكننى أتحدث هنا عن شعب يريد أن ينهض وليس عن رأسماليين يريدون مضاعفة أرباحهم، وإذا ما اتفقنا على ذلك فاننا لا ينبغى فقط أن نفكر بطريقة أخرى، وإنما يتعين علينا أن نخاطب أناسا آخرين من المهمومين بمستقبل الوطن والمهجوسين بتقدمه ورخائه.

فى الحديث النبوى إن اليد العليا خير من اليد السفلى، لكن بعضنا يصرون على العكس، فيستبدلون الذى هو أدنى بذلك الذى هو خير.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 4 ذي القعدة 1433
20 سبتمبر 2012

mohamed5175
22-09-2012, 11:48 AM
فى حدث نادر بالنسبة لى، فاتنى توثيق هذه المقولة، التى ظلت عالقة بذاكرتى لا تبارحها منذ عدة أشهر، المقولة هى: لايهم ما إذا كان لون القط أسود أم أبيض، طالما أنه قادر على ملاحقة الفئران، لذلك اعتذر عن اننى حين قرأتها لم أسجل اسم قائلها ولا متى قيلت وأين، وإن كنت أرجح أن صاحبها واحد من حكماء الصين المحدثين.



كلما قرأت فى الصحف المصرية ذلك الصياح المستمر الذى لا يكف عن التنديد بما يسمونه «الأخونة» (التى أعارضها إن صحت) أتذكر كلمات الحكيم الصينى وأعتبر أن السؤال الأهم الذى ينبغى طرحه هو ما اذا كان هؤلاء الذين يتم اختيارهم قادرين أم لا على تحمل مسئولياتهم وملاحقة «الفئران» التى تكاثرت فى حياتنا حتى حاصرتنا من كل صوب.



قبل أيام حدثنى أحد الخبراء المخضرمين المهتمين بالشأن الاستراتيجى عن مجموعة الضباط المصريين الذين تم اختيارهم مؤخرا لشغل أعلى المناصب فى القوات المسلحة والأمن، فقال إنه تتبع سيرتهم من زملائهم ومن خلال سجلاتهم، فتبين أنهم من طراز رفيع ونادر من العسكريين، الذين توافرت لهم صفات الكفاءة والشجاعة والمعرفة العميقة والاستقامة الأخلاقية، وهو الوجه الذي لم يشر إليه أحد فى ساحتنا الإعلامية، وإنما ظل تركيز أكثر الصحف المصرية منصبًّا على شىء واحد هو: هل لهم صلة بالاخوان أم لا.



ذلك حدث أيضا مع الضابط الذى تم اختياره قبل أيام متحدثا باسم القوات المسلحة، ونشرت الصحف إلى جوار خبر تعيينه تعريفا بسجله العسكرى، الذى جاء مشرفا ومدهشا. حتى كنت أحد الذين استغربوا أن تجتمع كل تلك المؤهلات التى حصلها فى شخص واحد.



لست أرى أن كل الاختيارات التى تمت من ذلك القبيل، ولعل كثيرين يذكرون أننى انتقدت غياب المعايير الموضوعية فى بعض الاختيارات التى تمت مؤخرا، فيما نشر لى من قبل تحت عنوان «حد أدنى فى المعايير» فى (13/9) لكننى أردت أن أنبه إلى الفكرة المتضمنة فى المقولة سابقة الذكر. وقد أشرت توا إلى أننى صرت أتذكرها كل يوم، حين أطالع فى صحف الصباح العناوين والتعليقات التى تتناول التعيينات والتشكيلات الجديدة ولا تكف عن التساؤل عما إذا كان القط اسود أم أبيض، وهو تساؤل بات يكبر يوما بعد يوم حتى صرنا على شفا قلب المعادلة، بحيث تصبح على النحو التالى: لا يهم أن تؤكل الفئران أو تنتشر إنما الأهم أن نتأكد اولا مما اذا كان لون القط اسود أم أبيض.



إلى ذلك الحد وصل الاستقطاب الذى أفسد علاقات القوى السياسية وكرس فكرة غلبة الذات على الموضوع، بما استصحبه ذلك من تراجع لأولوية المصلحة العامة وتقدم فكرة الحصص والانصبة التى يحصلها كل طرف.



التنافر بين القوى السياسية لم يدفع البعض إلى تغليب الشكل واللون على الوظيفة والدور فحسب وإنما جعلهم أيضا يصرون على تجاهل وإنكار أى إنجاز إيجابى للطرف الآخر.



طالعت قبل أيام تقرير الأمانة العامة لمجلس الشعب، عن أداء المجلس خلال الفترة التى عمل فيها قبل حله (من يناير إلى مايو ٢٠١٢) ووجدت أن المجلس كان غارقا فى مشاكل الناس وهموم المجتمع، إذ أقر 12 قانونا تعلقت بتعريفات أسر شهداء الثورة ومصابيها، وتعديل قانون العاملين لتثبيت العمالة الموسمية، وتعديل قانون التعليم لجعل الثانوية العامة سنة واحدة، وقانون الحد الاقصى للأجور، وتعديل قانون القضاء العسكرى لوقف محاكمة المدنيين أمامه، وقانون التأمين الصحى على المرأة المعيلة، وقانون التأمين على الأطفال دون السن المدرسى (8 ملايين طفل)... إلخ. وجدت أيضا أن لجان المجلس أنجزت 12قانونا آخر تعلقت بقائمة أخرى من مشكلات المجتمع، كانت جاهزة للمناقشة العامة، ولاحظت أن مناقشات المجلس فتحت ملفات حقوق العاملين المصريين فى العراق والعمالة المؤقتة، وتعويضات الفلاحين الذين أضيروا بسبب تفشى مرض الحمى القلاعية، وأزمات رغيف الخبز وتوفير البوتاجاز والبنزين، وأزمة ارتفاع اسعار الاسمدة الزراعية، إضافة إلى ملف اهدار المال العام فى الصناديق والحسابات الخاصة.. إلخ.



سجل التقدير أيضا أن اعضاء المجلس وجهوا 911 سؤلا إلى الحكومة وقدموا أكثر من 8 آلاف طلب إحاطة شملت العديد من القضايا التى تعكس معاناة الناس وتعبِّر عن همومهم، ولم أنس ما قاله أحد البرلمانيين القدامى عن أداء المجلس فى تلك الفترة القصيرة، حين قرر أنه أنجز خلالها ما لم يستطع البرلمان إنجازه خلال عشر سنوات.



شاءت المقادير أن أطالع بعد ذلك مباشرة مقالة كتبها سفير يرأس تحرير مجلة «شئون عربية» التى تصدرها الجامعة العربية تطرق فيها إلى أداء البرلمان، وكتب عن التيارات الإسلامية التى مثلت فيه ما نصه: جاء أداؤها كاشفا عن توجهاتها الحقيقية، مؤكدا أن برنامجها ومشروعها لا يتعلق بمشكلات المجتمع الاقتصادية والمعيشية ولا يتوافق مع تأسيس دولة مدنية ديمقراطية، وإنما استهدفت السيطرة على السلطة لإقامة دولة دينية تتحقق بخطوات تدريجية عبر «تقية» لفظية متهافتة وتفسير خاص لحكم الشريعة يخدم أغراضها السياسية.



حين قرأت هذا الكلام قلت إن السفير المحترم لم يتابع شيئا من أعمال المجلس، وانما شاهد بعض اللقطات التليفزيونية التى قام أحد الاعضاء فيها برفع الأذان للصلاة وأخرى لحلف اليمين حين اصر بعض السلفيين إلى اضافة عبارة «ما لا يخالف شرع الله إليه» واكتفى بذلك ثم شرع فى تدبيج مقالته.



إن الاهتمام بالاداء والانجاز يتطلب بعض الصبر لاختبار قدرة «القط» على اصطياد الفئران ذلك صحيح لا ريب. لكن من الصحيح أيضا أنه يتطلب درجة من التجرد والنزاهة فى الحكم، لأن الكيد السياسى الحاصل فى مصر دفع البعض ليس فقط إلى الانشغال بلون القط والانصراف عن دوره فى صيد الفئران، وإنما ايضا إلى محاولة التشكيك فى هوية القط ذاته، والزعم بأنه نوع آخر من الفئران.

جريدة الشروق المصرية
السبت 6 ذي القعدة 1433
22 سبتمبر 2012

طالبة الجنة
22-09-2012, 05:36 PM
الله مقاله اليوم رائعه جداً جداً

mohamed5175
23-09-2012, 11:50 AM
كثيرون من الأمريكيين تحيرهم مشاعر العداء لبلادهم فى العالم العربى والإسلامى. وقليلون منهم يدركون أن بلدهم يدفع ثمن السياسات الخاطئة التى اعتمدتها حكوماتهم على مدى عدة عقود.



إذ طالما أخرج معظم الأمريكيين مشكلة فلسطين من بالهم ومن ضمائرهم، إلا أنها بقيت حاضرة فى ذهن العرب والمسلمين. فلايزال قمع إسرائيل للفلسطينيين على مدى 45 سنة والحصار الوحشى الذى تفرضه على قطاع غزة والاستيلاء المستمر على الأراضى فى الضفة الغربية تشكل مصدر إذلال وغضب كبير. تتحمل الولايات المتحدة المسئولية الرئيسية عنه، لأنها أخفقت بعدما دعمت إسرائيل بكل الوسائل المتاحة فى إقناعها بعقد صفقة عادلة مع الفلسطينيين.



لقد حاول بعض الرؤساء الأمريكيين خرق جدار الأزمة العربية الإسرائيلية إلا أن السياسات الداخلية المعتمدة وتعنت القادة الإسرائيليين أحبطت مساعيهم، فأحبط مناحم بيجن المساعى التى قام بها جيمى كارتر فى حين أحبط إسحق شامير كل محاولات جورج بوش الأب. وكاد بيل كلينتون أن يعقد صفقة قبل أن يرحل عن منصبه غير أن مسئولين موالين لإسرائيل مثل دينيس روس قوضوا جهوده. وقضت الهزيمة التى ألحقها بنيامين نتنياهو بباراك أوباما على الآمال الكبيرة التى أحياها هذا الأخير والتى تحولت إلى خيبة أمل كبيرة. لايزال النزاع العربى ــ الإسرائيلى الذى لم يتم حله يتسبب بضرر حاد فى الولايات المتحدة ويهدد مستقبل إسرائيل على المدى الطويل من ثم فلا مفر من الإقرار بأنه لا يمكن أن يحل السلام فى المنطقة إلا إذا تم التوصل إلى حل عادل وهو ما فشلت فيه السياسة الأمريكية.



لم تخفق الولايات المتحدة فحسب فى حل النزاع العربى ــ الإسرائيلى بل عززت هيمنة إسرائيل الإقليمية ويجب بالتالى اعتبارها متواطئة فى الهجمات الكثيرة التى شنتها ضد الدول المجاورة لها.



لقد أدت «الحرب العالمية على الإرهاب» التى أطلقها جورج بوش الابن عقب أحداث الحادى عشر من سبتمبر إلى سوء استخدام للسلطة الأمريكية. وبدلا من الاستعانة بالشرطة لمطاردة أعضاء تنظيم «القاعدة» خاضت الولايات المتحدة حربا فى أفغانستان حيث تتسبب لغاية اليوم وبعد مرور 12 سنة على اندلاعها بسقوط ضحايا ومن ثم سمحت لنفسها بالانقياد وراء خدعة المحافظين الجدد الموالين لإسرائيل الهادفة إلى غزو العراق الذى اعتبره المحافظون الجدد عقب الحرب التى اندلعت بين إيران والعراق تهديدا محتملا لجبهة إسرائيل الشرقية. ويقال إن 1.4 مليون عراقى قتل نتيجة احتلال العراق وتدميره إلى جانب 4500 جندى أمريكى.



أطلق هذا الأمر العنان لعسكرة السياسة الخارجية الأمريكية ولشن حروب وحشية ولتسليم الأراضى التى تم الاستيلاء عليها ولفرض تعذيب روتينى ولتوسع القواعد عبر البحار (بما فى ذلك بعض دول الخليج العربية)، الأمر الذى أدى إلى تضخم الموازنة العسكرية التى تصل إلى 700 بليون دولار سنويا.



لقد قلبت إسرائيل الطاولة على حليفها القوى. فبدلا من أن تكون حارسة أمريكا، يبدو أن الولايات المتحدة تحولت إلى حارس لإسرائيل، يهدد أعداءها ويعاقبهم ويشوه سمعتهم ويشن حروبا عليهم بالنيابة عنها. لقد نسى الأمريكيون هذه الوقائع هذا إن كانوا يعرفونها أصلا إلا أنها لم تغب عن بال العرب والمسلمين.



الأسوأ مما سبق أن أوباما سمح بتوسيع نطاق الهجمات التى تشنها الطائرات الأمريكية من دون طيار ضد المناضلين الإسلاميين فى أفغانستان وباكستان واليمن وفى كل مكان الأمر الذى يؤدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين وإلى إثارة غضب السكان المحليين ضد الولايات المتحدة.



هل فرضت الولايات المتحدة الأمن فى الشرق الأوسط. أم أنها فرضت انعدام الأمن؟ هل تحتاج الدول الخليجية إلى الأسطول الأمريكى الخامس وإلى الطائرات الحربية وإلى آلاف جنود المشاة وإلى السترات الواقية؟ هل يساهم وجود الولايات المتحدة فى فرض الاستقرار أم فى زعزعته؟ وألم يحن الوقت حتى تنسحب من المنطقة؟ أيا كان الأمر ينبغى الإقرار بأن إعادة إحياء التيارات الإسلامية التى شكلت علامة فارقة فى «الربيع العربى» بمثابة رفض للتدخل الغربى وللسيطرة الغربية وإعادة تأكيد الهوية الإسلامية. إنها المرحلة الأخيرة فى النضال العربى الطويل من أجل الاستقلال. قد يكون الفيلم المسىء للنبى محمد (عليه الصلاة والسلام) الشرارة التى أشعلت غضب العرب والمسلمين إلا أنه تمكن من إشعالها بسبب وجود كميات كبيرة من المواد القابلة للاشتعال.



هذا الكلام كله ــ من أول سطر حتى آخر سطر فيه ــ ليس لى. ولكنه نص مركز لمقالة كتبها باتزيك سيل، الصحفى البريطانى المتخصص فى الشرق الأوسط، ونشرتها جريدة «الحياة» اللندنية يوم 21/9 الحالى. وقد وجدت أن تعميمها مهم ومفيد، من حيث إن الكاتب النزيه تطوع بالنيابة عنا ليقول فى الظرف الراهن ما ينبغى أن يقال.


جريدة الشروق المصرية
الاحد 7 ذي القعدة 1433
23 سبتمبر 2012

mohamed5175
24-09-2012, 11:35 AM
يبدو أن البعض أصبحوا يستسهلون استفزاز المسلمين واستثارتهم من خلال التطاول على مقدساتهم وإهانتها. حتى صار بمقدور أى طائش أو كاره أو ساع للرواج والإثارة أن يقدم على خطوة من ذلك القبيل، لكى يستدرج آلاف المسلمين الغيورين والغاضبين إلى الشوارع من إندونيسيا إلى نيجيريا.



وأمثال هؤلاء المتطاولين لا يفعلون ذلك من قبيل ممارسة حرية التعبير أو شجاعة الرأى، لأن كلا منهم يصاب بالخرس ولا يستطيع أن يفتح فمه بكلمة حتى إذا كانت على سبيل النقد الخفيف لا للعقيدة اليهودية فحسب، وإنما للتاريخ اليهودى أيضا. بوجه أخص فان الأوروبيين الذين يتمسحون فى حرية التعبير لتبرير تطاولهم على مقدسات المسلمين، يستسلمون للجبن المهين ولا يجرؤ واحد منهم على أن يدافع عن أى باحث أنكر شيئا من التاريخ اليهودى الذى يصر رواته على أن ضحايا المحرقة النازية هم ستة ملايين شخص، لا يستطيع أحد أن ينقص منهم واحدا. ومجنون أو يضحى بمستقبله العلمى من يشكك فى المحرقة. وقانون «جيسون» فى فرنسا يتكفل بردع كل من تسول له نفسه أن يدوس لليهود على طرف.



يطول بنا الحديث لو أننا شغلنا أنفسنا بالإجابة عن السؤال: لماذا يفعلون معنا ذلك، من الرسوم المسيئة التى ظهرت فى الدنمارك منذ ست سنوات، إلى الشريط المنحط الذى ظهر فى الولايات المتحدة مؤخرا، إلى استمرار مسلسل الإهانة والتطاول فى فرنسا من خلال إحدى المجلات، وهى العدوى التى انتقلت إلى ألمانيا وربما كانت فى الطريق إلى إيطاليا. ولا يستبعد أن ينتشر الوباء فى دول أخرى، بعدما أصبحت اللعبة تستهوى البعض، الأمر الذى يضمن لهم الرواج والشهرة من ناحية، ويحقق غرضهم فى استفزاز المسلمين واستثارتهم إلى جانب تشويه صورتهم الذى تتكفل به انفعالات بعض الغاضبين التى يتعذر التحكم فيها. خصوصا أن شرارات الغضب تنتشر فى العالم الإسلامى بأسره.



حتى إذا كانت محاولات التجريح والإساءة مجرد حلقة حديثة فى المسلسل المستمر منذ نزول الرسالة على النبى محمد عليه الصلاة والسلام، فإن ذلك لا ينبغى أن يقابل بالسكوت، ويستحق الغضب لا ريب. لذلك فإننى أعذر الغاضبين وأتضامن معهم فى موقفهم، لكننى أختلف مع طريقة التعبير عن تلك المشاعر. وإذ أقدر مواقف الجهات الرسمية أو المؤسسات الدينية فى المجتمعات الغربية التى استنكرت دعوات إساءة المقدسات الإسلامية، إلا أن ذلك لا ينبغى أن يثنينا عن الغضب وإن ساعدنا على تحديد وجهته.



فى هذا السياق يتعين علينا أن ندرك أن أغلب السياسيين فى الدول الغربية لا يكنون ودا أو احتراما للعرب والمسلمين، وأن كفة حسابات المصالح عندهم أرجح بكثير من كفة القيم والمبادئ. وموقفهم الظالم من قضية فلسطين مكشوف للكافة، كما لم تعد خافية مساندتهم للأنظمة المستبدة فى العالم العربى مادام ذلك يحقق مصالحهم. ولا أحد ينسى أن البرلمان الفرنسى (الجمعية الوطنية) قرر فى إحدى جلساته أن يحسم قضية تاريخية تتعلق بدعوى إبادة العثمانيين للأرمن أثناء الحرب العالمية الأولى، ولم يبال بتفجير أزمة سياسية مع تركيا، لمجرد رغبة الرئيس السابق نيكولاى ساركوزى فى كسب أصوات 100 ألف شخص من أصول أرمنية يعيشون فى فرنسا.



لا نضيف جديدا إذا قلنا إن حسابات المصالح هى التى تحرك أغلب إن لم يكن كل الساسة الغربيين. لكنى استعدت تلك الخلفية لكى أدعو إلى مخاطبتهم بنفس اللغة. أعنى أنه مادامت المصالح هى التى تهمهم قبل أى شىء آخر، فلماذا لا نتوجه بغضبنا نحوها، لكى نوصل إليهم رسالة توجعهم ردا على إهانة مقدساتنا، وهى رسالة للمتحاملين وإنذار فى الوقت نفسه للذين تراودهم الرغبة فى الانضمام إلى المتطاولين والكارهين.



لقد ثبت أن المظاهرات الصاخبة تظل فرقعات فى الهواء لا تقدم ولا تؤخر. وتبين أن الاعتداء على السفارات أو على دبلوماسيى الدول المعنية الضرر فيه أضعاف النفع، فضلا عن أنه يعد من قبيل التصدى لجريمة بارتكاب جريمة أخرى. لذلك أزعم أن مقاطعة منتجات وسلع الدول التى يشترك مواطنوها فى حملة الإساءة توصل الرسالة الموجعة بأسلوب رصين ومتحضر، ليس فيه ضجيج ولا تسلق لأسوار السفارات ولا إحراق السيارات التى تقف أمامها.



إن البعض يستسهلون استخدام الحناجر واستهداف السفارات وإثارة الزوابع الإعلامية. وهناك آخرون يزايدون على الجميع فى ذلك لصرف الانتباه عن مشكلات أخرى تواجه مجتمعاتهم، لذلك فإننى صرت أتعامل بحذر وتوجس مع الصيحات التى تتردد فى الفضاء والتشنجات التى نراها على شاشات التليفزيون بين الحين والآخر داعية إلى نصرة رسول الله والتعبير عن محبته والغيرة عليه. لكننى أزعم أن النصرة الحقيقية تكون بتحمل مسئولية اللجوء إلى عمل جاد ورصين يوصل رسالة الإدانة والغضب إلى المتحاملين والكارهين، ولا أجد سبيلا إلى ذلك سوى إعلان مقاطعة السلع التى تنتجها تلك المجتمعات من خلال حملة شعبية واسعة النطاق تشمل أوسع دائرة ممكنة من العالم العربى والإسلامى.



اتهم إذا لجأوا إلى السخرية والغمز والإسفاف فى تجريح مقدسات المسلمين، فبوسعنا أن نلقنهم درسا قويا يرد على الإساءة بضرب المصالح، بمنتهى البلاغة والرصانة والهدوء. وحينذاك سنرد الصاع صاعين، وربما أكثر.


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 8 ذي القعدة 1433
24 سبتمبر 2012

mohamed5175
25-09-2012, 11:40 AM
أدعو إلى التفرقة بين شيطنة الإخوان وبين نعى الثورة فى مصر. إذ الشيطنة فى أحسن فروضها من قبيل الاجتهاد فى الفروع، أما نعى الثورة فهو فى كل أحواله إنكار للأصول وافتراء على الحقيقة.


(1)

أفرق فى هذا الصدد بين ثلاثة أصناف من الناس: المحبطين والناقمين والشامتين. الأولون رفعوا عاليا سقف توقعاتهم بعد نجاح الثورة، وظنوا أن الربيع سوف يستصحب الجو البديع الذى فى ظله يتغير بسرعة لون الحياة، من كآبة القاتم إلى بهجة البمبى (مع الاعتذار للأغنية الشهيرة). هؤلاء يعذرون إذا استبدت بهم الحيرة واحبطوا، خصوصا أن ما تبثه وسائل الإعلام فى مصر يدفع بقوة فى ذلك الاتجاه. أما الناقمون فقد دب اليأس فى نفوسهم منذ اللحظات الأولى التى أدركوا فيها أن المجتمع تخلى عنهم ولم يمنحهم ثقته. ولذلك فإنهم منذ ذلك الحين وضعوا نظارات سوداء على أعينهم وما برحوا يرددون فى كل حين أن الحلم صار كابوسا وأن الثورة أجهضت وانتهت، لا لشىء إلا لأن أحلامهم الخاصة لم تتحقق. حتى إن إحدى الصحف تحدثت عن فشل رئيس الوزراء الدكتور هشام قنديل فور إعلان اسمه وقبل ان ينتهى من تشكيل وزارته!

دائرة الشامتين أوسع من المحبطين والناقمين، وأقصد بهم أولئك الذين ينتظرون الأخطاء والعثرات، فيتصيدونها وينفخون فيها ويعممونها، ليصوروا للملأ ان الثورة، وكل ثورات الربيع العربى كانت بلاء حل بالأمة، تمثل فى سلسلة من الكوارث التى تعاقبت على المغرب والمشرق، حتى قرأت لأحد الكتاب الكويتيين قوله ان ما شهدته المنطقة هو «خراب» عربى ليس أكثر!

لك أن تتصور أن ذلك رأى «الفلول» من أركان ومنتفعى النظام السابق، وهو أمر قد يكون مفهوما، إلا أن ما يثير الانتباه فى هذا الصدد ان ذلك أيضا موقف بعض «الأشقاء» سواء لأنهم ارتبطوا بمصالح خاصة مع النظام السابق، أو لأنهم خشوا من أصداء الربيع فى أقطارهم. وهى الأصداء التى ظهرت بقوة فى تعليقات تويتر وفيس بوك، وقوبلت باستنفار الأجهزة الأمنية فى تلك الدول، الأمر الذى انتهى باعتقال بعض المثقفين الناشطين وإسقاط الجنسية عن المواطنين منهم، إلى جانب تلفيق التهم لهم ومحاكمتهم بدعوى تشكيل تنظيمات سرية والسعى لقلب نطام الحكم، وهو ما تابعنا بعض تفاصيله فى الأسبوع الماضى.

لا أتحدث عن جماهير تندرج تحت هذا التصنيف أو ذاك لأن الأمر أهون من ذلك بكثير. إنما أتحدث عن نخب عالية الصوت بعضهم من المثقفين المتحزبين، والبعض الآخر ممن ينتسبون إلى أهل السلطان الذين أغراهم الفراغ العربى بمحاولة التمدد والبحث عن أدوار فى الساحة بعدما غاب عنها الكبار.


(2)

واهم من يتصور أن الثورة المصرية بلا أخطاء، أو أنها ولدت كاملة الأوصاف. وقد دعوت فى الأسبوع الماضى إلى الاعتراف بأننا جميعا ــ وبلا استثناء ــ مشوهون من تجربة الثلاثين عاما الأخيرة التى اقترن فيها الاستبداد بالفساد. وأى متابع لوسائل الإعلام المصرية طوال الثمانية عشر شهرا الأخيرة يستطيع أن يضع يديه على قائمة النواقص والثغرات فى الواقع المصرى. ولعلى لا أبالغ إذا قلت إن إعلامنا ظل طول الوقت يتفنن ويبالغ فى استعراض النصف الفارغ من كوب الثورة، الأمر الذى صور للبعض أنه ليس للكأس نصف آخر، وكان ذلك أحد مصادر الإحباط الذى سبقت الإشارة إليه. ولأن النصف الفارغ أخذ حقه وزيادة، فربما كان من الإنصاف أن نلقى نظرة على النصف الآخر المحجوب والمسكوت عليه.

قبل نحو ثلاثة أسابيع (فى 9/9) نشرت صحيفة التحرير تعليقا لافتا للانتباه لزميلنا الأستاذ طارق الشناوى، قارن فيه بين لقاء المثقفين للرئيس محمد مرسى فى 6 سبتمبر الحالى، وبين لقاء عشرة منهم مع الرئيس السابق قبل ثلاثة أشهر من خلعه (فى 30 سبتمبر عام 2010). وذكرنا بأن ثلاثة ممن حضروا اللقاء مع الدكتور مرسى كانوا ممن وقع عليهم الاختيار لمقابلة الرئيس السابق. وقال إن الثلاثة الذين التقوا الدكتور مرسى انتقدوه، وقالوا له: «إنه يتحدث عن مدنية الدولة فى حين أن ما يجرى على أرض الواقع يؤكد أن الدولة تتجه فى كل مظاهرها نحو الأخونة». وقارن الأستاذ الشناوى بين جرأتهم فى مواجهة الدكتور مرسى. وصمتهم أثناء لقاء الرئيس السابق، وكيف أن بعض المثقفين قالوا فى حضرته كلاما يخجل المرء من ذكره الآن، ومنهم من ظهر فى أحد البرامج التليفزيونية بعد اللقاء، وظل يمتدح الرجل ويتغزل فى خفة ظله وتواضعه. فى حين أنه لم يكن بمقدور أى واحد منهم أن يفتح أمام الرئيس السابق فمه بكلمة نقد لعملية التوريث.

اعتبر الأستاذ طارق الشناوى أداء المثقفين بأنه «شجاعة زائفة»، لكنى خرجت من قراءة تعليقه بخلاصة إضافية وثيقة الصلة بنصف الكوب الملآن للثورة الذى نحن بصدده، لست فى وارد التحفظ على نفاق بعض المثقفين وبطولاتهم الزائفة التى يدعونها الآن، لكننى قرأت فى المقارنة بين اللقاءين تجسيدا للفرق بين الحاكم الإله والمواطن الحاكم. وكيف أن المثقفين تعبدوا للأول وانحنوا أمامه وعادوا إلى بيوتهم صامتين وحذرين. أما الثانى فقد هاجموه وانتقدوه وعادوا إلى بيوتهم فخورين ومطمئنين. ثم صاروا يتباهون فى العلن بمواجهة الرئيس والتحفظ على أدائه.

ما الذى يعنيه ذلك؟.. هو يعنى أن الثورة أسقطت القداسة عن السلطان فضلا عن السلطة، وتلك نقلة تاريخية بكل المعايير. لقد صار السلطان واحدا من الناس وليس فوق الناس. وأفرق هنا بين القداسة الناشئة عن الخوف، وبين الهيبة القائمة على الاحترام. وأزعم أن رفع القداسة عن السلطان استصحب على الفور سقوط حاجز الخوف، واستعادة المجتمع لجرأته وثقته فى نفسه. لا يقل عن ذلك أهمية أن يؤدى إسقاط القداسة والتعامل مع السلطان باعتباره واحدا من الناس، إلى استبعاد فكرة تأبيد السلطة أو توريثها. وفتح الباب واسعا لأى واحد من الناس لكى يتطلع لرئاسة الدولة. وهو ما شهدناه فى مصر حين وجدنا أحد الشبان الطموحين يؤكد بين الحين والآخر أنه رئيس مصر القادم، لكن ذلك ليس كل شىء، لانه لا يزال فى الجعبة ما يستحق الذكر والتنويه.


(3)

لم أصدق أُذُنَىَّ حين سمعت حفيدا لى عمره تسع سنوات يقارن أثناء الانتخابات الرئاسية بين المرشحين الدكتور مرسى والفريق شفيق. وفهمت أن الموضوع كان محل مناقشة بين زملائه فى المدرسة الابتدائية، وكان ذلك من الإشارات الدالة على عودة الروح إلى الشعب المصرى الذى عاد أخيرا إلى السياسة بعدما أسقط من الحسبان وأقصى منها، وهذه العودة أسقطت بطاقة الـ99٪ من الأصوات التى ظل السلاطين يشهرونها فى وجوهنا كل حين، كما أسقطت احتكار العسكر للسلطة، وطوت صفحة اللون الواحد والحزب الواحد، وأغلقت الأبواب أمام «تقاليد» تزييف الانتخابات لصالح حزب السلطان وحوارييه. وتلك لعمرى نقلات أخرى مهمة فى تاريخنا السياسى.

بعد الثورة ما عاد الحكم قدرا مكتوبا ووقفا على أناس دون غيرهم، وإنما صار اختيار الناس وقرارهم. ولأنه أصبح كذلك، فإن الحكام ما عادوا فوق المساءلة والحساب، على الصعيدين السياسى الذى بات مفروغا منه، والجنائى الذى أصبح سيفا مُصْلَتًا على رقاب الجميع دون استثناء. والبلاغات التى أصبحت تنهال على مكتب النائب العام كاشفة عن المخالفات التى ارتكبها المسئولون فى ظل النظام السابق، تعد إنذارا لكل مسئول آخر فى النظام الحالى. ذلك أن الناس لم يتخلصوا من عقدة الخوف فقط، وإنما صاروا مفتوحى الأعين وشديدى الحساسية إزاء ممارسات السلطة بجميع مؤسساتها ورموزها.

إطلاق سراح المجتمع واستعادته لحيويته رتَّبا مجموعة أخرى من النتائج المهمة، فى مقدمتها ما يلى:

● التأكيد على نجاعة التغيير السلمى وجدواه، الأمر الذى أغلق الأبواب أمام دعوات استخدام العنف فى إحداث ذلك التغيير، وهو ما اعترف به المتحدثون باسم الحركات الجهادية والمجموعات القتالية التى لجأت إلى العنف فى ظل النظام السابق لأسباب عدة فى مقدمتها انسداد قنوات التغيير السلمى.

● استعادة قيمة تظاهر الجماهير وخروجها إلى الشوارع والميادين، للتعبير عن احتجاجها بطريق سلمى، ورغم أن هذه القيمة يساء استخدامها فى بعض الأحيان لكن ذلك لا ينفى وجودها، علما بأن إمكانية ترشيد ممارسة تلك الاحتجاجات وترشيد تعامل السلطة معها تظل مفتوحة فى المستقبل.

● استيعاب التيارات الإسلامية فى ساحة العمل السياسى المشروع، الأمر الذى يساعدها على إنضاج مشروعها وتطوير خطابها من ناحية، كما أنه يفتح الأبواب لإمكانية الإفادة من طاقاتها لتحقيق الصالح العام، الأمر الذى يطوى صفحة التنظيمات السرية بعد طى صفحة العنف.

● حين أثبت المجتمع حضوره وأصبح صاحب الكلمة فى تقرير مصير السلطة فإن ذلك كان إيذانا بإنهاء حكم الأقلية واستعادة الأغلبية لحقها الذى سلب منها خلال العقود التى خلت. ولم يعد سرا أن احتكار الأقلية لصدارة السلطة والمجتمع خلال تلك الفترة لم يمثل انقلابا على الديمقراطية فحسب، وإنما أسهم أيضا فى العبث بهوية المجتمع الحقيقية أدى إلى مسخ تلك الهوية وتغريبها، ومن ثم تزويرها فى بعض الأحيان. وهى الصورة التى جرى تصحيحها بعد الثورة، حين أجريت الانتخابات بحرية ونزاهة وجاءت النتائج محددة لحجم وأوزان مختلف القوى المجتمعية والسياسية الموجودة على الساحة.


(4)

ذلك كله يحسب للثورة وليس للإخوان. وكنت قد أشرت فى الأسطر الأولى إلى أن الثورة أصل والإخوان فرع، والثورة ملك لكل الشعب فى حين أن الإخوان مجرد جزء وفصيل من الشعب. لذلك فإننى تمنيت أن يظل ذلك التميز واضحا ومحسوما لدى الجميع. إلا أن البعض تسرعوا وخلطوا بين الاثنين، حين حملوا الثورة بمشاعرهم وحساسياتهم إزاء الإخوان فحاكموها وأدانوها، حتى إضاءاتها وإشراقاتها تجاهلوها، فظلموا الثورة وبخسوها حقها. حتى قرأنا نعيها فى بعض كتابات المحبطين فضلا عن الناقمين والشامتين.

لا أدافع عن أخطاء وقعت، وإنما أدعو إلى الاعتراف بها والاعتذار عن بعضها، ولا أجد مبررا لليأس والقنوط مادمنا ملتزمين بقيم الحرية والديمقراطية، وقابضين على حقنا فى المشاركة والمساءلة. وأذكر بأن زمن احتكار السلطة ولَّى وأن الثورة أدخلتنا عصرا جديدا آيته احتكار الشعب للشوارع والميادين وللفضاء السياسى كله.

صحيح أن هذا الكلام انصب على مصر بالدرجة الأولى، لكننى أستطيع أن أقول بثقة أنه ينسحب على دول الربيع العربى أيضا، ولا يفوتنى أن أذكر بأن الربيع ليس مقصورا على خمس أو ست دول فقط، لكن رياحه العطرة اجتاحت العالم العربى بأسره، وثبتت رؤيته فى تلك الدول الخمس والست، لكننا نشم رائحته ونقرأ رسائله القصيرة والمحجوبة فى بقية الدول.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 9 ذي القعدة 1433
25 سبتمبر 2012

mohamed5175
26-09-2012, 11:37 AM
إذا صح أن فى مصر الآن وقفة احتجاجية كل ساعة، فالأمر يمكن أن يقرأ من أربع زوايا على الأقل. من ناحية هو دال على أن الشعب المصرى علا صوته بعد الثورة وما عاد ممكنا إسكاته أو تكميمه كما حدث من قبل. من ناحية ثانية فإن ذلك يعنى أن المشكلات الحياتية والمطالب الفئوية أصبحت ضاغطة بشدة على الجميع، بحيث لم تعد هناك فئة نجت من طوفان الغلاء، وقد ازداد الوجع على الجميع حين حل موعد دخول المدارس وما يستصحبه من أثقال وأعباء.



من ناحية ثالثة فإن ذلك يعنى أن ثمة انسدادا فى جسور ووسائط الاتصال بين السلطة والمجتمع، بحيث لم يجد الناس سبيلا لتوصيل صوتهم إلى المسئولين سوى بالامتناع عن العمل والتظاهر فى الشارع. وإذا كنت من الباحثين عن قرائن المؤامرة فبوسعك أن ترى فى تلك الاحتجاجات والإضرابات محاولة من جانب عناصر النظام السابق وأذنابه لإرباك الحكومة والضغط عليها.



مسألة الوقفة الاحتجاجية كل ساعة تقدير من جانبى استقيته من البيان الذى أصدرته وزارة الداخلية يوم الخميس الماضى (20/9) وأعلنت فيه أن مصر شهدت 1400 وقفة احتجاجية وقطع طرق خلال الـ48 يوما الأخيرة، منها 80 حالة قطع طريق و60 حالة تعطيل لحركة السكك الحديدية. وحين حذفت الحالات الأخيرة تبقى أمامى 1285 وقفة احتجاجية خلال تلك الفترة، إذا وزعتها على 50 يوما فستحصل على النتيجة التى وصلت إليها.



حتى إذا كانت الأرقام تحتاج إلى تدقيق، فالقدر الثابت أن قطاعات عريضة جدا من أبناء الشعب المصرى ليست راضية عن أوضاعها المعيشية. وقد أتاحت لها أجواء ما بعد الثورة أن تخرج إلى الفضاء وتطالب بحقها المشروع فى الإنصاف.



لقد أتيح لى خلال الأيام الماضية أن أستمع إلى شكاوى بعض العاملين، وأقنعنى ذلك بمظلوميتهم وحقهم المبرر فى الغضب وأدركت أنهم لا يشكون فقط من تدنى دخولهم إذا قورنت بمعدلات الغلاء المتزايدة وبأوجه الإنفاق التى يتعذر احتمالها. ولكنهم يشكون أيضا من التفاوت الهائل فى الدخول فى القطاعات التى يعملون بها.



لم أصدق ما سمعت عن تدهور أوضاع الأطباء وانحطاط أجورهم وتهديدهم بالإضراب لإنصافهم. إذ قيل لى إن الطبيب الذى يقضى أكثر من سبع سنوات لكى يتخرج من الكلية. يتقاضى نحو 400 جنيه، هو نصف أجر الشغالة المصرية، وغاية ما يحلم به أن يتساوى مع الشغالة الآسيوية التى تتقاضى فى مصر نحو 600 دولار تعادل 3600 جنيه. وقيل لى إن ١٠٪ فقط من الأطباء البالغ عددهم 180 ألفا لهم عياداتهم الخاصة، فى حين أن التسعين فى المائة الآخرين يعيشون حياة بائسة يرثى لها، كأى موظف مطحون تقصم ظهره تكاليف المعيشة، حتى تعجزه عن الإنفاق على نفسه أو على أسرته، متزوجا كان أم غير متزوج.



وفى الوقت الذى يعانى فيه عموم الأطباء من تلك الظروف البائسة، فإن الغضب يتضاعف عندهم حين يعلمون أن كبار المسئولين فى وزارة الصحة يحصلون على دخول شهرية تصل إلى عشرات الألوف من الجنيهات، وهذا الحاصل مع الأطباء تكرر من المدرسين والتجاريين والزراعيين وغيرهم. وإذا كان ذلك شأن المهنيين فإنه لا يختلف كثيرا عن أوضاع بقية العاملين من موظفى الدولة. أما العمال فلهم أوضاعهم التى تحتاج إلى دراسة فى كل قطاع، لتحديد طبيعة العمل وما هو مشروع أو غير مشروع فى مطالبهم.



فى ظل النظام السابق كان هناك انسداد فى قنوات التعبير التى تنقل ما يجرى على أرض الواقع إلى المسئولين فى الدولة. وحين أزيلت تلك العوائق بعد الثورة اكتشفنا أنه لا تتوافر لنا وسيلة تقوم بمد الجسور بين السلطة والمجتمع. فالأحزاب لاتزال جنينية تحبو فضلا عن أنها مشغولة بمشاحناتها، والنقابات العمالية جرى إخصاؤها حتى لم نعد نلمس لها حضورا يذكر. كما أنه لا توجد لدينا مؤسسات شعبية منتخبة تنوب عن القواعد فى التواصل مع السلطة والدفاع عن حقوق المجتمع إزاءها.



سد هذه الثغرات يتطلب وقتا، لكن حبال الصبر أصبحت قصيرة عند الغاضبين والمأزومين بحيث لم يعودوا قادرين على احتمال مزيد من الانتظار، وما يفاقم الأزمة أننا لا نكاد نرى جهدا ملموسا من جانب السلطة للتواصل المباشر مع المجتمع، من خلال مكاشفته واطلاعه على حقائق الأوضاع التى يعانى منها الجميع. وهو ما يسوغ لى أن أقول إننا هدمنا الجدران التى كانت تفصل بين السلطة والمجتمع، لكننا لم نستطع أن نقيم الجسور الموصلة بينهما.



إن المضربين معذورون، وينبغى أن يبذل جهد حثيث من جانب الحكومة لإعذارها، ولإقناع المضربين بأن مظلوميتهم إذا تعذر رفعها الآن، فهناك أمل لتحقيق ذلك فى مستقبل معلوم. إذ بعدما مضى زمن قمع المتظاهرين وإحالة أمرهم إلى جهاز أمن الدولة، فقد أصبح الخيار الوحيد المقبول هو إنجاح الحوار معهم من خلال الفهم والتفاهم، الذى يتم فى حماية القانون وليس فى حماية الشرطة.


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 10 ذي القعدة 1433
26 سبتمبر 2012

mohamed5175
27-09-2012, 11:08 AM
عندى حكايات يشيب لها شعر الرأس عن استهتار بعض كبار الأطباء وابتزازهم واستغلالهم للمرضى، الأمر الذى يشكل جريمة مضاعفة. ذلك أن وقوع تلك الممارسات يعد عدوانا جسيما على حق المهنة وجريمة بحق المجتمع. أما السكوت عليها فهو جريمة أخرى أقرب إلى التواطؤ والتستر.



وأرجو ألا يساء فهم هذا الكلام أو تأويله. لأننى أتحدث عن بعض وليس كل كبار الأطباء. وأعتبر ممارسات أولئك البعض من قبيل البقع السوداء فى الثوب الأبيض. لكننى صرت أخشى من تزايد تلك البقع فى الأجواء التى سادت فيها قيم الجشع والترف المبتذل والثراء السريع والفاحش، الذى ما عاد يميز بين المشروع وغير المشروع. وإذ أشدد على أن لدينا أطباء يتمتعون بدرجة عالية من النزاهة والورع. حتى تحسب أنهم أقرب إلى أولياء الله الصالحين، إلا أننى صرت أخشى عليهم وعلى من دونهم من تغول قيم الطالحين.



أحدث قصص الطالحين كان ضحيتها أحد أبناء العائلة. شاب انتابته نوبة قىء أثناء أدائه الامتحان فنقل إلى مستشفى كبير وشهير فى مصر الجديدة. وأشرف على علاجه أستاذ له اسم رنان، يتقاضى 300 جنيه مقابل الكشف الذى يتم بعد ثلاثة أشهر، وفى الحالات المستعجلة يطالب المريض بدفع 500 جنيه إذا ما رغب فى أن يراه الطبيب فى موعد أقرب، عادة ما يتراوح ما بين عشرة أو 15 يوما، فى المستشفى خضع الشاب لكل ما يمكن تخيله من تحاليل وأشعات لم تسفر عن شىء. وخلال ستة أيام رأه الطبيب الكبير مرة واحدة، ثم تركه لمساعديه وذهب ليستجم فى أحد المنتجعات، وحين ساءت حالته وعوتب الطبيب لأنه ترك مريضه بحالة متدهورة، فإنه استكثر العتاب وقرر مقاطعة المريض. فى اليوم السادس استقرت حالة الشاب فغادر المستشفى بعد دفع مبلغ 11 ألف جنيه دون أن يعرف أهله شيئا عما حل به. وأثناء حيرتهم تلك دلَّهم بعض أولاد الحلال على طبيبة فى حى المعادى تعمل أستاذة بكلية طب قصر العينى. دفعوا مائة جنيه قيمة الكشف، وما إن سمعت القصة حتى قالت إن الشاب مصاب بفيروس معروف ينشط فى المعدة لمدة خمسة أيام. وكتبت لهم الدواء اللازم الذى لم يكلف سوى نحو أربعين جنيها (المستشفى تقاضى 2000 جنيه قيمة الأدوية).



لى قريب آخر تعرض لأزمة قلبية وقيل له إنه يحتاج إلى دعامة فى مكان دقيق بشريان الأورطى، وهذه الدعامة لا تتوافر فى مصر، ولكن طبيبا تركيا متخصصا يأتى بها من بلده ويقوم بتركيبها مع الطبيب المصرى المعالج. آخرون من الأطباء المصريين قالوا إن الحالة متأخرة للغاية وأنه لا جدوى من العملية. لكن الطبيب المعالج نصح بإجرائها رغم علمه بأن الأمل فى نجاحها منعدم. قبل إجراء العملية تم دفع نحو 150 ألف جنيه للطبيب التركى ونظيره المصرى، وتقاضى المستشفى الدولى الكبير 50 ألفا أخرى، وسلم المبلغ بكامله باليد دون أى إيصالات، وبعد العملية اختفى الطبيب المصرى ونظيره التركى، وخلال 24 ساعة مات المريض.



كل من سمع هذه القصة أو تلك أضاف إليها قصصا أخرى مماثلة تتحدث عن المدى الذى بلغه جشع واستهتار بعض كبار الأطباء. فحدثنى أحدهم عن السيدة التى أودعت مستشفى استثماريا كبيرا بعد أن تمكن المرض اللعين من جسمها، لكنها فوجئت بطبيب طلب قبل منتصف الليل نقلها إلى غرفة العمليات لإجراء عملية قلب مفتوح لها. وهو ما فاجأ من كان معها، وحين تم الاتصال بطبيبها المعالج فى ذلك الوقت المتأخر، فإنه طلب وقف أى إجراء معها على الفور. وتبين فيما بعد أن الطبيب أراد إجراء العملية التى لا حاجة للمريضة بها، لكى يتقاضى أجرها. وعندما افتضح أمره فإنه ظل يمارس عمله العادى فى المستشفى وكأن شيئا لم يكن.



قصص الجشع هذه لا تنافسها فى العدد سوى قصص الإهمال والاستهتار الذى يتسم به أداء بعض الكبار، حين يتقاضون عشرات الألوف من جراء عملياتهم، ثم ينقلون الدم الملوث إلى مرضاهم. فيخلصونهم من أزمة ليدخلونهم فى أزمة أكبر. ولأحد صحفيينا المخضرمين تجربة مريرة ومثيرة فى هذا الصدد تصلح لأن تكون فيلما دراميا يفضح مدى التدهور الذى بلغته المهنة على أيدى أولئك البعض من الكبار.



شركات الأدوية ضالعة فى المشهد البائس. وكذلك بعض وسائل الإعلام أيضا. فالشركات تتواطأ مع بعض الأطباء للترويج لأدويتها، وأحيانا تدفع لأصحاب بعض الفضائيات لاستضافتهم والحديث عن تلك الأدوية، إضافة إلى تسويق الأطباء فى نفس الوقت بعد الإعلان عن هواتفهم النقالة على شاشات التليفزيون. وقد قيل لى إن إحدى شركات الأدوية دفعت مليون جنيه لصاحب إحدى القنوات الخاصة لذلك الغرض.



ما يدهشنا حقا أن يحدث ذلك وتتواتر أخبار الفضائح ــ وما ذكرته نقطة فى بحر ــ دون أن نجد مساءلة أو محاسبة لأحد. بل نجد أحيانا تحيزا ومجاملة من جانب وزارة الصحة ونقابة الأطباء للمتورطين فى تلك الجرائم. حتى أن نقيب الأطباء السابق طرد صحفية من مكتبه ذات يوم لمجرد أنها أرادت أن تفتح معه الموضوع. وإزاء سكوت الوزارة والنقابة لم يكن هناك مفر من تقديم الشكوى إلى الرأى العام لفضح الجريمة طالما أن هناك من يحاول تجاهلها أو التستر عليها.



أحد الأسئلة المهمة التى يثيرها المشهد ما يلى: هل هذا الجشع والفساد مقصور على الأطباء وحدهم أم أن هناك انهيارا مماثلا فى تقاليد وأعراف المهن الأخرى؟ سأترك لك الإجابة لأننى لا أريد أن أصدمك برأيى فى الموضوع.



جريدة الشروق المصرية
الخميس 11 ذي القعدة 1433
27 سبتمبر 2012

mohamed5175
29-09-2012, 12:08 PM
حين التقى مرشد الإخوان الدكتور محمد بديع مع الفنان عادل إمام فى احتفال السفارة السعودية بالعيد الوطنى الأحد الماضى (19/9) فإن الحوار بين الاثنين لم يختلف فى جوهره عن الحوار الذى دار منذ نحو سبعين عاما بين مؤسس حركة الإخوان الأستاذ حسن البنا وبين الفنان أنور وجدى. اختلفت التفاصيل والأجواء لكن الموضوع ظل واحدا؛ الحلال والحرام فى الفن.



فى مذكراته يروى أحد رفاق الأستاذ البنا، الدكتور محمود عساف، أنه التقاه ذات صباح من أيام صيف عام 1945، فدعاه لأن يذهب إلى البنك لفتح حساب للجماعة، التى لم يكن لها أى رصيد فى البنوك آنذاك. فى مكتب رئيس البنك جلسا على أريكة فى حين كان أحد العملاء يحدثه وظهره للضيفين. رحب بهما رئيس البنك (شومان بك) بصوت عال، فالتفت نحوهما العميل الجالس وما إن رأى الأستاذ البنا حتى هب واقفا وقال: حسن بك؟ أهلا وسهلا يا حسن بك. ثم تقدم منهما وقال: أنا أنور وجدى، المشخصاتى، يعنى الممثل. طبعا انتم تنظرون إلينا ككفرة نرتكب المعاصى كل يوم، فى حين أننى والله اقرأ القرآن وأصلى كلما كان ذلك مستطاعا.



أضاف الدكتور العساف بعد ذلك قوله: كان الأمر مفاجئا لى. نعم لم نكن ننادى الإمام (البنا) أو نشير إليه إلا بقولنا: فضيلة الأستاذ (أو المرشد)، أما حسن بك فقد كانت نشازا. ونقل عن الأستاذ البنا قوله: يا أخ أنور انتم لستم كفرة ولا عصاة بحكم عملكم. فالتمثيل ليس حراما فى حد ذاته، ولكنه حرام إذا كان موضوعه حراما. وانت واخواتك الممثلات تستطيعون أن تقدموا خدمة عظمى للإسلام إذا عملتم على إنتاج أفلام أو مسرحيات تدعو إلى مكارم الأخلاق، بل أنكم تكونون أكثر قدرة على نشر الدعوة الإسلامية من كثير من الوعاظ وأئمة المساجد. وأنا أرحب بك وآمل أن تحضر لزيارتنا بدار الإخوان المسلمين بالحلمية الجديدة لنتبادل الرأى حول ما يمكن أن تسهموا به فى نشر الفضيلة والدعوة إلى الله. بقية القصة يرويها الباحث عصام تليمة، الذى أورد النص السابق فى كتابه «حسن البنا وتجربة الفن»، فذكر أن أنور وجدى حين سمع هذا الكلام بكى وقبل رأس البنا ويده، وبعدها رأينا له فيلم ليلى بنت الفقراء. وقال لى عصام تليمة إنه بعدما أصدر كتابه علم أن زكى فطين عبدالوهاب ابن السيدة ليلى مراد من زوجها (اللاحق) المخرج فطين عبدالوهاب ذكر فى إحدى المناسبات أن الأستاذ البنا زار أنور وجدى بعد ذلك عدة مرات فى بيته، وكان الفنان الكبير وقتذاك متزوجا من السيدة ليلى مراد، وكانت زيارته تلك من العوامل التى اسهمت فى تحولها من اليهودية إلى الإسلام.



سألت الدكتور محمد بديع مرشد الإخوان عما دار فى لقائه مع عادل إمام، الذى برأته المحكمة أخيرا من تهمة ازدراء الإسلام التى نسبها إليه أحد المتدينين، وجدت أنه فى رده لم يذهب بعيدا عما قاله الأستاذ البنا لأنور وجدى، سواء فى الموقف من الفن أو فى أمله فى أن يوظف لصالح الإعلاء من شأن الفضائل وإبراز القيم الحقيقية للإسلام.



مما لاحظته فى بحث عصام تليمة أنه سلط الأضواء على علاقة قديمة للإخوان بالنشاط الفنى تخلت عنها الجماعة فيما بعد، أغلب الظن بسبب توتر العلاقة مع السلطة وظروف الملاحقات الأمنية منذ الخمسينيات حتى سقوط نظام مبارك فى العام الماضى. فى هذا الصدد تحدث الباحث عن علاقة بين الأستاذ حسن البنا وبين الفنان حسين صدقى. وهى العلاقة التى استمرت بين الأخير وبين الأستاذ سيد قطب، وفى تحرير تلك العلاقة ذكر الباحث أن حسين صدقى أخبر الأستاذ سيد برغبته فى اعتزال الفن، لكنه حثه على العدول عن الفكرة، وقال له إنه يكتب عشرات المقالات ويلقى عشرات الخطب لكنه بفيلم واحد يستطع أن يلغى كل ما فعله، وإذ نصحه بأن يستمر فى عمله السينمائى فإنه تمنى عليه أن يكون ذلك فى إطار الأفلام الهادفة. وقد استجاب حسين صدقى لذلك وأنتج بعد ذلك فيلمين فى ذلك الاتجاه.



استهل عصام تليمة بحثه باستعراض جهود الإخوان فى المسرح، وكيف أنهم بدأوا نشاطهم ذاك فى عام 1934، وكان الأستاذ عبدالرحمن البنا شقيق مؤسس الجماعة ذو الميول الأدبية هو الراعى لذلك النشاط. وكانت أولى مسرحيات الجماعة باسم «جميل بثينة» التى انتجتها لجنة تشجيع التمثيل التابعة لوزارة المعارف وقررت إخراجها على نفقتها آنذاك. وكان من النجوم المشاركين فيها أشخاص صاروا أعلاما فيما بعد، فى المقدمة منهم جورج أبيض وعباس فارس وحسن البارودى وفتوح نشاطى ومحمود المليجى، وفاطمة رشدى وعزيزة أمير.



اتسع النشاط المسرحى للإخوان وتعددت العروض التى قدموها فى تلك المرحلة. وكان من الممثلين الذين لمعوا فى تلك العروض آنذاك كل من عبدالمنعم مدبولى وسراج منير ومحمد السبع وشفيق نورالدين وسعد أردش وإبراهيم سعفان، والشقيقان حمدى وعبدالله غيث.



إذا قارنت هذه الخلفية بالصورة الحاصلة الآن تلاحظ أن الإخوان صاروا أكثر بعدا عن عالم الفن، وأغلب الظن أنه سيحيرك السؤال التالى: هل كان الفنانون أكثر مرونة أم أن الإخوان كانوا أكثر استنارة أم أن النخب كانت أقل توترا والمجتمع أكثر تسامحا؟

جريدة الشروق المصرية
السبت 13 ذي القعدة 1433
29 سبتمبر 2012

mohamed5175
30-09-2012, 11:30 AM
أصبحت أخشى على عبدالناصر من الذين يهتفون باسمه هذه الأيام ويتدثرون بعباءته، حتى أزعم بأن الرجل لو بعث حيا لأدهشه وأغضبه أن يزج باسمه فى الكثير مما يجرى، ولتمنى ألا يأتى البعض على سيرته فيما يقولون ويفعلون.



خصوصا أولئك الذين يحاولون تقمص شخصيته والادعاء بأنهم خلفاء له. وكان الرئيس الليبى السابق معمر القذافى أبرز هؤلاء، منذ استغل عبارة قالها الرئيس الراحل بحسن نية ذات مرة أثناء زيارته لليبيا، ووصف فيها صاحبنا بأنه أمين على الثورة العربية والقومية العربية. ومنذ ذلك الحين حولت أبواق القذافى تلك الشهادة إلى نشيد وطنى يتردد كل يوم تقريبا. واعتبرها الأخ العقيد صكا أرضى به غروره وطموحه، وأذل به شعبه إلى أن كشفت الثورة الليبية عن حقيقته وعاقبته بما يستحقه.



أستغرب تمسح بعض الفلول فى اسم عبدالناصر وزعمهم بأنهم امتداد له. وجنود أوفياء لثورة 23 يوليو، فى حين أنهم بقايا نظام كان بمثابة انقضاض على أهم ما مثله عبدالناصر، على الصعيدين الوطنى والاجتماعى. لقد حاولوا ان يستخدموا اسمه وقبره فى إطلاق المظاهرات المعادية للثورة. وطالعنا رسالة لأحدهم فى ذكرى وفاته (28 سبتمبر) حيا فيها «الزعيم الخالد» وأعلن التزامه بمبادئه ونهجه، فى حين أنه هو من قال أن مبارك وليس عبدالناصر هو مثله الأعلى، فى مراهنة ساذجة على ضعف ذاكرة المصريين. وكان ذلك من قبيل الإفراط فى الادعاء والتدليس، إذ لم يجد صاحبه غضاضة ولا فرق بين من كان كنزا استراتيجيا لإسرائيل، ومن كان عدوا استراتيجيا لها. تجلت تلك الفجاجة أيضا فى أداء نموذج لأحد المهرجين الذين ظهروا فى الساحة السياسية مؤخرا. فصاحبنا هذا الذى يتمسح الآن فى ثياب عبدالناصر، كان قبل عدة أشهر ضيفا على حزب الكتائب اللبنانى، وألقى خطبة اعتبر فيها زعيم الحزب سمير جعجع الذى تلاحقه شبهات واتهامات عديدة تشينه سياسيا ــ سواء فى ارتكاب جرائم القتل فى الداخل أو فى تعامله مع إسرائيل وغيرها من الدوائر المشبوهة ــ ويعتبر ان ذلك الدور المشبوه كان «ملهما» للثورة المصرية!



خلال السنوات الأخيرة لاحظنا أن إرث عبدالناصر تنافست عليه أربع مجموعات على الأقل ظهرت تحت مسميات هى: الحزب العربى الديمقراطى ــ وحزب المؤتمر الشعبى الناصرى ــ وحزب الكرامة ــ وحزب الوفاق. وداخل كل واحدة من تلك المجموعات أجنحة كان التنافس بينها أشخاص بالدرجة الأولى وليس حول مبادئ وأفكار. صحيح أنه كان بينهم متطرفون يصرون على استنساخ التجربة الناصرية كما كانت، ومعتدلون فضلوا اخضاع التجربة للنقد والتطوير، كما ان بعضهم ظل ملتزما بإطار التنظيم الطليعى، فى حين أن جيلا آخر من الشباب انخرطوا فيما عرف باسم أندية الفكر الناصرى، إلا أن القاسم المشترك الأعظم بين الجميع كان شخص عبدالناصر.



قبل أيام قليلة ــ فى ذكرى وفاة عبدالناصر يوم 28/9 ــ أعلنت تلك الأحزاب اندماجها فى حزب واحد قيل انه سيحمل اسم الحزب الناصرى. ولم يعد سرا ان تجاوز تلك المجموعات لخلافاتها لا يرجع إلى تقارب فى الأفكار وتنازل عن الحسابات الشخصية بقدر ما انه ينطلق أساسا من الاحتشاد لمواجهة الإخوان والسلفيين فى الانتخابات القادمة. الأمر الذى قد يعنى انه تحالف مؤقت معرض للانفراط بمجرد انتهاء الظرف الذى استدعاه.



من ناحية ثانية فإن الاسئلة يمكن أن تثار حول مدى قدرة الائتلاف الجديد على جذب أصوات الجماهير، خصوصا الشرائح التى ترى ان التجربة الناصرية تمثل خبرة ماضوية بأكثر من كونها مشروعا مستقبليا. وفيما فهمت فإن الداعين إلى إقامة الحزب أو الائتلاف الجديد يتطلعون إلى الحفاظ فى الانتخابات القادمة على الأصوات التى حصلها المرشح الرئاسى السابق حمدين صباحى (مؤسس حزب الكرامة) إضافة إلى الأصوات التى أعطيت للفريق أحمد شفيق عن غير اقتناع به، ولكن تعبيرا عن معارضة المرشح الآخر الدكتور محمد مرسى. كما أنهم يأملون أيضا فى جذب أصوات الخائفين من نفوذ الإخوان المسلمين.



الأمر الجدير بالتسجيل فى هذا السياق ان جمال عبدالناصر كان من أوائل الذين عارضوا تداول مصطلح الناصرية، حين برز فى أوساط بعض الجماعات الوطنية فى أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وكان من رأيه أن هناك أناسا يتعاطفون مع تجربته وهؤلاء يمكن وصفهم بالناصريين حقا، ولكن من الخطأ أن تختزل التجربة فى شخصه بحيث تصبح المبادئ والقيم الوطنية والاجتماعية التى دافع عنها مشروعا ناصريا، وهى ليست كذلك بالأساس. وقد سجل هذه الفكرة الأستاذ محمد حسنين هيكل فى بعض كتاباته، وعلى موقع السيد سامى شرف مدير مكتب الرئيس الراحل شهادة له بذات المعنى.



أدعو الجميع لأن يرفعوا أيديهم عن عبدالناصر. سواء كانوا انتهازيين يتمسحون فيه لإيهامنا بانتماءاتهم ونسبهم الوطنى، أو حواريين يدغدغون مشاعر الناس بأحلامهم سنوات خلت وعالم انقلب رأسا على عقب. لذلك أزعم أن الوفاء الحقيقى لعبدالناصر يكون بتجنب ابتذال اسمه. وبنقد تجربته بنزاهة ومسئولية، وبالدفاع عن القيم الايجابية التى ناضل من أجلها وتمثلت فى تمسكه بالاستقلال الوطنى والعدل الاجتماعى والانتماء إلى الأمة العربية ــ لأن الشخص زائل والأمة باقية.

جريدة الشروق المصرية
الاحد 14 ذي القعدة 1433
30 سبتمبر 2012

mohamed5175
01-10-2012, 04:30 PM
●الخبر: قدرت ثروة كبار الأغنياء فى مصر البالغ عددهم بـ430 شخصا بمبلغ 65 مليار دولار. وقدرت ثروة ثمانية منهم بنحو 21 مليار دولار. والجزء الأول من الخبر مصدره شركة «ولتx» للاستشارات المالية فى سنغافورة. أما الجزء الثانى فمنقول عن مجلة «فوربس» الأمريكية. وهذه المعلومات نشرتها جريدة الأهرام منسوبة إلى مصادرها فى عدد الأربعاء 26/9.



● حاشية: ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية يوم 19/9 أن 11 بليونيرا جديدا انضموا إلى قائمة أصحاب البلايين الذين سيتبرعون بنصف ثرواتهم للأعمال الخيرية، استجابة لما دعا إليه مؤسس شركة «مايكروسوفت» بيل جيتس، ورجل الأعمال وارن بافيت وبذلك أصبح عدد المنتمين إلى هذه القائمة الذين قرروا أن يحذوا حذو جيتس وبافيت 92 بليونيرا، من بينهم ريد هاستينجز المدير العام لشركة تاجين لأشرطة الفيديو على الإنترنت «نيتفليكس»، وجوردون مور أحد مؤسسى شركة «انتل» وتشارلز برونفمن المدير السابق لشركة المشروبات الكندية «سيجرام».



كان الأمريكيان الأكثر ثراء بيل جيتس ووارن بافيت قد أعلنا فى يونيو 2010 أنهما سيحاولان اقناع نظرائهم بالتبرع بنصف ثرواتهم للأعمال الخيرية. ومنذ تلك الفترة، توسع نطاق هذه المبادرة ليشمل تيد تيرنر مؤسس محطة «سى ان ان» ومايكل بلومبرج رئيس بلدية نيويورك ومؤسس قناة الأخبار المالية «بلومبرج»، والمخرج جورج لوكاس (صاحب «حروب النجوم») ولارى إليسون أحد مؤسسى شركة «أوراكل» للبرمجيات.



معروف ان جيتس يدعم منذ سنوات المراكز الخيرية والبحوث العلمية بمبالغ طائلة، عن طريق مؤسسة بيل ومليندا جيتس التى أسسها عام 2000. وفى عام 2008 لم يعد جيتس يعمل بشكل كامل كمدير تنفيذى لشركة «مايكروسوفت» فعين مكانه ستيف بالمر رئيسا للشركة، وتفرغ لمنظمته الخيرية والممولة جزئيا من ثروته.



أما شريكه فى المبادرة رجل الأعمال وارن بافيت، فهو أشهر مستثمر فى البورصة الأمريكية. وهو ثالث أغنى أغنياء العالم عام 2010 بحسب مجلة «فوربس» بثروة مقدارها 44 مليار دولار أمريكى، بعد أن كان أغنى رجل فى العالم عام 2009.



لدى سؤاله عن دوافعه للتبرع بأكثر من سبعة بلايين دولار للأعمال الخيرة أجاب «أنا أؤمن بأن الثروات التى تتدفق من المجتمع يجب أن تعود فى جزء كبير منها إليه ليستفيد منها لأنه صاحب الفضل فيها».



● فذلكة تاريخية: ابتكر العقل الإسلامى فى وقت مبكر نظام الوقف، الذى بمقتضاه فتح الباب واسعا لكل فئات المجتمع، وأصبح الوقف هو رافعة التنمية التى قام عليها المجتمع الإسلامى على مدار تاريخه. وفى وقت مبكر اعتبره بعض الباحثين عماد السياسة المدنية فى الدولة، قبل ابتذال مصطلح «المدنية» والعبث به ليصبح نقيضا للدينية. ومن خلال الوقف نشأت المساجد ومعاهد التعليم وتأسست المستشفيات وأقيمت الحصون وجهزت الجيوش وشقت الترع وبنيت الجسور. وامتدت مظلة الوقف لحماية الضعفاء من البشر بل وشملت رعاية الحيوان والطيور وصولا إلى أسبلة المياه التى تروى العطاشى والمظلات التى تقى الناس من حرارة الشمس.



اقتبس الغربيون فكرة الوقف من الدولة العثمانية، وحققوا من خلاله انجازات مهمة منها انه أصبح الممول الأساسى لأكبر وأهم الجامعات الأمريكية، فضلا عن الأبحاث العلمية والأعمال الخيرية، وذلك أمر طيب لا ريب، لكن النموذج فى التجربة الإسلامية تميز بأمرين هما: ان الواقفين انطلقوا من مرجعية دينية واعتبروا عمارة الدنيا سبيلا إلى عمارة الآخرة. ثم انهم لم يكونوا من الأثرياء فقط، وانما كانوا أيضا من متوسطى الحال وصغار الملاك. ثمة مؤلفات كثيرة عربية وغير عربية تناولت موضوع الأوقاف، لكن كتاب الدكتور إبراهيم البيومى غانم عن «الأوقاف والسياسة فى مصر» لا يوثق فقط دور كبار الملاك وصغارهم وإسهامهم فى اغناء التجربة، ولكنه وثق أيضا الدور الوطنى للوقف، وكيف كان أحد الأسلحة التى واجه بها المجتمع المصرى سلطان الاحتلال البريطانى (عن طريق شراء الأراضى والاستحواذ على القطن) وسعيه إلى تغريب المجتمع بفرض اللغة الإنجليزية عليه لإضعاف اللسان العربى، كما فعلت فرنسا فى الجزائر والمغرب وتونس.



يذكر الباحث مثلا انه خلال الفترة بين سنتى 1948 و1956 كانت مساحة الأراضى التى أوقفها كبار الملاك فى مصر تعادل نحو 75٪ من جملة الأراضى المزروعة فى البلد (محمد باشا البدراوى عاشور أوقف نحو عشرة آلاف فدان فى محافظة الدقهلية، وحسن الطرزى أوقف 2379 فدانا بنواحى منفلوط فى أسيوط). فى الصعيد كان عدد الواقفين من صغار ومتوسطى الملاك (حتى سنة 1951) 9876 شخصا. أما عدد الواقفين فى الوجه البحرى فقد كان 5684 شخصا. وفى إحدى حجج الوقف اشترط صاحب الأرض ألا تؤجر أراضيه لأحد من ذوى الحمايات الأجنبية، أو من اتباع الدولة «الأجنبية»، لكى تكون حصيلتها للمصريين وحدهم.



● سؤال: بماذا نفسر اختفاء دور المليارديرات المصريين فى مواجهة الأزمة الاقتصادية التى تمر بها مصر فى الوقت الراهن، ولماذا كتب علينا أن نطل دائما على الخلف لنزهو بالماضى وحده فى حين أنهم فى الديمقراطيات الغربية يصنعون الحاضر وأعينهم معلقة بالمستقبل؟


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 15 ذي القعدة 1433
1 اكتوبر 2012

mohamed5175
02-10-2012, 11:44 AM
أفهم أن تختلف النخب المصرية فى الإجابة عن السؤال: إلى أين نحن ذاهبون، ولكن حين يحدث ذلك مع بعض المسئولين الكبار فى الدولة فمعناه أننا تائهون:


(1)

ذلك حدث معى على الأقل، حيث تحدثت مع عدد منهم أحتفظ بأسمائهم فلاحظت أن كل واحد منهم مستغرق فى تفاصيل الموقع الذى يشغله، لكنه ليس على ثقة من وجهة السفينة التى هو جزء منها. الأمر الذى أعطانى انطباعا بأن الخرائط الكلية لم تتبلور بعد وأن الرؤية الاستراتيجية للحكومة لا تزال تحت التشكيل. وهو أمر لا يفاجئنا حين يكون الرئيس قد تسلم مهامه منذ ثلاثة أشهر فقط، وحين يكون عمر الحكومة كلها لا يتجاوز شهرين، إلا أنه يقلقنا ويصدمنا إذا استمر لوقت أطول.

لقد قيل لى إن رئيس الجمهورية ينام ثلاث ساعات فقط فى اليوم، وأنه عاد من رحلته الآسيوية إلى القاهرة فى الساعة الخامسة مساء. ثم استدعى مساعديه إلى مكتبه فى الساعة السابعة، علمت أيضا أن رئيس الوزراء يعقد فى المتوسط عشرة اجتماعات فى اليوم، وأنه يذهب إلى مكتبه من الثامنة أو التاسعة صباحا، فى حين يبدأ اتصالاته الهاتفية من بيته بعد طلوع الشمس، نحو السادسة صباحا، وبسبب غرق كل منهما فى المهام الموكولة إليه، فهمت من المساعدين لهما أن كلا منهما لا يحسب رحلاته إلى الخارج بالأيام ولكن بالساعات، وقد استغرقت رحلة الرئيس مرسى إلى طهران سبع ساعات، فى حين أن رحلته الأخيرة إلى أنقرة طالت بعض الشىء حتى استغرقت 12 ساعة.

ربما يعتبر البعض ذلك من قبيل التفانى فى أداء العمل والإخلاص الزائد فى تحمل المسئولية، وهو ما أحسبه كذلك ولا أشك فى أنه يتم بنية صادقة وصافية. لكن ذلك لا ينفى أنه يعد من علامات قلة الخبرة بالإدارة أو سوئها،. وكان تعليقى على ما سمعت من معلومات عن الجهد الكبير الذى يبذله الدكتور مرسى ورئيس وزرائه الدكتور هشام قنديل، أنه ربما كان من المفيد والجيد أن يظل المرء يركض طول الوقت، ولكن الأهم أن يترتب على الركض تقدم إلى الأمام.


(2)

فى الأسبوع الماضى فاجأنا وزير المالية ببيان غير مألوف لأنه لم يجاملنا فيه، قال الرجل إن ثمة عجزا فى موازنة السنة المالية 2011/2012 يبلغ 170 مليار جنيه فى حين أنه كان مقدرا ألا يزيد العجز على 134 مليار جنيه. وذلك معناه أن هناك نحو 36 مليار جنيه زيادة فى العجز لم تكن فى الحسبان. وأحد الأسباب الرئيسية لذلك العجز مصدرها زيادة الأجور التى تمت تحت ضغط مطالبات الفئات المختلفة. فقد تبين أن بند الأجور وصل إلى 122 مليار جنيه فى حين كان المستهدف 110 مليارات فقط، وهو ما يعنى أن الاستجابات التى تمت حمَّلت الميزانية عبئا قدره 12 مليار جنيه. هناك أيضا أسباب للعجز تمثلت فى انخفاظ الموارد العامة للدولة خصوصا الموارد الضريبية نتيجة توقف النشاط الاستثمارى والإضرابات والاعتصامات العمالية، الأمر الذى أدى إلى تراجع إيرادات الدولة. عن السنة المالية الحالية (20122013) قال الدكتور ممتاز السعيد إن مصروفاتها تقدر بمبلغ 533 مليار جنيه، فى حين أن الإيرادات فى حدود 392 مليار جنيه. وهو ما يعنى أن موارد الدولة لا تغطى سوى 74٪ من مصروفاتها يعنى أيضا أن مصروفات الدولة فى السنة المالية الحالية التى تمثل 135 مليار جنيه، لا توجد لها إيرادات تغطيها. الأمر الذى تضطر معه الدولة للجوء إلى الاقتراض، الذى يترتب عليه زيادة الدين العام.

لم تكن صراحة البيان هى الملاحظة الوحيدة عليه، ولكن عدم الاهتمام الإعلامى به، إلى حد تجاهله من جانب بعض الصحف، كان ملاحظة أخرى مثيرة للدهشة. وفى كل الأحوال فإنه يحسب له أنه واجه الرأى العام بجرأة مطلوبة لوضع الناس فى الصورة كما يقال. صحيح أن بعض الوزراء منهم وزير التعليم مثلا. أعلن للمطالبين بزيادة أجورهم أنه لا توجد لديه فلوس تمكنه من أن يلبى ما يطلبونه. إلا أننا لا تزال نفتقد الشفافية والمصارحة فى مخاطبة المجتمع، الأمر الذى يبدو معه ذلك الخطاب الذى مررنا به استثناء لا يحتمل التعميم.

وإذ تقدر مبادرة وزير المالية إلى مصارحة الرأى العام بحقائق الوضع الاقتصادى إلا أننا لابد أن نلاحظ أنه وضعنا فى صورة المشكلة ولم يتطرق إلى الحل. وهو يعذر فى ذلك لأن مفتاح الحل ليس بيده. ولكنه يكمن فى جوهر سياسة الحكومة ورؤيتها الاستراتيجية للتعامل مع الوضع الاقتصادى فى مجمله.


(3)

أمضيت الأسبوعين الآخيرين فى حوارات مع بعض الخبراء حول معالم الرؤية الاستراتيجية التى ينبغى الانطلاق منها للتعامل مع الأزمة الراهنة فى مصر، ولم يكن هناك اختلاف فى الرأى حول ضرورة اتباع سياسة المصارحة التى تجعل الرأى العام ونخبه المختلفة على إدراك كاف بحقائق الأوضاع الداخلية أولا بأول، ليس فقط التزاما بحق الناس فى المعرفة ولكن أيضا لإشراك الجميع فى المسئولية إزاء ما يجرى.

الرؤية التى توافقنا عليها خلصت إلى مطلبين ضروريين فى المرحلة الراهنة هما: إعلان برنامج للإنقاذ الاقتصادى يراعى التقشف الذى تبدأ فيه الحكومة بنفسها وإطلاق طاقات الشعب المصرى واستدعائه لكى يقف فى الصف الأول لجبهة مواجهة الأزمة.

●● فيما خص الإنقاذ الاقتصادى تثار العناوين التالية على سبيل المثال:

تخفيض وترشيد الإنفاق الحكومى والحد من صور الإسراف، التى منها الحد من سفر الوفود الرسمية التى تؤدى مهام تستطيع السفارات أن تنجزها إعادة النظر فى المكاتب الفنية الملحقة بالسفارات والتى قيل لى إن ما يصرف عليها يعادل ميزانية وزارة الخارجية كلها إعادة النظر فى أوجه الإنفاق التى تذهب إليها حصيلة الصناديق الخاصة وقدرت بمبلغ 36 مليار جنيه النظر فى استثمار 53 قصرا رئاسيا و400 سيارة مرسيدس مخزنة فى الرئاسة ويتم تجديدها بين حين وآخر.

الجدية والحزم فى تطبيق الحد الأقصى للدخول الذى لا تزال الحكومة تتراخى فى تنفيذه وعاجزة عن وضع يدها على الخريطة الحقيقية له على أرض الواقع، نظرا لتلاعب كبار المسئولين ومراوغتهم (أحد الأكاديميين تبين أنه يتقاضى دخلا شهريا قيمته مليون فى حين ذكر فى الأوراق الرسمية أن دخله 63 ألف جنيه فقط).

إعادة النظر فى أوضاع الثروة العقارية بعدما تبين أن مساحات هائلة من الأراضى تلحق إما بالقوات المسلحة أو بوزارة الداخلية، وتستثمرها تلك الجهات لصالحها مقابل مبالغ تافهة، وأحيانا بوضع اليد وقوة السلاح.

ترشيد استهلاك المياه والطاقة الكهربائية، بعدما تبين أن 25٪ من حصة مصر فى المياه تهدر سنويا ولا تستفيد منها الزراعة المصرية فى حين أن بعض الأماكن فى أشد الحاجة إليها.

التعامل بشجاعة ومسئولية مع ملفات الإنتاج الصناعى والزراعى وقطاع التشييد، وكلها ملفات حافلة بالمشكلات والعقد، التى لم يتم التعامل معها بشكل جاد إلى الآن.

ترشيد الدعم مع استمرار حماية الطبقات الفقيرة، بحيث يتحمل القادرون الأسعار الحقيقية للسلع، بعدما تبين مثلا أن بعض أصحاب المصانع يحصلون على الطاقة بالأسعار المدعومة، فى حين يبيعون منتجاتهم للناس بالأسعار العالمية.

النظر فى أمر الأخذ بنظام الضرائب التصاعدية، بحيث يدفع كل مواطن الضرائب التى تتناسب مع دخله الحقيقى.

● ● المجال الآخر المتعلق بإنقاذ الاقتصاد المصرى المتمثل فى إطلاق طاقات المجتمع والإفادة من خبرات أهله وخيرات أرضه فيه كلام كثير، لأن من حدثتهم فى الأمر انتقدوا بشدة تركيز خطاب السياسيين والمسئولين على فكرة الاعتماد على الخارج فى هذا الصدد، سواء تمثل ذلك فى المسارعة إلى الاقتراض من المؤسسات الدولية، أو فى الحديث المستمر عن جذب المستثمرين الذين يصورونهم بحسبانهم المخلِّصين وطوق النجاة الذى لا غنى عنه. وهو منطق وصفه بعضهم بأنه تعبير عن الكسل العقلى ووصفه آخرون بأنه تعبير عن عدم الثقة فى النفس.

إن لدينا فى مصر خبرات مهدرة ومراكز للبحوث منسية ومهملة، ومشروعات للتنمية الذاتية تحارب بشراسة من قبل جبهة الاستيراد والاتكال على الخارج، كما أن لدينا ثروات غير مستغلة فى مجالات الطاقة الشمسية ورمال سيناء والساحل الشمالى والسياحة بشكل عام.

إن ما ذكرته مجرد أمثلة، ولا أشك أن لدينا عقولا قادرة على أن تثرى ذلك الباب، وتسهم بشكل كبير فى تحقيق الإنقاذ المطلوب، الأمر الذى يدعونى إلى طرح السؤال التالى: لماذا لا تدعى العقول المصرية المعنية بالموضوع إلى مؤتمر يمثل فيه الجميع، وتطرح فيه قضية الإنقاذ هذه على بساط البحث، بدلا من أن يتولى الأمر نفر محدود من المسئولين أو الأشباح الذين نسمع عنهم ولا نراهم.


(4)

لا أستطيع أن أنهى قبل أن أشير إلى تجربتين للإنقاذ الاقتصادى فى كل من ماليزيا والبرازيل، تمنيت أن يخضعا للدراسة من جانب أولى الأمر فى النظام المصرى، الذين ما برحوا يمدون أبصارهم خارج الحدود، فى نهاية عام 1997 ضربت الأزمة اقتصاد نمور آسيا، الذى كان يعد نموذجا للتعافى والنمو. فانهارت العملات المحلية وتدهورت البورصات وتفاقمت البطالة وتراجعت الصناعة.. إلخ. وكانت ماليزيا من ضحايا ذلك الإعصار، فسارع صندوق النقد إلى عرض مساعداته بطريقته التى أعطت الأولوية لحرية السوق بتداعياتها التقليدية. كان مهاتير محمد رئيسا للوزراء آنذاك فقرر رفض وصفة الصندوق. وبدلا من ذلك شكل مجلسا قوميا للإنقاذ الاقتصادى ضم رئيس الوزراء ونائبه مع النقابات والمجتمع المدنى جنبا إلى جنب مع رجال البنوك والمستثمرين وممثلى الشركات.

أدار المجلس سياسة ماليزيا الاقتصادية طوال عامين، ظل خلالهما يعمل تحت رئاسة الدكتور مهاتير خمسة أيام كل أسبوع، بمعدل ثلاث ساعات كل يوم. واتخذ مجموعة من الإجراءات منها تثبيت العملة فى مواجهة الدولار وتقييد خروج رأس المال وساعد على هيكلة ديون الشركات الخاسرة...الخ. وفى عام ٢٠٠٠ تعافى الاقتصاد الماليزى واستعاد حيويته، بعدما ضرب عرض الحائط بنصائح صندوق النقد.

البرازيل كانت أسوأ حالا، بعدما خضعت طويلا لقهر الاستبداد وعفونة الفساد، وجاء رئيسها لويس اناسيو لولا فى عام 2009، رافعا شعار «البرازيل القوة العالمية الخامسة»، ومعلنا أن بلاده تملك طاقات كامنة قادرة على دفع تمكينها من ارتقاء أعلى درجات النحو، ذكّر الرجل جماهير شعبه بما تملكه بلاده من ثروات طبيعية من النفط والغاز والمياه واليورانيوم.

وكان بعض من سبقوه قد بذلوا جهدا ملموسا فى توفير قوة عاملة متعلمة، تنامت فى ظل التدابير التى أرست دعائم الاستقرار فى الاقتصاد البرازيلى، وتضافرت تلك الجهود التى استثمرت طاقات البلد وقدرات البشر لكى تدفع بالبرازيل إلى مصاف الدول المتقدمة والواعدة. وكانت إرادة القيادة وثقتها فى قدرة المجتمع على النجاح من العوامل التى أسهمت فى تحقيق النهوض المنشود.

أخيرا إذا كنت قد لاحظت أننى تحدثت عن بعض جوانب الرؤية الاستراتيجية إزاء الأوضاع الداخلية، ولم أتحدث عن السياسة الخارجية رغم أهمية الملف بالنسبة لمصر، فتفسيرى لذلك أن السياسة الداخلية هى الأساس فى أى سياسة خارجية، التى أرجو أن يكون لها حديث آخر فى وقت لاحق.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 16 ذي القعدة 1433
2 اكتوبر 2012

mohamed5175
03-10-2012, 11:55 AM
منذ ظهر نجمهم فى سماء السياسة أصبح السلفيون عنوانا شبه ثابت فى وسائل الإعلام المختلفة، خصوصا فى مصر ودول المغرب العربى، وحين دبت الخلافات بين بعض قياداتهم فى مصر تنافست كل الصحف فى متابعة تفاصيلها بشكل مبالغ فيه، وكأن البلد ضربه زلزال سياسى من الدرجة العالية، يوشك أن يقلب الخرائط ويفتت الساحة السياسية. ولم يقف الأمر عند حد رصد التفاصيل وتحرى أسباب الصراع واستنطاق أطرافه، وإنما تجاوزه إلى إبراز آراء رموز السلفية فى مختلف أمور الدين والدنيا.



حتى طالعتنا صحيفة «الشروق» أمس الأول (الاثنين الأول من أكتوبر) بتقريرين، أحدها أبرز على الصحفة الأولى وتضمن متابعة التجاذب الحاصل بين قيادات حزب النور، وكان عنوانه: النور ينتحر على أعتاب لجنة الأحزاب، والثانى على صفحة كاملة بالداخل، وكان خلاصة حوار مع أحد الشخصيات السلفية نقلت عناوينه عنه قوله: قبول الإسلاميين بآليات الديمقراطية معصية ــ و ــ الديمقراطية مضادة للإسلام ومن يكتم ذلك يأثم. وفى اليوم ذاته نشرت صحيفة «المصرى اليوم» على الصفحة الأولى كلاما منسوبا لأحد الدعاة السلفيين قال فيه إن الليبراليين والعلمانيين كفار ويجب إقامة حد الرِدّة عليهم (!)



بقية الصحف المصرية تابعت وقائع التجاذبات الحاصلة بين السلفيين المختلفين، فى الوقت الذى تناقلت فيه وكالات الأنباء أخبار مواجهات السلفيين مع أجهزة الأمن فى تونس، وتحذيرات الشيخ راشد الغنوشى مؤسس حركة النهضة من خطورة هذه المجموعات على السلم الأهلى فى البلاد.





من يطالع أمثال تلك التقارير اليومية يخيل إليه أننا بصدد قوة سلفية كبرى تنافس أخبارها ما تنشره الصحف عن الدول العظمى، وربما تصور البعض أن المجتمعات العربية صارت مهددة بالزحف السلفى، وأن أفكار الآحاد التى تبرزها الصحف ترسم صورة منفره وكئيبة للمستقبل، الأمر الذى يبرر الحيرة والقلق. ليس عندى دفاع لا عن تجاذبات السلفيين ولا عن غريب أفكارهم، لكنى أزعم أن الإعلام يبالغ فى تقديم حجمهم، كما يخلط الأوراق فى الحديث عنهم، ولا يخلو الأمر من تسليط الأضواء القوية على سلبياتهم واصطياد ما هو شاذ من آرائهم، حتى إذا كانت تلك الآراء لأحاد الناس الذين لا يمثلون إلا أنفسهم وليس لديهم دراية بالدين أو الدنيا. وما سبق ذكره من نماذج تلك الآراء.



إزاء ذلك فإن تحرير الصورة وتفكيكها يبدو ضروريا لفهم ما يجرى فى تلك الساحة. فالناظر إلى المشهد عن قرب يدرك أن السلفيين ليسوا شيئا واحدا. إذ رغم أن العنوان يجمع بينهما إلا أنهم يتوزعون على ثلاث مدارس متباينة على الأقل. فهناك السلفية الدعوية التى خرجت أساسا من المملكة العربية السعودية. وتبنت أفكار الشيح محمد بن عبدالوهاب المستقاة من فتاوى ابن تيمية وغيره من أئمة مذهب أحمد بن حنبل، وهذه المدرسة الدعوية تتحرك خارج السياسة، وقد تدعمها، لكنها لا تنخرط فيها أو تمارسها.



هناك أيضا السلفية الجهادية التى تكفر المجتمع وترفع السلاح لتغييره. وهذه لها حضورها فى دول المغرب العربى وصلاتها قائمة مع تنظيم القاعدة، على الصعيد الفكرى على الأقل. ولا وجود لتلك المدرسة فى مصر فى الوقت الراهن، وإن دلت بعض القرائن على أن لعناصرها وجودا فى شبه جزيرة سيناء، وهناك من يرى بأن أعمال العنف والأنشطة الإرهابية التى مورست فى مصر خلال الثمانينيات خرجت من عباءة السلفية التكفيرية والجهادية.



المجموعة التى تسلط عليها الأضواء فى مصر الآن تمثل مدرسة ثالثة يصح أن نطلق عليها السلفية السياسية، وهى التى تضم مجموعة من النشطاء الذين اختاروا الدخول فى المجال العام والانخراط فى العمل السياسى، وهم فريقان أحدهما اختار الصيغة الحزبية التى تبلورت فى صورتى حزب النور وحزب الأصالة، والفريق الثانى انحاز إلى فكرة مرجعية الأشخاص وليس الصيغة الحزبية. بمعنى أنهم لم يشكلوا حزبا له قيادة مؤسسية ولكنهم التفوا حول أشخاص توسموا فيهم المرجعية الفقهية والقيادة الفكرية.



تيار السلفية السياسية جديد فى مصر رغم أنه ظهر فى الكويت منذ عقدين من الزمان تقريبا. وله حضوره الدائم فى البرلمان هناك. ولم يعد سرا أن الأجهزة الأمنية فى مصر حاولت فى السابق أن تستخدم بعض السلفيين سواء لاختراق الإخوان أو لسحب البساط من تحت أقدامهم. والضجيج الذى يسلط عليه الإعلام أضواءه اليومية ينحصر فى إطار مجموعة السلفية السياسية التى هى حديثة العهد بالمشاركة فى العمل السياسى، بالتالى فهى لم تكتسب خبرات أو تقاليد الانخراط فى اللعبة، ولذلك حرص بعضهم على اكتساب تلك الخبرات من خلال التعلم وتلقى المحاضرات من ذوى الاختصاص والخبرة، ومما أخذ على رئيس حزب النور مثلا الدكتور عماد عبدالغفور أنه لم يكن قادرا على استيعاب فكرة العمل المؤسسى، وظل يدير الحزب بمفهوم مرجعية الشيخ الفرد الأمر الذى أثار حفيظة غيره من قياديى الحزب.



ولعلى لا أكون مخطئا إذا قلت إن الخلاف الدائر فى أوساط حزب النور ليس حول الأفكار، لكن له أسبابه التنظيمية التى عادة ما تحدث فى إطار أى مجموعة سياسية. بالتالى فقد سرى عليهم ما حدث من قبل مع الإخوان والوفديين والشيوعيين والناصريين، ولم يحدث ذات الضجيج الذى تثيره وسائل الإعلام هذه الأيام بحسن نية أو بسوئها.



إن إخواننا هؤلاء حديثو عهد باللعبة السياسية، وبعضهم يتعلمون ويتطورون ويحتاجون إلى وقت أطول لإنضاج أفكارهم واكتساب خبراتهم، لكن الإعلام لا يرحم.


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 17 ذي القعدة 1433
3 اكتوبر 2012

mohamed5175
04-10-2012, 12:21 PM
من مفارقات حياتنا الثقافية ان الذين يلاحقون الإخوان ليل نهار بتهمة «الاستحواذ» على مفاصل الدولة المصرية، هم أنفسهم يمارسون الاستحواذ على قائمة من القيم والشعارات التى لا يريدون لأحد أن يشاركهم فيها. ولئن كان استحواذ الإخوان ادعاء لم يثبت، فضلا عن ان مفاصل الدولة فى مصر أكبر من ان يستوعبها فصيل واحد، فإن استحواذ الآخرين واحتكارهم لأهم القيم والشعارات الايجابية فى الساحة السياسية تشهد به قرائن عدة، بل تقطع به وتؤكده.

إننا إذا دققنا فى الفضاء السياسى المصرى سنجد ان بعض النخب قررت أن تحتكر وتصادر لحسابها المدنية والديمقراطية والليبرالية بل والتقدم أيضا، فى حين اعتبروا أن كل من عداهم مطرودون من تلك الساحات ومحظور عليهم الانتساب إلى أى منها، وهو ما يعد نهجا فى الاقصاء أقرب إلى التكفير، فإذا كان بعض المتطرفين الإسلاميين يعتبرون أنهم الفرقة «الناجية» وان جنة الله لا تسع غيرهم، ولذلك فإنهم يسارعون إلى إخراج غيرهم من الملة الدينية، فإن إخواننا هؤلاء باحتكارهم القيم السياسية الايجابية يفعلون نفس الشىء. إذ يعتبرون أنفسهم الفرقة السياسية الناجية التى ينبغى أن يعهد إليها دون غيرها تولى زمام الأمور، ولذلك فإنهم ينفون عن غيرهم أية صفة ايجابية ويخرجونهم من الملة الوطنية بضمير مستريح.

هم لا يقولون شيئا من ذلك بطبيعة الحال، ولكنهم دائمو الحديث عن التسامح والقبول بالآخر والاحتكام إلى الصناديق فى نهاية المطاف، لكنهم فى الوقت نفسه يقسمون المجتمع إلى معسكرين أحدهما مدنى والآخر دينى. فى استعادة لفكرة «الفسطاطين» وقسمة العالم إلى أخيار وأشرار. ويدرجون تحت عنوان القوى المدنية كل ما هو ايجابى وجذاب من قيم وشعارات، فى حين ينسبون إلى القوى الدينية كل ما يثير النفور ويبعث على الاستياء والخوف.

لست أدعو إلى تبرير فكرة استحواذ الإخوان التى أرفضها، ولا أريد أن يفهم أننى أسوغ ما نسب إلى الإخوان بدعوى ان الكل فى الاستحواذ سواء، وان غيرهم ليسوا أفضل منهم كثيرا. لكنى أريد التنبيه إلى أن مسألة الفسطاطين هذه (الدينى والمدنى) مغلوطة علميا وضارة سياسيا.

وكنت قد تعرضت من قبل إلى التغليط فى تلك القسمة، وقلت ان ذلك الفصل فى مجتمع متدين مثل مصر لا يخلو من افتعال وتعسف، لسبب جوهرى هو ان الكثير من الواجبات الدينية لها وجهها المدنى. والزكاة التى هى من أركان الإسلام واجب شرعى قطعى له دوره المدنى بامتياز. والوقف نموذج آخر للتصرف الذى ينطلق من الوازع الدينى لكى يصب فى المحيط المدنى. وقل مثل ذلك على ما حصر له من التكاليف التى تعتبر ان عمارة الدنيا سبيل وجسر يراد به وجه الله فى الآخرة. ناهيك عن أن توظيف الطاقات الدينية لأجل تحقيق أهداف المجتمع ومصالحه العليا، يضمن بلوغ تلك الأهداف بالكفاءة المنشودة. علما بأن الحضارة الإسلامية لم تبلغ ما بلغته من علو إلا بفضل ذلك التوظيف الايجابى للمشاعر والطاقات الإيمانية لدى النخبة فى مجتمعات تلك المرحلة.

أما كون قسمة المدنى فى مقابل الدينى خطرة وضارة بالقوى المدنية ذاتها، فمرجع ذلك أن ذلك التضاد حين يستدعى الهوية الدينية فإنه يعطى انطباعا ان الدين هو موضوع الخلاف، وان القوى المدنية لا تعارض القوى الأخرى سياسيا، وانما تخاصمها لأنها دينية. وإذا شاع ذلك الانطباع بين عامة الناس، وسئلوا هل تصوتون للقوى الدينية أو المدنية فإن الأغلبية الساحقة سوف تجد فى العنوان الدينى عنصر جذب تصعب مقاومته. وستكون النتيجة ان تفقد القوى المدنية أصواتا كثيرة كان يمكن أن تكسبها لو أنها قدمت نفسها بصيغة أكثر قبولا.

وإذا وضعنا فى الاعتبار أن المرء يمكن أن يكون إسلاميا وديمقراطيا وليبراليا ومدنيا، وانه ليس صحيحا ان تلك الصفات حكر على العلمانيين وحدهم ولكنهم «استحوذوا» عليها لتقبيح غيرهم، فإنه انصافا للحقيقة فضلا عن أنه لمصلحة الليبراليين أنفسهم، يتعين أن يكون التصنيف على أساس الوجهة السياسية وليس الهوية الدينية ــ ولأننا بحاجة إلى الجميع من إسلاميين وليبراليين ويساريين وغيرهم، فليتنا نتحدث عن ديمقراطيين وغير ديمقراطيين، أو وطنيين وغير وطنيين أو ليبراليين ومحافظين.. وهكذا ــ ذلك أن هؤلاء وهؤلاء موجودون على الجانبين.

هناك ضرر آخر يصيب المجتمع لا نستطيع أن نتجاهله، وهو ان قسمة المدنيين والدينيين من شأنها أن تدفع الأقباط للاصطفاف إلى الأولين دون الآخرين، الأمر الذى له ارتداداته السلبية على لحمة المجتمع والسلام الأهلى. وإذا كان إخواننا هؤلاء لا يعبأون بما يصيب المجتمع فلعلهم يعيدون النظر فى مقولتهم، دفاعا عن مصلحتهم على الأقل. وان ظل الأمل معقودا على عقلائهم فى ان يضعوا مصلحة الجماعة الوطنية فوق أى اعتبار آخر.

جريدة الشروق المصرية
الخميس 18 ذي القعدة 1433
4 اكتوبر 2012

mohamed5175
06-10-2012, 11:28 AM
تكريم اسم الرئيس الأسبق أنور السادات ومنحه قلادة النيل فى مناسبة الاحتفال بذكرى 6 أكتوبر قرار صائب له دلالته التى ينبغى أن نتوقف عندها ونعتبر منها. كما أنه لا خلاف على أن تكريم الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس الأركان آنذاك يعد ردا لاعتباره وإنصافه بعد الظلم الكبير الذى تعرض له.



إلا أن تكريم اسم السادات يظل موضوعا للخلاف، على الأقل بالنسبة لقطاع عريض من المثقفين الوطنيين. وقد فهمته بأنه تكريم لقرار الرجل خوض الحرب وليس لسياسته بشكل عام. ذلك أننى أزعم أن ذلك القرار هو النقطة الوحيدة المضيئة فى سجله، فى حين أن بقية صفحات السجل عليه وليست له، خصوصا إقدامه على معاهدة السلام مع إسرائيل.



من هذه الزاوية أزعم أن تكريم اسم السادات فى مناسبة ذكرى حرب أكتوبر هو أيضا من قبيل المصالحة مع التاريخ، التى تذكر للرجل فضله ولا تنكر عليه الإنجاز الذى أقدم عليه، حتى وإن جاء منقوصا. وأحسب أن تلك المصالحة هى التى دفعت الرئيس محمد مرسى إلى توجيه التحية إلى الرئيس جمال عبدالناصر فى مؤتمر قمة عدم الانحياز الذى عقد بطهران، اعترافا بدوره وفضله فى إقامة ذلك التجمع النبيل، الذى يعد بدوره نقطة مضيئة تحسب له. وذلك مسلك يستحق التقدير تصرَّف فيه الدكتور مرسى باعتباره رئيسا للدولة، وليس عضوا فى جماعة الإخوان المسلمين، لأننى أعلم أن الحرس القديم من الإخوان على الأقل لا يذكر عبدالناصر بالخير، ولم ينس له ضرباته الموجعة التى وجهها إلى الجماعة فى عامى 1954 و1964، التى قادت آلافا منهم إلى السجون والمعتقلات وأوصلت بعضا منهم إلى المشانق.



لست من أنصار قراءة التاريخ والحكم عليه انطلاقا من الحسابات والمشاعر الخاصة، لأن للأوطان مصالح عليا ينبغى أن تكون المعيار الأول فى الحكم على هذا الرئيس أو ذاك. وبمعيار المصالح العليا ينبغى أن يعطى قرار حرب أكتوبر حقه فى الذاكرة التاريخية، بقدر ما أن عبدالناصر يذكر له تمسكه بالاستقلال الوطنى وانحيازه إلى الفقراء واعتزازه بانتمائه إلى الأمة العربية. علما بأن تسليط الضوء على تلك الجوانب بنبغى ألا يلغى الجوانب الأخرى فى مرحلة كل منهما.



كنت قد أشرت إلى ما خص عبدالناصر فى الفقرة السابقة حين دعوت قبل أيام قليلة فى 30/9 الماضى إلى عدم ابتذال اسمه فى المساجلات والتجاذبات الجارية فى مصر الآن، وقلت إن الوفاء للرجل يدعونا إلى التمسك بالقيم التى ناضل دفاعا عنها، ومنها ما ذكرت توا. وحين نشرت المقالة تلقيت تعليقات كثيرة ركزت على الوجه الآخر من تجربة عبدالناصر، وبعض القراء أعربوا عن دهشتهم مما كتبت بالنظر إلى ما أصاب أبى وأسرتى وما أصابنى شخصيا فى عهده (عاتبنى زميل لى جمعتنا زنزانة واحدة فى سجن مصر ثم السجن الحربى). واعتبرت ذلك من آثار تغليب الخاص على العام، رغم أن ما قالوه صحيح وما قلته أنا عن إنجازات عبدالناصر على الصعيد العام صحيح أيضا، وربما لاحظت أننى لم أشر إلى الديمقراطية فى حديثى عن القيم التى دافع عنها عبدالناصر، لأن الرجل لم يكن ديمقراطيا.



شىء من هذا القبيل فعلته فى وقت سابق حين كتبت عن مصطفى كمال أتاتورك محرر تركيا ومؤسس نظامها الجمهورى. ذلك أننى ظللت لأكثر من عقدين من الزمان نافرا من الرجل ومقتنعا بشيطنته. استنادا إلى ما قرأته من كتابات حول ما فعله بالإسلام والمسلمين فى بلده بعد إلغائه للخلافة الإسلامية فى سنة 1924، لكننى حين اقتربت أكثر من التجربة التركية أدركت الوجه الآخر لدوره كقائد فذ ووطنى غيور أنقذ بلده من الانهيار بعد الحرب العالمية الأولى. ولم يكن هناك من تفسير لطمس حسناته وفضائله سوى أن الذين شيطنوا الرجل قرأوه وقدموه متأثرين بمشاعرهم وأهوائهم الخاصة الأمر الذى دفعهم إلى تجاهل الدور الوطنى الكبير الذى قام به.



هذه المدرسة ليست جديدة فى الكتابات التاريخية. سواء عند العرب والمسلمين الذين كتب بعضهم التاريخ متأثرا بتحيزاته العرقية أو المذهبية، حدث ذلك أيضا مع الغربيين أنفسهم خصوصا فى تسجيل بعضهم لسنوات اجتياحهم لبلدان آسيا وأفريقيا فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، الذى وصفوه بأنه استعمار من العمران بينما وصفه المفكر الجزائرى مالك بن بنى بأنه «استحمار».



أختم بملاحظتين: أولاهما أننا فشلنا فى التصالح مع بعضنا البعض، ولا أقل من أن نتصالح مع تاريخنا على الأقل فيما يتعلق بجيلنا. والأمل معقود على الأجيال الجديدة من مختلف التيارات السياسية أن تتقدم إلى الساحة متطهرة من مرارات الماضى ورواسبه. عساها تنجح فيما فشلنا فيه. أما الملاحظة الثانية فهى أننى حاولت أن أكون منصفا مع الرئيس السابق حسنى مبارك، وأنفقت وقتا غير قصير فى البحث عن صفحات بيضاء له، لكننى لم أجد، وبعدما ضاقت بى السبل صرت بحاجة إلى «صديق» يرشدنى، ولم أجد بين الذين أعرفهم أحدا قادرا على أن يقوم بالمهمة!

جريدة الشروق المصرية
السبت 20 ذي القعدة 1433
6 اكتوبر 2012

mohamed5175
07-10-2012, 11:54 AM
لم أفهم، ولا أحد ممن أعرفه فهم، لماذا قررت مصر هدم الأنفاق التى تصل بين غزة وسيناء، فى خطوة مفاجئة لم يلجأ إليها نظام مبارك. أدرى أن المتحدث بالقوات المسلحة أعلن فى مؤتمر صحفى عقده يوم 2/10 أن تلك الخطوة تمت لاعتبارات تتعلق بحماية الأمن القومى المصرى، وهو اعتبار مهم لا ريب، لكن الكلام يظل ناقصا وغير مقنع ما لم يذكر لنا المتحدث الرسمى شيئا من مظاهر أو قرائن تهديد الأمن القومى التى سببتها تلك الأنفاق.



هل كانت مصدرا لتهريب السلاح إلى مصر، أو معبرا يستخدمه الإرهابيون والمتطرفون أو طريقا يسلكه مهربو المخدرات على الجانبين. وهل ثبت ذلك فى قضايا مرفوعة أو تحريات موثوقة؟



أدرى أن الأبواق الإعلامية قالت شيئا من ذلك القبيل، لكن هناك فرقا بين استنتاج البعض وتخميناتهم وبين المعلومات الرسمية التى تعلن بناء على تحريات تمت أو تحقيقات جرت أو اعترافات أدلى بها البعض وأحكام أعلن فيها القضاء الحقيقة، ولكن أن يطلق التصريح هكذا فى الفضاء، ثم يترك لمن يهمهم الأمر أن يجتهدوا من جانبهم فى التعرف على خلفيته، فذلك مما لا يليق بثورة أطاحت بكنز إسرائيل الاستراتيجى، ونظامه. وهو ما لا يستقيم فى ظل رئاسة لها خلفيتها الإخوانية، التى ظن كثيرون أنها ستكون أكثر انصافا للفلسطينيين وأكثر تفهما لاحتياجات أهل القطاع المحاصرين. بل توقع البعض أن الرئيس المصرى سيعمل على فتح ممر رفح للتخفيف من عذابات المحاصرين فى غزة، وما خطر ببالهم أن حكومة الثورة يمكن أن تلجأ إلى إحكام الحصار على القطاع، ومن ثم إلى زيادة تعاستهم ومضاعفة عذاباتهم.



لا يقل لى أحد إن الأنفاق غير مشروعة، فذلك أفهمه جيدا، لأنها لم تكن سوى ضرورة لجأ إليها الفلسطينيون للتخفيف من آثار حصار غير مشروع، يستهدف خنقهم وتركيعهم. إن شئت نقل إن الأنفاق تعد مجرد «مخالفة» فى حين أن الحصار جناية كبرى، إذا اعتمدنا التوصيف القانونى. أو هى مفسدة صغرى أريد بها تجنب مذلة المفسدة الكبرى المتمثلة فى الحصار.



معلوماتى أن أهل غزة ليسوا سعداء بالأنفاق التى قتل بسببها أكثر من ١٥٠ شخصا، إما صعقا بالكهرباء أو بسبب الاختناقات والانهيارات. لكنها كانت مجرد وسيلة للتنفس تفهمها النظام السابق أغلب الوقت، فغض الطرف عنها سواء لأنها تستبعد احتمال انفجار الموقف فى القطاع، أو لإدراكه أنها تلبى احيتاجات أهله فضلا عن أنها لا تشكل تهديدا حقيقيا للأمن القومى المصرى، ولو أنه شك فى ذلك فى أى لحظة للجأ إلى تدميرها، خصوصا أن تعاطفه مع الإسرائيليين كان أكثر.



معلوماتى أيضا أن الأنفاق استخدمت طول الوقت لتلبية احتياجات القطاع من مواد البناء والوقود والسلع الاستهلاكية العادية. وإذا كان هناك تهريب للسيارات أو تسلل لبعض الأفراد، فذلك أمر مفهوم ويظل فى الحدود التى تمارس داخل مصر ذاتها، فضلا عن أنها من الشرور الذى يمكن التعاون على التصدى لها وإيقافها.



بعد الإغلاق أو التدمير التى تم (104 أنفاق أغلقت حتى الآن) ارتفعت الأسعار داخل القطاع. وقد قيل لى إن طن الحصوة التى تستخدم فى البناء لتعويض الخراب الذى خلفه الاجتياح الإسرائيلى تضاعف تقريبا، فارتفع ثمنه من 80 إلى 150 شيكل وهو ما حدث أيضا للتر البنزين، علما بأن الإسرائيليين كانوا يبتزون الفلسطينيين ويبيعون لهم لتر البنزين بنحو 80 شيكل، إلى 2.50 دولار، فى حين أنهم كانوا يشترونه من مصر بسعر 30 شيكل للتر، أى بما يقل عن دولار واحد.



إزاء الغموض الذى أحاط بالقرار المصرى، فلعلنا لا نذهب بعيدا إذا أرجعناه إلى عاملين، الأول أن الأجهزة الأمنية المصرية اعتادت أن تغطى فشلها فى بعض الأحيان باللجوء إلى توجيه الاتهام إلى الفلسطينيين. وهو ما حدث فى جريمة تفجير كنيسة القديسيين بالإسكندرية، وفى فتح السجون المصرية بعد الثورة، وفى اتهامهم بإطلاق النار على المتظاهرين فى ميدان التحرير. وربما لجأت تلك الأجهزة إلى الأسلوب ذاته أخيرا فى التعامل مع قتل 16 جنديا مصريا فى رفح.



العامل الثانى يتمثل فى أن الأجهزة التى كانت تنفذ سياسة النظام السابق وتعد التقارير التى ترفع إلى المراجع العليا لا تزال هى لم تتغير، وكل الذى تبدل هو قياداتها فقط. ولكن أساليبها تحتاج إلى وقت لكى تتغير. وأغلب الظن أن قرار هدم الأنفاق لم يتخذ الآن ضوء تقارير تلك الأجهزة.



أفهم أن بعض القياديين الفلسطينيين فى القطاع رفعوا سقف توقعاتهم بعد فوز الدكتور محمد مرسى بالرئاسة. ولم ينتبهوا بشكل كاف إلى حساسيات وتعقيدات الموقف المصرى إزاء الموضوع الفلسطينى فى ظل معاهدة السلام وتعهدات الرئيسين السادات ومبارك للأمريكيين والإسرائيليين، وعلى هؤلاء أن يخفضوا من سقف توقعاتهم، حتى إشعار آخر على الأقل، لكننى أفهم أيضا أن التفكير الاستراتيجى فى بلد كبير مثل مصر، يجب أن يضع اعتبارات الأمن القومى فى المقام الأول، وألا يتجاهل الاحتياجات الاقتصادية للقطاع، بحيث يتعين عليه أن يضعها فى المقام الثانى، علما بأن الاعتبارين لا يتعارضان مع المنظور الوطنى النزيه. إن مصر الثورة إذا أرادت أن تستعيد مكانتها ينبغى أن تفكر بطريقة أخرى فى التعامل مع محيطها.


جريدة الشروق المصرية
الاحد 21 ذي القعدة 1433
7 اكتوبر 2012

mohamed5175
08-10-2012, 11:27 AM
تواجه الحكومة المصرية مأزقا يصعب الخروج منه بأمان فى ظل سياساتها الراهنة. ذلك أنها فى مواجهة الأزمة الاقتصادية الكبيرة التى تعانى منها لأسباب باتت معلومة للكافة، قد تكون مضطرة لاتخاذ إجراءات تحمل الناس بعض الأعباء وتزيد من معاناتهم، وبطبيعة الحال فإن ذلك لن يلقى ترحيبا من القواعد الشعبية، الأمر الذى يرجح له أن يؤثر سلبا على موقف حزب الحرية والعدالة فى الانتخابات التشريعية المقبلة. وهو ما يعنى أنها باتت مخيرة بين أمرين: فإما أن تصدر القرارات التى تفقدها الشعبية لكى تنجح فى تجاوز الأزمة الاقتصادية، وإما أن تؤجل اتخاذ تلك القرارات وتجمد الأزمة عند معدلاتها الراهنة أملا فى أن يمكنها ذلك من النجاح فى الانتخابات. كأننا بإزاء موقف يخير فيه الرئيس بين مصلحة الوطن فى التعامل مع الأزمة الاقتصادية وبين مصلحة الجماعة فى الحفاظ على أغلبيتها النيابية.

إننا نقرأ بين الحين والآخر أخبارا تنشرها الصحف عن مقترحات لرفع الدعم عن بعض أصناف البنزين، وعن زيادة فى أسعار استهلاك المياه والكهرباء، وزيادة أخرى فى أسعار المكالمات الهاتفية. ورغم أن التصريحات الرسمية تحرص فى كل مرة على أن تؤكد على أن الزيادات المقترحة لن تمس محدودى الدخل، إلا أنه من المرجح أن أية زيادات سوف تشيع مناخا مؤديا لارتفاع الأسعار سيشكل ضغوطا على مختلف فئات الشعب. وفى الوقت الذى تلوح فيه الحكومة بتلك الزيادات فإن الشارع المصرى يحفل بالوقفات الاحتجاجية التى تطالب بزيادة الأجور، الأمر الذى يتعذر الاستجابة إليه وإرضاء الجميع فى ظل أية حسابات اقتصادية رشيدة. وفى هذه الحالة فإن زيادة الأسعار ستغضب قطاعات من الناس، وعدم الاستجابة للزيادة فى الأجور ستغضب قطاعات أخرى. وإذا أضفت إلى ذلك الغارات التى لا تتوقف عن شنها بعض القوى السياسية والمثقفين المناهضين ضد الحكومة، وحملات التشهير اليومية التى تبثها وسائل الإعلام المختلفة، فسوف يتأكد لديك أن مستقبل شعبية الرئيس والحكومة فى خطر محقق.

إذا حاولنا تحليل الأزمة وتفكيك عناصرها فسنجد أنها نشأت أساسا من عدم مصارحة الحكومة الجماهير بحقائق الوضع الاقتصادى من البداية، والإحجام عن مطالبة المجتمع بتحمل مسئوليته إزاءها. إضافة إلى تردد الحكومة وتراجعها المبكر فى التعامل مع إضرابات واحتجاجات الفئات المختلفة المطالبة بزيادة الأجور والتثبيت فى الوظائف. وهو ما أدى إلى تحميل الميزانية عجزا قدره 12 مليار جنيه فى موازنة السنة المالية الأخيرة.

لست ألوم الناس، فقد طالبوا بحقوقهم وسعوا إلى رفع الظلم الواقع عليهم. وأزعم أن صمت الحكومة وضعف موقفها أمام المتظاهرين رفع من سقف توقعات المطالبين بزيادة الأجور والتثبيت فى الوظائف. إذ لم تصلهم رسالة التنبيه إلى أن ثمة أزمة خانقة، وأن من شأن الاستجابة لمطالباتهم أن تتعقد الأزمة ويزداد الخناق ويستحكم.

فى وقت مبكر طالبت الرئيس محمد مرسى بأن يصدمنا ولا يجاملنا، وأكثر من مرة ذكَّرت الجميع بما قاله ونستون تشرشل حين كلف برئاسة الحكومة أثناء الحرب العالمية الثانية، فقال للإنجليز: أعدكم بالدم والدموع والعرق قبل أن يتحقق النصر المنشود. وبكلامه ذاك فإنه قطع الطرق على أحلام البعض وخفض من سقف توقعاتهم، وطالبهم بأن يضحوا وأن يسهموا بنصيبهم فى المواجهة، إذا ما أرادوا أن تنتصر بلادهم وتحتفظ بكرامتها وكبريائها.

أزعم أن الفرصة لاتزال قائمة للخروج من المأزق. وإذا كان الأمر صعبا فهو ليس مستحيلا. إذ نحن بصدد موقف يصدق فيه قول من قال بأنك إذا أتيت متأخرا أفضل من ألا تأتى أبدا. وأدرى أن الأمر محسوم من وجهة النظر الوطنية، حيث لا مجال للمفاضلة بين مصلحة الجماعة وبين مصلحة الوطن، باعتبار أن أولوية مصلحة الوطن ليست مطروحة للاجتهاد أو المناقشة. مع ذلك فإن التوفيق بين المصلحتين لايزال ممكنا، خصوصا أن الانتخابات يفترض أن تجرى بعد أربعة أشهر تقريبا، إذا تم الانتهاء من وضع الدستور خلال شهر نوفمبر المقبل. فإذا سارعت الحكومة إلى مكاشفة الرأى العام وإعطاء الجماهير صورة حقيقية للوضع الاقتصادى. وفى نفس الوقت قدمت تصورا لما ينبغى أن تفعله أو تتخذه من إجراءات لمعالجة ذلك الوضع، فى هذه الحالة يمكن أن تكسب ثقة الناس واحترامهم، الأمر الذى يسمح باعذارها ولا يفقدها أصوات الأغلبية فى الانتخابات.

إن التحرك الشفاف والشجاع مطلوب بسرعة، لأن الوقت ليس فى صالح الحكومة ولا فى صالح الإخوان. والأهم من هذا وذاك أنه أيضا ليس فى صالح الوطن.


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 22 ذي القعدة 1433
8 اكتوبر 2012

mohamed5175
09-10-2012, 11:42 AM
خطاب الرئيس محمد مرسى الأخير يحتمل قراءتين، إحداهما تعطيه تقدير جيد، والثانية تمرره بدرجة مقبول، ومعلوم أن الاثنين من درجات النجاح.


(1)

طيلة السنوات التى خلت كان خطاب الرئيس ــ حتى قبل أن نسمعه ــ لابد أن يكون «تاريخيا». أما بعد إلقائه ــ ودون أن نقرأه ــ فهو يغدو دليل عمل للمرحلة وخارطة طريق للمستقبل ونبراسا يضىء الطريق للأجيال القادمة. وحين تتناقل وكالات الأنباء فقرات منه فإن صحف اليوم التالى لا تكف عن التهليل محتفية بالأصداء العالمية لخطاب الرئيس الذى تلقن كلماته زعماء العالم دروسا فى الحكمة وبعد النظر.

بعد الثورة صار بوسعنا أن نأخذ راحتنا فى تقييم كلام الرئيس، كما أن الصحف ما عادت مضطرة إلى نشر نصه كاملا وما عاد تلاميذ المدارس مضطرين إلى ترديد فقراته ضمن نشيد الصباح. وأظن أن رؤساء تحرير الصحف سوف يستحون من تنظيم مظاهرة التهليل له، حتى إذا انخرطوا ضمن «زفَّة» الأخونة!

بوسعنا أن نقول للرئيس إنك أطلت فى خطابك، وأن نصفه الأول الذى استغرق نحو الساعة كان يمكن أن يختصر فى عشر دقائق، وأن الكلام المفيد كان فى نصفه الثانى ولا نجد حرجا فى تذكيره بقول من قال إن كثرة الكلام ينسى بعضه بعضا ومن قال بإن خير الكلام ما قل ودل. لكننا ندخل بذلك فى دائرة التقييم التى تميز فى كيفية قراءة الخطاب بين ما هو شعبى وما هو نخبوى، أعنى بين مخاطبة الرئيس لجماهير الشعب فى مناسبة وطنية وقومية عامة، وبين خطاب رجل الدولة الموجه إلى السياسين والمثقفين فى مناسبة قومية أو ثقافية.

حين نشرت الصحف يوم الأحد الماضى (7/10) خلاصة لخطاب الرئيس فإنها نقلت عن بوابة الحكومة الإلكترونية (الرسمية) خبرا له دلالته العميقة تضمن بيانات عن مخالفات المرور التى قيدت للوزراء فى الفترة الأخيرة (لا تنس أن عمر الحكومة لا يتجاوز شهرين). وفهمنا من الخبر أن جملة الغرامات المفروضة على الوزراء بلغ 23229 جنيها، منها 3269 جنيها غرامة محسوبة على سيارة رئيس الوزراء و4403 جنيهات غرامة مقدرة على سيارة حراسته. لم نقرأ شيئا عن مخالفات سيارة الرئيس وسيارات الحراسة الخاصة به، لكننا لن نفاجأ إذا ما قرأنا شيئا من ذلك على موقع «مرسى ميتر» الذى تخصص فى متابعة أداء الرئيس وقياس وفائه بالوعود التى أخذها على نفسه منذ ترشح لمنصبه.


(2)



حين قلت إن خطابه يمكن أن يعطى تقدير «جيد»، وهو ما وافقنى عليه بعض المخضرمين والخبراء، فقد كان فى ذهنى أنه يستحق ذلك من وجهة النظر الجماهيرية والشعبية. فالجماهير تحب الاسترسال وترحب بالاستشهاد بالنصوص والمصطلحات ذات الصلة بالمشاعر الإيمانية، وهى تستريح إلى اللغة التصالحية التى اتسم بها خطابه، والتى حرصت على إزالة الالتباس وتصريف الاحتقان، وكان ذلك واضحا فى إشادته أكثر من مرة بالجيش والشرطة وإعطاء الجيش وقياداته جرعة متميزة، قدرت جهود المجلس العسكرى فى الفترة الانتقالية ووفائه بعهده، وأشارت إلى صبره على العنت الذى أصابه من جانب وسائل الإعلام.

ورغم أن الدعوة لم توجه إلى رئيس المجلس العسكرى السابق المشير محمد حسين طنطاوى ونائبه ورئيس الأركان السابق الفريق سامى عنان، فقد حرص الرئيس على أن يؤكد ضمنا أن إخراج المجلس العسكرى من المشهد لم يؤثر على اعتزازه بالجيش وتكريمه له. ولم تكن تلك هى الرسالة الوحيدة التى ذكرها أحد ذوى الصلة بالمراجع العليا. لأن الرئيس حرص فى خطابه المطول على رسائل أخرى منها أنه يعتمد على شرعية شعبية تقوم على الثقة فى الناس والاطمئنان إلى التفافهم حوله.. وهو ما دفعه إلى الطواف فى الاستاد فى سيارة مكشوفة حيا منها الجميع، وقد ارتدى ثيابا عادية دون ربطة عنق، بل ودون حراسة مكثفة، وهو ما لم يفعله الرئيس السابق طوال 30 سنة.

الرسالة الأخرى التى أراد أن يوجهها الرئيس فى خطابه هى أنه يعيش مشاكل الناس ويتابع مصالحهم من خلال المعلومات التى ذكرها عن التلاعب فى أسعار البوتاجاز ودقيق الخبر والملابسات التى تحيط بمشكلات المرور وغير ذلك.

ثمة رسالة ثالثة حرص الرئيس على توجيهها خلاصتها أن دائرة الفساد أوسع مما يظن كثيرون وأن معركة النظام والحكومة ضد رموزه ومظاهره طويلة. وليس ذلك كل ما فى الأمر لأن الفساد أثر فى السلوك الاجتماعى، بحيث أصبحت بعض القيم السلبية التى سادت فى المجتمع بحاجة إلى مراجعة. وقد ضرب لذلك مثلا بتحرير مليون ونصف مليون مخالفة خلال ثلاثة أشهر، بمعدل نصف مليون مخالفة فى الشهر، منها 600 ألف مخالفة قيادة للسيارات عكس الاتجاه.

لقد تحدث الرئيس عن تلاعب بعض المستثمرين وتضييعهم ما يعادل مائة مليار جنيه حقوقا للدولة هى قيمة الأراضى التى اختطفوها والحيل التى اتبعوها لتحويل الأراضى المباعة للاستصلاح الزراعى إلى قطع للبناء أقيمت عليها عمارات بيعت للناس بأسعار باهظة. وفى الوقت نفسه تحدث عن نفسه وأنه يسكن فى طابق مستأجر بالحى الخامس فى أطراف القاهرة (لم يذكر أنه يشغل المكان منذ قبل انتخابه رئيسا ويدفع إيجارا شهريا بقيمة ثلاثة آلاف جنيه.

انتهز الرئيس فرصة تزامن ذكرى 6 أكتوبر مع قرب نهاية المائة اليوم التى تحدث عنها عند ترشحه وعدد خمسة مجالات للإنجاز فيها (الأمن والمرور والخبز والنظافة والوقود)، وعرض ما تحقق فى تلك المجالات (المدة انتهت أمس الاثنين 8/10). ونجح فى إعطاء الانطباع بأن المشكلات كبيرة ومعقدة، رغم تحقق الكثير فى حل بعضها، ومن ثم أقنع سامعيه بأن القضاء عليها يحتاج إلى وقت طويل كما يحتاج إلى تعاون المجتمع فى ذلك. وكأنه أراد أن يقول إن المائة يوم لم تكن للقضاء على المشكلات، ولكن للشروع فى التعامل الجاد معها.

من هذه الزاوية أزعم أن الرئيس نجح فى مخاطبة الجماهير والتعامل معها، ومن ثم استحق التقدير الذى سبقت الإشارة إليه، إلا أن الأمر يختلف والتقدير كذلك إذا أجرينا تقييما للخطاب من وجهة النظر النخبوية والسياسية.


(3)



طول الخطاب ليس فضيلة من الناحية السياسية، وإنما هو مصدر للاستياء والملل. ومن الملاحظات المهمة عليه من هذه الزاوية أن الرئيس استغرق فى التفاصيل وقدم نفسه ولم يقدم مشروعه. صحيح أنه تحدث عن إلغاء الدعم المقدم لصنف راق من البنزين، كما تحدث عن ضرورة أن يسدد الأثرياء الضرائب المفروضة عليهم، ولكنه لم يحدثنا عن رؤيته الاقتصادية للمستقبل، علما بأنه سكت عن معاناة قطاع الصناعة ومشكلات الزراعة وتوقف العمل فى قطاع التشييد، الأمر الذى يعنى أن عجلة الإنتاج تحتاج إلى دفعة قوية تنطلق من رؤية استراتيجية واعية، كان الرئيس حدثنا عن الأمور الفرعية والتكتيكية ولم يتطرق إلى ما هو كلى واستراتيجى.

من الملاحظات الأخرى أن خطاب الرئيس كان دفاعيا بأكثر منه مبادرا، وأنه خاطب ناقديه بأكثر مما خاطب عقول مؤيديه والكتل الكبيرة التى تنتظر بين المؤيدين والمعارضين. كأنه أراد أن يرد على السلفيين فى مسألة الحل والحرمة التى أثيرت بخصوص قرض البنك الدولى، وكأنه أراد أن يرد على الانتقادات التى وجهها إليه بعض الصحفيين حين تحدث على وضع مسكنه وحراسه وتكلفة مرافقيه فى السفر، حين ذكر أن الواحد منهم لا يتقاضى بدل سفر أكثر من 68 دولارا فى اليوم، ثم أنه لم يكن مضطرا لأن يذكر أنه خلال 95 يوما فى السلطة، أمضى 9 أيام فقط خارج القاهرة.

هذا الخطاب الدفاعى أهدر فرصة الكلام عن النهضة المنشودة فى المستقبل، خصوصا أنه حاصر الرئيس فى الكلام من الشأن الداخلى وأبعده عن الشأن الخارجى والمحيط العربى، صحيح أنه تعرض إلى الشأن الفلسطينى من زاوية علاقة قطاع غزة بسيناء، كما أعرب عن تضامن مصر مع الشعب السورى فى ثورته، إلا أنه سكت عن كل ما عدا ذلك. وهذه نقطة تحسب عليه لأن حرب 6 أكتوبر لم تعد لمصر عزتها وكبرياءها فحسب، ولكنها ردت للعرب اعتبارهم أيضا، وفتحت الباب لاستعادة مصر لدورها فى موقع القيادة من العالم العربى، وهو ما قصّر فيه الرئيس السابق حقا حين ذهب بعيدا فى موالاته لإسرائيل وارتمائه فى أحضان الأمريكان. لذلك فقد كان من المناسب أن يستثمر الرئيس مرسى الفرصة لكى يعلن عن موقف مصر إزاء ما يجرى فى المحيط العربى، خصوصا أن المنطقة تموج الآن بعواصف توحى بأننا بصدد الدخول فى طور إعادة تشكيل خرائط الشرق الأوسط. حيث لا نعرف بالضبط ما الذى سيحدث بعد سقوط النظام السورى، وتأثير ذلك فى لبنان والعراق ونصيب إيران منه. ولا يعرف إلى أين يمكن أن تذهب عمليات التصعيد العسكرى الحذر بين سوريا وتركيا. ولا مفر من أن تؤخذ على محمل الجد التحضيرات الإسرائيلية لتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، وكذلك المناورات الحاصلة فى مضيق هرمز والتى تشارك فيها 27 دولة، بينها السعودية والإمارات، تحسبا لاحتمالات إغلاق المضيق التى هددت بها طهران فى حالة تعرضها للعدوان.

مثل هذه الأجواء المنذرة بالكثير لا أشك فى أن أصداءها وصلت إلى مسامع الرئاسة المصرية، وما كان ينبغى تجاهلها فى مناسبة مهمة مثل ذكرى 6 أكتوبر.


(4)



لست من أنصار التسرع فى إصدار أحكام على الرئيس مرسى، الذى أتصور أنه يحمل عبئا يفوق طاقة البشر، جراء تعامله مع أنقاض النظام السابق، وفى أجواء ضاغطة وأحيانا معادية من جانب أغلب وسائل الإعلام وبعض القوى السياسية، ناهيك عن أصابع وعناصر الدولة العميقة المنتشرة فى العديد من مؤسسات الدولة، وبعضها أصبح يعمل من وراء الحدود بتشجيع ورعاية من جانب أطراف خاصمت الثورة وآثار الربيع العربى قلقها وامتعاضها. حتى أزعم أن الرئيس والحكومة ومن لف لفهم يسبحون ضد تيار عريض يصرّ على إجهاص الثورة وإفشال التجربة.

ولئن كان إصدار الأحكام لا يخلو من تعنت وتربص وربما سوء نية. إلا أن مراقبة الرئيس بنقده وتصويب مسيرته يظل فرض عين على كل وطنى غيور على بلده. من هذه الزاوية فإن الرئيس مرسى وفريقه ينبغى عليهم أن يدركوا أن الثورة حين أتت بهم فإنها هدمت هالة القدسية التى ظلت تحيط بالحاكم فى الماضى، ثم أنها أشاعت جوا من الحرية والديمقراطية له ضريبته واجبة الدفع. واحتمال النقد وقسوته أحيانا جزء من تلك الضريبة. لذلك تمنيت أن يتحلى أهل الحكم بسعة الصدر التى تمكنهم من التعامل مع النقد الذى تحفل به وسائل الإعلام باعتباره من قبيل سداد فاتورة الديمقراطية الجديدة علينا وعليهم.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 23 ذي القعدة 1433
9 اكتوبر 2012

mohamed5175
10-10-2012, 11:21 AM
حين استقلت تونس فى عام 1956، وتولى السلطة فيها الحبيب بورقيبة، فإن الرجل قرر علمنة المجتمع ودخل فى اشتباك مع الثقافة والتقاليد الإسلامية السائدة. فدعا إلى نزع حجاب المرأة والإفطار فى شهر رمضان، وألغى تعدد الزوجات وعطلة الجمعة وصفى جامعة الزيتونة. ولم يكتف بذلك وإنما عمد إلى تصفية أقرانه والتخلص منهم واحدا تلو الآخر.



ولم يكتف بلقب المجاهد الأكبر وإنما تحول إلى الزعيم الأوحد والمستبد الأعظم. وعلى دربه سار خليفته زين العابدين بن على الذى انقلب عليه فى عام 1987، فظل رافعا راية العلمانية ولم يتخل عن خصومته للثقافة الإسلامية، وتفوق عليه فى استبداده حتى أطاحت به الثورة فى العام الماضى.



قبل بورقيبة كان مصطفى كامل أتاتورك وصحبه قد فعلوها فى تركيا. إذ باسم العلمانية أعلنت الحرب على الثقافة الإسلامية وقام العسكر بثلاثة انقلابات كرست تحكمهم فى مقدرات تركيا، وفى الأول منها (عام 1961) تم شنق رئيس الوزراء عدنان مندريس ومعه وزيرا المالية والخارجية.



سواء كانت علمانية النظام مشهرة، كما فى النموذجين السابقين، أو غير معلنة كما فى حالة صدام حسين وحافظ الأسد وابنه بشار أو حسنى مبارك، فالشاهد أنها لم ترتبط فى خبرة العالم العربى بالديمقراطية. وفى الحالة التركية فإن النظام العلمانى المهيمن لم يعرف ديمقراطية حقيقية إلا فى ظل حزب العدالة والتنمية ذى المرجعية الإسلامية، الذى تولى السلطة فى عام 2002.



رغم هذه الخلفية التى يدركها أى باحث مبتدئ، فإن بين مثقفينا من لايزال يغمض عينيه ويتجاهل خبرة التاريخ، ويصر على أنه لا ديمقراطية بغير علمانية، بل ويذهب إلى أنه لا سبيل إلى إقامة مجتمع مدنى إلا فى ظل العلمانية. الأمر الذى يضعنا بإزاء موقف فكرى يدعو إلى الرثاء. ذلك أن إخواننا هؤلاء يصرون على إقناعنا بأن العلمانية هى الممثل الشرعى الوحيد لكل الفصائل السياسية. فى إيماء مبطن بأن العلمانيين هم أخيار العالم وكل من عداهم أشرار يتعين الخلاص منهم وإقصاءهم.



أفهم أن العلمانية رؤية للعالم تعترف بالمحسوس ولها حساسيتها إزاء ما هو غيبى، فتضعفه عند البعض وتقصيه وتعاديه عند البعض الآخر. لذلك فهناك علمانية متصالحة مع الدين كما فى إنجلترا (الملكة هى رئيس الكنيسة) وأخرى مخاصمة للدين كما فى فرنسا. أفهم أيضا أن تلك الرؤية تحتمل تصالحا مع الديمقراطية فى بعض الحالات وتحتمل نقيض ذلك تماما فى حالات أخرى من قبيل ما سبق ذكره. والحاصل مع الديمقراطية يسرى على مدنية المجتمع، التى قد تحترم قيمتها فى بعض التطبيقات وقد تهدر ويطاح بها فى تطبيقات أخرى. وهو ما نقوله أيضا عن القيم الإسلامية التى يمكن أن توظف لصالح المجتمع كما يمكن أن تستخدم فى الانقلاب عليه. وتزعم أن الجهد ينبغى أن ينصرف إلى تحصين القيم وليس رفضها، لكى تظل طاقتها الإيجابية فى خدمة المجتمع ولصالحه.



هذا المنطق يرفضه غلاة العلمانية الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم الوكلاء الحصريين للديمقراطية والمدنية. وقد ذكرت فى مقام سابق أنهم يستنسخون بذلك مفهوم الفرقة الناجية الجامعة لفضائل التطهر السياسى، فى اقتباس لفكرة الفرقة الناجية بين بعض غلاة المتدينين.



ما دعانى إلى العودة إلى مناقشة الفكرة أننى وقعت على مقالة عبرت عن ذلك الغلو العلمانى، نشرتها جريدة الأهرام يوم الأربعاء الماضى (3/10) تحت عنوان هو: مدنية أى علمانية أى ديمقراطية. ولم يكن أسوأ ما فى المقالة ما حفلت به من تدليس فكرى يستهجنه العقل الرشيد، وإنما عمد صاحبها إلى التغليظ والتزوير فى المعلومات أيضا. إذ بعد هتافه للعلمانية عمد إلى هجاء الموقف الإسلامى، فقرر أن «المفكرين المسلمين جميعا يعتقدون أن سلطة الحاكم فى الدنيا مستمدة من الله، وأنه بمثابة الأب للرعية التى لا وجود لها إلا بوجوده». وقد بين ذلك الحكم استنادا إلى نص عن الفارابى (الفيلسوف المسلم الذى عاش فى القرن التاسع الميلادى) ذكر فيه ما نصه «إن السبب الأول (لله) نسبته إلى سائر الموجودات كنسبه ملك المدينة الفاضلة إلى سائر أجزائها». وأى قارئ لكلام الفارابى يكتشف أن الكاتب لم يفهم مقصوده وتلاعب فى استنتاجه. فالرجل يعتبر أن الفيلسوف هو ملك المدينة الفاضلة وهو أدرى من غيره بالنظام الذى وضعه خالق العالم، وأنه يملك الحكمة التى تمكنه من أن يضع شرائع المدينة الفاضلة، كى تحاكى نظام العالم المثالى الذى وضعه الرب الصانع. وذلك معنى أبعد ما يكون عن ذلك الذى خلص إليه صاحبنا، حين تصور أن ملك المدينة الفاضلة هو حاكمها، فى حين أن الفارابى كان يتحدث عن الفيلسوف وعن النموذج الأعلى المتمثل فى المدينة الفاضلة.



إن الغلو لا يعمى البصر فقط لكنه يفسد البصيرة أيضا.


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 24 ذي القعدة 1433
10 اكتوبر 2012

mohamed5175
11-10-2012, 11:44 AM
شىء جيد أن تخاطبنا الحكومة فى مصر، لكننا لا نرد منها أن تكتفى بأن تبثنا همها، لأن المجتمع بدوره لديه همومه الذى يريد أن يوصلها إلى مسامع الحكومة. صحيح أن التشخيص مهم للغاية، لكنه يظل منقوصا إذا لم يستتبع بالبحث عن سبل العلاج. أقول ذلك بعدما تابعت فى الصحف المصرية أمس عروضا لما تحدث به رئيس الوزراء ووزير التخطيط فى لقائهما مع رؤساء تحرير الصحف. وكان أهم ما فى ذلك اللقاء أن الدكتور هشام قنديل صرح فى الاجتماع بأن عجز الموازنة بلغ حتى نهاية شهر يونيو الماضى 170 مليار جنيه، وإن ذلك رقم كبير ينذر بالخطر. والمطلوب الآن هو البحث عن إجراءات تتخذها الحكومة لمواجهة العجز. إضافة إلى البحث عن استثمارات جديدة. فى هذا السياق قال أن الزيارات التى قام بها إلى الخارج وكذلك زيارات رئيس الجمهورية أكدت أن هناك دولا جادة فى مسألة الاستثمار.

ما قاله رئيس الوزراء أيده فيه وزير التخطيط، واستفاض فى شرح تفصيلات الأزمة، حين تحدث عن معدلات الفقر والبطالة ومشكلات الدعم وما إلى ذلك. وإذ أكرر أن مخاطبة الحكومة للرأى العام تعد خطوة جيدة أرجو أن تصبح سياسة متبعة وليست مجرد إجراءً استثنائيا، إلا أنه لى ثلاث ملاحظات على ما نشر فى اللقاء أوجزها فيما يلى:

● إن اللقاء لم يتسم بالصراحة الكافية، وبدا فيه التردد واضحا فى عدة نقاط. فرئيس الوزراء تحدث مثلا عن أنه تم إنشاء 703 شركات جديدة، لكنه لم يذكر أن 1500 مصنع أغلقت منذ قامت الثورة، وهو ما يتجاوز ضعف الشركات الجديدة التى لا جدال فى أنها تستحق الترحيب والتشجيع. إلا أن التصدى لملف المصانع التى أغلقت لا يقل عن ذلك أهمية بل قد يزيد. قال رئيس الوزراء أيضا إن الطريق البرى بين مصر والسودان سوف يفتح قريبا، وهو ما ستكون له آثاره الاقتصادية الكبيرة فما خص علاقات البلدين، إلا أن مبلغ علمى أن الطريق جاهز منذ مدة، ولكن ما يعطل افتتاحه هو الاتفاق على حل مشكلة مثلث حلايب الذى هو محل تنازع بين القاهرة والخرطوم، وقد اقترح السودانيون له أن تحول إلى منطقة تجارة مشتركة بين البلدين، ولم يعرف بعد مصير الاقتراح.

● إن رئيس الحكومة عوَّل على أمرين لمواجهة الأزمة الاقتصادية، أولهما إجراءات الحكومة وثانيهما الاستثمارات الخارجية، وأسقط من الحسبان دور المجتمع ومسئوليته، الذى أتصور أنه لا يقل أهمية عن إجراءات الحكومة وأكثر أهمية من الاستثمارات الخارجية. حتى أزعم أنه إذا لم تستنهض همة المجتمع وتدور عجلة الإنتاج فى الداخل فإن الاستثمارات الخارجية لن تأتى. والمشكلة هنا ليست فى أن رئيس الوزراء أغفل هذا العنصر، ولكنها أكبر من ذلك بكثير، لأن ذلك الاغفال يكشف عن الكيفية التى تفكر بها الحكومة فى التعامل مع الأزمة الاقتصادية، والتى تقوم على فكرة إجراءات السلطة مع مد اليد إلى الخارج، ولا تراهن على قدرات الداخل بخبراته وإمكانياته وإبداعاته.

● إن رئيس الحكومة لم يقدم لنا تصورا لإجراءات الحكومية، وهل ستكون مقصورة على رفع الدعم على بعض السلع وزيادة أسعار المياه والكهرباء والمكالمات الهاتفية، أم أن لديها تصورا لإجراءات خفض نفقاتها، واستعادة الأموال المنهوبة واستحقاقات الضرائب المتأخرة (هذه الموارد قدرها الرئيس مرسى بمبلغ 100 مليار جنيه فى خطبة يوم 6 أكتوبر)، وإعادة النظر فى الحد الأقصى للدخول وفى مصير أموال الصناديق الخاصة، وهى موارد هائلة ينبغى الاستعانة بها قبل الإقدام على زيادة الأسعار ومضاعفة الأعباء المالية التى يتحملها الفقراء.

قرأت قبل أيام أن الرئيس الفرنسى فرانسوا هولاند وضع خطة لتقليل نفقات القصر الرئاسى بنحو 5 ملايين يورو، تخصم من مخصصات العاملين ونفقات تنقلات الرئيس ومصروفات القصر، كما سيتم خصم مليون يورو من نفقات التجهيزات والترميمات التى تجرى سنويا للقصر (لدينا 53 قصرا تابعة للرئاسة وسمعت من الدكتور كمال الجنزورى أنه حين كان رئيسا للوزراء فى عهد مبارك رفض التوقيع على مذكرة لرئيس الديوان زكريا عزمى طلب فيها اعتماد 60 مليون جنيه لترميم أحد تلك القصور).

هذا الذى ذكرته مجرد نموذج للكيفية التى تخاطب به السلطة المجتمع حين تدعوه إلى الاقتصاد والتقشف فى مواجهة الأزمة الاقتصادية. وما أعلمه أن الدكتور محمد مرسى أعلن حالة التقشف فى الرئاسة وفى السفر، ولكن هذه الصورة لم تقدم إلى الناس، كما أنها لم تعمم على بقية مؤسسات الدولة فيما نعلم، الأمر الذى يعنى أن الجهات المعنية فى محيط السلطة العليا لم تتمكن بعد من خبرة التواصل مع الرأى العام، حتى تركته فى مناسبة عدة فريسة للبلبلة والحيرة. إننا نرجو ألا يطول انتظارنا للوقت الذى تعتنى فيه الحكومة بافهامنا واقناعنا، علما بأن الذى سينقذ مصر من الأزمة هو همَّة المصريين وعزائمهم، وليس صندوق النقد الدولى أو حماس المستثمرين.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 25 ذي القعدة 1433
11 اكتوبر 2012

mohamed5175
13-10-2012, 11:24 AM
قال خالد مشعل كلاما مهما عن الإسلام السياسى والديمقراطية وعن تجربة حماس فى غزة يستحق أن يستمع إليه، وكان قد قدم ورقة حول هذا الموضوع إلى مؤتمر «الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطى»، الذى عقد بالدوحة فى الأسبوع الماضى، ونظمه المركز العربى للأبحاث، من النقاط التى أثارها أبوالوليد ما يلى:

●إن تجربة الأمة الإسلامية والعربية قصيرة فى الديمقراطية أو الشورى، إذ إنه بعد مرحلة الخلفاء الراشدين خضعت الأمة للملك العضود الذى وازنته قوة المجتمع الإسلامى، الذى ظل محتفظا بحيويته وكان قادرا على التقليل من سلبيات السلطة. لذلك فإن على مختلف القوى السياسية وبالأخص تلك التى تنتمى إلى الإسلام السياسى أن تؤسس لنموذج معاصر للديمقراطية.

● إن الديمقراطية أصبحت مطلبا أساسيا لكل القوى الإسلامية التى اختارت المشاركة فى العمل العام، خصوصا أنها كانت الأكثر تضررا من غيابها، بالتالى فإنها الآن أكثر وعيا بأهميتها بما تكفله من تعددية وحرية وتداول للسلطة يحتكم فيه إلى رأى الشعب. وطالما أنها انحازت إلى ذلك الاختيار فعليها أن تقبل بكل نتائجه وأن تحتمل ثمنه.

● إن النموذج الأوروبى الذى يتحول فيه صاحب الأغلبية إلى السلطة وصاحب الأقلية إلى المعارضة أو حكومة الظل لا يصلح للحالة العربية حديثة العهد بالتجربة الديمقراطية، وإنما أثبتت التجربة أننا أحوج ما نكون إلى التوافق بين القوى السياسية. الأمر الذى يعنى أنه ينبغى تجنب التفرد بالحكم من جانب أية قوة سياسية مهما بلغت الأغلبية التى تمثلها. وإنما يتعين أن تكون الشراكة هى القاعدة التى ينطلق منها الجميع.

● إن الإسلاميين مهما بلغت قوتهم العددية لا يستطيعون إلغاء الآخرين، وليس فى مصلحتهم ولا مصلحة الوطن والأمة أن يحدث ذلك، بالمقابل فإن القوى الأخرى القومية والليبرالية مطالبة بأن يكون حرصها وسعيها إلى التوافق مقدما على دعوات قطع الطريق على الإسلاميين ومحاولة إفشالهم.

● على الإسلاميين أن يدركوا أن الحكم أعقد مما يتصورون، حيث الفرق كبير بين المعارضة وإدارة الدولة، وبين النقد والممارسة. وذلك اختبار صعب لكى يجتازه صاحب السلطة فعليه أن يكون مدركا للأولويات وواعيا بالموازنات، التى لا تكون عادة بين المصالح والمفاسد، لكنها تكون أيضا اختيارا بين مفاسد أو أضرار صغرى وأخرى كبرى.

● الإسلاميون أيضا مطالبون بالتواضع مع القوى السياسية الأخرى وبعدم إطلاق الوعود بغير حساب للناس، لأنهم لا يستطيعون أن يؤدوا دورهم دون غيرهم، ولا يستطيعون أن يدعوا لأنفسهم امتلاك الحقيقة.

عن حركة حماس قال أبوالوليد ما يلى:

● إن الحركة ليست جزءا من الإسلام السياسى ولكنها جزء من المقاومة بالأساس، ونسبتها أولى إلى حركة التحرر الوطنى، بذات القدر فإنه من المبالغة القول بأن ثمة حكما إسلاميا فى غزة، ولكن هناك تجربة فرضت على حماس تحمل مسئولية إدارة القطاع فى ظروف غير عادية، لأن السلطة فى الحالة الفلسطينية ليست الحالة الاعتيادية، إذ هى منقوصة السيادة بل ومعدومة السيادة أيضا، كما أن عناصر الدولة غير موجودة. فالشعب مجزأ ومشتت والأرض محتلة والسلطة لا تملك سلطة.

● من هذه الزاوية فمن المبالغة الحديث عن حكم للإسلاميين فى غزة، فحماس خاضت تجربة المشاركة فى الانتخابات والحكومة مضطرة للحد من سلبيات أوسلو. وقد ارتكبت أخطاء وتعلمت منها، وبالتالى فإن ما فعلته لا يعد نموذجا وإنما هو درس وعبرة بالدرجة الأولى.

● حاولت حماس أن تجمع بين السلطة والمقاومة، وتبين أن ذلك من الصعوبة بمكان، لكنها ظلت منحازة إلى المقاومة التى لاتزال مستمرة فى غزة، رغم صعوبة الوضع الجغرافى والحدود مع العدو الصهيونى، الأمر الذى جعل الصواريخ هى الوسيلة الوحيدة للمقاومة، وذلك لا يكون ميسرا فى كل الأحوال.

● إن المشكلة الحقيقية للفلسطينيين فى الوقت الراهن ليس الانقسام فحسب، ولكن أن ياسر عرفات وافق على تأسيس السلطة وإعلان الدولة قبل تحرير الأرض، وذلك مأزق لم يدرك أبوعمار أبعاده إلا قبل استشهاده.

أخيرا دعا رئيس المكتب السياسى لحركة حماس إلى التفاعل بين دول الربيع العربى، ونبه إلى الأهمية الاستراتيجية للتقارب بين مصر وإيران وتركيا. وحذر من الاستقطاب بين القوى السياسية وبين الشيعة والسنة، باعتبار أن الأول خطر يهدد الأوطان والثانى يهدد الأمة.

أغلب الظن أن أبوالوليد أراد بكلامه أن يلخص للمؤتمر الذى اختتم يوم الثلاثاء الماضى (10/9) خلاصة خبرته، كما أنه حرص على أن يوجه فى الوقت ذاته بعض الرسائل إلى القوى الإسلامية التى أصبحت فى قلب السلطة، خصوصا أنه كان راجعا لتوه من زيارة لمصر.

جريدة الشروق المصرية
السبت 27 ذي القعدة 1433
13 اكتوبر 2012

mohamed5175
14-10-2012, 11:14 AM
تحدث بعض المحللين الغربيين هذه الأيام عن أوجه الشبه بين مأساة البوسنة في تسعينيات القرن الماضي وبين الحاصل في سوريا منذ العام الماضي.




أحدث التقارير في هذا الصدد ما نشرته صحيفة لوموند في 30/9 التي أوردت شهادة مفصلة حول الموضوع، كتبتها ناتالي نوجيريد،

ذكرت فيها أن حرب البوسنة كانت دينية (الصرب الأرثوذكس ضد الكروات الكاثوليك والبوسنيين المسلمين) وقومية (الصرب ضد البوسنيين والكروات) ودمرت سراييفو لأنها الحاضنة والرمز للتعدد الإثني.




وفي سوريا اندلعت الانتفاضة ضد الأسد في أوساط الأغلبية السنية، في حين وقف بعض رموز الأقلية العلوية مع الأسد، رغم أن العلويين ليسوا كلهم مع النظام.

كما قصفت حلب بذات القدر من القسوة والوحشية، وهي الحاضنة للتاريخ والتعدد، تماما كما قصفت سراييفو.




وما تقوم به شبيحة الأسد من فظائع واغتصابات للنساء لا يختلف كثيرا عن عمليات القمع والقتل الوحشي والاغتصاب التي قام بها شبيحة راتكو ميلاديتش وكاراجيتش في البوسنة.




وكما قسمت البوسنة في اتفاقات دايتون تقسيما يراعي الخطوط الطائفية فإن سوريا مهددة بذلك التقسيم بين السنة والعلويين والأكراد.

كذلك فإن عمليات التطهير العرقي التي قام بها الصرب بحق البوسنيين تكررت في سوريا بين القرى العلوية والسنية.




يجمع بين الأزمتين السورية والبوسنية أيضا مشهد وقوف المجتمع الدولي موقف المتفرج مما يجري، فتدعيم روسيا للنظام الصربي في السابق، شبيه بموقفها الداعم للنظام السوري الآن.




وإذ يبدو أن العامل الحاسم في استمرار فصول الأزمة السورية هو موقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما المشغول بانتخاباته الرئاسية وبمسألة الملف النووي الإيراني الذي يحرص أوباما على التعاون مع موسكو بصدده، فإن ذلك تكرر أيضا بين عامي 1992 و1994.




ذلك أن الولايات المتحدة آنذاك لم تر في ولاية جورج بوش المنتهية ومطلع ولاية خلفه بيل كلينتون أن لها مصلحة إستراتيجية في التدخل في موضوع البوسنة، واعتبرت أن البلقان مسألة أوروبية.




سوريا اليوم كما البوسنة بالأمس اعتبرت امتحانا أثبت مجددا عجز الأوروبيين عن التحرك بمعزل عن الأمريكيين. فبين سنتي 91 و1994 دعمت ألمانيا الكروات وانحاز الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران للصرب.

لكن فرنسا الراهنة تقف إلى جوار ثوار سوريا، وأبدت استعدادها للاعتراف بحكومة انتقالية في دمشق، كما تجرى اتصالات لبحث إمكانية التدخل في المناطق «المحررة» بسوريا، بما لا ينتهك سيادة الدولة السورية.




ويدور في الأوساط الأوروبية نقاش حول تسليح المعارضة وهل ينتهك الخطر (الدولي في البوسنة والأوروبي في سوريا).

وقد مالت إدارة كلينتون إلى تسليح البوسنيين وعارضت ذلك باريس ولندن.

واليوم تلتزم الدول الغربية سياسة غير حربية إزاء النظام السوري.




وتخشى تلك الدول في حالة تسليح الثوار السوريين بأسلحة ثقيلة أن يقع السلاح المضاد للطيران بأيدي مجموعات جهادية متطرفة معادية للمصالح الغربية، خصوصا في ظل المعلومات المتواترة عن تسرب بعض تلك المجموعات إلى داخل سوريا.




من المتشابهات أيضا أن الدبلوماسية الدولية ظلت تبذل جهودا مستمرة لحل المشكلتين دون جدوى، في موضوع البوسنة ظل المبعوثون الدوليون يتحركون: لورد كارينجيتون ولورد أوين وسيروس فانس، واليوم يكرر الجهود ذاتها كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي.




بشكل مواز فقد كان لقناة سي إن إن دورها الذي لا ينكر في استنفار الرأي العام الغربي وإيصال صورة الحاصل في البوسنة إليه.

وهو ما تقوم به الفضائيات العربية منذ تفجرت الثورة في ربوع سوريا.




لا تزال الأسئلة مثارة حول مشهد النهاية. لأن العالم صدمته المذبحة الكبيرة التي وقعت في سربرينيتسا وأباد الصرب فيها ثمانية آلاف بوسني، الأمر الذي أحدث تحولا في الموقف الأوروبي الحذر وانتهى بتدخل حلف الأطلسي عن طريق توجيه ضربة عسكرية جوية مكثفة وقوية أرغمت الرئيس الصربي على التراجع والقبول بتوقيع الاتفاق مع علي عزت بيجوفيتش رئيس البوسنة والهرسك.




في حملتهم العسكرية فإن القادة الأوروبيين التفوا على الفيتو الروسي، ولم يحاولوا الحصول على تفويض دولي بالتدخل العسكري.




وهذا الشق الأخير يمثل نقطة خلاف جوهرية بين مشهد النهاية في البوسنة واحتمالات الموقف في سوريا.

ويتعين هنا أن نلاحظ أن التدخل الغربي ضد القوات الصربية في البوسنة. تم في إطار القارة الأوروبية ولم تكن هناك مغامرة في استخدام الأسلحة الثقيلة كما لم يفكر أحد في احتمال وقوعها في أيدي الجماعات الجهادية،




لهذا السبب فإن مشهد النهاية يظل غامضا في الحالة السورية، التي تظل مفتوحة على كافة الاحتمالات باستثناء التدخل العسكري الدولي الذي لا مصلحة للدول الغربية فيه.


الاحد 28 ذي القعدة 1433
14 اكتوبر 2012

mohamed5175
15-10-2012, 11:22 AM
قال لى أحد الصناعيين الكبار إنه قرر أن يستغنى خلال الأشهر الستة المقبلة عن نصف العاملين فى مصنع النسيج الذى يملكه ليصل إلى ألفى عامل بدلا من أربعة آلاف، وقد أبلغ الإدارة بتلك الخطوة التى اعتبرها تمهيدا لتصفية نشاطه والخروج من السوق بعد كفاح استمر ربع قرن. أعرف مستثمرا آخر بدأ مشروعا يستوعب خمسة آلاف عامل، وقرر تعيين 1500 عامل فى المرحلة الأولى، ولكن الصعوبات والعقبات التى صادفها دفعته إلى إيقاف مراحله التالية حتى تتجلى الأمور وتتوافر ظروف تشجعه على الاستمرار.



وحدثونى عن أكثر من مستثمر آخر انتهوا من إغلاق مصانعهم وتسريح عمالهم، وقرروا بيع أصولهم بأى سعر، وإيداع حصيلة البيع فى البنوك التى تعطيهم فوائد تصل إلى 12%، معتبرين أن ذلك يوقف استنزافهم وينقذهم من ارتفاع ضغط الدم الذى بات يهددهم.



سألت فقالوا إنهم يقرأون فى الصحف عن تمنيات طيبة وتفاؤل مبالغ فيه بالمستقبل، لكن ما يشهدونه على أرض الواقع يعطيهم انطباعا معاكسا ويجعلهم يقتنعون يوما بعد يوم بأن الانسحاب هو الحل.



عدت إلى التساؤل فقال لى أحد الصناعيين الكبار إن المسألة ليست لغزا، وأن أى اقتصاد فى الكرة الأرضية لا ينمو إلا بتوافر شرطين أساسيين هما: عنصر بشرى كفء وقادر وتمويل يغذى وتكلفة تشجع. والحاصل فى مصر الآن أن الشرطين لم يعودا متوافرين، الأمر الذى يحبط أى مستثمر ويدفعه إلى المسارعة بالهروب من السوق، فرارا بماله ورعاية لصحته.



الشكوى من العنصر البشرى تنصب على انعدام الكفاءة وانهيار قيم العمل المتمثلة فى الانتظام والانضباط والاتقان، الأمر الذى يؤثر على مستوى الإنتاجية فضلا عن تراجع كمياتها. وقد اضيفت إلى هذه العوامل الإضرابات والاعتصامات التى أصبحت تنزل خسائر فادحة بالمنتجين. وفى غياب قواعد متفق عليها سواء لتنمية المهارات أو لعرض المطالب وإيصال رسائل الاحتجاج فإن القطاع الصناعى أصبح يواجه حالة من الفوضى التى لا تسمح بالتفاؤل بالمستقبل.



سمعت قصصا عن عمال حطموا بعض الماكينات التى يعملون عليها. وعن متظاهرين منعوا زملاءهم من العمل لأنهم تعرضوا لجزاءات جراء تقصيرهم أو تغيبهم. وآخرون طالبوا إدارة أحد المصانع بضم الأجور الإضافية إلى أجورهم الثابتة بحيث تمنح لهم حتى إذا لم يشتغلوا أوقاتا إضافية... إلخ.



حدثنى أحد الصناعيين عن قانون العمل التركى الذى يتعامل بحزم وشدة مع أى محاولة لتعطيل الإنتاج، ويحمى حقوق العمال بقدر ما يحمى صاحب رأس المال. وسمعت من أكثر من واحد انهم يئسوا من ضبط العمل فى مصانعهم، وقرروا أخيرا أن يستوردوا عمالا من بنجلاديش أكثر انضباطا ومهارة وأكثر احتراما لمقتضيات الإنتاج ومسئوليات العمل.



خلاصة الكلام أن العنصر البشرى على وفرته فى مصر ليس مؤهلا بشكل كاف للإسهام بشكل جاد فى العملية الإنتاجية، وليس هناك جهد يبذل لتطوير مهاراته، كما لا توجد أطر قانونية تحمى العملية الإنتاجية. الأمر الذى يعنى أن ثمة ثغرة فى بنيان تلك العملية ينبغى الانتباه إليها ليس فقط لمصلحة المستثمرين ولكن لمصلحة استمرار الإنتاج وتمكينه من الوفاء بالتزاماته خصوصا ما كان منها متعلقا بالتصدير للخارج.



الشق الثانى المتعلق بالتمويل والتكلفة يمثل مشكلة كبرى تسبب إحباطا للمنتج وتدفعه دفعا إلى تقليص أنشطته وربما الخروج من السوق فى نهاية المطاف. فالجهاز المصرفى الذى يفترض أن يقوم بدور الممول للنشاط الصناعى أصبح يؤدى دورا سلبيا من ناحيتين، من ناحية لأنه توقف عن منح أى ائتمان لتمكين المنتجين من مواصلة أعمالهم واستيراد ما يحتاجونه من خامات أو آلات، ومن ناحية ثانية لأنه أصبح يضغط بقسوة وعنف على الشركات لسداد ديونها، دون النظر إلى أوضاع البلاد أو تطورات السوق العالمية، كما ان نسب الفائدة التى جاوزت 15٪، والمصروفات والعمولات التى لا معايير لها ولا رقابة عليها تؤدى إلى تعثر وإغلاق العديد من الشركات. كانت النتيجة، كما ذكر أحد الصناعيين، أن الجهاز المصرفى الذى يفترض أن يكون رافعة وعونا للعملية الإنتاجية تحول إلى قوة قمع تنهش فى لحم الاقتصاد المصرى.



الذى لا يقل غرابة عن ذلك أن البنك المركزى الذى يفترض أن يقوم بدور المنسق والمدبر والمراقب فى أوقات الأزمات انسحب من المشهد ولم يعد يتدخل فى ضبط علاقة البنوك بالمنتجين، مكتفيا بالجهد الذى يبذله فى إدارة الاحتياطى النقدى ومتابعة سعر الصرف، وكانت النتيجة أن البنوك استفردت بالمنتجين، وتحولت إلى خصم لهم وحكم فى ذات الوقت، وسمحت لنفسها بأن تمارس بحقهم كافة صور الابتزاز والقمع، الأمر الذى صار عنصرا فاعلا فى طردهم من السوق واقناعهم بشعار الانسحاب هو الحل.



هذا الكلام الذى سمعته يحتاج إلى تحقيق ليس فقط لإزالة المعوقات التى تعطل العملية الإنتاجية، ولكن أيضا لمحاسبة الذين تفننوا فى حشد تلك المعوقات مكررين بذلك دور الدبة فى القصة الرمزية، حين قتلت صاحبها وهى تدفع عنه الذباب بمظنة أنها تحميه. لا أستطيع أن أقول إننا بصدد مؤامرة على الإنتاج الصناعى، لكننى أزعم بأن ما يحدث عندنا يحقق للمتآمرين إن وجدوا مرادهم وزيادة.


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 29 ذي القعدة 1433
15 اكتوبر 2012

mohamed5175
16-10-2012, 12:00 PM
شهدت القاهرة خلال الأيام القليلة الماضية اجتماعا غير مألوف لمجموعة من المثقفين العرب لمناقشة سبل الخروج من أزمة الأمة العربية وكيفية لملمة عقدها الذى انفرط.




(1)



لولا الربيع العربى ما قدموا إلى مصر التى لم تكن ترحب بهم فى عصر الانكفاء، وبعضهم ظل يرد على عقبيه ولا يسمح له بالخروج من مطار القاهرة. ولولا «الربيع» لما مدوا ابصارهم إلى محيط الأمة متجاوزين حدود أقطارهم التى ظل خطاب تلك المرحلة يلح على أنها أولا وأخيرا، وما كان لهم أيضا ان يشدوا الرحال إلى القاهرة إلا بعدما تسلَّموا الرسالة التى دوت فى الآفاق فى العام الماضى، معلنة ان الشعوب العربية إذا كان وعيها قد غيب وتشوه إلا أنها لم تمت، وأن حلمها المؤجل لا يزال بعيدا حقا، لكنه ما عاد مستحيلا. خصوصا أن الذى وقع وقلب المعادلة رأسا على عقب كان يعد من المستحيلات عند كثيرين.



فى فضاء قاعة اجتماعاتهم ظلت الأسئلة الموجعة تتردد طوال الوقت. لماذا فشلت خطوات التكامل العربى، فمجلس الوحدة الاقتصادية تشكل عام 1957 (قبل نحو 65 عاما) وتزامن مع تأسيس السوق الأوروبية المشتركة، وما زلنا نقف عند نقطة الصفر فى حين أنهم وسعوا من نطاق السوق وأقاموا فوقه الاتحاد الأوروبى. ويستحى المرء أن يقول إن اتفاقية الدفاع العربى المشتركة وقعت فى عام 1950، بعد حرب فلسطين مباشرة، ولم يتم تفعيلها إلا بعد مضى ستين عاما، حين غزت العراق الكويت فى سنة 1990، الأسوأ من ذلك ان الاتفاقية لم تر النور إلا فى ظل الضوء الأمريكى الأخضر، ثم لم نر لها أثرا بعد ذلك. حتى سقطت من الذاكرة سواء حين اجتاحت إسرائيل لبنان فى عام 1982 وحين احتلت الولايات المتحدة العراق فى سنة 2003، الأنكى من ذلك والأتعس أن الدول العربية التى وقعت فيما بينها الاتفاقية المذكورة أصبحت تعيش تحت مظلة الحماية الأمريكية، حتى ذكر تقرير عرض على مجموعة المثقفين العرب ان الولايات المتحدة أقامت قواعد عسكرية أمريكية على أراضٍ أكثر من ثلث الأقطار العربية.








(2)



فى اليوم الذى بدأت فيه مشاورات المثقفين العرب (الثلاثاء 2/10) كانت جماعة الحراك الجنوبى فى اليمن قد دعت إلى اجتماع فى عدن للمطالبة بانفصال الجنوب وانسحابه من الوحدة التى تمت مع الشمال فى سنة 1990 يومذاك أيضا كانت دول الاتحاد المغاربى الخمس (تونس والمغرب والجزائر وليبيا وموريتانيا) قد انتهت من ترتيب القمة الناجحة مع الدول الأوروبية الخمس المقابلة لها (إيطاليا وفرنسا وإسبانيا ومالطة والبرتغال) ــ وهو ما يعرف بقمة 5+5. وقد أصدر رؤساء الدول العشر فى أعقاب مؤتمرهم الذى عقد فى مالطة بما أكد على «التراث الهائل المشترك من الثقافة والحضارة والتاريخ وتطلعات شعوب المنطقة لشراكة لتحقيق الديمقراطية والاستقرار والأمن والازدهار».



أصابتنى العبارة حين وقعت عليها بالغيظ والحسد. وكان تعليقى الوحيد عليها ان ما بيننا فى العالم العربى (روابط الدين واللغة والتاريخ والجغرافيا) أوسع وأمتن مما بين الدول المغاربية الخمس وبين نظيراتها الأوروبيات التى تقابلها على الشاطئ الآخر من البحر المتوسط.



مشاهد الانفراط والانقراض التى يعانى منها العالم العربى كانت أيضا حاضرة فى وعى الجميع. لم تكن بعيدة عن الأذهان، من فاجعة انفصال جنوب السودان عن شماله، إلى التشققات التى أصابت العراق حتى أصبح شماله مهيأ للانفصال لصالح الأكراد، إلى التداعيات المؤرقة التى يمكن أن تترتب على سقوط النظام السورى واحتمالات تقسيم البلد بين السنة والشيعة والأكراد، وهو ما ستكون له أصداء أخرى فى لبنان والعراق والأردن على الأقل، ذلك إذا مرت التحرشات العسكرية بين سوريا وتركيا بسلام. وكذلك التهديدات الإسرائيلية الموجهة ضد إيران. ومعلوم أن اغتصاب إسرائيل لفلسطين من الإشارات المبكرة لضمور العالم العربى التى يعد احتلال الجولان من تجلياتها أيضا.



كما كان مشهد انفراط العالم العربى وتشرذمه مائلا أمام الجميع، فإن فصل الخيبات الوحدوية أو التكاملية العربية لم يكن بعيدا عن الاذهان (الوحدة السورية المصرية نموذجا) و(التكامل بين مصر والسودان نموذج آخر)، بحيث لم يبق للعرب من التجارب الوحدوية سوى حالات ثلاث هى: دولة الإمارات العربية ــ بمجلس التعاون الخليجى ــ الاتحاد المغاربى. وهى لا تمثل تكاملا حقيقيا، ولكنها تختلف فى درجة هشاشتها.




(3)



هل قدر العالم العربى أن يعيش مشتتا ومتنابذا؟ ولماذا نجحت محاولات التكامل فى أوروبا وآسيا ولم تحدث فى العالم العربى؟ كان رأيى ولا يزال ان العالم العربى له خصوصيات تميزه عن أى منطقة أخرى فى العالم، وهذه الخصوصيات أسهمت بشكل كبير فى استهدافه والعمل على إبقائه ممزقا، لأن اجتماعه أو تكامله يهدد مصالح ويقلب استراتيجيات أطراف أخرى ذات مصلحة، على الصعيدين الدولى والإقليمى. ذلك أن موقعه الاستراتيجى بين الشرق والغرب وكونه يمثل بوابة لأفريقيا، يجعله مطمعا للدول الكبرى المهيمنة. وهى ذات الدول التى تطلعت لاختراقه واحتلاله منذ القرن الثامن عشر، ثم سعت إلى اقتسامه وإعادة رسم خرائطه من خلال اتفاقية «سايكس بيكو» التى عقدت فى أعقاب الحرب العالمية الأولى.



وإذا كان الموقع الاستراتيجى يشكل مطمعا مبكرا، فإن ظهور النفط فى المنطقة العربية شكل عنصر جذب آخر دفع الدول الغربية إلى محاولة تثبيت هيمنتها عليها واعتبارها ضمن مصالحها الحيوية التى تتشبث بفكرة الحفاظ عليها والدفاع عنها.



وإذا كان النفط قد ظهر فى العالم العربى فى ثلاثينيات القرن الماضى، فإن تأسيس دولة إسرائيل واغتصابها لفلسطين فى الأربعينيات بتوافق غربى بالدرجة الأولى، أضفى وضعا استثنائيا لخصوصية العالم العربى، لا مثيل له فى أى مكان آخر بالعالم. ذلك أنه لكى تبقى إسرائيل وتستمر كان لابد من إضعاف وتطويع العالم العربى الذى رفضت شعوبه جريمة الاغتصاب وحاربت لأجل صدها وايقافها منذ اللحظات الأولى. ولأن إضعاف العالم العربى ومصر فى المقدمة منها، يصب فى المصلحة المباشرة لقوى الهيمنة الدولية وإسرائيل، فقد كان منطقيا ومفهوما ان تقف تلك الدول فى صف معارضة أى تكامل عربى على مستوى، سياسى واقتصادى أو ثقافى، لهذا السبب أعربت الدول الغربية عن عدم رضاها عن الوحدة المصرية السورية، ولم يهدأ لها بال إلا حين تم الانفصال. ولهذا السبب تواجد الخبراء الإسرائيليون إلى جانب الملكيين الذين حاربوا الجيش المصرى الذى ذهب تأييدا للثورة فى اليمن، كما تواجدوا مع الجنوبيين فى السودان. ووقفوا إلى جوارهم حتى انفصلوا عن حكومة الخرطوم، وهناك أكثر من دراسة إسرائيلية تحدثت عن جهود «الموساد» لتأليب الأقليات العرقية والدينية فى العالم العربى (الأكراد مثلا) لتفكيكه وإضعافه.




(4)



هذا التحليل يظل منقوصا إذا لم نتحدث عن أزمة الداخل فى العالم العربى ذلك انه حين يعقد منذ تأسيس الجامعة العربية فى عام 1945 خمس وثلاثون مؤتمرا للقمة لبحث كافة هموم الأمة العربية وعلى رأسها قضية فلسطين، ثم يصبح حالنا على النحو الذى تعرفه، فمعنى ذلك انه لا توجد إرادة عربية حقيقية للتغيير أو التقدم. يعزز ذلك أن لدينا كمًّا من المجالس والاتفاقيات والمعاهدات يغطى كل صور التكامل العربى المنشود، فى السياسة والأمن والثقافة والتجارة والعمالة والسياحة والإدارة والطاقة الذرية... إلخ، حين يحدث ذلك أيضا فهو يعنى أن أزمة الأمة العربية هى أزمة إرادة أيضا. بكلام آخر فإنه إذا كانت العوامل الخارجية تشكل عائقا ضد التكامل المنشود فإن عجز سلطة القرار العربى يشكل عائقا آخر لا يقل خطورة.



عند هذه النقطة لا مفر من التوقف عند دور الاستبداد فى إعاقة النهوض بالأمة العربية، الأمر الذى أدى إلى إضعاف المجتمعات العربية وتشويهها، وإصابتها بلعنة «فساد العمران» التى تحدث عنها ابن خلدون فى مقدمته، هذا للتشخيص دفع أحد الفلاسفة الذين اشتركوا فى حوارات القاهرة الأخيرة إلى القول بأن التجربة أثبتت فشل جامعة الحكومات العربية. وأن رياح الربيع التى هبت على العالم العربى تهيئ فرصة مواتية لتأسيس ما أسماه جامعة الشعوب العربية. ورغم أن الفكرة لم تطرح للمناقشة التفصيلية، إلا أنها كانت بمثابة دعوة لإحياء دور الشعوب فى تقرير المصير العربى، بعد أن ظل ذلك الدور حكرا على حكومات لم تمثلها يوما ما.



إذا وسعنا دائرة النظر فى مشكلات الداخل فسوف نلاحظ أن غياب الديمقراطية يمثل سببا جوهريا لها، ولكننا سنجد أن الخلافات المحتدمة بين المثقفين، خصوصا الذين يمثلون التيارين العلمانى والإسلامى، تمثل عائقا آخر لا يهدد التقدم ويهدد الاستقرار فحسب، ولكنه أيضا يصرف الانتباه عن قضايا المصير التى تشكل تحديدا وجوديا للطرفين.








(5)



فى تقديمه لمذكرات جمعية «أم القرى» التى ضمنها خلاصة حوارات مؤتمر نهضة الأمة الذى انعقد فى مكة المكرمة سنة 1316هجرية ــ 1898 ميلادية كتب عبدالرحمن الكواكبى يقول:



«لما كان عهدنا هذا عهدا عمّ فيه الخلل والضعف كافة المسلمين. وكان من سنن الله فى خلقه أن جعل لكل شىء سببا، فلابد لهذا الخلل الطارئ والضعف النازل من أسباب ظاهرية غير سر القدر الخفى عن البحر. (لاجل ذلك) دعت الحمية بعض أفاضل العلماء والسراه والكتاب السياسيين للبحث عن أسباب ذلك، والتنقيب عن أفضل الوسائل للنهضة الإسلامية».



هذا الكلام ينطبق على حوارات لقاء المثقفين العرب الذى انعقد فى القاهرة، والذى كان الدافع إليه هو ذاته ما دفع الكواكبى قبل 114 عاما إلى تحرى أسباب الضعف والخلل الذى أصاب الأمة الإسلامية، وإن تشابهت فى الدوافع وفى الكتمان الذى أحاط بالحوارات، وفى الحرص على تمثيل شعوب الأمة، إلا أنهما اختلفتا فى كون حوارات الكواكبى تحدثت عن أحوال الأمة الإسلامية أما ما شهدته القاهرة كان موضوعه أزمة الأمة العربية. وفى حين ان الكواكبى دعا المجتمعين إلى إجراء حواراتهم «بصورة خفية فى دار بأطراف مكة، استؤجرت باسم بواب داغستانى روسى، لتكون مصونة من التعرض»، فإن الاجتماعات التى عقدت بالقاهرة تمت فى قاعة بأحد الفنادق، بعيدا عن أعين وسائل الإعلام وآذانها. وتمت العملية كلها بترتيب من اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لمغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة (اسكوا) التى ترأسها الدكتورة ريما خلفا مساعدة الأمين العام، وتتخذ من بيروت مقرا لها.



ثمة فرق آخر بين ما عرضه الكواكبى وهذا الذى قدمته، يتمثل فى ان شيخنا الكبير عرض خلاصة ما تحدث به ممثلو العالم الإسلامى، فى حين أن ما كتبته هو من وحى المناقشات التى أجراها المثقفون الذين جاءوا إلى القاهرة من أطراف العالم العربى. والذى تحدث به هؤلاء وهؤلاء، يظل من قبيل أجراس التنبيه التى تتردد فى فضاء الأمة، وتنتظر من يستجيب إليها.


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 30 ذي القعدة 1433
16 اكتوبر 2012

mohamed5175
17-10-2012, 11:37 AM
لا تخلو متابعة المشهد المصرى من الخارج من ميزة، ذلك أن البعد الجغرافى يبعد المرء عن التفاصيل، ويتيح له ألا يغرق فيها. وقد تورطت مرة واحدة فى مشاهدة برنامج حوارى مصرى على أحد الفضائيات نقل إلى مشاعر التوتر والتحريض التى اشترك فيها مقدم البرنامج مع ضيوفه، فقررت ألا أعود إلى ذلك، وأن أكتفى بالقراءة دون المشاهدة، التى كان الكمبيوتر مصدرا أساسيا لها.



كنت فى تركيا خلال أيام ذروة الأزمة أشارك فى مؤتمر دولى كبير رتبه «منتدى أسطنبول» الذى أراد له الأتراك أن يكون منافسا لمنتدى دافوس الذى مقره سويسرا، وتلتقى فيه النخب لمناقشة مختلف أمور المستقبل فى العالم، خصوصا ما كان اقتصاديا منها. ولأن ما جرى فى مصر أخيرا ترددت أصداؤه فى قاعات المؤتمر وأروقته، فسأكتفى بذكر تعليقين مما سمعته، أحدهما من خبير تركى قال إن ما تعيشه مصر ليس بعيدا تماما عما مرت به تركيا منذ ستينيات القرن الماضى، حيث بدا أن تركيا وقعت فى قبضة مثلث ظلت تعانى منه طيلة أربعين عاما، ولا تزال له ذيول نشطة حتى الآن.



رأس المثلث هو الجيش الذى أمسك بخيوط الحياة السياسية، أما ضلعاه فتمثلا فى القضاء والنيابة من ناحية، ومعسكر التطرف العلمانى من ناحية ثانية. فالقضاء وفر الغطاء القانونى للعسكر، وكان عصاته التى قمعت معارضيهم، أما المتطرفون من العلمانيين فقد ظلوا الحليف الجماهيرى للعسكر طول الوقت، التعليق الثانى سمعته من أحد الباحثين العرب الذى قال لى إن الصراعات الحاصلة فى مصر بين السلطة وبين القوى السياسية المناوئة ليس فيها منتصر ومهزوم لأن المهزوم الحقيقى فيها هو الثورة المصرية التى يتآكل رصيدها فى الخارج حينا بعد حين بما يرفع من معنويات المتربصين والشامتين فى خارج مصر.



من متابعتى للصورة من الخارج، ومن قراءاتى للصحف المصرية خرجت ببعض الملاحظات التى أوجزها فيما يلى:



●إن الأزمة من بدايتها إلى نهايتها تعد معركة قاهرية بين بعض شرائح النخب والقوى السياسية، وكان الإعلام ساحتها الأساسية، ولم يكن الشعب المصرى طرفا فيها، ولا همومه وأولوياته كانت ضمن عناوينها أو مقرراتها.



●إن الكيد والاصطياد كانا واضحين فى مواقف بعض الأطراف التى عبرت عن غيرتها على حرمة القانون واستقلال القضاء وكرامته. وهى غيرة لم نرَ أثرا لها حين تم تزوير الانتخابات تحت أعين القضاة، وحين تقرر تسفير الأمريكيين المتهمين فى قضية التمويل الأجنبى، فى حين أنهم كانوا محبوسين بأمر النيابة، ومن الأصوات التى علت إبان الأزمة، وفى سياق المزايدة على الجميع من وصف شباب الثورة بـ«الرعاع»، واستنكر انضمام بعض القضاة إليهم.



●إن قيادات نادى القضاة التى تضامنت مع النائب العام استخدمت فى التراشق والتجاذب لغة كان ينبغى أن يترفعوا عنها، الأمر الذى أساء إلى صورتهم المقررة والموقرة فى الذهن العام. حتى كان العنف اللفظى الذى صدر عنهم ليس مختلفا كثيرا عن العنف المادى والجسدى الذى يمارسه البلطجية «والشبيحة».



●إن قرار نقل النائب العام وإبعاده عن منصبه سفيرا لدى الفاتيكان لم يدرس جيدا، سواء من زاوية مآلاته أو بدائله، الأمر الذى أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه.



●إننا لم نفهم موقف النائب العام الذى تعددت الروايات بشأن ما جرى معه، فقد ذكر وزير العدل المستشار أحمد مكى أنه حين عرض عليه الأمر فإنه طلب أن يعين سفيرا فى دولة أى دولة عربية لأنه لا يجيد اللغات الأجنبية، إلا أن المكان الشاغر الوحيد كان لدى الفاتيكان. وقد قبل بالعرض الذى نقل إلى الرئيس فأصدر قراره. إلا أن الدكتور عبدالمجيد محمود النائب العام وقع على طلب مقدم إلى الرئيس ذكر فيه أن موافقته على النقل كانت «ملتبسة»، لكنه بعد ذلك قال فى لقاء صحفى إنه رفض النقل. لم أفهم مصطلح الموافقة الملتبسة. لكننى أيضا لم أفهم كيف أنه ذكر المصطلح فى طلب مكتوب ثم أعلن نقيضه فى اللقاء الصحفى، وما أثار الحيرة أيضا أن كلام النائب العام جاء مناقضا لرواية وزير العدل، الأمر الذى يعنى أن شهادة، أحدهما لم تكن صادقة على نحو يجرح عدالته ويجعله غير جدير بالثقة.



●إن موقف الإخوان الذين خرجوا إلى ميدان التحرير، واشتبكوا مع معارضى الرئيس مرسى، كان مسيئا إلى حد كبير، ولأننى سمعت أكثر من رواية لما جرى، فإننى لا أستطيع أن أحمل أحد الطرفين مسئولية الاشتباك الذى أوقع الجرحى والمصابين، ورغم ذلك فإن مبدأ الدفع بحشد للإخوان لمواجهة الآخرين لم يكن صائبا بالأساس.



●أكرر أخيرا ما ذكرته من أن المواجهة لم تكن جماهير الشعب المصرى طرفا فيها، ولا مصالحة مدرجة ضمن عناوينها، الأمر الذى يثير السؤال التالى: هل خلت الساحة من مثقفين ونخب مشغولة بالهموم الحقيقية للشعب؟


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء غرة ذي الحجة 1433
17 اكتوبر 2012

mohamed5175
18-10-2012, 11:32 AM
منذ قامت الثورة فى مصر والدعوة إلى الوفاق بين مختلف القوى السياسية تتردد فى كل مناسبة، لإنقاذ الثورة والوطن، إلا أن الأصوات الداعية إلى ذلك الوفاق خفتت خلال الأشهر الأخيرة، حتى أصبحنا لا نكاد نسمع أحدا يتحدث عنها هذه الأيام، الأمر الذى يدعونى إلى طرح السؤال التالى: هل القوى السياسية المصرية راغبة حقا فى الوفاق؟

عندى شكوك قوية فى توفر تلك الرغبة. يؤيد ذلك أن الدعوة المضمرة فى الوقت الراهن، والتى تعبر عنها بعض الكتابات الصحفية باتت تركز على الإقصاء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ودعاة الإقصاء هؤلاء يعبرون عن موقفهم بالالحاح على فكرة انسداد الأمل فيما هو قائم والتأكيد على أن الحكم الراهن فى مصر لا يرجى منه أى خير. الأمر الذى يستخلص منه المتلقى أنه لم يعد هناك بديل عن التخلص منه لإزالة العقبة التى تحول دون تحقيق الثورة لأهدافها. فالصورة التى تقدم إلى المواطن المصرى تتلخص فى ان الرئيس مرسى عضو فى التنظيم السرى للإخوان، وانه منذ تسلم السلطة فانه نذر نفسه لخدمة جماعته وتحقيق أهدافها، وأنه لا يتخذ قرارا ولا يصدر قانونا إلا بمعرفة ومباركة مكتب الإرشاد. ولهذا السبب ولأسباب أخرى: فإننا لن نرى استفتاء نزيها ولن نرى انتخابات نزيهة فى عهد هذا الرئيس وجماعته. وهذا الكلام ليس من عندى ولكنه منقول نصا عن تعليق لأحد الزملاء، احتل مكانه على الصفحة الأولى يوم الأحد الماضى 14/10. وذلك ليس رأيا شخصيا فحسب ولكنه يعكس أصواتا عالية تتبنى ذات الموقف الذى يبشر بانسداد الأفق والتيئيس مما هو قائم والترويج لفكرة سرقة الثورة، الأمر الذى يدعو ضمنا إلى الخلاص مما هو قائم وأحيانا يدعو علانية إلى ثورة ثانية.

لعلى لا أبالغ إذا قلت إن جذور الموقف الإقصائى ظهرت فى الأفق إبان الفترة التى شكلت فيها لجنة تعديل الدستور فى شهر فبراير من العام الماضى، ذلك أن اللجنة هوجمت بشدة واتهمت بتحيزها للإخوان لمجرد أن فردا واحدا من الجماعة ضم إليها باقتراح من وزير العدل، فى حين أن بقية أعضاء اللجنة السبعة وهم من كبار رجال القانون وفقهائه ليسوا من أعضاء الجماعة. لكن الواحد المذكور ــ الأستاذ صبحى الصالح ــ اعتبر دليلا على «أخونة» اللجنة. وليس ذلك أغرب ما فى الأمر، لان الأغرب أن الوزارة التى كانت مشكلة آنذاك ضمت ثلاثة من الوفديين وواحدا من حزب التجمع، كما أن نائب رئيس الوزراء كان عضوا بارزا فى الحزب الديمقراطى الاجتماعى، ومع ذلك فان أحدا لم يتحدث عن تسييس تشكيل الحكومة. وبدا الأمر مسكونا بمفارقة غير بريئة. فالعضو الواحد فى اللجنة لوثها وأثار حولها الشكوك. لكن وجود الحزبيين الخمسة فى الوزارة لم يضفوا أى لون لها. ولا تفسير لذلك سوى ان النخبة عالية الصوت فى مصر اعتبرت ان وجود العضو الإخوانى خطأ جسيما وشذوذا ما كان للنظام الجديد أن يتورط فيه. وهو ما ينطبق عليه مضمون بيت الشعر الذى ينسب إلى أحد شعراء الأندلس وقال فيه:

إن قلت ما أذنبت قلت مجيبة وجودك ذنب لا يقاس به ذنب

الرسالة التى أراد صاحبنا إيصالها هى أنه نفى لمحبوبته انه اقترف أى ذنب أو أخطأ فى حقها، لكنها ردت عليه قائلة ان المشكلة لا تكمن فى ذنب ارتكبه، لكنها تكمن فى مبدأ وجوده فى العالم.

هذا الاعتراض على مجرد الوجود على خرائط الواقع هو الذى يثير حساسية وقلق البعض ممن يروجون ليل نهار لما يعتبرونه كارثة الأخونة (الحكومة الإخوانية يرأسها مسئول من غير الإخوان وتضم 30 من خارج الجماعة، وخمسة فقط من الإخوان. والمحافظون أربعة من الجماعة و23 من غير الإخوان، والسفراء ليس فيهم واحد من الجماعة) ــ حين يستعرض المرء بقية القوائم سيخرج بنفس النتيجة، وهى ان المشكلة لدى البعض أن الإخوان وجدوا بنسب متواضعة فى بعض المواقع. وهذا الوجود يستخدم فى التخويف من استيلاء الإخوان على «كل مفاصل الدولة»، كما عبر أكثر من واحد من السياسيين والكتاب.

تطول قائمة القرائن والشواهد الدالة على أن الرغبة فى التوافق لم تتوفر بعد لدى أغلب القوى السياسية فى مصر، وإن كان ذلك لا يمنع من أن بعض ذوى النوايا الطيبة كانت لهم جهود فردية لم تثمر لتحقيق التوافق المنشود.

ما يثير الانتباه فى هذا السياق أمران، أولهما أن معسكر الاقصاء والاستئصال أصبح يضم شريحة واسعة من العلمانيين والليبراليين وعناصر الثورة المضادة، والفلول الذين يلقى بعضهم تعاطفا ودعما من بعض الأطراف العربية. الثانى أن فريقا من هؤلاء يحاول إقامة قاعدة لهم فى الخارج لإدارة الاشتباك وتوسيع دائرته. والشخصية الفاعلة فى هذا المسعى رجل أمن فلسطينى سابق له اتصالاته مع بعض السياسيين والإعلاميين. وقد توسط فى شراء إحدى الصحف الناطقة بالعربية فى لندن. وبصدد إنشاء قناة تليفزيونية، ومركز للدراسات رشح له «استراتيجى» مصرى ــ إن التدبير المعد أوسع وأخطر مما يبدو على السطح.


جريدة الشروق المصرية
الخميس 2 ذي الحجة 1433
18 اكتوبر 2012

mohamed5175
20-10-2012, 11:41 AM
شهدت مصر فى الأسبوع الماضى أكثر أفلام الموسم السياسية إثارة، حين خرجت علينا الصحف بخبر تعيين النائب العام سفيرا لدى الفاتيكان، وقد حدث ذلك بعد 24 ساعة من تبرئة جميع المتهمين فى موقعة الجمل، الأمر الذى أثار شكوكا حول دور النيابة فى طمس أدلة الاتهام. ثم حين أعلن النائب العام عن رفضه للقرار وتضامن مجلس القضاء الأعلى معه، وصرح بأنه تعرّض للتهديد من جانب وزير العدل ورئيس الجمعية التأسيسية للدستور الأمر الذى أثار زوبعة فى أوساط القانونيين والسياسيين. وصور الأمر بحسبانه مواجهة بين الرئاسة ومستشاريها من ناحية وبين النائب العام ومجلس القضاء الأعلى ونادى القضاة من ناحية ثانية. وهى المواجهة التى احتفت بها وأججتها وسائل الإعلام المتربصة التى صورت المشهد بحسبانه ظلما وافتراء من جانب الطرف الأول وتحديا وبطولة من الطرف الثانى.



ليس سرا أنه منذ قامت الثورة فإن تساؤلات كثيرة أثيرت حول مصير النائب العام باعتباره أحد أركان النظام السابق، وكان له دوره فى تحريك بعض القضايا واستبعاد أو دفن قضايا أخرى، من ثم كان مفهوما من الناحية السياسية أن يبعد من منصبه بعد تبرئة جميع المتهمين فى موقعة الجمل التى قتل فيها نحو 11 شخصا وأصيب ألفان، الأمر الذى أحدث صدمة لدى الرأى العام، إلا أنه كان خطأ من الناحية القانونية، حيث لا يجيز القانون خروجه من منصبه قبل بلوغ سن التقاعد إلا برضاه. وقد بذل نائب الرئيس ووزير العدل ورئيس اللجنة التأسيسية للدستور، وهم من شيوخ القضاء، جهدهم فى الاتفاق معه حول نقله إلى موقع آخر، وبعد موافقته وصدور قرار النقل تدخلت عوامل لا تزال تفاصيلها مجهولة، دعت النائب العام إلى تغيير موقفه وإعلان رفضه للمنصب الجديد، ثم حديثه إلى الصحفيين عن أنه تعرض للتهديد من جانب وزير العدل ورئيس الهيئة التأسيسية.



حاولت تحرِّى الحقيقة فوقعت على وثيقتين تسلطان الضوء على جوانب مهمة من القضية. الأولى كانت خطابا موجها من أعضاء مجلس القضاء الأعلى إلى رئيس الجمهورية يطلب الإبقاء على النائب العام فى منصبه، والثانية بيان اللجنة الثلاثية التى شكلها المستشار الغريانى رئيس لجنة الدستور للنظر فى ادعاء النائب العام أنه قام بتهديده هو والمستشار أحمد مكى وزير العدل، بأنه قد يتعرض للأذى إذا لم يترك منصبه.



الخطاب الموجه إلى رئيس الجمهورية كتب بخط اليد وورد فيه ما نصه: بناء على دعوة كريمة من سيادتكم لمجلس القضاء الأعلى، فقد تشرفنا بالحضور إلى مقر رئاسة الجمهورية حيث تقابلنا مع سيادتكم، والسيد المستشار نائب رئيس الجمهورية، وتم تناول ما أثير فى وسائل الإعلام حول السيد المستشار النائب العام. وقد عرض السيد النائب العام الموضوع بكامله، وأرجع ما تناولته وسائل الإعلام بشأن ظروف وملابسات صدور قرار السيد رئيس الجمهورية بتعيينه سفيرا إلى حدوث لبس فى فهم موافقته. وأعرب عن رغبته فى الاستمرار فى منصبه الحالى. ومجلس القضاء الأعلى إذ يرفع هذا الطلب إلى سيادة رئيس الجمهورية، فإن الأمل يحدوه فى الاستجابة إلى رغبة أعضاء المجلس فى تحقيق هذه الرغبة ــ التاريخ 13/10 ــ التوقيع لأعضاء المجلس. وبينهم النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود.



وجدت النص صريحا فى إشارته إلى موافقة النائب على النقل، وإن خففت الصيغة ووصفتها بأنها «موافقة ملتبسة».



حينما غيَّر النائب العام رأيه وأعلن رفضه للقرار وقال للصحفيين إنه تعرض للتهديد، فإن الصحف أبرزت كلامه الخطير على صدر صفحاتها الأولى، وكان له صداه فى أوساط الجمعية التأسيسية، حتى إن اثنين من أعضائها طالبا باستقالة المستشار الغريانى من رئاستها. وحينذاك أعلن المستشار الغريانى أن هذا الكلام لو صح فإنه لن يبقى فى منصبه، وشكّل لجنة ضمت ثلاثة من أعضاء اللجنة للتحقيق من صحة الإدعاء، وطلب أن يكون بين الثلاثة اثنان ممن طالباه بالاستقالة استنادا إلى ذلك الإدعاء، هما الدكتور محمد محيى عضو لجنة الدفاع والسيد محمد أنور السادات رئيس حزب الإصلاح والتنمية، وبعد لقاء اللجنة مع النائب العام فى مكتبه، أصدرت بيانا قالت فيه إن النائب العام، «أخبرها بأنه بعد مغادرته قصر الرئاسة بعد ظهر السبت الماضى أجرى اتصالين هاتفيين بكل من معالى وزير العدال ومعالى رئيس الجمعية التأسيسية تصفية لما قد يكون فى نفسيهما بسبب انفعاله وقتئذ. ولم يتم التطرق فى هاتين المكالمتين لأى حديث عن موضوع الأزمة أو استرجاع أى من أحداثها فى اليومين السابقين. وفى ضوء ما ذكره لأعضاء اللجنة كل من النائب العام ورئيس الجمعية التأسيسية، انتهت اللجنة إلى كون ما حدث شابه لبس غير مقصود تسبب فيه الاختلاف فى تفسير الباعث والقصد منه. وقد زاده تعقيدا ما تداولته وسائل الإعلام من تصريحات لاحقة من جميع التيارات السياسية».



إذا قرأت النص جيدا ستلاحظ أنه لم يشر إلى تهديد وجه إلى النائب العام، ونقلت عنه اعتذاره الضمنى عما بدر منه بحق وزير العدل ورئيس الجمعية التأسيسية، مبررا ذلك بانفعاله فى ذلك الوقت. وباللبس غير المقصود. ولم تشأ اللجنة أن تشير إلى أنه نقل ذلك الاعتذار إليهما بنفسه حينما اتصل بهما هاتفيا.



ألا يعنى ذلك أننا بحاجة إلى قراءة وقائع الفيلم من جديد، كى تحدد مغزى «الموافقة الملتبسة» على النقل التى أبداها النائب العام قبل صدور قرار نقله، كما تحدد مدى صحة الادعاء بتلقيه تهديدا اعتذر عن صدوره عنه بحجة الانفعال تارة واللبس غير المقصود تارة أخرى. ثم ألا يستحق الأمر تفكيرا سواء فى طبيعة الجهات التى دفعت النائب العام إلى تغيير رأيه والتعبير عن موقفه بتلك اللغة الخشنة والمتحدّية، أو فى الدور الذى قامت به التعبئة الإعلامية فى القضية.


جريدة الشروق المصرية
السبت 4 ذي الحجة 1433
20 اكتوبر 2012

mohamed5175
21-10-2012, 04:53 PM
أسخف ما قرأت فى الأسبوع الماضى كان خبر المعلمة التى قامت بقص جزء من شعر تلميذتين صغيرتين فى الأقصر، لرفضهما ارتداء الحجاب. أما أغرب ما قرأت فقد كانت ردود أفعال ذلك التصرف، التى تراوحت بين قمع المعلمة وبين صراخ الذين اعتبروا أن الدولة المدنية أصبحت فى خطر.










حتى بدا الفعل ورد الفعل وكأنه تنافس فى العبث. إذ فى مقابل التهويل من الحدث فإن الذين تصدوا له ذهبوا بعيدا فى التسطيح والخفة، واعتبروها فرصة للاثارة والابتزاز ومحاكمة النظام القائم وتقريع الجماهير التى خدعت فيه وصوتت له.









الصحف والقنوات التليفزيونية التى تسابقت على نشر الخبر احتفت بمعاقبة المعلمة بالنقل من وظيفتها إلى عمل إدارى آخر، وخصم راتب شهر من أجرها. واستراح الجميع للإجراءات التأديبية التى اتخذت بحقها، دون أن يسأل أحد عما ستفعله فى المكان الذى نقلت إليه أو عن السبب فى إقدامها على ما فعلته أو عما ينبغى عمله لكى لا يتكرر ما حدث فى مدارس أخرى. أعنى أننا اكتفينا بالإجراءات واعتبرنا بأن القمع هو الحل.









حتى لا يلتبس الأمر على أحد فإننى لا أدعو إلى التهوين مما حدث من جانب المعلمة، لكننى أدعو إلى التفكير فيه. كما أنه ليس لدى أى اعتراض على معاقبة المدرسة، لكن تحفظى ينصب على الاكتفاء بالعقوبة الإدارية، واعتبارها كافية فى تقويم المدرسة وردّ من هى على شاكلتها.














هذا الذى حدث فى صعيد مصر، وقع ما هو اسوأ منه فى إسرائيل من جانب المتطرفين الدينيين وأبرزهم جماعة «الحريديم» أو الاتقياء الذين ينشطون فى مدينة القدس بوجه أخص حتى أصبحوا يشكلون ثلث سكانها، ولا يعترفون بقوانين الدولة، فى حين يعتبرون أن تعاليم التوراة ونصوصها الحرفية هى المرجعية الوحيدة التى يعترفون بها، ولذلك فإنهم يمثلون صداعا مستمرا للحكومة وللمجتمع. هذه الجماعة «السلفية» بسطت نفوذها على بلدة بيت شيميش القريبة من القدس، وعلى بعض المستوطنات، بحيث أنهم منعوا حركة المواصلات أو استخدام التيار الكهربائى فى يوم السبت. وفرضوا على النساء ارتداء ثياب أقرب إلى أزياء المنتقبات عند الخروج من بيوتهم، وخصصوا لهن المقاعد الخلفية من الباصات، فى الوقت الذى اعتبروا ان أصواتهن عورة ليس للغريب أن يطلع عليها. فى أوائل العام الماضى (2011) أثير موضوعهم فى وسائل الإعلام لأن واحدا منهم اعترض طريق طفلة عمرها ثمانى سنوات (اسمها ندعاما مرجولس) حين كانت متجهة إلى المدرسة. ولأنه اعتبر أن ثيابها غير لائقة حسب اعتقاده فإنه انَّبها وشتمها ثم بصق فى وجهها، فعادت إلى بيتها باكية ورفضت الذهاب إلى المدرسة. وقبل ذلك كانت فتاة متدينة اسمها تانيا روزنبلوط قد صعدت إلى أحد الباصات وجلست فى المقاعد الأمامية، فتصدى لها واحد منهم وطلب منها الانتقال إلى المقاعد الخلفية المخصصة للنساء لكنها رفضت، واشتبكت مع الرجل الذى أصر على مغادرتها مقعدها، الأمر الذى عرضها للعنف من جانبه. وحين وصلت القصتان إلى الصحافة فإن ملف الحريديم أصبح مطروحا للمناقشة بين المتدينين والعلمانيين. والأخيرون جددوا مخاوفهم من تمدد نفوذ الجماعات السلفية ليس فقط فى الحياة المدنية، ولكن أيضا فى أوساط القوات المسلحة. ولأن تلك الجماعات لها أحزاب تمثلها فى البرلمان ولها مراجع (حاخامات) يتمتعون بنفوذ واسع، إلى جانب ان رئيس الوزراء الحالى بنيامين نتنياهو يشجعهم ويستفيد من طاقاتهم سواء فى التوسعات الاستيطانية أو فى تأييد حكومته وتماسكها، فلم يكن بوسع أية جهة أن تتخذ إجراءات قمعية بحقهم، وظل الجدل مستمرا ــ ولا يزال ــ حول أسباب انتشار أفكارهم وكيفية التعامل معهم واستثمار طاقاتهم بما يخدم مخططات الدولة ومشروعاتها، التى ذكرت توا أن التوسع الاستيطانى على رأسها.









من الأفكار المطروحة فى هذا السياق ان تخصص لهم أماكن تستوعبهم ويمارسون فيها انشطتهم وتعاليمهم دون ان يسبب ذلك إزعاجا للآخرين. واقترح لذلك انشاء مدينتين لهم إحداهما فى صحراء النقب تستوعب 100 ألف شخص، والثانية فى شمال الخليل تستوعب 150 ألف شخص.









لست أدعو إلى اقتباس الفكرة، رغم أننى كنت قد اقترحت شيئا من ذلك القبيل قبل نحو عشرين عاما، وكتبت فى «الأهرام» داعيا إلى توظيف التطرف لكى يكون فى خدمة المجتمع حتى لا يصبح سلاحا ضده. واقترحت لذلك أن تستثمر طاقاتهم فى تعمير سيناء. وكان ذلك فى وقت مبكر، قبل ان يتحول التطرف فيها إلى مشكلة مؤرقة لمصر، نظرا لضعف السيطرة الأمنية وغياب الدولة المصرية عنها بسبب القيود التى فرضتها معاهدة السلام مع إسرائيل.









قصدى مما ذكرت أن ما أقدمت عليه معلمة مدرسة الأقصر يعبر عن ثقافة تحتاج إلى تحليل ومناقشة. ولم يتم شىء منهما، حيث اكتفينا بالعقاب الإدارى والضجيج الإعلامى الذى وظف الحدث فى تسجيل النقاط فى التجاذب والصراع الداخلى، فلم نفهم ولم نستفد. بالتالى فإننا لم نستخلص عبرة، وظللنا واقفين فى أماكننا وغارقين فى معاركنا، ولم نتقدم خطوة إلى الأمام.









جريدة الشروق المصرية




الاحد 5 ذي الحجة 1433




21 اكتوبر 2012

mohamed5175
22-10-2012, 11:18 AM
ليس مفهوما، وأكاد أقول ليس بريئا، ذلك اللغط المثار حول غضب الجيش فى مصر، إذ منذ نشرت إحدى الصحف خبرا مكذوبا عن منع سفر والتحقيق مع بعض القيادات السابقة (المشير طنطاوى والفريق عنان واللواء بدين)، صرنا نقرأ أخبارا وتحليلات عن إهانة الجيش وغضبه، وكتابات أخرى حذرتنا من تداعيات ذلك الغضب، التى تكاد تلوح باحتملات حدوث انقلاب عسكرى فى البلاد.



تعلمنا فى المهنة أن المرء حين يتلقى المعلومة ينبغى أن يتحقق من صحتها أولا وأن يتعرف على أطرافها بعد ذلك. لذلك فإن السؤال الأول الذى يخطر على البال هو: هل هناك غضب فعلا أم لا؟ الأمر الذى يستدعى عددا آخر من الأسئلة من قبيل: ما هى تجليات الغضب؟ ومن يكون الغاضب؟ وذلك الغضب موجه ضد من؟ هل هو ضد الرئيس أم ضد رفاق السلاح من القيادات العسكرية الجديدة، أم ضد وسائل الإعلام التى دأبت على نشر الأخبار الملتبسة والمكذوبة؟



حين حاولت تحرى الأمر من خلال طرح تلك الأسئلة على من أعرف من ذوى الصلة تلقيت الردود التالية:



● إن الحاصل الآن يتعذر وصفه بأنه غضب فى الجيش، وإنما هو شعور بالاستياء وعدم الارتياح إزاء تناول الأبواق الإعلامية للموضوع. خصوصا فى الشق المتعلق بالبلاغات التى يقدمها البعض ضد قيادات المجلس العسكرى السابق، التى يتعلق بعضها بالمسئولية عن قتل بعض المتظاهرين ويتعلق البعض الآخر ببلاغات التى تنسب إلى بعض القادة تصرفات تدخل فى عداد الكسب غير المشروع. وهذه البلاغات لا تعنى الإدانة أو ثبوت التهمة، ولكنها تعد مجرد ادعاءات تخضع للفحص إذا ثبتت جديتها، وقد تؤدى إلى تبرئة المدعى عليه وحفظ القضية، وقد تنتهى بإحالة الأمر إلى النيابة العامة والقضاء.



● إن قيادة القوات المسلحة ساءها تحويل الإدعاءات إلى الأخبار من ناحية، واختلاق الأخبار المتعلقة بقيادات المجلس العسكرى السابق من جهة ثانية. وقد نقلت ذلك الاستياء إلى رئاسة الجمهورية. وفى حالة الخبر المكذوب الخاص بمنع القادة الثلاثة من السفر والتحقيق معهم، فإن الرئاسة أحالت الأمر إلى مجلس الشورى الذى ىفترض أنه المالك القانونى للصحف القومية باعتبار أن الخبر نشرته صحيفة الجمهورية، التى هى واحدة من تلك الصحف.



(ملحوظة: بالغ رئيس مجلس الشورى دون مبرر فى الإجراء الذى اتخذه لتدارك الموقف، حين قرر إيقاف رئيس تحرير الجريدة وإحالته إلى التحقيق، علما بأن الأمر كان يمكن علاجه بصدور تصريح رسمى يكذب الخبر، وبإحالة الموضوع إلى نقابة الصحفيين لتبحث الموضوع إذا استلزم الأمر ذلك).



● ليس صحيحا أن الجيش طرف فى الموضوع. إذ من حسن الحظ أنه يقف خارج السياسة ويتصرف كمؤسسة محترفة مهمتها حماية حدود البلاد وأمنها. ولكن الاتصالات التى تمت معبرة عن الاستياء صدرت عن قيادة الجيش الراهنة الحريصة على سمعة القوات المسلحة وقياداتها، خصوصا أولئك الذين أدوا خدمات جليلة للبلد، وكان المجلس العسكرى ضمن هؤلاء. بأدائه الذى أمن فيه الثورة ووفى بما وعد به بخصوص المرحلة الانتقالية.



● هذا الحرص عبر عنه الرئيس محمد مرسى طوال الوقت، حين أصدر قراره بإقالة قادة المجلس العسكرى ثم كرمهم واحتفظ بهم كمستشارين. وقد دأب على إعلان تقديره لدور القوات المسلحة فى مختلف المناسبات الخاصة بالجيش والتى يحرص على حضورها. وأغلب الظن أن تشديد الرئيس على ضرورة الحفاظ على كرامة وسمعة القادة العسكريين هو الذى دفع رئيس مجلس الشورى إلى المبالغة فى محاسبة رئيس تحرير جريدة الجمهورية، فظلمه الرجل لكى يعدل مع قادة المجلس العسكرى(!).



●صحيح أن المشير طنطاوى والفريق عنان واللواء بدين لم يكونوا سعداء بإقالتهم، وليس مستبعدا أن يكون الحديث عن الغضب محصورا فى دائرتهم الضيقة، وفى كل الأحوال فإن تعميم مشاعرهم تلك على الجيش كله لا يخلو من تعسف وافتعال. علما بأن أولئك القادة كان ينبغى لهم أن يخرجوا من صدارة المشهد بعد تسلم الرئيس المنتخب لمنصبه. ثم انهم أخرجوا بطريقة مهذبة وكريمة، ولم تكن مهينة بأى حال كما ادعى البعض، ناهيك عن انه لم يكن هناك سبيل آخر لإخراجهم إلا بالصورة التى تمت، إلا إذا كان المطلوب الإبقاء عليهم طول الوقت. فى هذا الصدد لابد من الإشارة إلى أن القيادات التى حلت محلهم تحظى بتقدير كبير داخل القوات المسلحة، باعتبارهم من أكفأ الضباط وأكثرهم خبرة على الصعيد المهنى واستقامة على الصعيد الأخلاقى.



إذا كان الأمر كذلك فمن حقنا أن نسأل: لمصلحة من الترويج لمقولة غضب الجيش، وشيوع الغليان فى داخله. وما الهدف من وراء تخويفنا بما يمكن أن يفعله الجيش إذا غضب؟ ثم ــ هل نبالغ إذا تشككنا فى براءة ومقاصد استمرار بث مثل تلك الشائعات؟



إننا إذا وسعنا الدائرة وتطلعنا إلى المشهد من علٍ فسنجد أن ثمة إلحالحا على تفريغ مصر من المؤسسات التى تم انتخابها بعد الثورة (بعد حل مجلس الشعب هناك مسعى يلح على حل مجلس الشورى وإلغاء الجمعية التأسيسية للدستور)، ثم هناك لغط يثار حول دور الجيش وموقفه، وهناك رموز تتحرك فى الداخل والخارج لهدم كل ما تم بناؤه إلى الآن، الأمر الذى يستدعى سؤالا كبيرا هو: إذا لم يصب ذلك فى صالح الثورة المضادة فأى مصلحة يتحراها إذن؟


جريدة الشروق المصرية
الاثنين 6 ذي القعدة 1433
22 اكتوبر 2012

mohamed5175
23-10-2012, 06:15 PM
لا جدال فى أن خطاب اعتماد السفير المصرى لدى إسرائيل يعد فضيحة للبيروقراطية المصرية، سببت إحراجا شديدا للرئيس محمد مرسى. مع ذلك فربما كان للحدث فضيلة وحيدة هى أنه يستدعى إلى الواجهة ملف العلاقات المصرية الإسرائيلية بعد ثورة 25 يناير.


(1)


إذ لم يخطر على بال أحد أن يخاطب أول رئيس منتخب لمصر بعد الثورة رئيس إسرائيل بعبارة: عزيزى وصديقى العظيم. وما تصور أحد أن يعبر الرئيس المصرى عن مشاعره بقوله إنه: شديد الرغبة فى اطراد علاقات المحبة التى تربط لحسن الحظ بلدينا.. إلى غير ذلك من مفردات وعبارات قاموس المرحلة التى كان فيها الرئيس المصرى كنزا استراتيجيا لإسرائيل. وهى المرحلة التى أسقطتها ثورة الشعب المصرى أملا منه فى أن يقيم نظاما جديدا يرد للمصريين كرامتهم ويعيد لبلدهم كبرياءه الجريح.

رغم أنى واحد ممن يرون أنه ما كان لمصر أن تمثل بسفير فى تل أبيب، طالما استمرت الدولة العبرية فى سياساتها التوسعية وفى احتلالها للأراض العربية ورفضها لحقوق الشعب الفلسطينى، إلا أننى لم أتوقع أن تقطع مصر العلاقات مع إسرائيل وتلغى كامب ديفيد، وتدخل بسببها حربا ضدها. مع ذلك فقد تصورت أنه من الطبيعى أن تتحدث مصر بعد الثورة بلغة تتسم بقدر من الاحتشام والحذر، تختلف فى حدها الأدنى عن لغة النظام السابق. لغة ترى أن إسرائيل ليست صديقا ولا حليفا، ولكنها بلد غاصب ومعتد، ورث النظام الجديد علاقة معه، فتورط فيها واضطر لأن يتعامل معها حتى إشعار آخر، باعتبار ذلك من قبيل السُّم الذى يضطر المرء إلى تجرعه فى بعض الظروف الاستثنائية. ولذلك فإن موقف مصر الحقيقى بعد الثورة هو الصبر عليها وليس الموافقة عليها.

يقول خبراء الدبلوماسية المصرية إن لغة الخطاب التى أرسلت مع السفير الجديد ليس فيها جديد، لأنها الصيغة التقليدية المتعارف عليها دوليا، والتى يخاطب بها كل رؤساء الجمهوريات فى أنحاء العالم، من الولايات المتحدة إلى بوركينافاسو. فالنص مكتوب منذ عدة عقود، والذى يتغير فيه فقط بين الحين والآخر هو اسم رئيس الدولة الموجه إليه الخطاب واسم السفير الذى يحمله. ذلك يعنى أن الخطاب المرسل ليس فيه أية مشاعر خاصة بإسرائيل. بالتالى فإنه من التعسف والظلم أن يعد الخطاب دليلا على استمرار الرئيس مرسى فى السير على ذات النهج الذى خطَّه وسار عليه الرئيس السابق.

هذا الكلام أفهمه ومستعد للقبول به، لكنه يعنى فى الوقت ذاته أن البيروقراطية المصرية فى غيبوبة، ولم تدرك بعد أن فى مصر ثورة أقامت نظاما جديدا، وبالتالى فإن لغة مخاطبة رئيس إسرائيل من جانب أول رئيس منتخب بعد الثورة المصرية لابد أن تختلف فى مفرداتها ومعانيها.


(2)

أستطيع أن أفهم أيضا أن العلاقات المصرية الإسرائيلية لها وضع شديد الحساسة والخصوصية، لسبب جوهرى هو أنها ليست علاقة ثنائية بين دولتين، ولكنها علاقة ثلاثية بل ورباعية أيضا. أعنى أن تعامل المسئول المصرى مع إسرائيل يضع فى الاعتبار أنه يتعامل أيضا مع طرف ثالث هو الولايات المتحدة بل وطرف رابع يتمثل فى الاتحاد الأوروبى. بالتالى فعليه أن يدرك أن مسار علاقات مصر مع إسرائيل يمكن أن يؤثر سلبا أو إيجابا مع الولايات المتحدة وأوروبا. وذلك أمر لا ينبغى أن يصادر حركة الدبلوماسية المصرية، لكنه يدعوها إلى توخى الحذر فيما تقدم عليه من خطوات. والحذر لا يكون بالاستسلام والانبطاح بطبيعة الحال، وإنما يكون بدوام التمسك بالحق مع الحرص على الحفاظ على الجسور الممتدة مع الولايات ودول الاتحاد الأوروبى. ولست أشك فى أن استقرار الوضع الداخلى وتماسكه يمثل عنصرا مهما فى نجاح المسعى المصرى المنشود. ولا أقول إن وراءها شعوب الأمة العربية، لكن يكفى أن تتوافر لها قيادة منتخبة ديمقراطيا ومعبرة عن ضمير المجتمع، الذى لديه ألف تحفظ على الممارسات الإسرائيلية. علما بأن الذى تصالح مع إسرائيل هو حكومة مصرية ليست منتخبة، فى حين أن الشعب لم يتصالح معها منذ وقعت الاتفاقية فى عام 1979.

يحضرنى هنا موقف الحكومة التركية التى اجتازت ذلك الاختبار بنجاح مشهود. إذ هى محتفظة بعلاقاتها التى ورثتها مع إسرائيل وعلاقتها وثيقة مع الولايات المتحدة بحكم عضويتها فى حلف الناتو. لكن ذلك لم يمنعها من الاشتباك مع الاثنين والدخول فى مواجهات سياسية ساخنة، حين يتعلق الأمر باستقلال السياسة التركية، خصوصا فى موقفها من الوضع الفلسطينى. وما كان لحكومة أنقرة أن تخوض غمار تلك المواجهات إلا لأن قيادتها توافرت لديها الإرادة المستقلة، كما توافر لها السند الشعبى القوى بعد النجاحات والإنجازات التى حققتها فى الداخل، والاستقبال الشعبى الكبير الذى حظى به رئيس الوزراء الطيب أردوغان بعد اشتباكه العلنى مع الرئيس الإسرائيلى شمعون بيريز فى مؤتمر دافوس، يشهد بأن موقف الرجل كان تعبيرا صادقا عن ضمير الشعب التركى الذى انتخبه.

ليس لدى اعتراض على من يقول إن مصر فى وضعها الراهن يصعب مقارنتها بتركيا، وهو ما أوافق عليه، لكن أقول فقط إننا إذا لم نفعلها فلا أقل من أن نفهمها.


(3)


منذ بدأت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عقب توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل فى عام 1979 أرسلت مصر ستة سفراء إلى تل أبيب لكن هذه هى المرة الأولى التى تنشر فيها الصحف الإسرائيلية خطاب اعتماد السفير المصرى لدى الدولة العبرية. من العبط أن نعتبرها مجرد مصادفة. ومن السذاجة أن نتصور أن الرسالة لم تسرب عمدا لإحراج الرئيس محمد مرسى وتشويه صورته أمام الرأى العام العربى والإسلامى، فضلا عن محاولة طمأنة الرأى العام الداخلى إلى أن رئيس مصر بعد الثورة ليس سوى نسخة من رئيسها قبل الثورة، لم يختلف عنه إلا فى لحيته البيضاء. ولست أشك فى أن من سرب الرسالة أراد أن يقول للعرب والمسلمين جميعا: ها هو الرئيس القادم من جماعة الإخوان المسلمين التى حاربت إسرائيل فى عام 48 ولا تزال أجنحتها فى غزة وفى غيرها من البلدان، ها هو يبعث برسالة صداقة دافئة وحميمة إلى «صديقه العظيم» رئيس إسرائيل. كأنه يعتذر عن ماضيه وماضى جماعته، ويطلب منهم الصفح والغفران ملتمسا إقامة علاقات المحبة وطالبا الرضى والقرب.

قارئ الصحف المصرية على الأقل يدرك أن أغلب المنابر الإعلامية ابتلعت الطعم، وتصرفت كأن خطاب الاعتماد كتبه الرئيس محمد مرسى بخط يده، وأن العبارات التى وردت فيه تعبير عن مشاعره الحقيقية، التى كان قد أخفاها قبل الانتخابات الرئاسية حيث دعا إلى وقف التطبيع مع إسرائيل. بل قرأت أن الإخوان سوف ينخرطون فى عملية التطبيع قريبا وأن لقاء الدكتور مرسى مع شمعون بيريز لن يكون بعيدا.

الخلاصة أن عددا كبيرا من المعلقين فى وسائل الإعلام المصرى شغلوا بمحاكمة الرئيس مرسى واحتساب هدف ضد الإخوان، بأكثر مما شغلوا بتحرى الحقيقة فى شأن الخطاب أو بالتفكير فى كيفية التعاطى بمسئولية وكرامة مع ملف العلاقات المصرية الإسرائيلية فى ظل موازين القوة الحالية.


(4)


لا أخفى شعورا بالاستياء والحنق إزاء اللغة التى يتحدث بها الرئيس والحكومة فى مصر بعد الثورة عن معاهدة السلام والعلاقات مع إسرائيل. وقد حزنت كثيرا عندما سمعت الرئيس محمد مرسى يقول فى نيويورك إنه ليست لديه مشكلة مع اتفاقية كامب ديفيد، لثقتى فى أنه لابد أن تكون له مشكلة مع المعاهدة، شأنه فى ذلك شأن أى وطنى مصرى، كما أن لدى تحفظا على قول المتحدث باسم الرئاسة وكذلك السفير الجديد لدى إسرائيل من أن مصر ملتزمة بالكامل ببنود المعاهدة.

وقبل أن يصيح المرتعشون والمطبعون قائلين إننى أدعو إلى إلغاء المعاهدة والدخول فى حرب ضد إسرائيل، فإننى أكرر بأن ما أدعو إليه فى الوقت الراهن ليس إلغاء المعاهدة، وإنما الحذر فى الحديث عنها والاستسلام لها بغير تحفظ.

لقد قال لى بعض الدبلوماسيين المخضرمين إن ذلك الحديث الذى أثار استيائى ليس موجها إلى إسرائيل ولكنه موجه لطمأنة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى. وحتى إذا كان ذلك صحيحا، فإنه يبعث أيضا برسالة طمأنة مفرطة لإسرائيل، كما أنه يشيع حالة من الإحباط فى أوساط الوطنيين المصريين والعرب، ناهيك عن الفلسطينين فى الأرض المحتلة.

إن ما بيننا وبين إسرائيل ليس علاقات عادية، وبالتالى فإن مخاطبة رئيسها ينبغى أن تضع فى الاعتبار الظروف الاستثنائية التى تحيط بتلك العلاقات، فإسرائيل مستمرة كل يوم فى محو خريطة فلسطين حتى أعلنت مؤخرا عن أن الضفة الغربية ليست أرضا محتلة، وذلك لا يمثل فقط إهدارا لحقوق الفلسطينين الذين تحتفظ فى سجونها بنحو عشرة آلاف منهم، ولكنه يمثل أيضا تهديدا للأمن المصرى والقومى العربى ــ ولا تزال إسرائيل تحاصر قطاع غزة بعدما دمرت بنيته التحتية ــ ثم إن شبه جزيرة سيناء لا تزال مرتهنة لحساب إسرائيل ولم تستطع مصر أن تستعيد سيادتها عليها منذ توقيع اتفاقية السلام، رغم أن الأحداث التى وقعت أخيرا بينت خطورة استمرار ذلك الوضع على الأمن المصرى ــ ولا يقل عن ذلك أهمية أن إسرائيل صارت طرفا فى نهب حقوق الغاز التى تم اكتشافها داخل نطاق المياه الاقتصادية المصرية بالتواطؤ مع قبرص. وهى جريمة كبرى ضيعت على مصر دخلا يقدر بعشرات المليارات من الدولارات، فى حين أنها تقف على باب صندوق النقد الدولى متمنية الحصول على أقل من خمسة مليارات دولار للخروج من الأزمة الاقتصادية التى تمر بها (للعلم لم تنزعج إسرائيل من قرار الحكومة المصرية وقف تصدير الغاز إليها، لأنها استعاضت عنه بالغاز المنهوب وبدأت تصدر منه!)

هذه الخلفية لا ترشح العلاقات المصرية الإسرائيلية لأى تقدم، بل لا تسوغ التعجل فى إرسال سفير إلى تل أبيب اكتفاء بوجود قائم بالأعمال هناك، كما أنها لا تبرر بأى حال إرسال خطاب اعتماد مع السفير الجديد يصف الرئيس الإسرائيلى بأنه صديق عزيز أو وفى. وإنما تفرض على المسئول المصرى أيا كان أن يحذف من خطابه مثل تلك الصفات غير المبررة. والمجال واسع فى التحفظ المطلوب فى حديث المسئول المصرى عن معاهدة السلام. فله أن يقرن كلامه عن الالتزام بها بالدعوة إلى ضرورة وفاء الطرف الآخر بالتزاماته، مع التأكيد على ضرورة احترام حقوق الفلسطينيين وبالتساؤل عن طبيعة «السلام» الذى جلبته.

فى هذا الصدد يجدر الانتباه إلى أنه لا توجد معاهدات أبدية، ولكن المعاهدات تخضع للتعديل بما يلبى مصالح أطرافها لكى يعيشوا فى أمان وسلام. وقد كان ذلك أوضح ما يكون فى حالة سيناء التى أثبتت الظروف أن ثمة حاجة ملحة لإعادة النظر فى الملحق الأمنى للاتفاقية يحقق مزيدا من الوجود والسيطرة الأمنية المصرية بها.

لا تثريب على مصر أن تحدثت بهذه اللغة حتى تتعافى وتنهض على قدميها، وحينذاك ربما أصبح بمقدورها أن تفعل ما فعلته تركيا مع أصدقائها و«أعدقائها


جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 7 ذي القعدة 1433
23 اكتوبر 2012

mohamed5175
24-10-2012, 03:03 PM
قل ما شئت فى حق قطر وسياساتها. أو فى حق قناة الجزيرة وأدائها، إلا أنك لا تستطيع أن تنكر أن زيارة أمير قطر لقطاع غزة تعد خطوة شجاعة ونبيلة، تستحق الحفاوة والتقدير. ذلك أن الرجل فعل ما لم يفعله غيره من القادة أو حتى المسئولين العرب. سواء فى إقدامه على كسر حصار القطاع، أو فى قراره المساهمة فى تعمير ما دمرته أو خربته الغارات الإسرائيلية.



فالرسالة السياسية غاية فى الأهمية، والمساندة العملية والمادية لا تقل أهمية. صحيح أن مدة الزيارة ست ساعات فقط، إلا أنها كافية فى توصيل الرسالة وإعلانها على الملأ. وعلى قصرها فإنها لم تخل من لفتة جديرة بالملاحظة، تمثلت فى اصطحاب الأمير لقرينته الشيخة موزة، التى ترعى مدرستين أقامتهما فى القطاع، إحداهما لذوى الاحتياجات الخاصة من ضحايا الاجتياح الإسرائيلى والغارات اللاحقة.



لعلى لا أبالغ إذا قلت إن الدلالة السياسية للزيارة تتجاوز حدود غزة، لأنها بمثابة دعوة للدول والمنظمات العربية لكى تتحرك وتسهم فى إعمار القطاع، إلى جانب أنها تنبه الدول النفطية والخليجية منها بوجه أخص إلى أن ثمة نموذجا مشرفا يتعين احتذاءه وأن عليها واجبا ينبغى أن تبادر إلى أدائه، وليس لها عذر إن هى تقاعست عن ذلك.



وإذا كان التقدير واجبا للمبادرة التى قام بها أمير قطر، فإن ذلك التقدير ينبغى أن ينسحب أيضا على السلطة صاحبة القرار فى مصر، من ناحية لأنها رعت الزيارة وتحمست لها ومن ناحية أخرى حين فهم أنها ستفتح معبر رفح لكى يستقبل مواد البناء اللازمة لخطة الإعمار التى قيل إنها ستتكلف مليارا ونصف المليار دولار. ومعروف أن مثل تلك الاحتياجات لم يكن يسمح بتوصيلها عبر المعبر، وكانت السلطات المصرية تصر فى السابق على توجيهها إلى معبر كرم أبوسالم الخاضع للسلطة الإسرائيلية، فى حين كان معبر رفح مفتوحا (إذا فتح) لمرور الأفراد والبضائع فقط.



تبرز أهمية ترتيب زيارة أمير قطر لقطاع غزة من خلال معبر رفح، الذى يمثل نقطة الاتصال الوحيدة المباشرة مع فلسطين. حين نعلم أن السلطات المصرية لم تتحمس لمثل تلك الزيارات فى السابق. وكانت تبلغ الأطراف المعنية باعتذارها عن القيام بتلك الخطوة. وفى حدود علمى فإن ذلك حدث مرتين على الأقل مع رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان. مرة حين زار مصر فى عهد الرئيس السابق (سنة 2000) ومرة ثانية حين جاء إلى القاهرة فى شهر سبتمبر من العام الماضى. أثناء تولى المجلس العسكرى للسلطة.



وكان الذهاب إلى غزة مقترحا ضمن جدول زيارة القاهرة. ولكن الرد السلبى وعدم الترحيب من السلطات المصرية أدى إلى إلغائها. وإذ علمت أن رئيس الوزراء التركى سيزور القاهرة يوم 17 نوفمبر القادم. فإننى سألت السفير التركى فى القاهرة ومن أعرف فى مكتب رئيس الوزراء بأنقرة عما إذا كان اقتراح زيارة غزة سيكون ضمن برنامج الزيارة القادمة، فقيل لى إن ذلك لم يتقرر بعد.



لا ينسى أن أمير قطر كان قد دعا فى شهر يناير عام 2009 إلى عقد قمة عربية طارئة أثناء الاجتياح الإسرائيلى لقطاع غزة، ولكن دولا عربية أخرى قاومت الدعوة وأجهضتها. ولا ينسى أيضا أنه تعهد بإعمار القرى اللبنانية الجنوبية التى دمرها العدوان الإسرائيلى على لبنان عام 2006. وكانت تلك خطوة شجاعة وفريدة فى بابها. لأنه القائد العربى الوحيد الذى كان له إسهامه الكبير فى ذلك المضمار، ولذلك فإنه حين زار الجنوب فى عام 2010، بعد انتهاء عملية الإعمار، فإنه استقبل هناك من الجماهير استقبالا غير مسبوق لأى ضيف آخر فى تاريخ لبنان.



ولا أستطيع أن أنسى ما قاله لى أحد المثقفين اللبنانيين آنذاك، حين أخبرنى بأن دولا عربية أخرى ضخت آنذاك أموالا طائلة فى لبنان، لكنها لم تخصص لإعمار ما دمرته الحرب، وإنما خصصت لشراء ولاءات بعض القوى السياسية.استطرادا ـ وللتاريخ ـ أشير إلى أن أمير قطر قام بزيارة سرية إلى دمشق بعد أشهر قليل من بداية الأحداث التى كان المتظاهرون فيها يطالبون بالإصلاحات الداخلية، وقبل أن ينفجر غضبهم ويطالبون بإسقاط النظام، وقتذاك ـ فى ربيع عام 2011 ـ حاول إقناع الرئيس بشار الأسد بالإقدام على الإصلاحات المطلوبة، متعهدا بأن يقدم إلى سوريا ما تحتاجه من تمويل واستثمارات لإنعاش اقتصادها، ولكن الرئيس السورى لم يتجاوب معه، رغم ما كان بينهما من علاقات شخصية قوية.



أعرف أن البعض لهم ملاحظات يحسبونها على قطر. وهى ملاحظات تستوى فيها مع غيرها من دول منطقة الخليج المسكوت على ما يجرى فيها. لكننى أعرف أيضا أنه من الإنصاف أن نقول للمحسن أحسنت، ومن المروءة أن تسلط الأضواء على كل فعل شجاع وشريف يصدر من أى مسئول عربى، اتفقنا معه أم اختلفنا. وما فعله أمير قطر فى غزة ينطبق عليه ما قلت، وليته يكون بداية لربيع آخر بين الحكام العرب يلحق بربيع المحكومين. أدرى أن ذلك حلم بعيد المنال. لكننى أفهم أن حق الحلم لا يزال مكفولا، وقد فشلت حتى الآن كل محاولات حظره.


جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 8 ذي الحجة 1433
24 اكتوبر 2012

mohamed5175
25-10-2012, 11:04 AM
لا يكاد المرء يصدق عينيه حين يرى أن السوريين أدرجوا ضمن الشعوب المنكوبة والمبتلاة بالتشرد واللجوء. على الأقل فذلك ما تشى به إعلانات لجنة الإغاثة التابعة لاتحاد الأطباء العرب التى نشرتها الصحف المصرية مؤخرا مع اقتراب عيد الأضحى. إذ تضمنت بيانا بالمناطق المنكوبة التى توجه إليها الأضاحى. وقيمة الأضحية فى كل منها. وكنا قد اعتدنا أن نقرأ فى القائمة أسماء بعض الدول الأفريقية والمخيمات الفلسطينية إضافة إلى تجمعات الفقراء والمعدمين فى مصر، إلا أنها المرة الأولى التى طالعنا فيها عنوانين جديدين: المخيمات السورية، والداخل السورى.

صحيح أن خبر الكارثة فى سوريا ليس جديدا، وصحف الصباح تنعى إلينا كل يوم أعداد مئات القتلى الذين يفترسهم النظام، كما أننا نتابع على مدار النهار صور الدمار والغارات التى تشنها الطائرات التى تطلق الصواريخ والقنابل العنقودية فلا ينجو منها بشر أو حجر. لكن ذلك كله فى كفة وأن يتحول مئات الألوف الذين فرض عليهم اللجوء والتشرد فى كفة أخرى. أدرى أن الحى أبقى من الميت كما تقول أمثالنا الدارجة، لكن ذلك لا ينسحب على الجميع، لأن الأخير يموت مرة واحدة، لكن بعض الأحياء الذين يعانون من العذاب المقيم يموتون كل يوم. كأنما كتبت الراحة للأول فى حين كتب الشقاء والتعاسة على الآخرين. لكنى مع ذلك أزعم أن السوريين حالة خاصة، وتلك الخصوصية هى التى جعلتنى أصدم حين وقعت عيناى على الإعلان المذكور. ذلك أنه ما خطر ببالى يوما ما أن يكون بين السوريين مشردون ولاجئون. وهم الذين ظلوا مفتوحى الأذرع والقلوب لكل من لجأ إليهم. فبيوتهم كانت ملاذا لكل عربى يبحث عن مأوى.

ولربما كانت سوريا هى البلد الوحيد الذى لم يقم خياما للاجئين، لأن العربى ظل دائما «صاحب بيت» هناك. هكذا تعاملوا مع الفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين واليمنيين وغيرهم.

وسواء كان ذلك راجعا لاعتبارات تتعلق بالتاريخ، حين كانت دمشق عاصمة الأمويين وحاضرة العرب ورمز كبريائهم وعزتهم، أو لاعتبارات تتعلق بخصال أهل بلاد الشام الأشد اعتزازا بعروبتهم والأكثر تمثلا لمروءتهم وشهامتهم ونبل شمائلهم، أو كان راجعا لامتزاج العاملين معا، فالشاهد أن ذلك أضفى سمات خاصة للشعب السورى. إلى جانب كونه شعبا دؤوبا وعالى الهمة.

شعب بهذه الشمائل والخصال لا يستحق أن يهان بالاستبداد الذى خضع له طوال العقود الخمسة الماضية، ولا أن يذل فى نهاية المطاف سواء بالقمع الوحشى الذى يتعرض له أهل الداخل، ولا بالتشرد واللجوء الذى يعانى منه من اضطروا إلى النزوح إلى الخارج. ومعلوماتى أن النازحين فى الداخل وصل عددهم إلى مليون ونصف المليون شخص. وأن اللاجئين إلى الخارج بعد الثورة تجاوز عددهم مليونا، يتوزعون على خمسة أقطار هى: تركيا والعراق والأردن ولبنان ومصر. وهذه ليست أرقاما رسمية، لأن اللاجئين إلى الخارج المسجلين لدى الأمم المتحدة نحو 350 ألفا فقط، وهؤلاء هم الذين تم إيواؤهم فى المخيمات، أما الذين دبروا حالهم واجتازوا الحدود إلى الأقطار المجاورة فهم خمسة أضعاف ذلك الرقم على الأقل. فالرقم الرسمى للاجئين فى تركيا مثلا يزيد قليلا على مائة ألف، لكن الرقم الحقيقى فى حدود نصف مليون، علما بأن البلدين كانا قد ألغيا تأشيرات الدخول فيما بينهما فى مرحلة الصفاء التى سبقت انفجار غضب الشعب السورى فى العام الماضى.

ينتاب المرء شعور بالحزن حين تتجمع لديه المعلومات التى تتحدث عن معاناة السوريين فى الداخل والخارج، فهؤلاء وهؤلاء أصبحوا يعانون من شظف العيش من جراء انقطاع الموارد، خصوصا الذين منهم فى الداخل، حتى قيل لى إن المجاعة أصبحت تهددهم والأمراض صارت تفتك بهم. وهناك قلق بالغ على الجميع ـ فى الداخل والخارج ـ من حلول الشتاء الذى يهددهم صقيعه بالتجمد. سواء من كان منهم يعيش فى البيوت المهدمة بلا غاز أو تيار كهربائى، أو كانوا يعيشون فى الخيام التى لا تحميهم من البرد القارص.

ينضاف الخزى إلى الحزن حين يعرف المرء أنهم يتعذبون فى مخيم الزعترى الذى أقامته لهم الأردن، الذى يتعرض للعواصف الرملية طوال الوقت فضلا عن أن حكومة الأردن غير قادرة على إعاشتهم بسبب ضعف مواردها. وحين تتسرب الأنباء عن سوء معاملتهم والتضييق عليهم فى العراق، الذى تؤيد حكومته نظام الأسد ملتزمة فى ذلك بموقف إيران. علما بأن بعض القادة العراقيين ومنهم رئيس الوزراء الحالى نورى المالكى كانوا لاجئين فى دمشق أيام صدام حسين. وهم فى تركيا أفضل حالا نسبيا لكنهم لم يسلموا من اعتداءات العلويين الأتراك الموالين للنظام السورى. ولذلك تم نقل خيامهم بعيدا عنهم. ولايزال الخوف عليهم شديدا من قسوة البرد القادم. فى لبنان لا يستشعرون أمانا لأنهم يظلون فى متناول الأجهزة السورية وما أدراك ما هى. إلا أنهم أكثر راحة فى مصر رغم أن الذين وفدوا إليها فى حدود 150 ألفا فقط. فقد تم إعفاؤهم من تأشيرات الدخول وقيود الإقامة. كما صدرت التعليمات بمعاملتهم معاملة المصريين فى مجالى التعليم والصحة. وقيل لى إن مصر بصدد إرسال معلمين للغة العربية إلى تركيا لإلحاقهم بالمدارس التى أقيمت للسوريين هناك.

إن للشعب السورى دينا فى أعناق العرب هذا أوان سداده. ليتنا جميعا نفتح بيوتنا لهم.. ونفتح لهم أذرعنا كى نحتضنهم حيثما كانوا.

جريدة الشروق المصرية
الخميس 9 ذي الحجة 1433
25 اكتوبر 2012

mohamed5175
27-10-2012, 11:22 AM
انتهز فرصة مناسبة العيد لكي أدعو القيادات والرموز الإسلامية لأن يرسموا على وجوههم ابتسامات تريح الناس وتطمئنهم.


ذلك أنني لا أجد سببا مقنعا لاستمرار ظهورهم مقطبي الوجوه في الصور وعلى شاشات التلفزيون.






ربما كان ذلك مفهوما في سنوات الملاحقة والاعتقال والتعذيب التي خلت، ولكن الانفراج الذي حدث في الوضع العام وأدى إلى رفع الإصر عن الجميع، كان يفترض أن يستصحب انفراجا مماثلا في قسمات الوجوه، ولكن ذلك لم يحدث، حتى صار الوجه التقليدي للقيادي الإسلامي يتراوح بين التجهم والغضب، رغم أن نص الحديث النبوي يقول إن:


تبسمك في وجه أخيك صدقة.






الأمر الذي يعنى أن الابتسامة لا تشيع الارتياح وربما البهجة فقط، وإنما هي تحتسب في ميزان حسنات المرء عند الله أيضا.






أدرى أن موروثنا الشعبي المسكون بالحزن لا يرحب كثيرا بالضحك ويتوجس منه أحيانا ــ إذ الضحك في ذلك الموروث هو من قبيل قلة الأدب خصوصا ما تم منه بغير سبب، وإذا ما أخطأ الواحد منا واستغرق في الضحك مع آخرين فلابد أن يعلو صوت واحد من الجالسين قائلا «اللهم اجعله خير».






ولست أنسى أننا ونحن صغار كنا نحذر من كثرة الضحك، وقيل لنا آنذاك إنه يخل بالوقار والاحترام، ولأننا في تلك السن كنا نحرص على أن «نسترجل» (لا تفهمني خطأ أرجوك)، فقد كنا نحرص تجنب ارتكاب تلك العادة «المذمومة»، لكي ننتسب إلى أهل الوقار.






لا يقل لي أحد إن همومنا كثيرة، وإن الضحك يحتاج إلى فراغ بال. وأكاد أسمع أيضا قول من يقول بأنه حين يكون الهم شريطا يستمر عرضه طول اليوم فإن الضحك يغدو سلوكا مستهجنا غير مناسب للحال، أما الابتسام فهو ترخص لا يخلو من افتعال.






ما دفعني إلى إبداء الملاحظة أنه عنَّ لي ذات مساء أن أتابع القنوات الدينية فمررت بها واحدة تلو الأخرى، ووجدت أنها مخاصمة ليس فقط للآخرين ولكن أيضا للابتسام.


وأكد ذلك انطباعا عندي حصلته من متابعه بعض القيادات الإسلامية الذين منعهم الوقار من الابتسام في وجه خلق الله، ورأيت منهم من كان مستنفرا ومنفعلا كأنه مقبل على حرب إما أن يكون فيها قاتلا أو مقتولا.






ما استغربت له أن الأمر لم يكن كذلك عند علمائنا الكبار الذين اشتهروا بالبشاشة وخفة الظل وسرعة النكتة. وقد اشتهر منهم ظرفاء مثل الشيخ عبدالعزيز البشري والشيخ محمد الغزالي. وأزعم أن الأستاذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان كان من هؤلاء.


حتى يروي عن أحد رفاقه، (الأستاذ عباس السيسي)، أنه زار عمدة بلدة رشيد ذات مرة وفي جلسة التعارف التي بدأ بها اللقاء قدم العمدة نفسه قائلا «محمد (بك) طبق».


وقال الجالس بجواره أنه محمد سمك رئيس البلدية، وقدم الثالث نفسه بقوله: «زكى طبيخة» الذي كان طالبا.


وما إن سمع البنا الأسماء الثلاثة حتى سارع إلى القول: سفرة دايمة!






ويحكى الدكتور جابر قميحة الأستاذ الجامعي والناقد الأدبي أنه ركب «حنطورا» مع البنا وشخص ثالث قاصدين قرية مجاورة لمدينة بنها.


ولأن الجو كان باردا وعاصفا فإن الأستاذ البنا طلب رفع غطاء الحنطور إلى الخلف، لأن وضعه كما هو يزيد من مقاومة الحصان للهواء مما يؤدى إلى إرهاقه. فقال له الجالس إلى جواره لماذا لا نبقى الغطاء على حاله للاحتماء به من البرد، مضيفا أنه لا ضير في ذلك لأن صاحب الحنطور من الإخوان، فما كان من البنا إلا أن قال له: سبحان الله يا أخى. لكن الحصان ليس من الإخوان!


(طبقا لرواية الدكتور قميحة فإن الجالس إلى جوار البنا الذي أبدى الملاحظة كان أبى رحمه الله، الحاج عبدالرزاق هويدي).






قرأت أن وحدة الإدراك والعلوم الدماغية في جامعة كامبريدج البريطانية أجرت بحثا خلصت منه إلى أن الضحك لا يثير البهجة والحبور فقط، لكنه يثير العقل أيضا.


ونقل التقرير عن رئيس مجموعة البحث ــ اسمه الدكتور مات ديفيس ــ قوله إن النكات التي تقوم على التلاعب بالألفاظ والمعاني تحرك مراكز المكافأة في الدماغ وتساهم في إشاعة الشعور بالمتعة، وأن هذه النتيجة قد تساعد الأطباء على التواصل مع المرضى الذين يشكون من إصابات دماغية ومشاكل عاطفية.






وذكرت دراسة أخرى أجريت بجامعة بيتسبراه الأمريكية أن الضحك يشيع حالة من التفاؤل الأمر الذي يقلل من الإصابة بالاكتئاب أو بأمراض القلب.






أشرت من قبل إلى أن رئيسة الفلبين كانت في رحلة إلى الخارج ولاحظت تجهم العاملين بمطار مانيللا، ونقلت انتقادها ذاك إلى مدير المطار الذي أصدر تعليماته إلى جميع العاملين بضرورة الابتسام في مواعيد العمل الرسمية.






وأخشى أن نكون مضطرين إلى استصدار تعليمات في هذا القبيل من القيادات السلفية أو قيادات حزب الحرية والعدالة.






إن رسامي الكاريكاتير هم الوحيدون الذين استثمروا هذه الملامح التي ساعدتهم على تقبيح الوجه الإسلامي، بحيث أنك لم تعد ترى واحدا منهم في رسومهم إلا وقد ظهر مقطبا ومنفرا وطاردا للبشاشة، إلى جانب كونه نموذجا للغباء والتخلف.






تبسموا أيها السادة يرحمكم الله، فنحن أحوج ما نكون لصدقاتكم تلك في أثناء العيد وبعده.


جريدة الشرق القطرية
السبت 11 ذي الحجة 1433

27 اكتوبر 2012

mohamed5175
28-10-2012, 11:36 AM
أثناء صلاة العيد جلس الرئيس محمد مرسى محاطا بكبار المسئولين فى الدولة. نائب الرئيس ورئيس الوزراء وشيخ الأزهر ووزيرا الدفاع والداخلية وغيرهم. إلا أن الرئيس وحده وضعت أمامه سجادة صغيرة. فوق سجادة المسجد الكبير. التى كانت قد غسلت ونظفت سواء بمناسبة العيد أو بمناسبة صلاة الرئيس فى المسجد. لم أتابع بث صلاة العيد عبر التليفزيون، لكن أكثر من واحد نبهنى إلى حكاية سجادة الرئيس بعد صلاة الجمعة، ورأيتها واضحة بعد ذلك فى الصور التى نشرتها الصحف فى اليوم التالى «أمس السبت 22/10».



أحد الأسئلة التى أثارها عندى المشهد كالتالى: لماذا خصُّوا الرئيس بسجادة له وحده، ولم يفعلوها مع غيره من كبار المسئولين المحيطين به؟ الرد المباشر الذى خطر لى أن ذلك حدث لأن هناك من رأى أن الرئيس ينبغى أن يختلف عن غيره، حتى فى الوقوف أمام الله.



قد تبدو الملاحظة بسيطة، ولست أشك فى أن الرئيس لا علاقة له بما حدث، ولكنى وجدت لها دلالة جديرة بالتسجيل. شجعنى على ذلك أننى سمعت كلاما يلوكه البعض عن الاستعدادات الخاصة التى ترتب لاستقبال الرئيس، حتى فى صلوات الجمعة التى يحرص على أدائها بين الناس.



حدثنى نفر من هؤلاء عما حدث حين أدى صلاة الجمعة فى مرسى مطروح، فتم تغيير السجاد فى المسجد الذى أعيد طلاؤه، وكانت الرسالة واضحة فى أن ذلك كله لم يحدث لأجل الناس، وإنما كان تعبيرا عن الحفاوة بالرئيس، ولست أشك فى أن ذلك يحدث للرئيس حيثما حل. وإذا صح ذلك فهو يعنى أن الرئيس كلما ذهب إلى مكان فإنه لا يراه على حقيقته، وإنما يتم تحسينه وتجميله لكى تطمس فيه الحقيقة، وإذا ضممت ذلك الانطباع إلى معلومة السجادة التى وضعت للرئيس دون غيره أثناء صلاة العيد، فقد توافقنى فى أن البيروقراطية المصرية لا تكف عن توجيه الرسائل إليه، التى توحى له بأنه يجب أن يتميز عن غيره من كبار المسئولين، فى الوقت الذى تسعى فيه أصابع البيروقراطية لتزوير الواقع الذى تقع عليه عيناه، بحيث لا يتمكن من أن يرانا على حقيقتنا.



ما دعانى إلى إبداء أمثال تلك الملاحظات الصغيرة أن مسئولا مخضرما عاش فى المطبخ الرئاسى ردحا من الزمن قال لى ذات مرة إن البيروقراطية المصرية تملك قدرا كبيرا من الحكمة والدهاء والصبر. ذلك أنه ما من مسئول كبير يتولى موقعه ويريد أن يتصرف على سجيته، إلا ونسجت حوله الأجهزة البيروقراطية خيوطها فى هدوء شديد حتى تضعه فى القالب الذى تريده هى وليس ما يريده هو. بحيث يتحول صاحبنا بمضى الوقت إلى شخص آخر غير الذى تسلم المنصب. سيظل بنفس الاسم والشكل بطبيعة الحال، لكنه سيختلف فى السلوك والأداء وربما فى ثيابه التى يرتديها، بل وفى مشيته وكيفية تواصله مع الآخرين. يكفى أن تشعره الأجهزة بأنه ليس كائنا عاديا، لكنه شخص مختلف عن غيره، ولأنه مهم فلابد أن يكون مستهدفا، الأمر الذى لا يتم التعامل معه إلا بتكثيف الإجراءات والاحتياطات الأمنية. وحينذاك تتوالى سلسلة من الإجراءات التى لا يستطيع أحد مناقشتها أو ردها. إذ من أجل الحفاظ على حياة الرئيس أو المسئول الكبير لابد من احتياطات معينة تتعلق بمسكنه وموكبه واستقبالاته وخطوط الاتصال به.. الخ.



صحيح أنه عادة ما يتمنع فى البداية، ولكن أساليب الدهاء والنفس الطويل التى تجيدها الأجهزة البيروقراطية تجعله يستسلم فى نهاية المطاف، بحيث تصنع من الإنسان الذى قدم إلى المنصب، فرعونا لا يشق له غبار.



إن ترزية القوانين يمثلون وحدة أخرى فى مؤسسة تصنيع الفراعين، وهى وثيقة الصلة بالمؤسسة الأمنية. لأنها تتولى تغطية ممارساتها وتقنينها لتأمين الفرعون وتبييض صورته. وتقاس براعة هؤلاء جميعا بمقدار إتقانهم للدور بحيث يتم تصنيع الفرعون دون أن يشعر بالتحول الذى يفرض عليه وينسج من حوله. فى هذا الصدد قال لى أحد العارفين بأساليب الأجهزة البيروقراطية إن الرئيس مرسى فاجأ المحيطين به حين ظهر فوق إحدى المنصات فى ميدان التحرير يوم حلفه لليمين وفتح سترته أمام الملأ قائلا إنه لا يرتدى السترة الواقية من الرصاص. أضاف صاحبنا إن الرئيس فعلها لأنه كان جديدا على المنصب، لكنه لن يكررها بعد عام، وسيكون ذلك قراره الذى لن يفرضه عليه أحد. إذ سيكون عندئذ أكثر حذرا خصوصا أنه بدأ يستمع إلى الرسائل الأمنية التى تسرب إليه.



لقد أكد لى أحد المقربين من الرئيس ما سبق أن ذكرته من أنه لا علاقة له بكل ما يرتب له ويثير اللغط فى بعض الأوساط، ثم سألنى: ما الذى يفعله الرجل فى هذه الحالة؟ قلت: بوسعه أن يعلن على الملأ رفضه للترتيبات الاستثنائية التى تعد له، وأن يبلغ المسئولين فى كل جهة يقصدها بأنه يريد أن يرى الواقع كما هو دون تزويق أو تزوير. أضفت بعد ذلك أن الرئيس لو طوى السجادة التى خصصت له فى صلاة العيد ونحاها جانبا لأوصل تلك الرسالة إلى الذين فعلوها، ولأسكت اللغط الذى أثارته اللقطة.


جريدة الشروق المصرية
الاحد 12 ذي الحجة 1433
28 اكتوبر 2012

mohamed5175
29-10-2012, 06:02 PM
حين قصَّت المعلمة المنتقبة بعضا من شعر تلميذتين فى إحدى مدارس الأقصر قامت الدنيا ولم تقعد، وصارت صورة الضفيرة بعد القص تظهر فى الصحف المصرية يوما بعد يوم، أما سيل الأخبار والتعليقات التى تابعت الموضوع واستهجنته فلم يتوقف طوال الأيام العشرة الماضية..




وقد توالت تلك الأصداء بعد معاقبة المعلمة بالخصم من راتبها والنقل من وظيفتها، إلى جانب الفضيحة التى لاحقتها من كل صوب. إلا أن الأقصر شهدت بعد ذلك حادثا أكثر جسامة لم يكترث به الإعلام ولا حرك شيئا من غيرة كتيبة المثقفين مفتوحة الأعين باتجاه واحد. ذلك أن أحد الناشطين الشبان (تقادم الخطيب) المعيد بكلية آداب المنصورة، كان ذاهبا لقضاء العيد مع أسرته فى الأقصر، فاستوقف كمين للشرطة السيارة التى استقلها مع آخرين. وحين احتج على المعاملة غير الإنسانية التى تعرض الجميع لها، فإن ضابط الشرطة استكثر احتجاجه وخصه بوجبة ضرب شديدة الوطأة. وتولى هو وزميل له تهديده وإهانته وتلفيق تهمة حيازة المخدرات إليه.





ثم نقل إلى قسم الشرطة ليتكرر معه مشهد الاعتداء البدنى واللفظى الفاحش. وحين قال للضابط إن ثورة حدثت فى البلد من أجل كرامة الناس، فقد كان الرد إن الثورة وقعت على شاشات التليفزيون، ولم يكتف الضابط بإهانته، وإنما خص أمه بسباب استخدم فيه عبارة بذيئة. وهذه معلومات نقلها تقادم إلى بعض زملائه فى الجبهة الوطنية للتغيير وأوردها زميلنا الأستاذ وائل قنديل فى «الشروق» يوم الجمعة الماضى 26/10.



ليس لدىَّ تحفظ على معاقبة المعلمة التى قصت شعر التلميذتين، كما ذكرت من قبل، لكن السؤال الذى ينبغى أن نفكر فى الإجابة عليه هو: لماذا حظيت واقعة قص الشعر بالاهتمام الإعلامى المبالغ فيه، فى حين لم يكترث الغيورون بواقعة إهانة ركاب الحافلة واعتداء ضابطى الشرطة بالضرب والسب على الأخ تقادم الخطيب؟ وللعلم فإن الجريمة الثانية أفدح من الأولى. ذلك أن تصرف المعلمة المنتقبة يحسب عليها وحدها. وقد تصورت بأنها بما فعلته تريد خيرا للتلميذتين (أغلب الظن أنها كرهتهما فى الحجاب)، أما تصرف ضابطى الشرطة فهو يدين الجهاز بأكمله، فضلا عن أنهما تعمدا إهانة صاحبنا وإذلاله وتلفيق تهمة له. الأمر الذى يعنى أن تصرف المعلمة جريمة فرد وقعت بطريق الخطأ. أما تصرف الضابطين فهو جريمة متعمدة مع سبق الإصرار تعبر عن سلوك شائع فى المؤسسة الأمنية.



لقد عوقبت المدرسة بما تستحق، أما ضابطا الشرطة فلم يحاسبا على ما أقدما عليه، فيما نعلم. وكل الذى حدث أن مدير الأمن حاول إقامة صلح بينهما وبين المجنى عليه، الذى أحسن حين رفض الصلح وأصر على أن يدلى بأقواله أمام النيابة بخصوص الموضوع.



المقارنة بين الحالتين تستدعى ملاحظتين هما:



* إن استنفار الإعلاميين والمثقفين للتنديد بسلوك المعلمة وتجاهلهم لما أقدم عليه ضابطا الشرطة لا تفسير له سوى أن شريحة الإعلاميين والمعلقين أصبحوا يقدمون الصراع الأيديولوجى على كل ما عداه، بما فى ذلك محاولات إهدار قيم النظام الجديد الذى ننشده. كما لو أن أقدم معلمة منتقبة على قص شعر تلميذتين رفضتا ارتداء الحجاب جريمة لا تغتفر، أما إهدار كرامة المواطنين على يد ضباط الشرطة فأمر لا يستحق النظر. بكلام آخر فإن تصفية الحسابات مع كل من ينتسب إلى الإسلام، بإدانته وفضحه، مقدمة عندهم على حق المواطنين فى الكرامة والاعتبار. الأمر الذى يعنى أن تسجيل النقاط واحتساب الأهداف على الخصم الأيديولوجى، يرجح على حماية القيم الإيجابية التى يراد إرساؤها فى ظل النظام الجديد. وهو ما عبرت عنه فى وقت سابق حين قلت إن كراهيتهم للجماعة صارت مقدمة على محبتهم للوطن.



إن علاقة الشرطة بالمجتمع تحتاج إلى إعادة صياغة، بحيث يشكل احترام كرامة المواطن ركنا أساسيا فيها. أدرى أن سياسة قهر المواطن وازدرائه التى استمرت عدة عقود لن تتغير بين يوم وليلة، وتحتاج إلى وقت طويل للعدول عنها. كما لا يشك أحد فى أن احترام الشرطة واستعادتها لهيبتها أمر لا غنى عنه، لكن الشرطة يجب أن تدرك أن احترام المواطن أمر لا غنى عنه أيضا، وأن الثورة قامت بالدرجة الأولى لاستعادة كرامة الوطن والمواطن. وإذ أقر بأن تصحيح تلك العلاقة يتطلب بعض الوقت، إلا أن بدء خطوات التصحيح أمر لا يحتمل التأجيل. فى هذا الصدد فهناك خطوتان ضرورويتان يتعين اتخاذهما على الفور. الأولى محاسبة الضابطين اللذين أهانا ركاب الحافلة واعتديا بالضرب والسب على الأخ تقادم. وحبذا لو وقعت عليهما عقوبة مماثلة لتلك التى أنزلت على معلمة الأقصر ليكونا عبرة لغيرهما.



إلى جانب محاسبة الضابطين، فيتعين على وزير الداخلية أن يصدر تعليمات واضحة وحازمة بمنع التعذيب واحترام حقوق المواطنين وكراماتهم، أفهم أن ذلك كلام مسجل فيما يدرس لطلاب كلية الشرطة، وفى خطب الوزير ومساعديه، لكن ذلك الكلام لم يوقف الاعتداء على حقوق المواطنين فى الأقسام والسجون، لأنه لم يؤخذ على محمل الجد، فضلا عن أن القيادات الأمنية هى التى كانت تأمر بالتعذيب والاستنطاق بكل السبل.



إن استمرار الاستقطاب فى مصر، يدفعنا بقوة لأن نمضى بعيدا على طريق الندامة.





جريدة الشر وق المصرية

الاثنين 13 ذي الحجة 1433

29 اكتوبر 2012

mohamed5175
30-10-2012, 02:33 PM
هذا تقاعس يرقى إلى مستوى التواطؤ: أن تتعالى أصوات الخبراء محذرة من نهب إسرائيل لثروة مصر من الغاز، ثم لا يحرك ذلك ساكنا لدى المؤسسات المعنية، وتستقبل تحذيراتهم بالصد والتجاهل.




(1)



فى شهر ديسمبر العام الماضى (2011) سمعت لأول مرة بمحاولات السطو على الغاز المدفون داخل حدود المنطقة البحرية الاقتصادية لمصر بالتواطؤ بين إسرائيل وقبرص. كان جارى على الطائرة القادمة من تونس إلى القاهرة أحد الخبراء المصريين المعنيين بالموضوع. حين تعارفنا لم يضع الرجل وقتا وظل لأكثر من ساعة يشرح لى ملابسات عملية السطو ومخططاتها، وقال إن صوته بح وهو يحاول منذ سنة أن ينبه المسئولين فى وزارة وهيئة البترول المصرية إلى الجريمة التى ترتكب بحق مصر إلا أنه لم يجد أذنا صاغية، وأخبرنى أن لديه مجموعة من التقارير التى نشرت فى بعض المجلات العلمية المتخصصة تشرح بالتفصيل الجهود التى تبذل لاغتصاب غاز شرق المتوسط، وفهمت منه أن العلماء الإسرائيليين أعدوا عشرين تقريرا وبحثا فى الموضوع. أثار الرجل حماسى فطلبت منه أن يوافينى بأهم تلك التقارير. ولم يكذب خبرا، لأنه بعد يومين أرسل إلى ما طلبت، مشفوعا بكم من الخرائط والرسوم البيانية التى فهمت موضوعها ولم استوعب مضمونها جيدا.



ولأنها كانت دراسات علمية مكتوبة بالإنجليزية ولا يستطيع غير المتخصص أن يستفيد منها، فإننى انتهزت فرصة أول لقاء مع اثنين من أعضاء المجلس العسكرى الحاكم آنذاك فشرحت لهما الموضوع، وقدمت إليهما التقارير التى تلقيتها مفترضا أنهما سيحيلانها إلى جهة الاختصاص المعنية بأمن مصر القومى وحماية ثرواتها الطبيعية. ولم يتح لى أن أتابع الموضوع إلى أن وقعت فى الخامس من شهر يونيو من العام الحالى (2012) على دراسة نشرتها على صفحة كاملة صحيفة «الحياة» اللندنية لخبير مصرى يقيم فى الولايات المتحدة هو الدكتور نائل الشافعى، ضمنها نتائج الأبحاث التى قام بها مع فريق من المتخصصين وكشفت الستار عن الجهود التى تبذلها إسرائيل للسطو على غاز شرق المتوسط. وأبدى فيها دهشته من سكوت الجهات المصرية المعنية على تلك الجهود، احتفظت بالدراسة التى أثارت ردود أفعال سريعة، حيث طرح الموضوع للمناقشة فى مجلس الشورى. الذى طلب من الدكتور خالد عبدالقادر عودة الأستاذ بجامعة أسيوط وأحد أبرز علماء الجيولوجيا المصريين بدراسة ملف القضية من الناحية العلمية، فأعد تقريرا من ١٨ صفحة أيد فيه ما توصل إليه الدكتور الشافعى وحمَّل الجهات المصرية المعنية مسئولية التقاعس عن الدفاع عن حقوق مصر والتفريط فى حماية ثروتها الطبيعية (قال لى إنه كان ينوى تقديم التقرير كبلاغ إلى النائب العام ولكنه عدل عن ذلك لأنه لم يكن مطمئنا إليه، منذ سبق له أن أصدر قرارا جائرا بحبسه فى قضية سياسية ملفقة). النتائج التى توصل إليها الدكتوران الشافعى وعودة تضامن معها الدكتور إبراهيم زهران الخبير البترولى ورئيس شركة الغاز السابق، الذى ما برح يشكو من استباحة المياه الاقتصادية المصرية، الأمر الذى دفعه إلى التعاون مع السفير إبراهيم يسرى مدير الشئون القانونية السابق بوزارة الخارجية، الذى سبق له أن رفع دعوى إلغاء اتفاقية تصدير الغاز لإسرائيل، لتقديم بلاغ للنائب العام للتحقيق فى الموضوع.



ظلت كرة الثلج تكبر، فأعد الزميلان يسرى فودة ووائل الإبراشى حلقتين تليفزيونيتين خلال شهر أكتوبر الحالى حول القضية، وفى برنامج الاستاذ الإبراشى قال رئيس الوزراء اليونانى كارلوس باباريوس إنه حذر مصر من مساعى إسرائيل للاستيلاء على احتياطيات الغاز فى شرق البحر المتوسط وطالب السلطات المصرية بالتصدى لتلك المحاولات، لكن التجربة أثبتت أن كل الذين تحدثوا فى الموضوع كانوا ينفخون فى قربة مقطوعة!




(2)







تصدمنا التفاصيل، ليس لأنها موجعة فحسب، ولكن أيضا لأنها محيرة ومريبة. ذلك أننا بصدد موضوع مثير يمكن أن يعد نقطة تحول فى تاريخ وموازين منطقة الشرق الأوسط. فالعالم الذى انتقل خلال القرن العشرين إلى عصر النفط والبترول كبديل لطاقة الفحم الحجرى، الأمر الذى أحدث نقلة هائلة فى منطقة الخليج، مرشح فى القرن الواحد والعشرين لأن يدخل إلى عصر الغاز الطبيعى، الذى تكمن ثروته فى شرق البحر المتوسط. وهو طور إذا تحقق فإنه من شأنه أن يغير من الخرائط والموازين، ويحدث نقلة مماثلة فى المنطقة المحيطة تضارع ما شهدته منطقة الخليج، وللعلم فإن تلك المنطقة المحيطة تضم مصر ولبنان وقبرص وتركيا واليونان. وقد فرضت إسرائيل نفسها عليها باعتبارها كيانا له إطلالة على البحر المتوسط.



مفتاح فهم ذلك العالم الجديد يكمن فى جبل هائل يرقد فى أعماق البحر يحمل اسم «إراتوستينس». وهو اسم أحد علماء الإسكندرية فى عصر ما قبل الميلاد. حيث كان ثالث أمناء مكتبة الإسكندرية فى عصرها الذهبى (276 ــ 194 ق.م). فى ذلك الحين (مائتا سنة قبل الميلاد) تحدث الرجل عن منطقة فى شرق البحر المتوسط تقع على بعد 190 كيلو مترا عن مدينة دمياط تعيش فيها أسماك وقشريات مختلفة عن الكائنات التى تسبح فى البحر.



فى العصر الحديث جرى تفسير ذلك بوجود جبل غاطس ضخم فى تلك المنطقة، يرتفع ألفى متر فوق قاع البحر، وقد أطلق عليه العلماء اسم الرجل الذى كان أول من لفت الأنظار إليه. وكان ذلك الرجل هو «إراتوستينس».



فى ستينيات القرن الماضى برز الاهتمام بالجبل الغاطس وسفحه لاستكشاف أسراره، وبادر إلى ذلك علماء من بريطانيا والولايات المتحدة ثم روسيا وبلغاريا. وقامت إسرائيل بوضع 20 ورقة بحثية عن جيولوجيا المنطقة. وكان مثيرا للانتباه أن أول بحث منهجى فى قعر الجبل المذكور أجراه فريق بحثى مشترك من جامعتى حيفا الإسرائيلية وكولومبيا فى نيويورك. وخلال عامى 1997 و1998 حيث أجرى ذلك الفريق المشترك ثلاث عمليات حفر تحت قاع البحر فى السفح الشمالى للجبل. أما الأكثر إثارة للانتباه أنه منذ ذلك الحين تسربت أنباء التنقيب عن الغاز واكتشافاته فى المنطقة. الأمر الذى لفت الأنظار إلى الثروات الكامنة فى شرق المتوسط، فنشطت فيها المناورات البحرية والدوريات متعددة الجنسية. تارة بدعوى مكافحة الإرهاب وتارة أخرى لمنع انتشار تكنولوجيا الصواريخ الموجهة. وكانت تلك بمثابة ستائر الدخان التى أريد بها التغطية على تسابق البعثات العلمية على مسح قاع البحر. وتوجه منصات الحفر البحرى للتنقيب فى سفح الجبل، ودخول شركات جديدة إلى الحلبة وانسحاب شركات قديمة منها.




(3)



خلال السنوات الثلاث الأخيرة بدأت تظهر ملامح ثروة هائلة من احتياطات الغاز الطبيعى الكامنة فى أعماق جبل إراتوستينس الثابتة ملكيته الاقتصادية لمصر منذ نحو 200 سنة قبل الميلاد. وهذه المنطقة تدخل ضمن امتياز شركة شمال المتوسط المصرية، المعروفة باسم «نيميد». وكان ذلك الامتياز قد منح لشركة شل فى عام 1999، التى أعلنت فى عام 2004 عن اكتشاف احتياطيات للغاز الطبيعى فى بئرين على عمق كبير فى شمال شرق البحر المتوسط. وأوضح البيان أن الشركة ستبدأ المرحلة الثانية من عملية الاستكشاف التى تستمر أربعة أعوام، وتستهدف تحويل المشاريع المكتشفة إلى حقول منتجة. إلا أن مفاجأة حدثت فى وقت لاحق، حين أعلنت الشركة عن انسحابها فى شهر مارس عام 2011، دون أية أسباب، وبالتالى انقطعت أخبار حفريات الغاز فى شمال شرق البحر المتوسط.



هكذا كتب الدكتور خالد عبدالقادر عودة فى مذكرته، ثم أضاف أن إسرائيل وقبرص أعلنتا عن اكتشافات للغاز الطبيعى فى السفح الجنوبى لجبل اراتوستينس تجاوزت احتياطياتها 1.22 تريليون متر مكعب، تقدر قيمتها الحالية بنحو 220 مليار دولار، وتلك الاكتشافات هى مجرد باكورة التنقيب فى المنطقة البكر التى أصبحت توصف بأنها تحتوى على أكبر احتياطيات الغاز فى العالم.



مما قاله فى هذا الصدد أنه حاول الحصول على صور أقمار صناعية من موقع «جوجل إيرث»، فوجد أنها، دونا عن باقى بقاع البحر المتوسط، ليست متوفرة، ولم يستبعد أن يكون إخفاء تلك الصور متعمدا، لأن بعض الدول ومنها إسرائيل تطلب إخفاء صور مفصلة للعديد من مناطقها.



على صعيد آخر، بينت الدراسة التى قام بها الدكتور نائل الشافعى وفريقه العلمى أن حقلى الغاز المتلاحقين (لفياثان الذى اكتشفته إسرائيل فى 2010 وأفروديت الذى اكتشفته قبرص فى 2011) باحتياطيات تقدر قيمتها قرابة 200 مليار دولار، يقعان فى المياه المصرية الاقتصادية الخالصة. إذ يقعان على بعد 190 كيلو مترا من دمياط المصرية، بينما يبعدان 235 كيلو مترا عن حيفا و180 كيلو مترا عن ليماسول القبرصية. والاثنان يقعان فى السفح الجنوبى للجبل المصرى الغاطس اراتوستينس.



المثير للحيرة والدهشة أنه فى حين سكتت مصر على الحفريات الإسرائيلية والقبرصية الجارية عند سفح الجبل المملوك لها تاريخيا، فإن تركيا هى التى أقلقتها تلك الجهود التى تمس أمنها القومى باعتبارها دولة مطلة على شرق البحر المتوسط، فقامت بوارجها فى شهر ديسمبر عام 2011 بقصف الشريط الضيق الذى يفصل بين الحقلين الإسرائيلى والقبرصى، فتقدمت قبرص بشكوى إلى الأمم المتحدة ضد ما سمته دبلوماسية البوارج، فى حين ألغت إسرائيل فى الشهر ذاته صفقة قيمتها 90 مليون دولار لتزويد سلاح الجو التركى بنظام استطلاع ورؤىة متقدمين.




(4)



إزاء السكوت المصرى الأقرب إلى الغيبوبة على ما يجرى فى شرق المتوسط، فإن إسرائيل تتصرف على نحو يوحى باطمئنانها إلى السيطرة على حقول الغاز الموجودة فى المنطقة. وتشير مختلف الدلائل إلى أنها منخرطة عمليا فى عمليات بيع ذلك الغاز وتصديره. و قد استهلت جهودها بتطوير حقلين يتوغلان أكثر قربا من سواحل لبنان ومصر. ففى شهر أبريل الماضى بدأت إحدى الشركات الأمريكية العاملة فى مجال النفط والغاز فى تطوير حقل شمشون البحرى الذى اكتشفته إسرائيل والذى يقع على بعد 114 كيلو مترا من دمياط و237 كيلو مترا من حيفا، وقدرت احتياطياته بقرابة 3.5 تريليون قدم مكعب، وفى مطلع العام الحالى وقعت إحدى الشركات الإسرائيلية صفقة أولى لبيع غاز حقل آخر (باسم تمار) بكمية 330 مليون متر مكعب سنويا لمدة 16 سنة، قيمتها 1.2 مليار دولار، وفى ربيع هذا العام كشفت إسرائيل عن نتيتها نشر الصاروخ «مقلاع داود» على منصات إنتاج الغاز فى حقلى «لفياثان» و«تمار» لتأمينها، وتسعى فى الوقت ذاته لتوفير وسيلة ثابتة لتصدير الغاز عبر خط أنابيب لا تتنازعه دول أجنبية، وهو ما يفسر اهتمامها بترسيم الحدود البحرية اقتصاديا، خصوصا أنها تنوى بيع الغاز لأوروبا عبر قبرص واليونان، غير المتواصلتين فى تلك الحدود.



ذلك كله يحدث تحت أعيننا فى داخل الحدود البحرية المصرية، ونحن واقفون نتفرج، الأمر الذى يستدعى السؤال: ما العمل؟.



فى الأسبوع القادم نجيب بإذن الله



جريدة الشروق المصرية
الثلاثاء 14 ذي الحجة 1433
30 اكتوبر 2012

mohamed5175
31-10-2012, 10:24 PM
يحاكم فى الأردن فى الوقت الراهن أربعة من المثقفين والسياسيين البارزين بتهمة المساس بكرامة الملك والتشجيع على القيام بأعمال غير مشروعة من شأنها تقويض نظام الحكم. والأربعة يمثلون مختلف الاتجاهات فى المملكة ــ العشائرية والليبرالية والإسلامية واليسارية ــ وفهمت مما نشر عن القضية أنهم كانوا ضيوفا على أحد البرامج التليفزيونية، وقال بعضهم كلاما جريئا تجاوز السقف المتعارف عليه، الأمر الذى أدى إلى توجيه تلك التهم الكبيرة إليهم. كما أدى إلى حجب القناة وتقديم الضيوف إلى محكمة جنايات عمان، بعدما ضم إليهم مالك القناة الخاصة ومقدمة البرنامج.



هذا الذى حدث فى الأردن له نظيره فى مختلف الدول الخليجية بوجه أخص. التى شهدت خلال الأشهر الماضية حوارات وتعليقات تجاوزت السقوف المتاحة، الأمر الذى أدى إلى مساءلة عشرات المثقفين والشبان والفتيات الذين رفعوا أصواتهم، وعبروا عن انتقاداتهم للأوضاع القائمة بصياغات مختلفة ضاقت بها صدور المراجع العليا. وتتداول الدوائر المعنية بحقوق الإنسان فى الاتحاد الأوروبى والعالم العربى قوائم بأسماء هؤلاء الأشخاص فى السعودية والإمارات وسلطنة عمان والبحرين. والقاسم المشترك بين الجميع هو اتهامهم بالمساس بأهل الحكم والخروج على طاعة أولى الأمر، وفى بعض الدول أضيفت اتهامات أخرى منها الانتساب إلى التنظيم الدولى لجماعة الإخوان المسلمين والعمل لحساب جهات خارجية (يقصد بها إيران).



لست فى مقام الدفاع عما صدر عن أولئك الأشخاص، خصوصا إذا كان قد تجاوز النقد السياسى الموضوعى ولجأ إلى الإهانة أو التجريح. لكنى لا أستطيع أن أتجاهل دلالة بروز ظاهرة الجرأة فى التعبير خلال العام الأخير، وتزامنها مع تجليات الربيع العربى فى خمس دول عربية، تم فيها تغيير الأنظمة القائمة أو أشهرت على الملأ فيها الرغبة فى التغيير، (كما حدث فى سوريا). الأمر الذى يؤيد ما ذهبت إليه وتحدثت عنه فى أكثر من محفل، من أن «تسونامى» التغيير أقوى بكثير مما نظن، حيث ترددت أصداؤه فى العالم العربى بأسره. وبعض تلك الأصداء ظهر فوق السطح، والبعض الآخر لايزال يتفاعل تحت السطح. وما يحدث فى الدول الخليجية من ذلك الصنف الأخير. وليس بعيدا عنه ما يحدث فى الأردن والجزائر أو فى السودان وموريتانيا.



صحيح أن الدول التى تم فيها التغيير هى التى لفتت الأنظار وأثارت الانتباه، إلا أن التجاوب السريع مع تلك الرغبة الذى ترددت أصداؤه فى أنحاء العالم العربى بلا استثناء جاء تعبيرا عن توق الشعوب العربية إلى التغيير وتطلعها للحاق بقافلة التحرك صوب المستقبل. ونسجل هنا أن ملك المغرب سعى إلى التجاوب مع تلك الرغبة، فبادر إلى إجراء تغيير فى الدستور عزز فيه صلاحيات رئيس الوزراء وقلص من بعض صلاحيات أمير المؤمنين، ومع ذلك فإن شوق قطاعات واسعة من المغاربة إلى إحداث مزيد من التغيير لايزال يتجاوز تلك الحدود.



ثمة ملاحظة جديرة بالتسجيل هنا، تتعلق بآفاق التغيير فى المجتمعات الخليجية وهى وثيقة الصلة بخصوصية تلك المجتمعات التى تلعب فيها العلاقات القبلية والعائلية دورا مهما فى تحقيق الاستقرار وإشاعة السلم الأهلى. ذلك أن التغيير الذى تم فى بعض الأقطار استهدف إسقاط الأنظمة وتوسل بالثورة عليها. أما فى الدول الخليجية فإن رغبات التغيير لا تستهدف أكثر من إصلاح الأنظمة وليس إسقاطها أو الثورة عليها. والداعون إلى ذلك هم أجيال المثقفين والشباب والفتيات الذين تخرجوا من الجامعات واتصلوا بالعالم الخارجى وتشبعوا بأفكار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.



لست أشك فى أن الزلازل أو الهزات التى حدثت فى دول الربيع العربى نبهت الجميع إلى أن الشعوب تملك قوة التغيير وأن الأنظمة الحاكمة ليست بالقوة أو الصلابة التى يوحى بها هيلمانها الظاهر، لكن أحدا لا يستطيع أن يتجاهل حقيقة أن التطور المذهل فى وسائل الاتصال الذى بات يحدث كل يوم أسهم فى استنطاق الجميع وتفاعلهم مع أحداث المحيط. ومن ثم مكنهم ليس فقط من تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، ولكنه مكنهم أيضا من تجاوز مختلف السقوف المفروضة وممارسة حريتهم فى التعبير فى الفضاء الواسع بعيدا عن أى رقابة وعبورا فوق مختلف الأسوار والجدران.



لقد أطلقت ثورة الاتصال سراح الأصوات المحبوسة. الأمر الذى أحدث نقلة مهمة فى حياة وإدراك المواطن العربى الذى عاش طويلا مستقبلا وممتثلا. وقد اكتشف أن الطريق انفتح أمامه لكى يصبح مرسلا ومبادرا، بل قادرا على التوصيل والتأثير. وحين حدث ذلك فإنه أصبح أكثر جرأة وأعلى صوتا، وما عادت تخيفه هالات السلطة ولا هيلمانها، وما عاد يقنعه إدعاؤها العصمة أو القداسة.



فى ظل ذلك الوضع المستجد أصبحنا نواجه مشكلتين؛ مشكلة الأنظمة التى لا تريد أن تعترف بأن الدنيا تغيرت وأن العيون والعقول تفتحت. لذلك باتت مشغولة بتحدى التاريخ وقمعه أكثر من انشغالها بالتفاعل معه. الثانية مشكلة الجماهير التى دخلت إلى ذلك العالم الجديد وقد امتلكت الحرية وتسلحت بالجرأة لكنها لم تحسن بعد استخدام وتوظيف تلك الملكات الجديدة لصالح المستقبل المنشود.

جريدة الشروق المصرية
الاربعاء 15 ذي الحجة 1433
31 اكتوبر 2012

mohamed5175
01-11-2012, 01:55 PM
أخشى أن يتحول السلفيون إلى عبء ليس فقط على الثورة المصرية، ولكن على الإسلام ذاته أيضا. ذلك أن منهم أناسا يزايدون على غيرهم من المسلمين ويحسبون أنهم الفرقة الناجية الأكثر تدينا وتطهرا. ويتصورون أن ذلك يؤهلهم لأن يصبحوا أوصياء على المجتمع. وهم بذلك يسحبون من رصيد الثورة التى رفعت عنهم الإصر والحظر، ويشوهون الإسلام الذى ينسبون أنفسهم إليه، إذ باسمه يروجون للكآبة ويشيعون بين الناس القلق والخوف.

هذا الأسبوع تدخل نفر منهم لمنع حفل غنائى فى محافظة المنيا أقامه فريق يضم مسلمين وأقباطا. بدعوى أنه حفل تبشيرى يتوسل بالغناء والموسيقى الذى يحرمونه. حدث ذلك بعد يوم واحد من ظهور مجموعة للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى قرية الزعفران بمحافظة كفر الشيخ، وتوزيعها منشورا توجيهيا يتدخل فى أزياء الناس وحياتهم الخاصة ويحذر من أنهم سيلجأون إلى تغيير المنكر باليد إذا اضطروا إلى ذلك. وهو ما تزامن مع دعوة بعض السلفيين إلى مليونية جديدة لتطبيق الشريعة بدعوى أن الجمعية التأسيسية للدستور تخلت عنها. وقبل إطلاق هذه الدعوة بأيام كان لنفر منهم معركة مع الممثلة إلهام شاهين وصلت إلى القضاء، وجاء بعضهم إلى المحكمة حاملا صورا لها من فيلم «سوق المتعة» تعزز اتهامهم لها بالترويج للإباحية وقلة الأدب. ثم قرأنا فى الصحف أن أحد رموزهم (عرفنا أنه مدير الأكاديمية السلفية بمدينة المنصورة) ألقى خطابا ضافيا فى التنديد بالشيعة والطعن فى أفكارهم وكتاباتهم التى تهين الصحابة وتشين أهل مصر وتحرم الطبخ فى الأوانى الفخارية!

صحيح أنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك وأتعس فى تونس والجزائر، حيث لجأوا إلى العنف واستخدموا السلاح ضد السلطة وضد معارضيهم. إلا أن ذلك يعد اختلافا فى درجة التعاسة والحمق وليس فى نوع أى منهما.

من حق أى واحد أن يتساءل عما إذا كان أولئك المزايدون والحمقى فى مصر جماعة واحدة أم أنهم يمثلون تيارات متباينة داخل المربع السلفى، الذى أصبح يضم أكثر من حزب وأكثر من جبهة وعددا غير معلوم من الشيوخ أو المراجع الذين يستقطبون الأنصار والمريدين. ولأننا لا نعرف على وجه الدقة طبيعة أو حدود خرائط ذلك المربع، فقد أصبح ما يفعله أى سلفى منسوبا إلى الجميع. بل منسوبا إلى الإسلاميين (عنوان الصفحة الأولى بجريدة الشروق يوم الثلاثاء 10/10 كان كالتالى: أمن المنيا يلغى حفلا غنائيا بضغوط من الإسلاميين).

لقد قيل لى إن الدكتور ياسر برهامى نائب رئيس الدعوة السلفية استنكر تصرف الشباب فى المنيا، وقال إنهم ليسوا على دراية بالضوابط الشرعية التى تحكم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ونشرت الصحف أن الدعوة السلفية تبرأت من مجموعة كفر الشيخ التى نصبت نفسها راعية للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وقال أحد أركان الدعوة السلفية إن الشخص المشتبك مع السيدة إلهام شاهين ليس من السلفيين، وانهم يتبرأون مما لجأ إليه ويعتبرون الأسلوب الذى اتبعه يفتقد إلى اللياقة ويخل بأبسط مبادئ الموعظة الحسنة والدعوة إلى الله.

بقيت عندى ثلاث ملاحظات هى:

إننى استغربت أن تلجأ أجهزة الأمن فى محافظة المنيا إلى إلغاء الحفل الغنائى لمجرد اعتراض بعض السلفيين وأعضاء